“إعلان عن فشل مؤجل”… بقلم :د. محمد نوري

Écrit par

dans

الأحداثد. محمد نوري

أنا مستعد غدا لأركب سيارة جاري إذا كان هذا الأخير سيأخذ وجهة مغايرة لوجهتي.
سارتر“

ربما تكون هذه القولة أنسبَ وصف لفهم العلاقة العُصابية التي تجمع بين نظامي المغرب والجزائر، علاقة ظاهِرها استياء وزعمٌ بالاستكفاء وباطنها إغواء واستِعطاء، لِوعي كِليْهما بضرورة الآخر، رغم كل ما يبدو من مؤشرات قد تُبيِّن العكس.
لنقل إنها علاقة تندرج فيما يسمى بالحب القاسي المسكون بالأبوية المتسلطة والرغبة في امتلاك إرادة الآخر وتسييره وفق هوى الأنا ومصالحها. المؤسف هو أن الطبيعة الانتحارية لهذه العلاقة ما انفكت ترمي بمواطني هذين البلدين إلى الهاوية، إلى العداء المستحكِم والإحباط.
نعم، إن مقولة سارتر ساخرة إلى حد الألم، سوريالية ورهيبة، لكنها تحمل جرعة كبيرة من الاستدلال بنقض الفرض Raisonnement par l’absurde الذي وحدَه قد يُسعِفنا في فهم وشرح موقف نظام جارتنا الشرقية المُعرِض عن دبلوماسية اليد الممدودة لملك المغرب والمُغرِض في تذرُّعه برزمة من الادعاءات تحول دون العودة إلى علاقات عادية بين شعبين شقيقين.
من جملة هذه الأسباب التي تشبه في لعنتِها صخرةَ سيزيف، نجد أولا مزيجا من الأحداث التي وقعت في أوائل الستينات وبداية التسعينات، وقائع لا دخل فيها لرئيسَيْ الدولتين الحاليَيْن وبالتالي إن كان هناك من عتاب يمكن توجيهه إليهما فلن يكون إلا لِمن يُصِر على عدم طيِّ صفحة الماضي والاستمرار في الانقياد وراء ما يصطلح عليه تودوروف ب”شفرة الموتى.
أيضا، نجد مسألة التطبيع مع دولة إسرائيل، ويتعلق الأمر بادعاء واهٍ لعدة اعتبارات من بينها: أوَّلا، لأن جلَّ الدول العربية قامت بذلك، وثانيا، لأن القادة الجزائريين أقاموا وما زالوا علاقات مع الحكومة والجيش الإسرائليَيْن. أكثر من ذلك، لا يخفى على أحد أن وزير الداخلية الفرنسي توصَّل في زيارته الأخيرة إلى الجزائر إلى اتفاق مع قادتها من أجل تعويض أبناء وأحفاد اليهود ذوو الأصول الجزائرية الذين تركوا هناك أصولا وعقارات لهم إبان خروجهم من هذا البلد بمعِية الفرنسيين (على اعتبار أن الدولة الفرنسية مكنتهم من الحصول على الجنسية الفرنسية)، وثمة حديث عن مبالغ كبيرة جدا خُصِّصت لهذا الغرض.
أخيرا، حين يتحدث الرئيس الجزائري في حوار مع الصحافة الوطنية مُعَد سلفا للاستهلاك الداخلي، بأن الملك الحسين لم يقم أثناء زيارته للجزائر بأية وساطة من أجل رأب الصدع بين النظامين وتقريب وجهات نظرهما، فإنه يعرف جيدا بأن هذه الوساطة قد تمت بالفعل وبأن حكام الجزائر وافقوا على ذلك شريطة أن يتراجع النظام المغربي عن مقترح الجهوية الموسعة كحل لمشكل الصحراء.
ربما تكون السذاجة أسلوبا ذكيا في ممارسة السياسة، لكن الاستمرار في مثل هذا الاحتيال -على النفس أولا-يزيد في إغراق البلدين والشعبين في رمال متحركة ستبلَع كِلَيْنا عاجلا أم آجلا حتى يبقى: “الصديق ليس هو الجار بل جار الجار” كما يقول نيتشه بسخريته السوداء المعهودة.
حول هذه الوضعية المريبة العطِنة ومَنِ المستفيدُ من حالة ملوك الطوائف المُقلِقة هذه، خصصتُ مقالا سابقا نُشِر في نفس الجريدة بتاريخ 4 يناير 2022 تحت عنوان “الذئب، العنزة، الكرنبة وصاحب المزرعة، وأشياء أخرى”.
بعد كل هذا، أمُرُّ لطرح سؤال يبدو لي في غاية الأهمية: هل الصراع بين حكام المغرب والجزائر مرتبط فقط بنزاعات خاصة من مخلفات الاستعمار، الصحراء (بشقيها الغربي والشرقي) تحديدا ومعها التنافس الشرس حول الزعامة في منطقة المغرب العربي، أم أن للأمر ارتباط أيضا بأسباب أكثر عمقا تخص شخصيتنا وتكويننا النفسي-العاطفي كعرب (ثقافة لا إثنية)، حاكمين كُنا أم محكومين؟
