
حميد زيد – كود//
كان الإضراب العام غائبا خلال كل هذه السنوات.
كان مبعدا.
كان منفيا.
كان مطرودا من العمل النقابي.
كان الإضراب العام مخزّنا. وملفوفا. في مقرات النقابات المركزية.
كان متخلى عنه.
كان من الماضي.
كان مطويا بعناية في دولاب الكونفدرالية الديمقراطية للشغل.مع حبات نفتالين.
و كان الميلودي موخاريق يخبئه في قبو الاتحاد المغربي للشغل.
ويمنعه من الخروج إلى الشارع.
مبعدا إياه عن أعين العمال والموظفين.
كان الإضراب الوطني ذكرى من الماضي.
كان مرتبطا في أذهان المغاربة بأحداث أليمة. وعنيفة.
وبدبابات و مزنجرات للجيش تتجول في شوارع الدار البيضاء.
و باعتقالات بالجملة.
كان الإضراب العام سلاحا في يد نقابات المعارضة.
ثم فجأة اختفى.
ولم يعد أحد يلجأ إليه.
في عقود طويلة من السلم الاجتماعي. ومن الحوار المثمر بين الحكومات المتعاقبة والتمثيليات النقابية.
كان الإضراب العام مخيفا للسلطة.
و كانت التعبئة له قوية. في النقابة. وفي جريدة الاتحاد الاشتراكي.
كان حديث كل المغاربة في المقاهي.
وكان هناك نوبير الأموي.
كانت كلمة واحدة منه قادرة على على تعطيل العمل في كل القطاعات.
قبل أن نتوافق في ما بيننا.
و قبل أن يصبح ممثل العمال حليف رب العمل.
و قبل أن يسود الخب في علاقة بين طرفين من طبيعتها أن تظل متوترة.
و قبل أن تختفي الحاجة إلى العمل النقابي.
الذي اقتصر دوره على احتفالات باهتة مرة في السنة.
تزينها عاملات آسيويات. وقرع ضاج على الطبول.
لكن الإضراب العام على ما يبدو ظهر من جديد.
بعد أن نفضت عنه تلك النقابات الغبار
محاولة تشحيمه
وتلميعه
كي تستعلمه من جديد
ومن طول مدة غيابه لم يعد أحد يتذكره.
ولم يعد أحد يتحدث عنه.
ولم يعد يشغل بال الناس.
و لم يعد مخيفا كما كان.
وحتى الدعوة إليه. وحتى التعبئة له. تبدو غير جادة.
و لا صدى لها.
في ظل غياب إعلام تابع.
وفي ظل غياب قاعدة جماهيرية واهتمام من الناس بهذه الدعوة إلى خوض إضراب عام.
وفي ظل غياب الأحزاب
وغياب العمال
وغياب الجرائد
وغياب أي طرف من الأطراف
وغياب أي رهان
مع ظهور شعب مغربي جديد و أنيق وغير مسبوق
خاض احتجاجا واحدا في العشر سنوات الأخيرة
و كان ذلك ضد سعر المياه المعدنية التي لا يشربها. ولا يستهلكها إلا نادرا.
لذلك
فإنه سيكون من الصعب على النقابات تذكر الإضراب العام
بعد أن أهملته خلال عقود
وسيكون من الصعب عليها خوضه
بعد أن اعتادت على السلم الاجتماعي الطويل وعلى الحوار المثمر والبناء.
وسيكون بالتالي من الصعب على السلطة
أخذ هذا الإضراب العام على محمل الجد
بعد كل هذه السنوات التي ظل فيها
غائبا
ومخبأ
في قبو العمل النقابي المغربي.