السويني يقيم توجهات قانون مالية 2023 ويعدد تأثيره على القدرة الشرائية للمغاربة للحد من أزمة التضخم

Écrit par

dans

برلمان. كوم – عماد اشنيول

صادق المجلس الوزاري، المنعقد في الرباط يوم الثلاثاء الماضي برئاسة الملك محمد السادس، على التوجهات العامة لمشروع القانون المالي لسنة 2023، فيما قدمت وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي يوم الخميس بالبرلمان ضمن جلسة عمومية مشتركة هذا المشروع الذي يأتي في سياق دولي غير مستقر، واستمرار أزمة التضخم بالمغرب.

ويسلط أستاذ التعليم العالي والباحث في المالية العامة والعلوم السياسية المنتصر السويني الضوء ضمن هذا الحوار مع ”برلمان.كوم”، على تقييم التوجهات العامة لمشروع قانون مالية السنة المقبلة، ومدى إمكانية تأثيره إيجابا على القدرة الشرائية للمواطنين، وما إذا كان المغاربة من خلال هذا المشروع مع عهد جديد من التدبير العمومي للحكومة.

وفي ما يلي نص الحوار:

بداية، ما هو تقييمكم للتوجهات العامة لمشروع قانون المالية المقبل؟

من خلال التوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2023 يتضح  أنها توجهات ثقيلة، هذه التوجهات أراد من خلالها العقل المركزي للدولة توجيه إشارات قوية تهم الحاضر (مشروع القانون المالي)، وتهم كذلك المستقبل (الإصلاحات التي تندرج في إطار الزمن الطويل).

 وهنا وجب التأكيد على أن التوجهات الأساسية لمشروع قانون المالية المقبل، جعل المتتبعين يستشفون أن هذه التوجهات العامة تتجاوز بكثير التوجهات العادية والروتينية لمشاريع قوانين المالية، لتنتقل إلى مستوى رسم خارطة الطريق بالنسبة لعدد من المؤسسات بينها ( مجلس الوزراء-رئيس الحكومة-الحكومة) نظرا لكون هذه التوجهات العامة في حقيقة الأمر شيء أبعد وأشمل من مستوى القانون المالي، بل أن الأمر يتعلق في الواقع بمحاولة ترميم وترسيخ استراتيجية العيش المشترك.

التوجهات الكبرى لمشروع قانون المالية المقبل، هي إعلان ضمني عن وصفة تدبيرية  يستهدف من ورائها العقل السياسي المغربي رسم خارطة طريق تمكنه من التفوق في تدبير الأزمات المجتمعية من خلال القدرة على تنسيق الأفعال، لأن وحدها القدرة على تنسيق الأفعال من تمكن المجتمعات الحداثية من بناء ما يطلق عليه ”النظام الاجتماعي” الذي يبقى وحده القادر على ادماج الجميع حول تصور معين للبناء المشترك.

وبالتالي، فإن الأمر يتجاوز تحديد التوجهات العامة لمشروع قانون المالية إلى الانتقال إلى اجتماع لرسم خارطة طريق للمغرب تهم أساسا ترسيخ الدولة الاجتماعية (كما يراها العقل السياسي المغربي).

كما تجب الإشارة، إلى أن التوجهات العامة لمشروع قانون المالية المقبل، استهدفت في واقع الأمر إعادة ترميم المعادلة الكينزية المعتمدة على التطابق القائم بين ضرورات التنمية الاقتصادية والبحث عن عدالة اجتماعية في إطار دولة فاعلة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي.

 ومن أجل ترميم المعادلة الكينزية كان من الضروري تبني النظرة التدبيرية الشمولية التي ترى أنه لا يمكن تأسيس الدولة الاجتماعية دون الحاجة إلى مقاربة شمولية تشمل إجراءات تهم ثنائية (المصاريف-المداخيل).

كما أن التوجهات العامة لقانون المالية المعلن عنها تستهدف كذلك، وهذا هو الأهم، إعادة النظر في مهمة إعادة توزيع الثروة من أشخاص عموميين أو ذاتيين إلى أشخاص عموميين أو ذاتيين آخرين، بدل البقاء في المربع الأول لخلق الثروة وتوزيع الثروة الثابت (دون الأخذ بالمتغيرات التي يعرفها الوضع الاجتماعي). وفي هذا السياق وجب التأكيد على أن التركيز على اصلاح القانون التنظيمي للمالية والذي يعتبر بمثابة دستور مالي، هو بمثابة إعلان عن تحيين وتجديد علم المالية العمومية (الدستور المالي -إعادة تقييم المحفظة العامة وتحسين أدائها-الصفقات العمومية )، وبالتالي هو إشارة قوية من طرف المجلس الوزاري على تبني المقاربة التدبيرية الجديدة كما هي متعارف عليها في التجارب الدولية.

