باب ما جاء في ارتباط الموري باللحم و الشواء! اللحم هو روح المغربي ويسكن دواخله ويدخل في مقومات هويته الأصيلة

Écrit par

dans

حميد زيد – كود//

ينشغل المغربي الآن بأي شيء.

ويتفرج في “لولا الظروف”. و يتابع صوفيا طالوني. ويقرأ كتاب التحولات.

ويتخاصم حول المدونة.

ويختلق النقاشات.

كي ينسى اللحم.

لكن اللحم حاضر بقوة في عقل المغربي.

ولا يفارقه.

اللحم يسكن دواخل المغربي. و يدخل في هويته.

وهو في الغناء. وفي الرقص. وفي الطقس الجنائزي. وفي الأعراس.

وفي النوم. وفي اليقظة. وفي الليل. وفي النهار.

ولا يغيب لحظة.

اللحم هو روح المغربي.

اللحم يشمه المغربي من بعيد.

وهو في الغربة فيعود المغترب إلى بلاده من أجله.

ومن المهجر.

يحن مغاربة العالم إلى اللحم.

و ينشّ في ذكرياتهم. وفي أحلامهم. وفي خيالهم.

اللحم لا يغيب إلا ليحضر.

اللحم عندنا له طعم خاص.

ولا يمكن أبدا نسيانه. ولا تغطيته. ولا غض الطرف عنه.

أما ارتفاع ثمنه فهو أخطر على المغرب من تراجع معدل الخصوبة.

ومن الفساد. ومن ندرة الماء. ومن الاحتباس الحراري.

ومن كل التقلبات التي تقع في العالم.

اللحم قريب جدا من المغربي.

ولذلك لم يظهر عندنا نباتيون ولا فيغان.

إذ يقبل المغربي أن يموت من العطش لكنه يرفض أن لا يأكل اللحم.

واللحم الآن بمائة وعشرين درهما للكيلو.

اللحم مسألة حياة أو موت بالنسبة إلى المغربي.

إلا أنه بعيد في الوقت الحالي.

و يصعب على المغربي أن يلمسه. ويقترب منه. ويقطعه. ويشويه. ويحمره. كما كان يفعل في الماضي.

اللحم ليس متاحا للجميع.

و يمر المغربي من أمامه. وينظر إليه.

ويلف حوله.

ويتأمله.

ويفكر فيه كما يفكر في الوجود. وفي المستقبل. وفي الحياة.

وفي اللذة.

و يتخيله كثيرا ولذيذا في الحياة الأخرى.

ويبحث عن مواضيع وانشغالات عله ينسى غيابه.

متحدثا إلى الدجاج.

وإلى كفتة السردين التي غاب عنها الشحم.

لكن اللحم لا يفتأ يحضر. ويفرض نفسه.

ولا شيء يعوضه.

والاستلاب الحقيقي في المغرب هو أن نتحدث عن كل المواضيع ونغفل اللحم.

بينما هو قضية القضايا.

ومن الاغتراب الثقافي أن لا يحلله أحد.

ولا يفكر فيه أي مفكر. ولا يكتب عنه الفلاسفة. والشعراء.

ولا يخصص له أي برنامج.

ولا يتبناه أي مناضل.

ولا يتبناه اليمين رغم أنه في قلب الهوية المغربية.

وفي تاريخنا العريق الذي لم يخل يوما منه في عز الأزمات التي مررنا منها.

ولا يتبناه اليسار رغم الحاجة الملحة لاقتسام اللحم في المرحلة من تاريخ الصراع.

و رغم ضرورة توزيعه. وتقطيعه بالعدل بين المواطنين.

ولا يتبناه الإسلاميون رغم أن اللحم كما ذكرنا هو روح المغربي.

وهو في قلبه. وفي كل جوارحه.

ويحتاج إليه. ويشتاق إلى كيلو منه. وإلى رائحته. وإلى لونه. وإلى شحمه.

وإلى الهبيلة التي تكون معه.

وإلى إصابة كبد حقيقته.

بينما يبتعد الباحث عن موضوع اللحم لأنه يعرف أنه خطير.

وحساس. وطابو.

وحتى الصحافة التي تنتقد كل شيء. فإنها لا تتجرأ عليه.

و تخشى أن يطغى على تفكير المواطن.

و يهيمن عليه.

وقد حاولت السلطة أكثر من مرة استيراده. وتوفيره.

لأنها أدرى بخطورته وتأثيره الكبير على الاستقرار.

فشاهده الناس يركض حيا في الرباط ويتبعه إسحاق شارية.

ثم اختفى بعد ذلك ولم يعد يظهر له أثر.

ثم جيء به به مقطعا. مجهزا في أكياس.

لكنه لم يصل إلى أحد.

و منذ مدة طويلة والمغربي يفكر فيه بصمت.

محاولا تجنب إثارة موضوعه.

كي لا يظهر كم هو مشتاق إليه.

وكي لا يفتضح أمره.

وقد تحمل كثيرا. وصبر. وعانى. لكن إلى متى.

وكلما ظل اللحم بعيدا

وكلما حرم منه المغربي

فإن ذلك يشكل خطرا على الدولة

وعلى التعايش

و على الاستقرار.

وعلى الاستحقاقات المقبلة.

وقد يؤثر ذلك سلبا على عادات وتقاليد المجتمع.

حيث ليس بالخبز وحده يحيا المغربي

بل بكل لحمة وشحمة

تدخل إلى بطنه.

وقد طال الوقت و الموري ينظر هذه النظرة إلى اللحم.

متأسفا على الماضي

متذكرا المشوي. والمبخر. و طاجين المعزي.

و الأسواق الأسبوعية التي كان يذهب إليها الموري من أجل التهامه.

و المقاهي والمطاعم التي كان ينزل إليها أثناء رحلاته وسفرياته في الحافلات.

والمواسم التي كان كانت لا تخلو من من روحانيات ومن لحوم.

في طقس شبه مقدس. كان بمثابة حج أصغر للموري.

أيام سنوات الرصاص. وغياب الحرية

قبل أن تتغير بلاد المور.

و تعم الحرية

وتطوى صفحة الانتهاكات

ويغيب اللحم

و يشتهيه الموري لكنه لا يصل إليه.

وينشغل عنه

بالبيض. وبالدجاج.

و بأي شيء. و بصوفيا طالوني. وبلولا الظروف. وبالأمجاد. وبالانتصارات.

إلا أنه لا يكف عن الحضور.

في عين الموري.

وفي وجهه. وفي مشيته. وفي طريقة تدخينه. وفي تبرمه من كل شيء.

وفي عزوفه عن السياسة.

أما هذا التور الظاهر على المغربي

وهذا المزاج العكر

وهذا الجدل بين الفرقاء

وهذا العنف الكامن

وهذا الاحتجاج الصامت

الذي قد ينفجر في أي لحظة

فهو من أثر غياب اللحم على الأرجح.

إقرأ الخبر من مصدره