إصلاح أنظمة التقاعد.. الوصفة النهائية جاهزة

Écrit par

dans

أعدت وزارة الاقتصاد والمالية الوصفة النهائية لإصلاح أنظمة التقاعد المهددة بالإفلاس، حسب تقارير رسمية.

وأفادت جريدة الأخبار، التي أوردت الخبر في عددها اليوم استنادا إلى مصادرها، بأن الحكومة ستعرض هذه الوصفة على المركزيات النقابية في جولة الحوار الاجتماعي الذي سينطلق في شهر أبريل المقبل.

وحسب المصادر ذاتها فإن الحكومة تقترح رفع سن التقاعد إلى 65 سنة بما في ذلك القطاع الخاص، ورفع نسب الاشتراكات بما في ذلك القطاع الخاص.

ويأتي هذا الإصلاح في ظل وضعية خطيرة تشهدها أنظمة التقاعد التي تعرف عجزا ماليا يتراكم سنة بعد سنة، حيث من المنتظر أن يصل الصندوق المغربي للتقاعد إلى مرحلة الإفلاس في سنة 2028. ولذلك أصبح إصلاح أنظمة التقاعد يفرض نفسه بقوة على الحكومة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه لضمان ديمومة المعاشات للموظفين الذين سيحالون على التقاعد مستقبلا.

وأفادت  مصادر حكومية بأن وصفة إصلاح أنظمة التقاعد أصبحت جاهزة، حيث من المنتظر أن يتم عرضها على المركزيات النقابية لإبداء الرأي بشأنها، قبل إحالة المشروع على المجلس الحكومي للمصادقة عليه. وأكدت المصادر أن الإصلاح الاستعجالي لأنظمة التقاعد أصبح يفرض نفسه على الحكومة، بعدما فشلت الإصلاحات التي أطلقتها الحكومات السابقة في الحفاظ على التوازنات المالية لصناديق التقاعد، التي أصبحت مهددة بالإفلاس مع حلول سنة 2028.

وتعيش صناديق التقاعد أزمة تتجلى في التدهور المستمر لوضعيتها المالية، بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها اختلال التوازن بين المساهمات التي يتم تحصيلها من الأجراء والموظفين والمتقاعدين، وبين المعاشات التي يتم صرفها.

ويرجع هذا الوضع إلى عوامل ديموغرافية، مثل ارتفاع متوسط العمر وزيادة عدد المتقاعدين مقارنة بعدد المساهمين، وهو ما أدى إلى عجز هيكلي تفاقم خلال السنوات الأخيرة، كما أن ضعف الاستثمارات التي تقوم بها هذه الصناديق لتحقيق عوائد مالية مقبولة ساهم في تأزيم الوضع، حيث لم تستطع تلك الاستثمارات تحقيق نسب مردودية كافية لتغطية التكاليف المتزايدة للمعاشات. ومن جهة أخرى، يشكل غياب الحكامة الجيدة والتدبير العقلاني تحديا كبيرا أمام إدارة هذه الصناديق، مما ينعكس سلبا على قدرتها على استدامة مواردها وتقديم خدمات ذات جودة للمنخرطين.

على مدار العقدين الماضيين، تبنت الحكومات المغربية عدة مبادرات إصلاحية لمعالجة أزمة صناديق التقاعد، ومن بين أبرز تلك الخطوات، اعتماد إصلاحات تدريجية مثل رفع سن التقاعد، وزيادة نسبة المساهمات، وتقليص بعض الامتيازات المتعلقة بالمعاشات. كما تم إنشاء النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد (RCAR)، الذي يهدف إلى توحيد نظم التقاعد وإدارتها بشكل أكثر كفاءة.

وورغم أهمية هذه الخطوات، فإنها لم تكن كافية لإحداث تغيير جذري في وضع الصناديق، حيث ظلت محدودة الأثر، بسبب اقتصارها على معالجة الأعراض دون التطرق إلى الأسباب الجذرية للمشكلة. فالافتقار إلى استراتيجية شاملة تأخذ بعين الاعتبار البعد الديموغرافي، وتعمل على إدماج الاقتصاد غير المهيكل في منظومة التقاعد، وتُعزز العدالة بين مختلف فئات المنخرطين، أدى إلى استمرار الأزمة.

ومن بين النقاط التي تثير الجدل بشأن واقع صناديق التقاعد في المغرب، غياب الحكامة الجيدة داخل إدارتها. فقد انتقدت العديد من التقارير الوطنية والدولية ضعف الرقابة على الميزانيات، واستمرار الاعتماد على مبدأ التعيينات في إدارة هذه المؤسسات، بدلا من الانتخابات التي تعكس إرادة المنخرطين.

ويرى مراقبون أن اعتماد مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان الشفافية في تدبير موارد الصناديق واستثماراتها، يعد أمرا ضروريا لضمان استدامة هذه المؤسسات. كما أن ترشيد النفقات، خاصة تلك المتعلقة بالتسيير الإداري، بات أمرا لا غنى عنه لتخفيف العبء المالي الذي تتحمله هذه الصناديق.

ويرى الخبراء أن معالجة أزمة صناديق التقاعد في المغرب تتطلب اعتماد إصلاح شامل، يأخذ بعين الاعتبار التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية التي يشهدها المجتمع المغربي. ويشمل هذا الإصلاح تعزيز الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، والحد من التعيينات العشوائية في المجالس الإدارية، واعتماد استراتيجيات استثمارية تحقق عوائد مالية مُجزية.

ومن جهة أخرى، يُعد توسيع قاعدة المنخرطين من خلال إدماج العاملين في القطاع غير المهيكل أمرا ضروريا، لتحقيق التوازن المالي للصناديق. كما أن تطبيق القانون الخاص بالحماية الاجتماعية، الذي يسعى إلى توحيد أنظمة التقاعد وتوسيع نطاق المستفيدين، يُمكن أن يلعب دورا محوريا في معالجة الأزمة، إذا ما تم تطبيقه بالشكل السليم، فيما تظل أزمة صناديق التقاعد في المغرب قضية معقدة تحتاج إلى معالجة شاملة تتجاوز الحلول الترقيعية. ومع استمرار النقاش الوطني حول هذه الإشكالية، يبقى الأمل معقودا على تبني رؤية إصلاحية تشاركية تشمل مختلف الفاعلين السياسيين والنقابيين والاجتماعيين، لضمان تحقيق العدالة الاجتماعية واستدامة صناديق التقاعد في خدمة الأجيال الحالية والقادمة.

وعادة ما تُقابل الإصلاحات برفض قوي من النقابات، التي ترى أن رفع سن التقاعد وزيادة المساهمات هما حلان يحملان الأجراء وحدهم عبء الأزمة، كما أن المغرب يشهد زيادة في متوسط الأعمار وانخفاضا في معدلات الخصوبة، مما يجعل التوازن بين المساهمين والمتقاعدين أكثر صعوبة، هذا بالإضافة إلى أن العديد من المغاربة يواجهون ضعفا في الثقة بمؤسسات التقاعد، نتيجة سوء التدبير وغياب الشفافية.

إقرأ الخبر من مصدره