طلحة جبريل والحسن الثاني: حين تتحول المشاركة الهامشية إلى بطولة متخيلة

Écrit par

dans

بقلم: الدكتور طارق كروان

تتكرر في كتابات ومداخلات الصحافي طلحة جبريل روايات عن أدواره في لحظات مفصلية من التاريخ الإعلامي والسياسي العربي، يقدّم فيها نفسه بوصفه صانعًا أو شاهدًا رئيسيًا على أحداث جسيمة، حتى ليُخيّل للقارئ غير المتابع أنه كان في صميم دوائر القرار والتأثير. لكن فحص هذه الروايات في ضوء الوقائع والسياق، يكشف مفارقات لافتة بين الادعاء والحقيقة.

أحد أبرز الأمثلة على ذلك، مشاركته في المقابلة الشهيرة التي أجرتها صحيفة “الشرق الأوسط “مع العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني، والتي قادها رئيس تحرير الصحيفة آنذاك، عرفان نظام الدين.

كان طلحة ضمن الفريق الصحفي، في دور محدود يقتصر على سؤال أو اثنين وبعض اللقطات المصاحبة، كما تقتضيه طبيعة العمل الجماعي. ومع ذلك، دأب لاحقًا على التحدث عن المقابلة وكأنها إنجازه الشخصي، ناسجًا حولها روايات متناسلة، ومتجاهلًا السياق الحقيقي الذي يضعه في موقع ثانوي.

اللافت أن طلحة جبريل بدا وكأنه آمن فعلًا بمقولة جوزيف غوبلز: “اكذب، اكذب، حتى يصدقك الناس”. فمع كثرة التكرار وتنوع المنصات، بدأت تلك القصص تتسلل إلى وعي جيل من المتابعين، خصوصًا على مواقع التواصل، حتى بات يُنظر إليه كمحاور الملوك وصاحب النفوذ في الظل.

وتتجلى المفارقة بوضوح في الصورة التي يروّج لها طلحة باستمرار: صور تجمعه مع الحسن الثاني، بابتسامة عريضة، توحي بعلاقة وثيقة ومباشرة. لكن هذه الصور، كما يلاحظ المتابعون، تفتقد السياق الحقيقي، وتخفي الأدوار الجوهرية لمن كانوا وراء المشهد الفعلي. فالصورة توحي بأن طلحة هو “الرجل القريب من الملك”، بينما الحقيقة أن اللاعب الرئيسي الذي بنى الجسر الإعلامي الحقيقي مع القصر كان الصحافي عثمان العمير.

العمير، بخلفيته المهنية وحنكته التحريرية، هو من نسّق فعليًا العلاقة بين الشرق الأوسط والمؤسسة الملكية المغربية، وكان المحرّك الحقيقي وراء مشروع ترجمة وطباعة كتاب ’’ذاكرة ملك”، الذي مثّل نقلة نوعية في صورة الحسن الثاني لدى القارئ العربي، وفتح الباب أمام مشاريع إعلامية أخرى. أما طلحة، فكان على هامش هذه الديناميات، لكنه التقط الصورة، واقتطع الإطار، ليبقى هو في الواجهة ويختفي أصحاب الأدوار الأصلية.

ومن المفارقات اللافتة أيضًا، أنه بنى على ذلك اللقاء المحدود رواية أخرى تتعلق بالأديب المغربي محمد شكري. ففي رواية لاحقة، قال طلحة إنه التقى شكري بعد تلك المقابلة مع الملك، ونقل إليه ’’رسالة رضا ملكي” من الحسن الثاني، بسبب مقابلة كان شكري قد أجراها مع التلفزيون الفرنسي سنة 1980. لكن هذه الرواية تثير الكثير من الريبة، ليس فقط لأنها تأتي بعد خمس سنوات من بث المقابلة، ولكن لأنها تفتقد لأي سياق رسمي أو منطقي، إذ لم يكن طلحة حينها يتمتع بأي صفة تجعل منه وسيطًا بين الملك وأديب معروف بمواقفه الحرة والمزعجة للسلطة.

والأغرب أن شكري، الذي كان شديد الصراحة في كتاباته، لم يُشر إطلاقًا إلى هذه الحكاية، لا من قريب ولا من بعيد، ما يعزز الشك في أصل الرواية التي ربما استُحضرت لاحقًا لتغذية سردية ذاتية تضع طلحة في موقع الوسيط الثقافي والسياسي.

بل إن هذه الطريقة في ’’قص الصورة” لم تكن مجرد تقنية فوتوغرافية، بل منهجًا دائمًا في السرد: انتقاء اللحظة، حذف الأدوار الأخرى، وتعظيم الذات، حتى تستقر الرواية في أذهان من لا يعرف السياق الكامل. ومن هنا، تصبح الحكاية المتكررة بديلاً عن الحقيقة، وتتحول الهامشية إلى بطولة مصطنعة، لا يدعمها أثر موثق ولا شاهد مستقل.

إن ما يبقى في الذاكرة المهنية لا تصنعه الصور المقطوعة ولا الادعاءات المتكررة، بل المصداقية، وشهادة من عايشوا الحدث، وما تثبته الوثائق والسياقات لا الأهواء.

إقرأ الخبر من مصدره