 المنتصر السويني، أستاذ التعليم العالي، باحث في المالية العامة والعلوم السياسية

كيف تنظرون إلى المحاور الأربعة المعلن عنها ضمن هذا المشروع ؟وهل بإمكان المغاربة أن يشعروا بوقع تلك الإجراءات على حياتهم المعيشية، خصوصا أمام الارتفاع المهول للأسعار؟

 في البداية وجب التأكيد أن الأجندة المؤسساتية في المغرب في الزمن الحاضر عرفت ازدحاما في المواعيد (الخطاب الملكي في افتتاح الدورة الخريفية-اجتماع المجلس الوزاري-اجتماع المجلس الحكومي)، هذه الأجندة المؤسساتية المزدحمة كانت تريد أن تعطي الانطباع للمجتمع أن هناك طبخة معينة يتم تهيئها على نار هادئة.

الملكية التدبيرية والسلطة التنفيذية في شقها التنفيذي (المهمة التقليدية المرتبطة بتنفيذ القوانين) والسلطة الحكومية في شقها التصوري، كانت تحاول أن تقدم أجوبة للشارع الذي يكتوي بنار ارتفاع الأسعار، من خلال ما يمكن أن يطلق عليه البحث الجماعي من أجل إعادة التفكير في إعادة بناء وترميم ما يطلق عليه ”العالم المشترك بيننا نحن المغاربة”، خصوصا وأن هذا العالم المشترك تعرض لهزات عنيفة مرتبطة بأزمة كوفيد والتضخم والحرب الأوكرانية وانهيار القدرة الشرائية للمغاربة.

الفيلسوفة الألمانية حنا ارندة عملت على تحديد مفهوم المشترك، حيث أكدت أن المشترك يتمثل في الإجابة السياسية على التنوع البشري، وبالتالي العمل على بناء المساحة المشتركة بين البشر ومكان الفعل وبروز الكلمة الحرة.

البناء المشترك لا يمكن فهمه إلا من خلال الإحساس الجماعي داخل المغرب أن الغني والفقير والذي يسكن في المغرب النافع والمغرب الغير النافع والذي يملك الرأسمال والذي يملك قوة العمل والعامل والعاطل والشيخ والشباب والأطفال والرجال والنساء، بأن هناك شيء مشترك من المفروض بناءه وترميمه عند اللحظات الحرجة (مرحلة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية)، حتى لا يشعر أي أحد بأنه وحده، وذلك من خلال تفعيل العقل الذي يشرف على توزيع الثروة وتوزيع الفائض من المتخم إلى المحتاج حتى نعمل على تثبيت أسس مفهوم العيش المشترك.

 كما ستؤكد الفيلسوفة الألمانية أن ”المجتمع هو  الشكل الذي من خلاله نعطي أهمية عمومية لمسألة ارتباط الأشخاص داخل المجتمع ببعضهم البعض”.

العيش المشترك يتطلب من المؤسسات السياسية في البلد العمل على ترسيخ حكامة جيدة لاحتواء ثنائية ”المستفيدين من العيش المشترك، وبالتالي يعبرون عن ذلك من خلال الطاعة والانخراط في العقد الاجتماعي والمقصيين من مزايا العيش المشترك والذين يعتبرون أن العيش المشترك لا يقدم لهم فوائد ملموسة تجعلهم ينضوون تحت لوائه وبالتالي يعبرون عن رفضهم لمبدئ العيش المشترك من خلال الاحتجاج”.

الإجابة التي قدمها العقل التدبيري والعقل التنفيذي والعقل الحكومي على مسألة ترميم وإعادة بناء استراتيجية -العيش المشترك- هي محاولة العمل على نوع من الخلطة التي تدمج بين ما يطلق عليه الدولة الموزعة (اليد المعلومة) وكذلك العدالة التوزيعية من خلال السوق (اليد الخفية).

 خصوصا وأن الراي العام الوطني كان ينتظر من الطبقة السياسية، ليس فقط توجهات جزئية في الزمن القصير (الزمن السنوي للقانون المالي)، بل توجهات عامة تتجاوز البعد السنوي وتهم أساسا المستوى الاستراتيجي والتي يفرض فيها، أن تؤطر ليس فقط الزمن القصير بل وكذلك الزمن المتوسط والزمن الطويل (خصوصا أمام التضخم والضربات المتتالية التي تلقتها القدرة الشرائية للمغاربة).

