بريس تطوان
إن موضوع الفن في تطوان ليس من المواضيع التي يمكن أن يتطرق لها المرء في إشارة خفيفة تتضمن بضع صفحات، لأن تطوان أصلا هي مدينة الفن والجمال، والسحر والخيال، ثم إن كلمة الفن بحر زاخر من المعاني الجميلة المتمثلة في أوجه عدة من جوانب الحياة الإنسانية، فالمعمار فن، والأثاث فن، واللباس فن، والأكل فن، وطريقة الكلام فن، والموسيقى فن، والغناء فن، والصناعة فن، والحرف الدقيقة فن….، وتطوان بستان جميل قد امتلأت جوانبه بباقات من كل هذه الفنون في أرقى حالاتها وأرق مظاهرها….
والحقيقة أنني في هذا الكتاب، لا أسعى إلى إثبات الخطوات المتعلقة بالتأريخ والتوثيق في هذا المجال ولا في غيره مما تطرقت إليه بالنسبة لمدينتي تطوان، بقدر ما أتوق إلى الإشارة إلى بعض المظاهر، والوقوف عند بعض المعالم، التي تحفظ السمات والملامح الخاصة بهذه المدينة، والتي تجعل القارئ الغريب عن تطوان يتعرف عليها كمدينة لها عبق متميز، وجاذبية غريبة، وسحر خاص.
ولقد كان المجتمع التطواني متذوقا الفن، حيث إنه قد أتقنه بجميع أنواعه، وقد برز ذلك في:
فنون الصناعة التقليدية: بما في ذلك البراعة في فن الخشب المطعم والمنقوش والمزوق، والإتقان الكبير لفنون الحفر والتوريق، والزخرفة والترصيع والتنميق، وكذا فن صنع الفسيفساء (الزليج) التي تأخذ في هذه المدينة طابعا متميزا في مادتها وفي ألوانها وفي دقتها وفي تنسيق مقاطعها ومكوناتها.
وكذا فن صناعة الحرير واستخراجه من دوده، ثم إنتاج أنواع المنسوجات الحريرية والصوفية والقطنية والكتانية، ثم فن الدباغة وصباغة الجلود، وفن الخرازة والحدادة وصناعة الفخار. وفي هذا الصدد نسجل الدور الطلائعي الذي تمثله مدرسة الصنائع والفنون الوطنية المعروفة في تطوان بمدرسة “دار الصنعة”، وهي المؤسسة التي تم إنشاؤها سنة 1919 في مقر بدار تقليدية داخل المدينة القديمة بتطوان، وذلك بسعي من نخبة الرجال العاملين على الحفاظ على الشخصية الحضارية المتمثلة في مختلف الصناعات التقليدية بهذه المدينة، وعلى رأس هذه النخبة الوطني الغيور السيد الحاج عبد السلام بنونة. ولقد لعبت هذه المعلمة الفنية بتطوان دورا مهما جدا في مجال الحفاظ على مختلف الحرف التي ذكرناها سابقا، حيث إنها قد انتقلت إلى مقرها الحالي قبالة باب العقلة سنة 1927. وكانت من جملة ورشائها حسب ما ذكره مديرها الفنان الإسباني الكبير ماريانو بيرتوتشي: معامل النجارة الفنية، والصباغة التزيينية الموريسكية، وصناعة الفوانيس، وترصيع الفضة، وصناعة الزرابي، والنقش على الخشب، وزخرفة الجلود، وطبعها بالذهب، وصناعة النحاس ونقشه، والفسيفساء، والخزف التزييني، والمنسوجات اليدوية، والحدادة الفنية.
وقد ساهمت “دار الصنعة” في ترميم العديد من المعالم الأثرية في إقليم الأندلس بإسبانيا، ومن ذلك قصر ابن عباد ومقر معرض 1929 بإشبيلية، وقصر الحمراء بغرناطة، ومسجد قرطبة… إلخ.
ولا ننسى أن تطوان قد عرفت أيضا بفن الخط الذي برع فيه كثير من أبناء هذه المدينة، رجالا ونساء، وتفننوا في أنواعه، بما فيه: الخط المبسوط، وهو الذي يستعمل لكتابة القرآن الكريم. والمجوهر، وهو ما يستعمل لكتابة الظهائر والرسائل المخزنية، والسليماني، وهو الخاص بكتابة الوثائق العدلية، والشرقي (أو الثلث)، وهو الذي تكتب به عناوين الكتب وغيرها من المستجدات .
أما صناعة الأسلحة فهي التي ازدهرت في تطوان إلى حد كبير، لدرجة أن ملوك المغرب كانوا يكلفون صناعها من جعايبية وسرايرية وزنايدية بصنع المكاحل التي فاقت شهرتها الآفاق .
ولعله من الجدير بالذكر في مجال الحديث عن الصناعات بتطوان، أن هذه المدينة كانت سباقة إلى تأسيس المعامل الحديثة في النصف الأول من القرن العشرين، فقد أسس بها أول معمل لتوليد الكهرباء وتوزيعها عن طريق شبكة محكمة على كافة السكان، حمل اسم “الشركة التعاونية الصناعية” المؤسسة في فاتح مارس 1928، والتي كانت أول مشروع جماعي تعاوني عرفه المغرب خلال عهد الحماية، ويرجع الفضل في ذلك إلى النبوغ الاقتصادي والمجهود الكبير الذي بذله السيد الحاج عبد السلام بنونة، الذي حاول من خلال هذا المشروع خلق اقتصاد جماعي مبني على المشاركة الجماعية لكافة الفئات الشعبية. هذا علما بأنه كان يسعى في تنمية الاقتصاد الوطني بشتى الوسائل، فساهم في إنشاء معامل أخرى، مثل معمل القماش، ومعمل الصابون…
كما عرفت في تطوان معامل أخرى كمعمل المسامير، ومعمل الأغطية ومعمل الدخان ومعمل الوقيد … إلخ.
العنوان: تطوان، سمات وملامح من الحياة الاجتماعية
ذ. حسناء محمد داود
منشورات مؤسسة محمد داود للتاريخ والثقافة
(بريس تطوان)
يتبع…