
عبد الفتاح لحجمري
حين كان الفرحُ يختبئُ خلْفَ الرَّهْبة
كيف لصباحٍ واحدٍ أن يتّسع لطفولةٍ كاملة؟ كيف لرائحة الصّوف، وصوت الحَبْل حين يحتكّ بالوَتَد، وبرودة الماء على البلاط، أن تتحوّل بعد السّنين إلى وطنٍ صغير يسْكن القلب؟ وكيف كان الحَوْلي يبدو لنا أكبر من حجمه، وأعمق من صمته، وأقرب إلى الأسطورة منه إلى الحيوان؟ كنا نراه بعين الطفولة لا بعين الكبار؛ لذلك منحناه ما لا يراه الآخرون: هيبةً خفيّة، وغموضًا كثيفًا، وحضورًا يشبه حضور الأبطال في الحكايات القديمة. كان يقف هناك، ساكنًا كأنه يعرف أكثر مما نعرف، وينظر إلينا بعَيْنين واسعتين تحملان سرًّا لا نملك له اسمًا. لم نكن نخافه وحده، وإنما كنا نخاف المعنى الذي جاء معه؛ معنى العيد حين يكبر فجأة، ويخرج من بهجة الثياب والحلوى إلى منطقةٍ أعمق، حيث يختلط الفرح بالرّهبة، والحنان بالارتِجاف، والطّفولة بأول درسٍ غامض من دُروس الحياة. فهل كان ” العيد الكبير” مجرد يومٍ في التقويم، أم كان بابًا سريًا نعبر منه كل سَنة إلى دَهشةٍ لا يعرفها إلاّ الأطفال؟ ألم يكن البيت يومها أكبر من البيت، والأب أكثر هيبة، والأم أكثر نورًا، والجيران أقرب من القرابة، والدخان الصاعد من المجمر كأنه رسالة بيضاء إلى السَّماء؟
ذاكرة الصّوف والدّخان والتَّكْبير
كان الحُولي يدخل البيت قبل العيد بيوم أو يومين. منذ اللحظة الأولى، يتغيّر الهواء. يصبح للبيت نبضٌ آخر، وللأطفال قلقٌ لذيذ. كنا نسمع صوته في الليل، فيبدو لنا كأنه ينادي قمرًا بعيدًا، أو يحدّث نجمةً لا نراها. نخرج إليه في الصباح كما يخرج البحّار الصغير إلى البحر أول مرة.
نقترب خطوة، نتراجع خطوتين. نضحك من خوفنا ونخاف من ضحكنا. كانت عيناه واسعتين، ساكنتين، وفيهما شيء غامض يجعل الطفل يظن أن الحولي يعرف أكثر مما يقول. أما صوفه فكان عالَمًا فاتناً؛ غابة بيضاء للأصابع الصغيرة، غيمة خشنة الملمس، دفترًا سريًا كتبت عليه روائح الحقل والمطر والتّبن. وكانت له شخصية في خيالنا. هذا عنيدٌ، ذاك هادئٌ، وهذا ملكيُّ الوقفة، كأنه يعرف أنه بطل المناسبة. كنا نمنحه أسماءً من عندنا، نراقبه وهو يأكل، وهو يهز رأسه، وهو يشدّ الحبل، فنرى في حركاته حكاياتٍ لا يراها الكبار. الكبار كانوا يرونه أضحية، أما نحن فكنا نراه رفيقًا مؤقتًا من عالمٍ عجيب. أجمل ما في عيد الأضحى ليس ما تلتقطه العين، وإنما ما يعجز الطفل عن فهمه كاملًا وهو واقف على عتبة الدّهشة الأولى. كنا نقف هناك، في المسافة المرتجفة بين الخَوف والفُضول؛ نريد أن نرى، ونخشى أن نرى. نرفع أصابعنا إلى أعيننا، ثم نترك بينها شقوقًا صغيرة، كأنّنا نغلق الباب ونسترق النظر من المفتاح. كان التّكبير يعلُو، فلا نسمعه بوصفه صوتا عابرا، وإنما إشارة غامضة إلى أنَّ شيئًا استثنائيًا يحدثُ. في تلك اللحظة، كان الطفل فينا يغادر براءته الأولى خطوةً صغيرة، من غير أن ينتبه أحد. لا أحد يشرح له معنى ما يجري، لكنه يشعر أن داخله قد اتّسع قليلًا، وأن وعيًا خفيًا بدأ يفتح عينيه. لأول مرة، نفهم أن الجمال لا يأتي دائمًا خفيفًا مثل نسيم العيد، وأنَّ الفرح قد يحمل ظلَّه معه، وأن العطاء فعلٌ له ثمنٌ، ورائحة، ورجفةٌ، وشيء من الصَّمت الذي يكبرُ في القلب طويلًا.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
