Accueil مجتمع مفاهيم يجب أن تُصَحَّح : “إستقلالية القضاء” نموذجا ؟!

مفاهيم يجب أن تُصَحَّح : “إستقلالية القضاء” نموذجا ؟!

0

الأحداث من الرباط 

بقلم : الأستاذ عبد الرزاق الجباري رئيس نادي قضاة المغرب 

درج الفكر الدستوري والحقوقي ببلادنا على استعمال مفهوم إستقلالية القضاء في الكثير من المناسبات ذات الصلة بمنظومة العدالة،ولم يسبق لهذا المفهوم أن التبس على ممارسي المادة القضائية بقدر ما أضحى عليه الأمر اليوم القلة منهم؛ذلك أن هناك إصرار من طرف البعض لإخراجه عن إطاره الصحيح إلى إطارات أخرى لا علاقة له بها.

ومن هذه الإطارات ما هو مرتبط بعمل الجمعيات المهنية للقضاة،إذ ثمة رأي عبر عنه،مؤخرا،السيد وزير العدل،يرى بأن ليس من حق هذا النوع من الجمعيات التواصل والتخاطب مباشرة مع السلطة التنفيذية أو السلطة التشريعية،وأن الجهة التي يتعين التواصل معها،حصرا،هي مؤسسة المجلس الأعلى للسلطة القضائية،وذلك احتراما لـ “استقلالية القضاء”.

وهذا لعمري مخالف لكل ما استقر في الفكر والممارسة الدستوريين المرتبطين بمفهوم استقلالية القضاء،وبيان ذلك من عدة وجوه :

أولها: أن استقلال القضاء مرتبط بالمهام القضائية التي يقوم بها القضاة أثناء بتهم في القضايا المعروضة عليهم،وهو ما يتبين جليا من مقتضيات الفصل 109 من الدستور بدليل نصه على ما يلي :“يمنع كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء،ولا يتلقى القاضي بشأن مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات،ولا يخضع لأي ضغط”.

ثانيها: أن الفصل 107 من الدستور نص على قاعدة كلية مفادها أن السلطة القضائية مستقلة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية،واضطلع المشرع في القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية بتفصيل هذه القاعدة عن طريق وضعه لمدلول السلطة القضائية المقصودة من الفصل 107 من الدستور،وحصر نطاقها في مزاولة المهام القضائية بالمحاكم،بقوله في الفقرة الثانية من المادة 2 منه ما يلي: “ تمارس السلطة القضائية من قبل القضاة الذين يزاولون فعليا مهامهم القضائية بالمحاكم التي يشملها التنظيم القضائي للمملكة.”

ثالثها:أن كل الوثائق والأدبيات الصادرة عبر مختلف المحطات، سواء عن وزارة العدل أو المجلس الأعلى للسلطة القضائية، تذهب في نفس الاتجاه،وتعتبر أن النطاق الموضوعي لمفهوم إستقلالية القضاء محدد في المهام القضائية أثناء البت في القضايا المعروضة على المحاكم.

رابعها: أن الجمعيات المهنية للقضاة مؤسسة في إطار القانون المتعلق بضبط وتأسيس الجمعيات لسنة 1958،وأن عملها ذو طبيعة جمعوية محضة لا علاقة له بالمهام القضائية،وهي بذلك مكون أساسي من مكونات المجتمع المدني،وأن أعضاءها،وإن كانوا قضاة،فهم لا يتولون البت في القضايا المعروضة على المحاكم عند ممارستهم لحقهم في التنظيم الجمعوي المنصوص عليه في الفصل 111 من الدستور،وإنما يمارسون مهامهم كما هي محددة في المرجعيات التالية :

القانون،والإعلانات الدولية المتعلقة باستقلالية السلطة القضائية،والتوجيهات الملكية السامية ذات الصلة،وقرارات المحكمة الدستورية،ومختلف الآراء والتوصيات الصادرة عن بعض المؤسسات الوطنية بما فيها المجلس الوطني لحقوق الإنسان.

خامسها: أن دور الجمعيات المهنية للقضاة يتأدى،أساسا،وفق المرجعيات المذكورة،في الدفاع عن استقلالية السلطة القضائية وحقوق القضاة وتمثيل مصالحهم المهنية المشروعة أمام المؤسسات ذات الصلة بهذه المصالح،خصوصا لدى السلطات والهيآت والمجالس التي تتدخل في القرارات التي تهم القضاة ولو كانت حكومية،بله أن تكون تشريعية.

سادسها: أن الجمعيات المهنية للقضاة،وبانتمائها إلى حظيرة المجتمع المدني،لها كامل الحق في التواصل مع السلطة التشريعية،بل من واجب هذه الأخيرة الانفتاح عليها وإقامة تعاون معها في إطار مبدأ الديمقراطية التشاركية المنصوص عليه في الفصل 12 من الدستور،تطبيقا للمادة 137 من النظام الداخلي لمجلس النواب،والمادة 324 من النظام الداخلي لمجلس المستشارين.
وتأسيسا على ما سبق،فلا جرم إن قلنا بأن الرأي الرابط بين مفهوم استقلالية القضاء وتواصل الجمعيات المهنية للقضاة مع السلطتين التنفيذية والتشريعية مجانب للصواب،بل مخالف ومصادم لأبجديات الفكر الدستوري والقانوني والحقوقي،فضلا عما استقرت عليه الممارسة المهنية منذ عقود،مما يتعين معه العمل على تصحيحه وإرجاعه إلى أصله المفاهيمي دون تحوير ولا تغبيش

الأحداث21 ديسمبر، 2022

إقرأ الخبر من مصدره

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici