مصطفى البختي
يعرف مسار باماكو-الجزائر تصعيداً يمكن وصفه بالخطير، بعد ان استهدفت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، الموالية لتنظيم “القاعدة”، المعبر الحدودي “نيورو الساحل”، ليلة 6-7 يناير 2025، ومعلنة مسؤوليتها عن استهداف المعبر الدولي الذي يعتبر أهم مركز للتبادل التجاري بين موريتانيا ومالي. أسفر عن إصابة بعض السائقين دون تسجيل وفيات في صفوف السائقين ومساعديهم، وتعرض 30 شاحنة مغربية للنقل الدولي التي تعمل في مجال تصدير البضائع، كانت تتواجد به عند مرورها من الحدود بين موريتانيا ومالي، لأضرار مادية جراء ذلك، حسب ما أكدته الجمعية المغربية للنقل الطرقي العابر للقارات.
وهو الهجوم الإرهابي الذي وجه فيه الشعب المالي اصابع الإتهام للنظام العسكري الجزائري في وقفة احتجاجية ضخمة امام سفارة الجزائر بمالي يوم 9 يناير 2025، لدعوة النظام العسكري الجزائري إلى الكف عن أعماله الدنيئة والقذرة للتدخل في الشؤون الداخلية لمالي، وهو الاحتجاج الذي لقي دعما قويا من تحالف دول الساحل AES، الذي دعا النظام العسكري الجزائري إلى وقف عدائه ودعمه الجماعات الإرهابية والمتطرفة لزعزعة استقرار المنطقة. كما جاء بعد أقل من أسبوعين فقط، على بيان نشرته الخارجية في بامكو يتهم النظام الجزائري بتمويل وتشغيل الجماعات المسلحة لزعزعة الإستقرار في المنطقة، مما عزز فرضية اتهام السلطات المالية للنظام العسكري الجزائري بدعم واحتضان الجماعات الإرهابية والمتطرفة لضرب استقرار مالي، في حين اعتبر هذا الهجوم الإرهابي على الشاحنات المغربية العابرة على الأراضي المالية، هو عمل انتقامي وعدواني، قذر قد يكون بإيعاز من النظام العسكري الجزائري لزعزعة استقرار مالي من جهة، وعرقلة التعاون المغربي مع الدول الإفريقية، بعد نكساته الدبلوماسية وعزلته الإقليمية.
من جهة أخرى فمدينة نيورو التى لا تبعد سوى 80 كلم عن ولاية الحوض الغربي جنوب شرق موريتانيا، هي مقر إقامة شيخ الطريقة التيجانية العمرية المرتبطة بعلاقات وثيقة بالمغرب، مما يعزز شبهة احتمال كبير لتورط النظام العسكري الجزائري في هذا الهجوم الإرهابي، لضرب العلاقات الروحية للمغرب بعمقه الإفريقي. هذا إلى جانب معارضته المبادرة الأطلسية الإفريقية التي أطلقها جلالة الملك محمد السادس، وولوج دول الساحل من خلال توفير منفذ لها على المحيط الأطلسي للتبادل التجاري واستدامة تدفق السلع، وخلق رواج تنموي لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.
وهي المبادرة التي حاول النظام العسكري الجزائري جاهدا لثني دول الساحل من الانخراط فيها، من خلال مقترحاته الزائفة والوهمية، التي رفضتها دول الساحل متوجسة من مناوراته القذرة للتدخل في شؤونهم الداخلية، معتبرين أن المبادرة الأساسية التي يجب أن تقدمها الجزائر لدول الجوار والساحل خصوصا أن تكف أيديها وأن تهتم بشؤونها الداخلية المتأزمة والكارثية.
وبعد أن وصلت العلاقات بين الجزائر ومالي إلى مستوى من التوتر الحاد في اللهجة الدبلوماسية على إثر الاتهامات التي كالتها باماكو للنظام العسكري الجزائري واستهلتها بـ “دعم الجماعات الإرهابية وتواطؤها مع هذه المجموعات الإرهابية التي تزعزع استقرار مالي، وسماح النظام العسكري الجزائري بتسلل المسلحين من تراب الجزائر نحو الحدود مع مالي ورعايته نشاط هذه المجموعات”، منددة “بشدة بهذا التدخل السافر للجزائر في شؤونها الداخلية، وانحيازها إلى جانب تلك المجموعات، في محاولة للضغط على باماكو للعودة إلى اتفاق الجزائر بين الحكومة المالية والحركات المسلحة (الطوارق) لسنة 2015″، بما في ذلك دعمها لحركة “الأزواد” التي تسعى للإنفصال عن شمال مالي. وهو الإتفاق الذي أعلنت الحكومة المالية دفنه بشكل نهائي وبمفعول فوري في يناير 2024، نظرا إلى “التغير في مواقف بعض الجماعات الموقعة والأعمال العدائية من جانب الجزائر”.
معتبرة أن مالي لها من “الإمكانيات العسكرية والسياسية، ما يجعلها قادرة على رعاية أي مبادرة بعيدا عن الوصاية الأجنبية بما في ذلك الجزائر”، وهو ما انتقده العقيد عبد اللاي مايغا، لدى المسؤولين الجزائريين بشدة، خلال تدخله في الجمعية العامة. مستهدفا بشكل مركّز وزير الخارجية عطاف، وسفير الجزائر لدى الأمم المتحدة عمار بن جامع، وقال إن بلدهما “يؤوي إرهابيين”. بقوله: “أيها الوزير، الاتفاق قد مات بالفعل. تعويذاتكم لن تعيد له الحياة. ولكل رصاصة تُطلق ضدنا سنرد بالمثل، ولكل كلمة تُستخدم بشكل غير لائق، سنرد بالمثل. أما الممثلون الدائمون الجزائريون، فإلى جانب تقديم المأوى والطعام، بالتأكيد مع أطباق لذيذة للإرهابيين والمارقين، فإن دورهم كرسول مضطرب لا يسهم في تعزيز علاقات الجوار الطيبة”.
كما سبق ان دعت بماكو الجزائر إلى “توجيه جهودها نحو معالجة أزماتها وتناقضاتها الداخلية، بما في ذلك قضية القبائل والكف عن جعل مالي رافعة لتموضعها الدولي”. في إشارة للتوترات الداخلية التي تهز النظام الجزائري حاليًا. بعد أن أصبحت سرديته الثورية متخلفة أو غير متماشية مع العصر الحديث. وتآكل محاولاته لأدلجة الوعي الجمعي للجزائريين وتوجيه الإعلام الكازيرناتي لتشكيل العقول والوعي الجمعي للجزائريين، ببروباغاندا المؤامرة والالتفاف حول العلم، بإيديولوجية الحرب الباردة البائدة ممزوجة بتحالف مد إيراني، ليخلق في عالمه الآخر إيديولوجيته “الشيوشيعية” الجديدة، بما يخدم أهدافه للسيطرة على مقاليد السلطة، بتعزيز مصالحه الاقتصادية وتكريس نفوذه السياسي والعسكري، التي وضعته في أزمة داخلية وعزلة خارجية وازمات مع محيطه الإقليمي، فاقمتها هشاشته الداخلية المتمثلة في غياب إصلاحات جوهرية والاستياء المتزايد بين السكان، والانقسامات الداخلية داخل السلطة، سواء على مستوى الجيش أو الأجهزة الأمنية أو حتى الأحزاب السياسية المقربة من المرادية، لغياب الإصلاحات الهيكلية وللحكم الذي يُنظر إليه على أنه غير فعال في مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تواجهها الجزائر.
ويعتقد العديد من المراقبين أن الوضع السياسي في الجزائر هش، بجانب تراجع وتلاشي نفوذها في مالي بوابتها في منطقة الساحل، سيزيد من تعميق الهوة والأزمة مع مالي كما سيساهم غياب التنسيق الأمني من الجانب الجزائري مع نظيره المالي في تزايد التهديدات الأمنية في شمال مالي، واحتمالات اندلاع مواجهات عسكرية بشكل أوسع ضد الهجمات الإرهابية والتنظيمات المسلحة النشطة على شريط خط النار جنوب الجزائر، التي تسلل من الجنوب الجزائري، وما يشكله من تهديد للأمن القومي المالي. نتيجة تقارب النظام العسكري الجزائري مع الحركات المسلحة في الشمال المالي، وما يقدمه لها من دعم لوجستي، لإحراج السلطات المالية؛ وتحويل المنطقة إلى بؤرة توتر إقليمي، وبيئة مناسبة لنشاط العديد من التنظيمات الإرهابية هناك. من جهة دول تحالف الساحلAES، ومن جهة أخرى، ليكمل النظام عزلته القاتلة مع جواره، بعقدته الزعامة الإقليمية الوهمية بمفهوم المساحة الجغرافية، التي يغيب عنها التكامل والتعاون الإقليمي. الذي لن يتحقق مع الجزائر إلا بكف النظام العسكري الجزائري عن ايواء ورعاية الجماعات الإرهابية والإنفصالية. ومن ثم فإن المكاسب الاستراتيجية من التقارب تفوق بكثير حالة التوتر أو القطيعة التي تتورط فيها الجزائر على المستويين الثنائي والإقليمي.