
حميد زيد – كود//
هذه الحرية التي يدافع عنها البعض هذه الأيام غير موجودة في أي مكان.
ولا أي بلاد.
ولا في أمريكا. ولا في فرنسا. ولا في الصين. ولا في حريستان. ولا في أي دولة.
هذه الحرية لم يسبق لي أن رأيتها.
هذه الحرية التي يطالب البعض منا بأن تكون في المغرب كثيرة على الحرية.
وفائضة.
و جد مكلفة. ولا يمكن استيعابها.
ولم يسبق لي أن سمعت بمؤسسة رسمية تمنح الدعم لتصوير الأفلام. لنأتي لها بصوت مغنية ضد المغرب. وضد وحدته الترابية.
ويجب أن لا تكون سلطة في المغرب حتى تظهر مثل هذه الحرية.
يجب ألا تكون هناك دولة.
يجب ألا يكون هناك مغاربة.
يجب ألا تكون هناك رقابة.
يجب أن نكون في الجنة حتى ننعم بمثل هذه الحرية.
وليس هنا.
ليس في الأرض. وفي الدول. وفي المجتمعات. وفي المؤسسات.
يجب ألا يكون أحد هنا.
يجب أن نكون في السينما. والسينما معلقة في اللامكان.
يجب أن نكون في دول من خيال.
وفي سلطة من أحلام.
يجب أن نكون في عالم خال من الدول. ومن النزاعات. ومن الحدود. ومن السلط. ومن السياسة. ومن الانتماءات.
حتى نحتفي بالجمال الذي يخلو من السياسة.
وبالجمال من أجل الجمال.
وما وقع هو خطأ.
ما وقع هو إهمال من المركز السينمائي المغربي. ويجب أن يصحح.
ويجب عليه أن يعتذر.
هذا كل ما في الأمر.
أما في ما يتعلق بموضوع الحرية. فمن هذا الذي يرفض أن يكون معها.
من هذا الذي يرفض أن يكون حرا ومستقلا.
لكننا نخلط كثيرا في المغرب هذه الأيام.
لكننا نظلم السلطة ونعتدي عليها حين نطلب منها أن تعتبر تلك المغنية مجرد صوت جميل.
لكننا نظلمها حين نطلب منها أن تنبهر بالموسيقى.
وأن تتذوق الفن.
وأن تكون متفهمة. وأن تنتصر للجمال. وأن لا تمارس أي رقابة.
لكننا نكثر عليها في الحقيقة.
وأنا أعتبرها ضحية.
أنا متضامن مع السلطة التي يسعى البعض إلى إفراغها من كل سلطة.
ونريدها أن تكف عن أن تكون سلطة.
فلا سلطة في العالم متساهلة إلى هذا الحد.
ولا سلطة في العالم منفتحة إلى هذا المدى.
ومتساهلة. وفنانة. وتقدر الجمال. وتعتبره فارغا من السياسة. ولا يحيل إلى أي شيء.
ولا يعني شيئا.
وفي البلاد الغارقة في الحرية من المستبعد جدا أن يتم الاحتفاء بصوت عدوها.
في البلاد التي تبدو غارقة في الحرية كل شيء موجه.
والحرية موجهة. وخطاب التمتع بها موجه.
ولا صدفة.
ولا جمال من أجل الجمال. ولا حرية من أجل الحرية.
ولا يقل لي أحد إنه مجرد صوت.
وإنه رائع. وآسر.
أنا لاأصدق من يقول هذا الكلام.
كأن لا أصوات في المغرب حتى نضطر إلى اللجوء إلى هذا الصوت.
كأن لا أصوات في النيبال. وفي المالاوي. وفي الطوارق. وفي الصحراء.
كأن لا اختيار أمامنا.
كأن لا موسيقى.
فالصوت ليس بريئا في السينما وفي كل الفنون.
والأسماء ليست بريئة.
والحجر ليس بريئا. والليل. والعين. والنظرة. والحركة. والجمود. والجلبة. والصمت.
الصمت بدوره ليس بريئا مهما ادعى العكس.
ومهما دافع عن نفسه.
ومهما قال أنا مجرد صمت. ولا أحد يسمعني. فما بالك بصوت صارخ. وضاج. يرفع الشعارات. ويصفنا بالمستعمر. ويريد أن يتحرر منا.
وهذا كثير على أي سلطة.
هذا محرج لها.
هذا يفوق قدرتها. ويحولها إلى لا سلطة. وإلى نقيض دورها.
هذا لا تتحمله أي رقابة مهما كانت مع الحرية.
ومن مساوىء الدعم أنه يفرض عليك الالتزام بشروطه.
وما عليك إلا أن تلتزم بها.
أو ترفض الدعم وتتمتع بحريتك.
أما الحرية فلا دخل لها في ما حدث.
الحرية دائما مشروطة حين تكون مدعوما.
ولا دولة في العالم تمنحك المال هكذا. ولوجه الله. ومن أجل “الفن” و من أجل”الجمال”.
ومجانا.
فكل شيء بمقابل.
كل شيء من أجل الدولة.
وكل شيء له معنى. وكل شيء سياسة. فما بالك. بصوت مغنية. وليست أي مغنية.