الخط :
A-
A+
شهدت مدينة الدار البيضاء في الأيام الأخيرة حملات واسعة لتحرير الملك العمومي شنّتها السلطات المحلية وعناصر من الشرطة الإدارية والقوات المساعدة وأعوان السلطة. واستهدفت هذه الحملات المقاهي والمطاعم ومحلات المواد الغذائية والباعة الجائلين بعدد من شوارع المدينة البيضاء.
وما بين مرحب ومتذمر؛ توزعت آراء المواطنين حيال هذه الحملات. فيما احتارت آراء البعض بين أمل في تخليص المدينة المليونية من مظاهر العشوائية وبين تعاطف مع الباعة المتجولين الذين شكلت الحملة تهديدا لمورد رزقهم.
امتثال رغم الخصوصية
وارتباطا بذلك؛ أكد سعيد فرح، الكاتب العام لاتحاد تجار ومهنيي درب عمر، في تصريح لـ”برلمان.كوم“، أن “هذه الحملة ثمّنها التجار والتزموا بها، وخفض أغلبهم البضائع الموضوعة على الرصيف، رغم أن درب عمر له خصوصيات تختلف عن باقي الأسواق والأحياء”.
وأوضح سعيد فرح أن هذه الخصوصية تتمثل في كون “البائعين يتوصلون بالسلع من الشركات وعليهم فحصها وإخضاعها للمراقبة قبل إدخالها للمحلات.. وكذلك عندما يقتني الزبون بضاعته؛ يضعها هو الآخر أمام المحل لتغليفها وشحنها..”.
وبناء على ذلك؛ أبرز المهني أن “هناك أمورا لا يمكن إزالتها بشكل قطعي. ولذلك فنحن نتحدث عن الباعة الذين يعرضون سلعهم على الرصيف والتي أزيل أغلبها كما قامت السلطات الأسبوع الماضي بإزالة مجموعة من العربات التي تعرض سلعا ليس فقط على الرصيف وإنما حتى في الشارع”.
تنزيل يتطلب مواكبة القطاع غير المهيكل
وفيما يتعلق بتضرر التجار من هذه الحملة؛ يلاحظ الكاتب العام لاتحاد تجار ومهنيي درب عمر أنه “لم يتم تسجيل أي تضرر من طرف التجار أصحاب المحلات، إنما تقبلوا ذلك واستجابوا للحملة، ويبقى المشكل لدى التجار غير المهيكلين الذين يفرشون سلعهم على الرصيف”.
وفي هذا السياق؛ اقترح سعيد فرح “أن تؤطر الدولة هؤلاء الباعة المتجولين من القطاع غير المهيكل عبر خلق أسواق نموذجية”. مشددا على أن “هذا مهم؛ لأن فئة كبيرة تعتمد هذه التجارة كمورد رزق، ولذلك يجب تحويلهم إلى أسواق نموذجية على غرار سوق البرنوصي”.
وأشار المتحدث إلى أن الأسواق النموذجية هي الأخرى “تعرف بعض المشاكل، كأن يكتري بعض التجار محلاتهم التي حصلوا عليها ويعودون لعرض سلعهم في الرصيف مرة أخرى.. ولكن يجب أن تخضع هذه الأسواق المحدثة لعدد من الشروط والمعايير كي يلتزم التجار بالبقاء فيها”.
إحداث أسواق الليل
ولإدماج التجار غير المهيكلين في القطاع المهيكل؛ أبرز سعيد فرح أن “هناك مقترحا آخر قدمه مرارا ويتمثل في اعتماد أسواق الليل على غرار سوق “إيو” في الصين- والذي يعرفه أغلب تجار درب عمر الذين يذهبون للصين- ويمكن أن يقام على امتداد شارع ما والأزقة المتفرعة عنه في أي منطقة.
وتقوم فكرة سوق الليل هذا، حسب المتحدث، على أن يشتغل أصحاب المحلات التجارية من الثامنة أو السابعة صباحا إلى حدود السادسة مساء، فيغلقون محلاتهم ويبدأ بعدها الباعة المتجولون “الفراشة” ويأتون بعرباتهم- التي تكون نظيفة ومجهزة بالإضاءة وكل اللوازم- ويشتغلون من السادسة مساء إلى الثانية عشر ليلا، فيزيلون عرباتهم ويأتي عمال النظافة لتنظيف المكان كالعادة. وعندما يعود أصحاب المحلات التجارية في الصباح يجدون الشارع نظيفا كما كان.
وسطَّر الكاتب العام لاتحاد تجار ومهنيي درب عمر على أن أسواق الليل هذه تخوِّل للطرفين (أصحاب المحلات التجارية والباعة المتجولين) الاشتغال. وذلك “في إطار أن يصبح الباعة المتجولون أيضا يؤدون الضرائب والواجبات للدولة والجماعات الترابية، ولو كان بسيطا للمساهمة في النظافة.. فهكذا قضت السلطات الصينية على انتشار الباعة المتجولين” أو “الفراشة””.