من أجل ترميم وإعادة بناء -استراتيجية العيش المشترك-

عملت التوجهات العامة لمشروع قانون المالية المقبل، وخصوصا الأولوية الأولى (ترسيخ ركائز الدولة الاجتماعية، تعميم الحماية الاجتماعية -تعميم التغطية الصحية الإجبارية لكل الفئات الاجتماعية -التعميم التدريجي للتعويضات العائلية، إعمال السجل الاجتماعي الموحد وتسريع تعميمه على جميع جهات المملكة، وتأهيل منظومة الصحة الوطنية -إصلاح منظومة التربية والتكوين-تسهيل الولوج للسكن عبر إقرار دعم مباشر من طرف الدولة في هذا المجال)، وكذلك الأولوية الثانية والتي تشمل (تفعيل القانون الإطار المتعلق بالإصلاح الضريبي من أجل وضوح الرؤية أمام الفاعلين الاقتصاديين من خلال اصلاح شامل للضريبة على الشركات، وكذا قطاع الأبناك والتأمينات بموازاة تخفيف الضغط الضريبي على الأجراء والمتقاعدين من الطبقة المتوسطة).

هذان الإجراءان كانا في الحقيقة إعلان رسمي من طرف العقل المركزي للدولة على تفعيل وتحريك ما يطلق عليه في علم السياسة -استراتيجية التعبئة الاجتماعية، هذه التعبئة الاجتماعية تستهدف تعبئة الموارد المرتبطة بالرأسمال والموارد المرتبطة بالعمل من أجل توزيع جزء منها على المقصيين والمهمشين والمنبوذين من استراتيجية -العيش المشترك، وبالتالي من السابق لأوانه الحكم على قدرة هذه الإجراءات رغم أهميتها وضرورتها على إيجاد حل لمسالة ضرب القدرة الشرائية ،خصوصا وأن السوق غالبا ما يكون له ردة فعل عكسية تعمل على امتصاص كل المبالغ الموزعة من طرف الدولة الموزعة .

هل يمكن القول إن المغرب اليوم يعيش عهد جديد من التدبير ؟

يتضح من خلال التوجهات العامة للقانون المالي الأخير، أن هناك مشروع وتصور طموح لتدبير عمومي جديد قد يشهده المغرب في المستقبل القريب، ولكن لا يجب تحميل الأمور أكثر من طاقتها فنحن نتحدث عن مشروع تدبير عمومي جديد في إطار الاستمرارية (وإن حدثت تغييرات جذرية )، كما أن الأمر يتعلق بتوجهات عامة لمشروع قانون المالية المقبل، ومن المعروف أن قانون المالية السنوي  ثلثه مخصص للتسيير، أي الجزء المتعلق بالحقوق المكتسبة واستمرارية الدولة، والثلث الثاني مخصص للاستثمار والباقي لأداء الدين وخدمة الدين، مما يوضح أن هامش التحرك اللحظوي مقيد جدا، ولكن التوجهات العامة عندما تتحدث عن تدبير عمومي جديد يهم التسيير والمداخيل، فإنه يتوخى البحث عن هامش تراكمي في المدى المتوسط والطويل من أجل توسيع هامش الفعل لدى السلطات السياسية في البلد.

كما وجب التأكيد، أن هناك شعور جماعي بأن النظام الاقتصادي الحالي (في غالبية دول العالم) هو نظام اقتصادي يترك على قارعة الطريق جزء متزايد من الطبقة المتوسطة والطبقة الشعبية، وبالتالي فإن غياب العدالة الضريبية يضرب في العمق أسس العيش المشترك.

 الفيلسوف جون راولس منظر العدالة الاجتماعية، يؤكد أن الفوارق الاقتصادية تبقى مقبولة إذا كانت هذه الفوارق تساهم في تدعيم شروط العيش الكريم للطبقات المسحوقة، وبالتالي من المفروض أن تمنح الأولوية لكيفية تحسين عيش الطبقات المسحوقة وليس للوضعية المالية للأغنياء، بل المفروض التأكد من أن الثروة التي يمتلكها الأغنياء تستفيد منها فعليا الطبقات المسحوقة.

المغرب اليوم وهو في مرحلة تجديد البوصلة الاستراتيجية والانفتاح على العالم الخارجي وتهييء المناخ للاستثمارات الأجنبية، ولهذا يصعب عليه عمليا عدم لعب اللعبة الدولية المعروفة والتي تعتمد على الإغراءات الضريبية (لصالح الرأسمال)، التي تبقى المحدد الرئيسي لجلب الرأسمال الدولي، ولكن هذا لا يمنع من العمل في إطار تعاون دولي على فتح الطريق في القرن الواحد والعشرين على الإبداع من أجل ابتكار ثنائية فاعلة للديمقراطية والانفتاح على العالم.

وفي انتظار ذلك يبقى المغرب اليوم بعيدا عن استراتيجية القضاء على الفوارق من خلال عدالة ضريبية (الرأسمال-العمل)، بل هو اليوم يحاول فقط أن يحسن في حدود الممكن من وضعية الطبقات الهشة من خلال إصلاح استراتيجية إعادة التوزيع بشكل جد محدود.



إقرأ الخبر من مصدره