مرة أخرى تعيش القارة الافريقية صيفا مضطربا، على إيقاع الإنقلابات العسكرية المتتالية، إنقلاب تلو الآخر جعل الصورة تبدو مضطربة وغير آمنة بالمنطقة، إذ بلغت عدد المحاولات الإنقلابية في القارة الإفريقية، خلال الثلاث سنوات الأخيرة الماضية ثماني إنقلابات عسكرية، أبرزها انقلاب مالي بقيادة غوتا في مايو 2021، وأخرى في غينيا كوناكري في سبتمبر 2021 بقيادة العقيد مامادي دومبويا والأسبوع الأخير من يناير 2022 في بوركينا فاسو بقيادة العقيد بول هنري زامبيا، وآخرها انقلاب النيجر بقيادة عبد الرحمان تشياني.
تواتر الانقلابات العسكرية على القارة السمراء، يوقف بدون شك عجلة التنمية بالقارة ، ويعيق مسار تطورها الديمقراطي، الاقتصادي والاجتماعي،فبالرغم من الموارد الطبيعية الضخمة التي تتمتع بها القارة، والتي يشكل معظمها عنصرا أساسيا في العديد من الصناعات الثقيلة في أوروبا والصين والولايات المتحدة الأميركية وآسيا، إلا أن سكان معظم دول القارة البالغ عددهم نحو 360 مليون نسمة لم ينعموا بأي نوع من الاستقرار الأمني أو السياسي أو الاقتصادي، إذ يعيش أكثر من 55 في المئة منهم تحت خط الفقر، كما شهدت دولا مثل سيراليون وليبريا ورواندا ومالي حروبا ونزاعات أهلية استمرت عشرات السنوات وراح ضحيتها أكثر من 13 مليون قتيل وشرد بسببها نحو 33 مليونا.
في هذا السياق، قال الخبير في الشؤون الدولية، محمد تاج الدين الحسيني، أن ظاهرة الانقلابات على أنظمة الحكم القائمة أصبحت متوقعة كل سنة بالقارة السمراء، باعتبار أن جل هذه البلدان تمر بوضعية إجتماعية،تبتدأ أولا بمرحلة الحكم العسكري ثم الإنقلاب الذي يحاول أن يضفي الشرعية على حكمه،عن طريق إنتخابات تشوبها عدة ملابسات، قصد الوصول إلى مرحلة شبه ديمقراطية على حد تعبيره.
وقال الحسيني خلال تصريح له “للأيام24″، أن جل الإنقلابات منذ ستينيات القرن الماضي ،التي عرفتها القارة الإفريقية كان مصيرها الفشل في تحقيق التنمية المستدامة،والنهضة بالبلدان التي تعاني هذه الظاهرة الإنفلاتية، بل وأدت نتائجها إلى مزيد من التدهور على مستوى الأوضاع العامة في القارة الإفريقية.
وكشف المتحدث ذاته، أن المنظمة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (CEDEAO) ، عقدت عدة إجتماعات لتطويق الوضع، خاصة بالنسبة للنيجر، التي تعد جد مهمة بالنسبة لتعامل بعض القوات الخارجية وعلى وجه الخصوص “فرنسا” ،لدرجة أن هذه المنظمة هددت أنها ستتدخل عسكريا اذا لم يتم اعادة الشرعية إلى موقعها،ولا أعتقد يتابع المختص في العلاقات الدولية ، أن قادة الإنقلاب سيبادرون إلى ذلك، بل بادروا كما لاحظنا إلى تعيين وزير أول كان في حكومة سابقة للنيجر، ورفضوا أي تنازل واعتبروا أن كل تدخل عسكري سيكون بمثابة عدوان وسيواجهونه بكل قوة.
لكن الإشكالية الأكثر صعوبة ، حسب تاج الدين، هو أن دولتين سبق أن عاشتا آثار الإنقلاب وعلى رأسهم بوركينافاسو تضامنت مع قادة الإنقلاب، والجزائر نفسها اتخذت موقفا يندد بأي تدخل عسكري لمنظمة (CEDEAO)، وهذا معناه منذ البداية فشل أي محاولة عسكرية من طرف المنظمة.
وأشار المتحدث إلى المجلس السلمي للأمن الذي أسس في إطار الإتحاد الإفريقي ليواجه مثل هذه الأوضاع،بقي مجمدا ولم يحرك قيد أنملة بخصوص هذه الإنفلاتات، وهذا معناه فشل قوة الإتحاد الإفريقي وفشل منظمة (CEDEAO) كذلك.
وذكر الحسيني أن قوات “الفاغنر”، أصبحت تسيطر في عدة بلدان إفريقية، وأصبحت هناك في الكواليس عمليات تواصل مع قادة الإنقلاب، قصد مواكبته بعد نجاحه، وهذا بحسب “الحسيني” دور ستقوم به روسيا بقوة بالمنطقة ، لكن من جهة أخرى هناك الدور الفرنسي، لأننا نعلم جيدا أن النيجر هي المصدر الرئيسي لليورانيوم لفرنسا، وهذه الأخيرة لها قوات عسكرية في كل مكان لكن الجميع لاحظ كيف أن الساكنة تتوجه بكثير من التنديد نحو القوات الفرنسية بل وتشن تظاهرات لمواجهة أي محاولات للتدخل.
وخلص المختص في الشؤون السياسية إلى أن أي فوضى ستعرفها المنطقة، سيكون بالتأكيد المستفيد منها هم الجماعات الإرهابية والجريمة المنظمة التي تجد في مثل هذ الأوضاع المشتل الطبيعي لمزيد من النمو ،ومزيد من الحصول على الأسلحة ومزيد من المزايدات بخصوص الأطراف التي تشارك في النزاع قصد الإنضمام إلى هذا الطرف أو مواجهة ذاك، وهذه أمور كلها تنقلب ضدا على آلية التنمية داخل القارة الافرقية مايؤدي إلى فرملة كل المشاريع التنموية التي تعرفها المنطقة.
Laisser un commentaire