عاجل.. خمسون سنة سقطت اليوم على رأسي! أيها الخمسينيون. يا من عاشوا نصف قرن. أيها الكبار. أيها الشيوخ. لقد صرت واحدا منكم

Écrit par

dans

عاجل.. خمسون سنة سقطت اليوم على رأسي! أيها الخمسينيون. يا من عاشوا نصف قرن. أيها الكبار. أيها الشيوخ. لقد صرت واحدا منكم

حميد زيد – كود//

هذا اليوم ليس كمثل الأيام.

هذا اليوم فارق.

فقد استيقظت هذا الصباح مفزوعا ووجدت أني عشت نصف قرن.

نعم خمسون سنة.

أي خمسة عقود.

هذا اليوم أنا هو الحدث.

هذا اليوم أنا خبر عاجل. وفضيحة.

هذا اليوم أنا انفراد بنفسي. ولا يمكنني أن أتراجع إلى الخلف.

وهل أقف.

وهل أتقدم إلى الأمام.

هذا اليوم قررت أن أخاطب كل الخمسينيين. كي أقول لهم. أيها الكبار. أيها الشيوخ. أنا واحد منكم.

فقد كان الشخص عندما يبلغ الخميسن في الماضي يرى الموت ماثلا أمامه.

كان يفزع.

كان يقترب من نهايته.

وقد بلغت الخمسين اليوم.

ولم أدر بخطورتها إلا حين انتبهت إلى الأمر.

وقد كنتُ أظنني. وإلى غاية أمس شابا. وفي مقتبل العمر. إلى أن سقطت الخمسون سنة على رأسي.

كصخرة.

وقد أشفق علي أبنائي. وواسوني. وسخروا مني. لكل هذا العمر الذي بلغته.

ودون أن أدري اكتشفت أني عشت نصف قرن.

و يا لهول الكلمة. و يا لخطورة الرقم. والتفكير فيه. يا للرعب الذي يبثه في النفس.

يا لرمزية الخمسين.

يا للعد العكسي الذي يبدأ معها.

بينما كنت أظنني شابا.

كنت أمزح مازلتُ. وأكتب عن طوطو. وعن فتيحة. وأتسلى. وألعب.

كنت لازقا في الشباب.

كنت غافلا.

كنتُ مصرا على أن لا أكبر. ولا أشيخ.

كنت ألهو وألعب وأتغافل إلى أن سقطت الخمسون علي.

لكنها كانت “ألعاب العمر المتقدم”.

كانت ألعابا خطرة ولا أقدر عواقبها.

كانت حياتي حياة أخرى وغير واقعية.

وكنتُ غير واع بما أنا وصلت إليه. وبما صار يبدو لي ورطة.

وقد أيقظني إيرازم صاحب”في مديح الجنون” من طمأنينتي. وهو الذي كتب”لقد بلغت الخمسين، والحال أن قلة فقط من الناس وصلوا إلى هذه السن، لذلك أنا لا أملك الحق في التشكي كوني لم أعش ما يكفي”. ورغم سخريته. فقد ظهرت عليه الغبطة حين بلغ الخمسين.

لأن كثرا لم يكونوا يصلون  إليها في عصره.

فيا لحظ إيرازم.

أي أن الخمسين قبل ثلاثة أو أربعة قرون كانت تعني الشيخوخة.

كانت تعني المرض. والعجز.

كانت تعني بداية النهاية.

ومن بلغها فقد عاش الحياة طولا وعرضا.

وهو الأمر الذي تحدث عنه ميشيل دو مونتين بدوره.

وفي المعجم الذي خصصه الفيلسوف الفرنسي المعاصر أندري كونت سبونفيل لمونتين هناك حديث أيضا عن هذه المسألة.

وعن معنى الخمسين اليوم ومعناها في الماضي.

وفي الماضي هي شيخوخة.

واليوم “يمكننا أن نكون أكثر سعادة ونحن في الخمسين مما كان عليه الحال ونحن في العشرين من عمرنا، وهذا يحدث كثيرا في الوقت الحالي بفضل تقدم الطب والأنظمة الغذائية الصحية، مقارنة بعصر مونتين”.

يمكننا أن نكون أكثر شبابا.

يمكننا أن نكون في صحة جيدة.

يمكن أن لا تظهر علينا “تجاعيد الروح”.

بينما هناك من بلغ الخمسين اليوم ومازال يبحث عن عمل.

هناك من بلغ الخمسين ومازال يبحث عن شريكة حياة.

وعن الحب.

وأغلبنا اليوم لم يضمن بعد مستقبله في المغرب رغم أنه بلغ الخمسين.

وهناك من مازال له أمل في النجاح.

وهناك من مازال يحاول أن يتألق في الخمسين.

وقد بلغتها.

بلغت الخمسين ومازلت لا أصدق.

ومازلت أظنني في مقتبل العمر.

لكن أي قدر هذا الذي قادني إلى أن أصادف في طريق قراءتي إيرازم.

وأفكر فيه.

وأعود إليه من جديد.

وهل صدفة أنه تحدث عن الخمسين.

وهل صدفة أيضا أنه ولد مثلي في 28 أكتوبر.

وهل صدفة أن يكون واحد من شيوخي. ومن أحب الكتاب إلي. هو من نبهني إلى خطورة هذا الرقم.

وهل أرسله إلي.

وهل صرت أخرف.

وهل هذه واحدة من علامات الشيخوخة.

ولي أصدقاء بلغوا الخمسين قبلي لكنهمم أخفوا ذلك. وتظاهروا بأنهم لم يبلغوها.

ولم يخبروا أحدا.

لكني لن أفعل مثلهم. ولن أخاف منها. ولن أستسلم للخمسين. ولن أبالي بها. ولن أهتم. ولن أبلع لساني. ولن أسكت.

وسأواجهها.

وسأستمر كما كنت شابا.

تجذبني الخفة. والموضة. والغناء. والحياة. والجديد.

وأقول لأصدقائي من يبلغ الخمسين منكم فليرمني بحجر.

فما الفرق.

لا فرق أبدا بأن تموت اليوم أو غدا. كما لقنني معلمي ماركوس أوريليوس في تأملاته.

ف”لم كل هذا الهلع” أيها الخمسينيون.

ففي الخمسين بالضبط خرج الدون كيخوط من بيته وبدأ رحلته.

وعاش أوهامه.

وكم من حياة بدأت في الخمسين.

وكم من شخص ولد في الخمسين.

أما حين سنموت. فلا فرق.  ولن نكون على معرفة بذلك.

ولن تكون هناك حياة.

إقرأ الخبر من مصدره