الأحداثمحمد اعويفية
هذه أول مرة أبدأ بالعنوان رأسا مكسرا عادتي في وضعه كآخر شيء أختم به ما أكتب. فما أظناه من شعور يخالجني، وما أشقاه من إحساس وأنا أرى الصحفي المستقل حميد المهداوي يصارع ويقاتل وحيدا، ونحن واقفون نتابع مقهورين بالحسرة لاحول لنا ولا قوة، غير قادرين حتى على التصريح بتضامننا معه وإعلانه جهارا .
تحية تقدير لهذا الرجل الوطني الحر الرائع الذي يعيش أعظم لحظات عمره شامخا عزيز النفس، متجاوزا خط الخوف بسلام في مثل هذه اللحظة المرعبة والمخيفة التي يعرف فيها مسار الحقوق والحريات نسفا وإجهازا لم يسبق لهما مثيل، و على كل ما راكمته البلاد خلال العقود الأخيرة، وجعلها كما نعلم تتبوء مكانة مميزة إقليميا وقاريا.
الباعث على الغرابة و المحير أكثر، هو موقفنا نحن و موقف الأحزاب و الهيئات الممثلة للصحافة وكل الفاعلين تجاه ما يحدث، وتجاه هذه الردة الحقوقية الغريبة في هذا الوقت بالذات بعد العفو الملكي على الصحفيين بمناسبة مرور خمس وعشرين سنة على حكمه للبلاد، هذا العفو السامي الذي اتسع وانشرح به صدر البلاد، وثمنه بعد ذلك العالم بأجمعه وباركه، فمن غير المعقول أن نبقى هكذا سلبيين بلا ردة فعل حتى وإن جاءت ردة فعلنا هذه كلمة تضامنية يكتبها كل واحد بوجدانه وانفعالاته، ويترك صداها يتصاعد عاليا. قد يقول قائل أنك واهم حالم وأن أي كلمة تكتب اليوم تولد ميتة بلا طعم ولا رائحة ولا حتى لون، وسيرتفع صداها كما قلت عاليا لكنه سينفجر بلا أثر مثل فقاعات الصابون في الهواء، ومع ذلك لابد من كلمة تضامن تكتب لتصل فتعطي على الأقل جرعة أمل ودفء، فنحن جمهور عريض محترم عاقل وناضج لايمكن أن نظل هكذا كائنات شاحبة مخطوفة اللون تعيش كالموتى بضمائر مرهقة مثقلة بالعجز وضعف الحيلة، ونترك الرجل يخوض معاركه الطاحنة وحيدا بلا ظهر سوى مبدئه و إيمانه بالكلمة وبدوره كصحفي يدافع و يقاوم، كي لا تصير البلاد كليا خاضعة للشيطان المتمثل في الفساد .
يدرك حميد المهداوي أن العالم بأسره يتابع معركته التي يخوضها بنار الكلمة ولا نار غيرها، كما يدرك طبعا أن ما يحياه وحده رغم الآلام والأوجاع، يعد لحظة فداء تاريخية يتذوقها ويستمتع بها، لأنها معركة من أجل سمعة البلاد و سمعة مؤسساتها وتاريخها الحقوقي، وستكتب لامحالة بمداد الفخر والعزة في سجلات التاريخ وفي ذاكرة الشعب خالدة إلى الأبد.
ما قلته ليس من فرط العواطف أو نتيجة زوبعة من المشاعر، كما أنني لستُ هنا لأتغنى بخصال حميد المهداوي فشخصه يتحدث عنه ،ولكنه تعبير عن موقف تضامني بسيط متواضع حتى لا أظل هكذا أتابع الرجل بانبهار وشغف كبير سلبي ممتع، وهو يقدم قطعة من عمره باشتياه و تضحية قربانا ليعيد للصحافة دورها واحترامها كسلطة مؤثرة وكرقيب محايد لما يقع في سيرورة بناء المجتمع والوطن، وأنا هنا كالأخرس بلا ردة فعل.
Tags :الصحافةالمغربالمهداويهيئة التحرير17 نوفمبر، 2024
إقرأ الخبر من مصدره
Laisser un commentaire