في الطفولة، لا يبدأ صباح عيد الأضحى من الشمس، وإنما من صوتٍ خفيّ يتسلل من الذاكرة قبل الفجر: صوت ماء يُسكب في الطّست، وسكِّين تُحدّ على حجر قديم، وأقدام صغيرة تركض في الممرات كأنها تخشى أن يسبقها العيد أو أن يهرب منها. كان البيت يومها يتحوّل في دقيقة واحدة إلى مسرح عتيق تُرفع ستارته على فرح مَهيب، تمتزج فيه الرهبة بالضحك، ودفء العائلة ببرودة الصباح الأولى. كان كل شيء يبدو أكبر من حجمه الحقيقي: الحوش مملكة واسعة، والحبل الرفيع قانونًا صارمًا يفصل بين عالم الإنسان وعالم الحيوان، والسكين المعلقة بعيدًا تلمع في الخيال أكثر مما تلمع في الضّوء. وفي زاوية الحوش، كان الحَوْلي سيّد الحكاية. لم نكن نراه كبشًا مربوطًا إلى وتد، كنا نعتبرهُ سرًّا قائمًا على أربع قوائم، كائنًا خرج من عتمة كتابٍ عتيق، يحمل في عينيه صمتًا أقدم من طفولتنا. أما قرناه الملتفّان، فكانا يشبهان قوسين من الغموض، أو بابين مواربين على عالمٍ لا نعرفه نحن، ولا يجرؤ الكبار على الاقتراب من معناه. كنا نقترب منه بحذر، نمدّ له حفنة تبن أو قطعة خبز، ثم نعود إلى الخلف ضاحكين، كأننا واجهنا تنينًا أبيض ونجَوْنَا. كانت أصوات الجيران تصلنا كأنها أناشيد قادمة من بعيد: تكبيرات، ضحكات، نداء أمهات، صياح أطفال، وقع خطوات الرجال وهم يتحركون بجدية غامضة تجعل الطفل يشعر أن العيد طقس عظيم له أسراره؛ وللعيد روائحُ لا تمرّ على الذاكرة مرورًا عابرًا، تدخلها وتستقرّ في أعمق مواضعها، كأنها عهودٌ قديمة لا ينقضها الزّمن: رائحة الفحْم حين يبدأ في الاحمِرار، ورائحة الشّاي بالنعناع وهو يتصاعَد من البرّاد في صباحٍ مُزدحم بالخطوات والأصوات، ورائحة الخبز حين يخرج ساخنًا، فتتلقّاه الأيدي كما تتلقّى بشارةً جميلة. كانت تلك الروائح خرائطَ سرّية للطفولة؛ ما إن تعود واحدة منها حتى ينهضَ البيتُ القديم من نومه، وتعود الوجوه التي كبُرت، والأصوات التي غابت، والزوايا التي حفظت ضحكاتنا الأولى. يعود الأب بجلسته وهيبته وصمته، وتعود الأمّ بمناديلها المطرّزة، وحركتها السّريعة، وقُدرتها العجيبة على أن تَجعل من الفَوضى عِيدًا، ومن التَّعب حَنانًا. لذلك لا ينتهي عيد الأضحى بانتهاء يومه؛ إنه يظلّ معلّقًا في الحواسّ، مختبئًا في رائحة، أو نكهة، أو صوتٍ بَعيد. قد تَظن أنك نسيته، ثم تمرّ رائحة شِواء عابرة من بيتِ جَارٍ، فيفتح القلب بابًا قديمًا، وتدخل منه طفولة حافيةَ القدَمين، مُبلّلةً بالدّهشة.
