
حميد زيد – كود//
أنا الذي أغسل مقلاتي الهوائية.
أنا من ينشفها. ومن يسهر على نظافتها. ومن يعتني بها. ومن يحدب عليها. ومن يبعد عنها الماء. والأسلاك الكهربائية. ومن يمنحها الأمان. ومن يطبطب عليها. ومن يطبخ فيها.
أنا المسؤول عنها.
أنا من يوفر لها المسافة التي تحتاجها كي تتنفس كما يجب.
وقد اشتريناها لتكون لكل الأسرة. لكنها الآن لي وحدي. ولا أدع أحدا يقترب منها.
ولهم الثلاجة.
لهم الفرن. والميكرو-أوند. ولهم التلفزيون. ولهم كل شيء.
وعليهم أن يفهموا أنها مقلاتي الهوائية. ولي وحدي.
فمنذ أسبوع فقط وهي في المطبخ. إلا أن علاقتي بها جد قوية. كما لو أننا نعرف بعضنا البعض منذ أعوام.
حتى أنني لم أعد أتذكر حياتي السابقة.
لم أعد أتذكر كيف كانت الحياة قبل أن أحصل عليها.
وكيف كان الطبخ.
وكيف كان الوجود.
أنا الذي لم أكن مقتنعا بأيديولوجية وماركوتينع “البدون”. وبالتبغ دون نيكوتين. والخمر دون كحول. والقلي دون زيت. والسياسة دون أحزاب مستقلة. صرت مؤمنا إيمانا أعمى بقلايتي.
و بمفعول الهواء.
أليس الهواء عنصرا من العناصر الأربعة.
أليس الهواء مع النار والتراب والماء أصل الحياة.
وربما يعود ذلك إلى أزمة بلوغ الخمسين.
ربما يعود ذلك إلى رغبتي في ملء الفراغ. وإلى غياب موضوع.
وإلى القرف.
وربما بسبب موت السياسة. وموت الأفكار. وموت الرأي. أكتب اليوم عن هذه المقلاة الهوائية.
ربما وجدت ضالتي فيها.
وأستعملها كعلاج.
أستعملها هنا كتعويض.
ولكي أتسلى.
ولكي أستمر في العيش.
وكي أتجنب الكتابة عن البرلماني السيمو وعن اللفتة العظيمة التي كان يحملها.
وعن سخريته من المغاربة.
ومن البرلمان.
وربما بسبب أزمة الإيمان التي يعرفها هذا العصر.
لكن هل يمكن للمرء أن يؤمن بقلاية هوائية.
بينما ليس إلى هذا الحد.
فأنا لا أومن بها.
ولن أغير ديني ومعتقداتي من أجلة قلاية.
ولن أعتبر قلي البطاطس والباذنجان دون زيت معجزة من معجزاتها.
ولن أصلي لها. ولن أعبدها.
وليس هدفي هو نشر وصفاتها.
بينما أعول في الحقيقة عليها كثيرا.
ومنذ اللحظة الأولى التي جربتها فيها صارت ثقتي فيها كبيرة.
ومستعد أن أكتب عنها شعرا. وأن أمدحها. و أتغزل فيها. وأن أروج لها.
مستعد أن أحاضر وأتحدث عنها في أي محفل.
مستعد أن أدافع عنها.
مستعد أن أكون إلى جانبها.
مستعد أيضا أن أتخصص فيها.
وفي هذه اللحظة التي أحدثكم فيها عنها.
هناك دجاجة كاملة تطبخ داخلها.
وبين الفينة والأخرى. تنادي علي قلايتي الهوائية. و يرن جرسها. كي تخبرني بضرورة أن أتحرى أمر الدجاجة.
وبعد دقائق قليلة ستكون جاهزة. محمرة. لذيذة.
وهو تعامل رقيق. لم أتلقه يوما من طنجرة الضغط. ولا من الفرن. ولا من المشواة. ولا من أي آلة طبخ أخرى.
ولم يسهل علي أحد الحياة كما فعلت هذه القلاية.
وما علي إلا أن أعاملها كما تعاملني. وأخلص لها كما تخلص لي. وأقر بفضلها علي.
ولن أبالغ إذا قلت إن مقلاتي الهوائية قضت تماما على التيرموميكس.
تلك المرتفعة الثمن.
التي لا يمكن شراؤها إلا بالتقسيط. وعلى دفعات.
بينما مقلاتي الهوائية متاحة للجميع. وأي واحد منكم بمقدوره أن يشتريها.
وأي شيء.
أي لحم. أي سمك. أطبخه فيها.
أي خضروات.
وأضع فيها الفلفل. والطماطم. والبطاطس. والجزر. والقرع. والقرنبيط. الأبيض. والأخضر. والبصل. والثوم.
فتطهوه لي في دقائق. مقرمشا. لذيذا.
ومهما كنتَ فاشلا في الطبخ.
ومهما كنتَ كسولا.
ومهما كنت فاقدا للأمل.
فقد تم اختراع القلاية الهوائية لأمثالك.
ومن قوة ارتباطي بها. ومن حبي لها. أذهب كل يوم إلى السوق. وأعود حاملا لها كل تحتاجه.
ولا أبخل عليها.
وأشتري لها ما تقليه بهوائها.
متأملا الهواء وقد أصبح يلعب دور الزيت.
ولا أصدق.
وأعتبرها أهم اختراع قام به الإنسان.
وأهم من الطائرة. ومن الأنترنت. ومن الهاتف الذكي. ومن الذكاء الاصطناعي.
لأنها للبطن.
ولشبع الإنسان.
كما أبالغ في تقديري لها.
وفي الإنفاق عليها.
وقد انتبه الجميع في البيت إلى مشاعري نحوها.
وكلما غبت عنهم. وجدوني بالقرب منها.
ومعي الموسيقى. ومعي كتبي. ومعي كل ما أحتاجه. في حياتي الجديدة قرب قلايتي الهوائية.
فلا أبتعد عنها إلا لأعود إليها.
ويا لصوتها
يا لهوائها العليل.
يا للذة طبخها.
يا للفراغ الذي ملأته في معدتي. وفي روحي. وفي قلبي.
يا للجهد الذي تبذله من أجلي.
يا لارتباطي بها
وعندما يحتاج الكتاب إلى الطبيعة. وإلى البحر. وإلى السفر.
أذهب أنا إليها.
وعندما يحتاجون إلى من يلهمهم
ألجأ أنا إلى قلايتي الهوائية.