
حميد زيد – كود//
كنا نذهب رأسا إلى الصفحة الأخيرة في الجريدة.
من أجل صورة النجمة أولا. ثم من أجل المنوعات والطرائف.
فقد كانت صور النساء نادرة قبل سنوات من الآن.
وكن مثيرات.
و كانت خطوط التحرير في الصحافة المكتوبة تعرف ذلك حق المعرفة. وتعرف حاجة المغربي إلى تلك الصور. ولكي نشتري الجريدة. فقد كانت تغرينا بها. و توظف هذا السلاح. كي نصير من قرائها الأوفياء.
كما كان يقع أحيانا نقاش مجتمعي وسياسي حول صورة ممثلة أو مغنية أو عارضة أزياء في صفحة أخيرة.
كان هناك اختلاف حولها. ومن مع. ومن ضد الصور.
كان هناك من يحتج على نهد بارز. وكان هناك من يدافع عنه.
كنا في ذلك الوقت منشغلين كثيرا بمثل هذه الأمور التي لا يمكن تصديقها في الوقت الحالي.
كنا أبرياء.
وكان المغربي يقتني جريدته المفضلة ليحملق في صورة.
و تثيرنا شقراء في جريدة.
و يثيرنا وجه. أو عين. أو شفة. ويثيرنا فستان.
وبعد أن صارت صور النجمات متاحة.
ولم يعد “القارىء” يبحث عنها في الصفحة الأخيرة من الجريدة. بعد أن أصبحت كل الأخبار وكل الصفحات منوعات وطرائف.
وبعد أن تغير العالم فصارت الصحافة كلها والصحف كلها صفحة أخيرة.
وبعضها اختفى وصار ذكرى من الماضي.
وبعضها أغلق بسبب الأزمة.
بعد ذلك ظل الصحافيون لوحدهم في هذا الوجود . لكن بلا جرائد. وبلا صفحة أولى. ولا أي صفحة.
مثل مواطنين بلا بيت.
مثل لاجئين يبيتون في العراء.
ولم تختف الصفحة الأخيرة لوحدها. بل اختفى أيضا “البنط العريض”.
فمن يتذكر هذه الكلمة التي لم يعد يستعملها أحد.
من يتذكر العناوين.
من يتذكر المبدعين في هذا الفن.
من يتذكر وظيفة سكرتير التحرير.
ليعوض كل ذلك “عاجل” و”انفراد” و”خطير” و “تفو” و “ها لي گالت گود”.
ومن يتذكر”الترويسة” التي اختفت هي الأخرى
وعوضتها الأسماء المستعارة. وحاملو الهواتف. والميكروفونات.
وقد كنا نبدأ صباحنا بالصفحة الأخيرة. وبالجمال. والطرائف. والمنوعات.
كانت مثل المقبلات.
كانت الصفحة الأخيرة تفتح شهيتنا للقراءة.
ثم نمر بعد ذلك إلى ما هو جدي. وإلى الصفحة الأولى. وإلى السياسة. وإلى الصفحة الثقافية. وإلى الرأي. وإلى الأعمدة.
وقد كانت لنا جرائد مغربية. وأخرى تطبع في لندن.
وكان الواحد منا يشتري ثلاث أو أربع جرائد.
ومجلة أو مجلتين في الأسبوع.
قبل أن يصبح كل شيء صفحة أخيرة.
وقبل أن تصبح الكرة الأرضية كلها منوعات وطرائف.
وصور الفنانات متاحة ومتفشية ولا تثير ولا تغري أحدا.
وقبل أن يختفي الورق. وتختفي العناوين
وتختفي الشبكة. والكلمات المتقاطعة وتختفي القراءة.
وتختفي كل الصفحات.
وتظهر الشاشة. التي لا صفحة أولى لها. ولا أخيرة. بل فقط ضوء يبهر العيون. ويعميها.