لقد قدم العَرب للإنسانية نماذج وأسماء مشرقة في مجالات العلوم والثقافة، لكنه وجب الإقرار بأنَّ عملَنا ظل يفتقد للاستمرارية والنفس الطويل، عجولون نحنُ ومتقلِّبون بفعل شحنة عاطفية هائلة عصِيَّة على الكبح والترويض تجعلنا نمُرُّ من الفورة الكبرى إلى السكون المطلق، من الشغف والاحتداد إلى اللامبالاة والخمول. وهنا يكمن سر العُتُو وعدم الانتظام وغياب الحس المشترك الذي يلازم حيواتنا ومشاريعنا.
بارعون نحنُ في إعداد جيوش الكلِم، كائنات أنانية، غرَّة ومُغترة، ولو كان الكلام يهزم الأعداء لما خسِرنا أي معركة، لكن الأمور لا تسير على هذا المنوال لسوء حظنا ولحسن حظ من ليسوا على شاكلتنا!
لذلك، ترى فنَّ الحُكم عندنا يعاني من عيٍّ سائخ في القِدم، وأعني به عدم الاكتراث بضرورة احترام وتطبيق القوانين مما يُعقد كل إمكانية لتحقيق الإنصاف والارتياح والرقي لشعوبنا. كما أن الوحدة حول فكرة مركزية وجامعة ليست دَيْدَنُنا بل مجردَ حالة عابرة نقطع معها بسرعة مختلقين هذه الذريعة أم تلك. لا ننسى بأننا عكس الثقافة الغربية، نضع الأنا قبل الآخر، “أنا وهو” نقول، لا العكس!
منذ أقل من ثمانية عقود، تورط جيراننا الشماليون في حروب طاحنة خلَّفت الملايين من القتلى والأرامل وأضعاف أضعافهم من المعطوبين والأيتام، لكنهم استطاعوا لملمة جراحهم واجتياز فترات حِدادهم ليتفقوا، تدريجيا، على المرور من ذاكرة مهزومة وحقودة إلى ذاكرة إيجابية ومتصالحة. لقد نقلوا ذكرياتهم السيئة من مركز هذه الذاكرة إلى هامشها حتى تفقد قدرتها التدميرية، وبعد فترة وجيزة، استطاعوا تحقيق المعجزات مانحين لشعوبهم فضاء رحبا بلا حدود ميزَتُه التنقل الحر والتكامل والرخاء.
أما بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، فلم تكد تمر بضعُ عقود على حرب الانفصال التي ظن الجميع آنذاك أنها ستُقسم البلد إلى الأبد حتى انبعث هذا البلد من رماده كالعنقاء ليقود العالم إلى يومنا هذا.
ماذا ينقصنا إذن؟
صحيح أن تحليل المجتمعات يشير إلى عدم توفر وصفة جاهزة ووحيدة للتقدم، وبأنه بإمكان أي بلد أن يتلمس طريقه انطلاقا من تقاليده وموارده الخاصة، لكنه يتضح لي، اليوم أكثر من الأمس، بأن الديمقراطية هي البوصلة والقاسم المشترك بين مختلف التجارب الناجحة.
أنوار، ديمقراطية، توزيع عادل للثروة الوطنية، تدخل أقل للدين في الأمور السياسية…تِلكم بعض المداخل التي تفسر نجاح البعض وفشل الآخرين.
الاستمرار في عدم الإنصات إلى آراء المواطنين وتحويل آليات ومؤسسات التعبير السياسي والنقابي والمجتمعي بشكل عام إلى صندوق صدى لما يرغب الحاكمون في سماعه يخلق هوة سحيقة بينهم وبين مواطنيهم، عدمَ ثقة، ويجعلهم أكثر هشاشة أمامهم وبالتالي أكثر استعدادا للبحث عن حُماة من الخارج يسمحون لهم باستعمال عنف الدولة لإسكات أي صوت منتقد مقابل جزية سخية لهذا الطرف أم ذاك…طوائف ليس إلا !
النتيجة:
-المواطنون: كما لو يعيشون كمُكترين في بيتهم ووطنهم، أشباح هائمة حزينة ترى -وتساهم أيضا-في استفحال حالة عدم الإنتاج وثقافة “الهمزة” عبر الرشوة واقتصاد الريع والهجرة بجميع أشكالها.
-المناخ العام: جمرات تحت تبن يابس نتيجة انهدام نماذج العمل والاستحقاق، تعطُّل المِصعد الاجتماعي وإعادة إنتاج نخب جوفاء وطفيلية. ليس عبثا أن تمر شعوبنا من ثقافة كانت تعتبر العمل عبادة، إلى ثقافة تتباهى بأن الحمار وحده من يشتغل! وليس عبثا أيضا أن نمر من حالة الإعجاب التي كان تعتري الغربَ وهو يقف مشدوها أمام أعمالنا و يُقرٍن اسمنا بالجودة والإتقان Obra de moros إلى “نضربو الشاپُّو” و”فْرطْ سمَّر” كما نلاحظ اليوم في سياساتنا وطرقاتنا وبناياتنا بل وحتى في علاقاتنا.
خلاصة القول، بلدان على حافة إفلاس محقَّق على جميع الأصعدة!
كم علينا أن ننتظر حتى تتغير هذه العقلية؟
الشيء المؤكد هو الحكمة التي تختزنها وتختزلها تلك الجملة الرائعة من كتاب El cantar del mío Cid: “جودة الرعية من جودة حكامها”.

هيئة التحرير9 مارس، 2023

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *