منذ تزايد الانتقادات الأوروبية ضد سجل الجزائر في حقوق الإنسان وحرية الصحافة، وخاصة بعد قضية بوعلام صنصال، تبدي الجزائر ردود فعل غير متزنة أقرب إلى السخافة والبذاءة السياسية. أحد أبرز هذه الردود تمثل في قرار إعادة مراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من أن الرئيس الجزائري المعين عبد المجيد تبون حاول تبرير ذلك بمعطيات اقتصادية، إلا أن المراقبين يرون في هذه الخطوة تصعيدًا سياسيًا يهدف إلى إرسال رسائل واضحة إلى الاتحاد الأوروبي وفرنسا، بعد الانتقادات المتكررة الموجهة للنظام الجزائري.
يُحاول النظام تصوير مراجعة اتفاق الشراكة كخطوة لتعزيز الاقتصاد الجزائري، بزعم أنها تهدف إلى حماية الاقتصاد الوطني ودعم المنتج المحلي. ولكن الواقع يشير إلى أن الجزائر تسعى لإعادة صياغة الشروط لابتزاز أوروبا لتجنب الانتقادات المتعلقة بالحريات وحقوق الإنسان، وهو ما يعتبره البعض هروبًا من الالتزامات السياسية الدولية التي تعهدت بها الجزائر في هذا الاتفاق.
الاتفاق الذي دخل حيز التنفيذ في عام 2005، يُعتبر أداة أساسية لتنظيم العلاقات التجارية والاقتصادية بين الجزائر والاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، تصاعدت الشكاوى الجزائرية بزعم عدم استفادة الاقتصاد الوطني منه، بينما يرى مراقبون أن المشاكل الحقيقية تكمن في سوء الإدارة والاعتماد المفرط على المحروقات، وليس في بنود الاتفاق بحد ذاته.
الجزائر لم تكتفِ بالمناورة الاقتصادية، بل صعّدت بأساليب اعتبرها البعض طفولية، على غرار اتهام فرنسا بمحاولة “تشويه سمعة المنتجات الجزائرية” في الأسواق الأوروبية، مثل التمور والشوكولاتة. هذه الاتهامات تعكس حالة ارتباك سياسي أكثر من كونها خطة حقيقية للتعامل مع الانتقادات الدولية.
كما أن تصريحات المسؤولين الجزائريين حول تعزيز اللغة العربية والإنجليزية على حساب الفرنسية، وتوجيه حملات دبلوماسية ضد ما وصفوه بـ”التدخلات الأوروبية”، تكشف عن رغبة النظام في افتعال صراعات وهمية لصرف الأنظار عن الأزمات الداخلية.
في الوقت الذي تعاني فيه الجزائر من أزمات اقتصادية، بما في ذلك التضخم وارتفاع نسبة البطالة، يسعى النظام العسكري لتقديم نفسه كضحية لمحاولات “الهيمنة” الأوروبية. هذا النهج لم يُقنع الكثيرين، إذ يرون أن النظام العسكري يسعى لتأجيج المشاعر الوطنية لصرف الانتباه عن القضايا الداخلية الحقيقية، مثل غياب الحريات، وتدهور الخدمات، واستمرار الاعتماد على المحروقات.
ردود أفعال الجزائر تجاه الانتقادات الأوروبية والفرنسية تُبرز حالة من التخبط السياسي والافتقار إلى استراتيجية دبلوماسية ناضجة. بدلاً من الانخراط في حوار بناء وتحسين سجلها الحقوقي، تتبنى الجزائر سلوكيات عدائية ومناورات سياسية يُنظر إليها على نطاق واسع كتصرفات طفولية تهدف إلى التغطية على الأزمات الحقيقية التي تواجهها البلاد. إذا أرادت الجزائر فعلاً تعزيز مكانتها الدولية، فالحل يبدأ من الداخل: تحسين الحوكمة، ضمان الحريات، وتنويع الاقتصاد بعيدًا عن المحروقات، بدلاً من خلق صراعات غير ضرورية.