عزيز الوصيف
في خضم النقاشات الجادة حول إصلاح المنظومة التربوية، يبرز دور المختص التربوي كإحدى القضايا المحورية التي تستدعي وقفة تأملية متأنية. فبينما يرى البعض في هذه الفئة عنصرًا أساسيًا لسد الثغرات البيداغوجية والإدارية، يعتبرها آخرون “كائنًا هجينًا” يعاني من غموض الهوية والوظيفة.
مقال السيد ر ع، وغيره ….. ، الذي ناقش بإسهاب الإطار القانوني والأدوار الوظيفية للمختص التربوي، أثار أسئلة مشروعة حول موقع هذه الفئة في المشهد التربوي، لكنه – في ذات الوقت – قدّم رؤيةً قاصرةً تُختزل فيها إمكانات هذا المكون الحيوي في إطار التشكيك والتهميش.
إن الرد على هذا المقال ليس دفاعًا أعمى عن المختص التربوي، بل محاولة لتصحيح التصوّرات التي تُقلّل من شأن دوره، وتغفل التحولات الجوهرية التي يحتاجها النظام التربوي والتي انخرطت فيها الوزارة ليكون أكثر شموليةً ومرونة. فالقوانين – وإن كانت ناقصة – تمثل بداية الطريق نحو ترسيخ شرعية هذا الدور، والمطلوب اليوم هو تعبئة الجهود لملء الفراغات التنظيمية بدل الاكتفاء بانتقادها.
هذا الرد ينطلق من قناعة راسخة بأن الإصلاح التربوي لا يتحقق بإنكار الأدوار الجديدة، بل بتهيئة الظروف الكفيلة بتحويلها من “إمكانية نظرية” إلى “واقع ملموس”. فهل نستمر في حبس المختص التربوي في زنزانة التهميش، أم نمنحه الفرصة ليكون جسرًا نحو مدرسة داعمة وعادلة؟
1- الاعتراف القانوني: خطوة أولى نحو الترسيم الوظيفي
صحيح أن المرسوم 2.24.140 والقرار الوزاري 064.22 لم يحددا بشكل دقيق كل التفاصيل الإجرائية ، لكن هذا لا يعني أن المختص التربوي يعيش في “فراغ” مطلق على اعتبار ان وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة التزمت بإصدار قرار خاص بتدقيق مهام موظفي وزارة التربية الوطنية انسجاما مع قانون الاطار 51.17 وهي وثيقة لا يمكن أن تحيد عن المبادئ التي جاء بها النظام الأساسي الخاص بموظفي الوزارة المكلفة بالتربية الوطنية ولا يمكن أن يعكس رؤية أي جهة ناقمة أو تستهدف المختصين التربويين لجهلهم أداة تقنية في تجاهل تام لقيمتهم الاعتبارية وفاعليتهم ومستواهم الأكاديمي ونمط تكوينهم بالمراكز الجهوية للتربية والتكوين، وأيضا في تجاهل صارخ للوثائق المرجعية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة.
إن الإشارة إلى انتماء فئة المختصين التربويين لهيئة التربية والتعليم (المادة 10) رسّخت شرعيته كمكون أساسي في المنظومة، وهي خطوة متقدمة مقارنةً بالوضع السابق (الملحق التربوي) الذي عانى لسنوات وقام بمهام خارج عن اطاره وبدون أي تعويض يذكر وبغلاف زمني غير ملائم. التحدي اليوم ليس التشكيك في الوجود القانوني لإطار المختصين التربويين، بل المطالبة بتطوير آليات تنزيل مهامه وهذا ما ينتظره المختصين التربويين من وزارة التربية الوطنية وباشراك تام للمعنيين بالأمر.
2- المهام الواردة: مرنة أم غامضة؟
انتقدتم المهام المذكورة في القرار الوزاري لكونها “غير محددة التخصص”، لكن هذا بالضبط ما يميز طبيعة عمل المختص التربوي: *المرونة*. فهو ليس أستاذًا ولا إداريًا خالصًا، بل جسرًا بين المجالين. مهام مثل “المواكبة التربوية” أو “تنشيط الحياة المدرسية” أو …….. تتطلب بالضرورة تكييفًا مع حاجات كل مؤسسة. الأجدر أن نطالب بتدابير ملموسة لدعم هذه المرونة، كـ:
– إطار مرجعي تفصيلي يوضح الأدوار دون جمود.
– تكوين مستمر يركز على المهارات التربوية والتواصلية .
– شراكة فعلية مع الأساتذة والإدارة لتفادي “التداخل” بما يفتح المجال للمختصين لممارسة أدوارهم في جو أخلاقي متميز.
3- أزمة الهوية: إدارة أم بيداغوجيا؟
ذكرتم أن بعض المختصين التربويين يفضلون المهام الإدارية، وفسرتم ذلك كـ”رفض للهوية الوظيفية”. لكن هذا التوصيف يغفل أسبابًا موضوعية، مثل:
– نظرة دونية من بعض الفاعلين تجاه أدوارهم.
