متابعة
يبدو أن نظام العسكر في الجزائر عازم على الاستمرار في لعب مشاهد السيرك السياسي، على مرأى ومسمع من الأفارقة والعالم، والتي أصبحت محط تندر وتفكه كل الملاحظين لسلوك هذا النظام على الساحة الدولية، بعدما نضب مخزونه من أي مناورات قد تخرجه من مسلسل الانكسارات، التي يعيشها منذ مدة، ولم يعد في جعبته سوى تحويل قاعات اجتماعات دول القارة مع شركائها الدوليين، إلى منصات يلعب فيها آخر مسرحياته في مسلسل العبث هذا، عندما شوهد أحد أعضاء “بوليساريو”، الذي دخل إلى التراب الياباني بجواز سفر دبلوماسي جزائري، (شوهد) يتسلل نحو قاعة اجتماعات قمة “تيكاد” التي تنعقد بطوكيو، وهو يخبئ جمهوريته المزعومة في حقيبته، ليندس بين المشاركين ويضع خلسة على طاولة الاجتماعات، يافطة كيان غير مدعو لهذا المحفل، الذي يجمع دول القارة مع اليابان.
مشهد التسلل هذا يختزل كل الحديث عن مولود غير شرعي اسمه “بوليساريو”، أنجبته الجزائر في ظلمة ليل، وتريد أن تفرض له اسما غير شرعي في محافل التعاون الإفريقي مع العالم. غير أن امبراطورية اليابان، البلد المضيف للحدث، كانت كعادتها حازمة أمام رعونة حكام الجزائر، الذين خاطبهم وزير الخارجية الياباني في كلمته الافتتاحية، بلغة مرغت أنوف الحاضرين من دبلوماسيي تبون، الذين لو أنهم فهموا فحواها، لانسحبوا في صمت من هذا الحدث.
واعتبر تسلل عضو “بوليساريو” نحو القاعة بهوية جزائرية، لا يعني أي اعتراف أو إقرار بشرعية هذا الكيان غير الشرعي. وكأن الوزير الياباني يهمس في أذن الجزائريين، بأن كل حركاتهم الرعناء، لم ولن تضفي على كيانهم المصطنع شرعية لن ينالوها مهما شقوا في ذلك.
يذكرنا ما يقع على هامش قمة “تيكاد” بالعاصمة طوكيو، بمشهد آخر سبقه قبل ثلاث سنوات، حين رعى العسكر في الجزائر، إحدى أكبر العمليات التدليسية المفضوحة في تاريخنا المعاصر، وأكثرها سخرية وطرافة، حيث خطط لتهريب ابراهيم غالي نحو التراب الإسباني، قصد الاستشفاء، تحت اسم وهوية جزائرية مرة أخرى، ليضمنوا له التسلل نحو إسبانيا، بعيدا عن أعين القضاء، الذي يلاحقه بتهم ثقيلة بجرائم ضد الإنسانية ارتكبها هذا المجرم بمخيمات تندوف.
فكيف لدولة ذات سيادة أن تُزور هوية من تدعي أنه رئيس دولة وتسهر على تسلله ليلا إلى تراب دولة أخرى ذات سيادة، وتعيده عاجلا وعلى طريقة المهربين إلى ترابها، بعد أن انفضح أمرها أمام العالم، لولا أن كل هذه العملية التدليسية هي أصلا من فعل العصابات المتخصصة في ارتكاب الجرائم العابرة للحدود؟
غير أن حكام الجزائر، وهو منهمكون في مشاهد السيرك السياسي، التي ينتعشون بتمثيلها، لا يدركون أن المغرب ماض في مساره الذي اختاره لنفسه، وجعل من منهجه في تحقيق الانتصارات، العمل في صمت بعيدا عن البهرجة، ومراكمة النجاحات التي تضرب مناورات الجزائر في مقتل.
فحركات الجزائريين الرعناء بطوكيو، تأتي على وقع الألم الذي أصابهم بعد الاعتراف الفرنسي التاريخي بسيادة المغرب على صحرائه، والذي أخرج تبون عن طوعه مرة أخرى، ولم يكن له إلا أن يسحب سفيره، تعبيرا عن غضب لم يعد يفارقه، مع توالي انتصارات المغرب. كما أنها تأتي أياما بعد فتح جمهورية تشاد لقنصليتها بمدينة الداخلة، لتنضاف لأكثر من نصف دول القارة الذي يعترفون بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، وتتلوها بعد ذلك بأيام جمهورية الدومينكان.
لم يعد للحكام بالجزائر بدا من اعتناق الواقعية، وإنهاء حالة الشرود التي يعيشونها، والتي تكلفهم من الميزانيات والجهد الديبلوماسي، ما قد يجنبهم كل المشاكل التي يتخبطون فيها، إن هي استثمرت في الاتجاه الصحيح.
فلا مكان لكيانات وهمية داخل منظومة دولية تبحث عن التعاون والتكامل بدل الصدام. وهو المنطق نفسه الذي يحرك المغرب في اتجاهه نحو العالم، غير أنه يصطدم بجواره الشرقي، الذي لا يزال مرتهنا لخطابات وسلوكات عفا عنها الزمن، نابعة بالأساس من نرجسية نظامه، الذي سيجد نفسه إن عاجلا أم آجلا خارج كل المعادلات الدولية، ما لم ينه العبث الذي يغذيه منذ عقود بمخيمات تندوف..
عن جريدة الصباح
Laisser un commentaire