حين يتنفس الماضي عيدًا
فهل يكبر الإنسان حقًا، أم أنّ طفلَ العيد يبقى مختبئًا في داخله، ينتظر رائحة دخانٍ أو صوت تكبير ليَعُودَ؟ هل كان الحولي مجرد أضحية، أم كان رسولًا أبيض جاءَ ليعلّمنا، من غير كلام، أن الفرح لا يكتمل إلا بالبَذْل؟ أين ذهبت تلك البيوت التي كانت تتّسعُ للجميع، وتلك الأيدي التي كانت توزّع أكثر مما تملك، وتلك الضحكات التي كانت تُسمَع من آخر الزقاق؟
ولماذا، كلما مرّ عيد الأضحى، شعرنا أن الذاكرة لا تستعيد يومًا واحدا بقدر ما تستعيد عمرًا كاملًا؟ ربما لأن العيد الحقيقي يسكن في التفاصيل الصغيرة التي لا تموت: في صوف الحولي، وفي كَتِفِ الأب، وفي تَعَبِ الأمّ، وفي خُبز الصّباح، وفي دُخان المجْمَر؛ هناك، في عمق تلك الدهشة التي لم يطفئها العُمر، يظلّ العِيد حيًّا كأنّه لم يبرح مَكانه الأول؛ يقفُ عند باب القلب مثل حَوْليٍّ أبيضَ خرج من صباحاتِ الطّفولة، ثم أقام في الذَّاكرة إلى الأبد. كلما ابتعدَت السَّنوات، ازداد بياضُه لمعانًا، وكلّما ظننا أننا تجاوزْنا الحكاية، عادَ ينظر إلينا بعينين هادِئتين، كأنّه يذكّرنا بأنّ في الداخل طِفلًا لم يكبُر تمامًا، ما زال يَسمع التَّكْبير من بَعيد، ويشُمّ رائحة الفَحم، ويفتحُ أصابعه قليلًا كي يرى العِيدَ من شقّ الدَّهشة.
ملاحظة لغوية لها علاقة بما سبق
تُشتقّ كلمة “الحَوْلِيّ” من “الحَوْل”، أي السَّنة الكاملة، وتدلُّ في أصلها اللّغوي على كل ما مضى عليه عامٌ كاملٌ. غير أنّ معناها يتغيّر بحسب السّياق الذي تَرِد فيه. ففي المعاجم اللغوية، تُطلق على كل كائن حيّ، حيوانًا كان أو نباتًا، أكمل دورةَ حياته خلال سنةٍ واحدة، مثل قولنا:
نباتٌ حولي أو شجرٌ حولي. أمّا في الدارجة المغربية، فيُقصد بها غالبًا الخروف أو الكبش المعدّ للذبح في عيد الأضحى، لأنه يكون قد أتمّ حوْلًا كاملًا، فيصبحُ صالحًا للأضحية. وفي المجال الجغرافي، تَرِد الكلمة في تركيب “الطّريق الحوْلي” بمعنى الطريق الدّائري الذي يُحيط بالمدينة. كما تُستعمل في المجالين العِلمي والتاريخي بصيغة “الحوْليات” للدّلالة على السِّجلات السَّنوية أو الدّوريات التي تصدر كل عام لتوثيق أبرز الأحداث والوقائع.
لنتأمّل؛ وإلى حديث آخر.