– ضعف الاعتراف المادي مقارنةً بزملائهم الأساتذة.
الحل ليس اتهام المختصين بعدم الاقتناع، بل تمكينهم من أدوات العمل البيداغوجي (تكوين في الدعم التربوي،…).
4- المساءلة والمتابعة: إشراف أم إقصاء؟
استشكلتم غياب آليات التفتيش على المختص التربوي، لكن هذا لا يعني أنه “غير خاضع للمساءلة”. النظام الأساسي الجديد يخضعه لتقييم مدير المؤسسة (المادة 34 من المرسوم 2.24.140). المطلوب هو *تطوير آليات تقييم نوعية* تركز على الأثر التربوي (مشاركة في تحسن التعلمات، تنظيم الأنشطة…)، وليس الإنجازات الإدارية كما يقوم بتأويلها العديد من المتصرفين التربويين وهذا يفسر عجزهم على فهم طبيعة تدخل المختصين التربويين أو اعتبار نمط التدخل هامشي ولا أهمية له.
5- رؤية استشرافية: من “المنطقة الرمادية” إلى الفعل التربوي
بدل التركيز على سلبيات الوضع الحالي، ينبغي طرح حلول عملية، مثل:
-مشروع مرسوم تكميلي يحدد مؤشرات أداء المختص التربوي.
-إحداث هيئة تفتيشية متخصصة (كالمكلفين بالحياة المدرسية).
-إدماج المختصين في مشاريع المؤسسة كميسرين للدعم أو منسقي الأنشطة
ختاما المختص التربوي ليس مجرد “رقم إداري” في المنظومة التعليمية، ولا يمكن اختزاله في “وظيفة هامشية”، بل يمثل رافعة استراتيجية للإصلاح التربوي في سياق يتطلب حلولاً مبتكرة للتحديات المزمنة (كاكتظاظ الأقسام، ضعف التعلمات الأساسية، محدودية الدعم الفردي للمتعلمين، وتهميش الجانب التربوي لصالح الجانب التعليمي الصرف). إن النقاش الجاد حول هذه الفئة يجب أن يتجاوز مرحلة التشكيك في شرعيتها إلى مرحلة البناء، حيث يصبح السؤال المحوري: *كيف يمكن تحويل هذا المورد البشري من “طاقة معطلة” إلى “قيمة مضافة” تثري العملية التربوية؟*
لتحقيق هذه الغاية، نقترح ثلاث مستويات للعمل:
1. على المستوى القانوني والمؤسساتي:
– تطوير ميثاق وظيفي تفصيلي يحدد أدوار المختص التربوي بشكل واضح، مع التركيز على المهام ذات الطابع التربوي الداعم (كالمواكبة الفردية للتلاميذ، تنشيط الأندية التربوية، والإشراف على المكتبات المدرسية ….).
– إرساء آليات تقييم موضوعية تربط بين أداء المختص التربوي ومؤشرات ملموسة (كتحسن نتائج التلاميذ المستفيدين من الدعم، جودة الأنشطة الموازية، ومشاركة الأسر).
2. على المستوى التكويني والمهني:
– تصميم برامج تكوينية متخصصة تركز على المهارات التربوية (كالتدخل في صعوبات التعلم، التنشيط التربوي، والتواصل مع الأسر)، مع إلحاق المختصين بدورات تطبيقية داخل الفصول الدراسية.
– إحداث هيئة تفتيشية استشارية (كمفتشين مختصين في الحياة المدرسية – مفتشي التوجيه مثلا) لتأطير عملهم وتقويمه بطريقة تشاركية.
3. على المستوى الثقافي والاجتماعي:
– تغيير الصورة النمطية عن المختص التربوي عبر حملات توعوية تبرز نجاحات ميدانية (كتجارب الدعم الفردي الناجحة، أو مشاريع المؤسسات المبتكرة).
– فتح حوار وطني شامل يشارك فيه جميع الفاعلين (بما فيهم المختصون أنفسهم، الأساتذة، المديرون، وخبراء التربية) لإعادة تعريف مكانة هذه الفئة في هندسة المنظومة التربوية.
إن تحسين وضعية المختص التربوي ليس “منحة” تُقدّم له، بل استثمار في جودة المدرسة العمومية. فبوضعه في المكانة التي تليق به، وتزويده بالأدوات اللازمة، سنحقق *ثلاثة أهداف متكاملة*:
– للتلميذ: دعمٌ تربوي فعّال يراعي الفروق الفردية.
– للأستاذ: شريكٌ حقيقي في تدبير التعقيدات اليومية للفصل الدراسي.
– للمنظومة: توازنٌ بين الجانب التعليمي الأكاديمي والجانب التربوي التكويني.
آن الأوان لتحويل الاعتراف القانوني إلى وظيفة تربوية حية، وانتقال المختص التربوي من كونه موضوع جدل إلى فاعل محوري في إصلاح التعليم. فالمدرسة التي نحلم بها لا تُبنى إلا بشراكة جميع مكوناتها، على أساس الوضوح في الأدوار، والعدالة في التقييم، والانصاف في المعاملة.