وأشار سعيد فرح إلى أن “المواطنين متعودون على اقتناء حاجياتهم من الباعة المتجولين”، متابعا: “لذلك فالحل المطروح هو إما اعتماد الترخيص للباعة المتجولين بكل منطقة بالعمل يوما واحدا فقط في الأسبوع (على غرار الأسواق الأسبوعية) أو اعتماد أسواق الليل”.
“الطرامواي” يفاقم الوضع
هذا، ولفت المتحدث، إلى أن “المشكل الآخر المطروح هو بعض الشوارع التي يمر عبرها الطرامواي، انطلاقا مثلا من شارع عبد الكريم الخطابي مرورا عبر ساحة النصر ووصولا إلى شارع المقاومة، فعندما جرى تمرير خط الطرامواي عبر هذا الشارع؛ ضيَّق رصيفه حتى بات يبلغ 80 سنتيمترا فقط ولم يحترم المعايير الدراسية التي تنص على أن يتراوح الرصيف بين 1.5 متر ومترين”.
وأوضح المهني، في ذات التصريح، أن “هذا (تضييق الطرامواي لمساحة الأرصفة) هو المشكل الذي بات يعاني منه التجار والساكنة بعد تمرير خط الطرامواي، إذ لم يترك المسؤولون على تمريره مساحة للتجار لمرور عرباتهم أو حتى لمرور ذوي الاحتياجات الخاصة”.
حملة متفق عليها
ومن جهته؛ أوضح أحمد أفيلال، نائب عمدة الدار البيضاء، في حديث لـ”برلمان.كوم“، أن “هذه الحملة هي متفق عليها مائة بالمائة، لأنه عندما تم انتخابنا كمجلس وكمكتب لرئاسة جماعة الدار البيضاء؛ أجرينا دراسة كشفت المشاكل التي يعاني منها البيضاويون ويطالبون بتعديلها، فكان على رأس القائمة مشكل أصحاب البدلات الصفراء (حراس السيارات)، وبعدها مسألة تحرير الملك العمومي”.
وأبرز أفيلال أن ساكنة الدار البيضاء “تشتكي من عدم وجود أماكن للمشي حتى على الأرصفة، ومن أن الباعة الذين يفترشون الأرض يقطعون الأزقة والشوارع ما يخلق ارتباكا في حركة السير ومشاكل عدة”.
كما أكد نائب عمدة الدار البيضاء أن “هذه الحملة ليست موسمية كما يُرَوِّجُ لها العديد؛ إنما نحن في الدار البيضاء يجب أن نحدد هدفنا: هل نريدها أن تكون مدينة بمواصفات ما نسوقه بأنها مدينة ذكية أو أن تكون مدينة عشوائية؟”.
ضرورة إحداث بدائل للتجار غير المهيكلين
ومن ناحية أخرى؛ أبرز أحمد أفيلال، الذي يشغل أيضا مهام نقابية كرئيس للاتحاد العام للمقاولات والمهن، أن “هؤلاء الباعة منذ سنين وهم يشتغلون بهذه القطاعات، ونحن كنقابة نطالب بأن نخلق مزيدا من الأسواق النموذجية لدمج هؤلاء التجار، إذ لا يعقل أن نأتي بين عشية وضحاها ونطالبهم بإزالة بضائعهم والتوقف عن ممارسة هذا العمل”. مضيفا “صحيح أن هناك بعض الفوضى التي اعتادوها منذ سنين إلا أنه يجب علينا أن نقننها وندمجهم في الأسواق النموذجية”.
وأشار النقابي إلى أن “هناك من هذه الأسواق النموذجية التي عرفت إقبالا وكانت تجارتها ناجحة ومنها من لم تلق هذا الإقبال. فالناجحة عرفت مشاركة أولئك التجار- الذين أدمجناهم ونقلناهم من القطاع غير المهيكل إلى القطاع المهيكل عبر منحهم محلات في الأسواق النموذجية- في تسيير تلك الأسواق، فكان التسيير بشراكة معهم”.
وتابع أفيلال بأن “الأسواق التي لم تنجح؛ كان الحال فيها أن أتينا بجمعيات لا علاقة لها بأولائك التجار لتسيير الأسواق النموذجية، وكانوا يفرضون عليهم إتاوات وتسديد فواتير الكهرباء والماء بمبالغ ضخمة، ما دفع التجار إلى الخروج والعودة لعرض السلع أمام السوق النموذجي”.
وأشار النقابي ونائب عمدة الدار البيضاء إلى أن “قانون المالية الجديد لسنة 2024 جاء بمقتضيات تنص على دعم ومواكبة إدماج القطاع غير المهيكل، وهذا الإحداث للأسواق النموذجية يدخل في هذا السياق ويجري العمل عليه”. مضيفا: “هذا مهم بالنسبة لنا سواء كتجار أو كدولة، لأن الكثير من الناس يشتغلون بالقطاع غير المهيكل”.
Laisser un commentaire