من حق رئيس الحكومة، بحكم المهام المناطة به للسهر على ضبط إيقاع العمل الحكومي، أن ينتفض غاضبا بعد واقعة مغني الراب “طوطو”، وعلى علاقة أحد وزرائه بما حصل.
ولكن طريقة تعامل رئيس الحكومة مع هذه الضجة لم تكن واضحة وسليمة، وبالتالي تسببت في أضرار كثيرة، بل بكسور جسيمة في الجسم الحكومي.
حقيقة أن الوزير بنسعيد، ربما لصغر سنه وحداثة عهده بتدبير الشأن العام، وقع في أخطاء زحزحت حقيبته، وكشفت عما بداخلها من أوراق مبعثرة، ولكن رئيس الحكومة هو من كان عليه أن يوجهه بعيدا عن الحساسيات الحزبية، وينير طريقه بصفته قائد السفينة، لا أن يتركه وحيدا تتقاذفه أمواج الغضب العام، أو أن يتربص له عند منعرج الطريق للإيقاع به، وإخراجه من نافذة أول تعديل حكومي مقبل.
من جهة أخرى، كان بإمكان رئيس الحكومة أن يحادث الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، ليطلب منه التدخل قصد إرشاد الوزير، وقصد المساعدة على إخماد نيران الضجة الاجتماعية التي اشتعل فتيلها وتطاير شررها في غياب إطفائيين محنكين في الأغلبية الحكومية. ولكن الذي حصل هو أن وزير العدل الذي انتظر المواطنون “شفاعته”، دخل إلى المسجد بنعليه، وأضاف الزيت على الجمر، حين برر أخطاء الوزير المنتمي لحزبه، وشرعنها بشكل تواصلي مجحف وهزيل. وهنا يصبح رئيس الحكومة على صواب لأنه يعرف “خروب بلاده وقياس براده”، وهذا ما يمكن فعلا أن يجرف الانسجام الحكومي مع أول سيلان قبل الفيضان.
ولنفترض أن خطأ المهدي بنسعيد كان جسيما، فالسؤال الذي يبدو طرحه منطقيا هنا هو: لماذا لم يشهر رئيس الحكومة البطاقة الصفراء في وجه عضو حكومته؟ ولماذا خول الأمر لمساعده في الحزب مصطفى بايتاس، الذي هو مجرد زميل لبنسعيد داخل التشكيلة الحكومية، وبالتالي فهذا سيشبه إلى حد كبير حكم المباراة، الذي يسلم البطاقات التنبيهية والتأديبية أثناء مباراة كرة القدم لحكمي الشرط، كي يشهرانها في وجه اللاعبين؟
طبعا يبدو أن الأمر ليس تعبيرا عن العجز من رئيس حكومة متمرس بحكم عدد السنوات التي قضاها في العمل الحكومي، ولكن قراءة رئيس الحكومة تبدو في غالب الأمر استشرافية للمرحلة المقبلة، لأنه إذا نبه الوزير اليوم فهذا سيعفيه من إشهار الورقة الحمراء غدا، وفي هذا يقول المغاربة مثلا فصيحا: “تبكي أمه ما تبكي امي”.
إن عثرات المهدي بنسعيد تبدو ضعيفة وإن كانت علنية، أمام الأخطاء الكثيرة والمتراكمة التي يقع فيها وزراء آخرون داخل الحكومة، ومنهم مثلا: عبد اللطيف وهبي، وفاطمة الزهراء المنصوري، وفاطمة الزهراء عمور، وغيثة مزور، وعبد اللطيف الميراوي وغيرهم، ولذا فمن العيب أن نكيل بمكيالين في مثل هذه الأمور، ونجعل من أخطاء الوزير الشاب مطية للركوب أو مشجبا يعلقون عليه كل أخطاء الحكومة.
وفي ذات الوقت، إن غضّ الطرف عن بعض الأخطاء التي يقع فيها الوزراء أثناء ممارستهم للتدبير يتسبب لا محالة في تراكم المشاكل واضطراب العمل الحكومي، وبالتالي فسيتعرض هذا العمل للشرخ والانكسار. ولعل هذا ما حصل فعلا بعد واقعة المغني الفوضوي طوطو بالرباط، وبعد نازلة البولفار بالدارالبيضاء، اللتين تلتهما حادثة شاذة عن العقل والحكمة، وهي اكتشاف مستشار مندفع في وزارة المعرفة والثقافة والتواصل، والذي تم إبعاده مباشرة بعد الخرجة الانتقادية الهادئة للفاعلة بدرية عطا الله في برنامج “ديرها غا زوينة”. إلا أن إبعاده لم يتم بشكل تأديبي أو ردعي، بل بشكل جد هاوي ومبتدء، عبر مجازاته بالعمل في شركة خاصة متعاقدة مع الوزارة نفسها، أي أنهم طردوه من النافذة وأدخلوه من الباب، وهذا ما يسميه أهل البادية المغربية: “قرصات ولدها ومللي عطاها للبكا حطات ليه حلوة في فمو”.