
هند لكلاوي – كود ///
في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعيشها المنطقة العربية، تبدو الدبلوماسية المغربية في تعاملها مع الملف السوري نموذجاً لواقعية حذرة تقرأ الخارطة السياسية بعمق، وتحسب خطواتها بعناية. ففي الوقت الذي سارعت فيه عدد من الدول إلى استئناف علاقاتها الثنائية مع دمشق عبر زيارات رسمية وفتح قنوات مباشرة، اختار المغرب نهجاً مختلفاً، يقوم على التدرج، والتموضع الذكي في المساحات المتعددة الأطراف.
منذ إعلان عودة سوريا إلى مقعدها في جامعة الدول العربية، كان لافتاً أن وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة لم يزر دمشق، على عكس عدد من نظرائه في المنطقة. المباحثات الثنائية مع نظيره السوري أسعد الشيباني لم تُجرَ في العلن، بل تمّت في مناسبات متعددة الأطراف، أولاً في مكة المكرمة، ثم على هامش القمة العربية في بغداد، وكأن الدبلوماسية المغربية ترسل بذلك إشارة واضحة مفادها أن مسار التطبيع لا يتم عبر الصور والاحتفالات البروتوكولية، بل عبر جسّ النبض السياسي وتقييم المعطيات الأمنية على الأرض.
المفارقة الأهم ظهرت في زيارة الوفد المغربي إلى دمشق خلال الأيام الماضية، والتي لم تكن سوى بعثة تقنية محدودة، مهمتها الأساسية إغلاق مكتب “البوليساريو”. ورغم أهمية هذه الخطوة السياسية، حرصت الرباط على تقديمها إعلامياً في صيغة تقنية لا تتجاوز طبيعتها الإدارية. لم تُنشر صور أعضاء الوفد، ولم تُسلط الأضواء على أسمائهم، ما يكشف عن رغبة مدروسة في إبقاء هذه الخطوة بعيدة عن أي تأويل سياسي أو دبلوماسي مبالغ فيه.
تعقيدات المشهد السوري: حكومة انتقالية بتركيبة حساسة
إن سوريا اليوم ليست فقط بلداً خارجاً من حرب أهلية طاحنة، بل هي أيضاً ساحة تقاطع بين قوى كبرى كروسيا وإيران وتركيا والولايات المتحدة، إضافة إلى إسرائيل و كانت أيضا لسنوات خلال الحرب ساحة تتنافس بين الأقطاب. وقد أفرزت التطورات المتلاحقة بعد انهيار النظام السابق حكومة انتقالية بقيادة أحمد الشرع، تتألف من شخصيات ذات خلفيات مثيرة للجدل، منها من كان فاعلاً في المعارضة المسلحة أو في تنظيمات متشددة، ما يضع أي خطوة تطبيعية في خانة المعادلات الصعبة.
و لعل من بين أبرز أعضاء الحكومة المثيرين للجدل (إلى جانب الشرع) يأتي، أنس خطاب، وزير الداخلية، الذي هو من كبار مؤسسي جبهة النصرة، وكان نائب قائد هيئة تحرير الشام، ومدير جهاز الأمن العام فيها، ومدرج على قوائم الإرهاب الأميركية والدولية، تم مرهف أبو قصرة، وزير الدفاع، قائد عسكري بارز في المعارضة، تولى إدارة العمليات العسكرية في الشمال السوري، وحاز رتبة لواء بعد سقوط النظام.
وهناك أيضا مظهر الويس، وزير العدل، طبيب سابق، معتقل سابق لنظام بشار وقيادي سابق في هيئة تحرير الشام، ترأس الهيئة الشرعية في المنطقة الشرقية، وشارك في تأسيس مجلس شورى المجاهدين، وكان أحد القادة الشرعيين البارزين و الناطق باسم المجاهدين.
هذه التشكيلة الحكومية، وإن كانت تعكس انتقالاً سياسياً، إلا أنها تثير تساؤلات جدية حول الخلفيات الأيديولوجية والأمنية، وهو ما يدفع المغرب، عن وعي واحتراس، إلى عدم التسرع في اتخاذ خطوات رمزية قد تُفسر كدعم غير مباشر لتوجهات لم يتبنَّها يوماً.
تحولات في الداخل المغربي: مناهضة الإسلام السياسي في العمق
الواقعية المغربية تنبع أيضاً من التحولات الداخلية التي شهدها المغرب خلال العقد الأخير. فحزب العدالة والتنمية، الذي كان يُمثل تيار الإسلام السياسي المعتدل في البلاد، انهار انتخابياً في 2021، حيث خسر الغالبية الساحقة من مقاعده البرلمانية، ما مهّد الطريق أمام تشكيل حكومة جديدة يقودها عزيز أخنوش، تضم وزراء من خلفيات ليبرالية وتكنوقراطية، وتتبنى توجهاً واضحاً نحو الإصلاح الاقتصادي ومجابهة الإسلام السياسي.
هذه المعطيات تجعل من الصعب، على المستوى الإعلامي والسياسي، تفسير أي انفتاح مباشر على حكومة سورية تضم رموزاً محسوبة على تيارات إسلامية متشددة، دون الوقوع في تناقض صارخ مع التوجهات الوطنية المعلنة، خصوصاً إذا كانت المبادرة مغربية خالصة وليست في سياق إجماع إقليمي أو دولي.
الحياد الإيديولوجي للدبلوماسية المغربية
في هذا السياق، يمكن فهم تموضع ناصر بوريطة، الوزير المعروف بطابعه السيادي المحايد إيديولوجياً، كوسيلة لتجنب الانزلاق في ألغام التناقضات السياسية، فهو يدير العلاقات الخارجية بمنطق المصلحة والعملانية، دون انخراط شخصي أو رمزي في تفاعلات قد تثير جدلاً داخلياً.
بالمقابل، تُظهر الحكومة المغربية الجديدة، سواء في خطابها أو قراراتها، حرصاً على بناء علاقات خارجية متوازنة، تُراعي العمق الأمني والسياسي، ولا تُعرض المغرب لمساءلات تتعلق بازدواجية الخطاب أو التناقض في التعامل مع التيارات الإسلامية.
و في الأخير وجب التأكيد على أن التريث لا يعني القطيعة السياسة الخارجية ليست سباقاً في كسب الصور، بل هي فن في إدارة التناقضات. والمغرب، بفضل تاريخه الدبلوماسي العريق، يُدرك أن العلاقة مع دمشق لا يمكن اختزالها في رمزية الزيارات، بل يجب أن تمر عبر ممرات دقيقة، تأخذ في الاعتبار التوازنات الدولية، والمعادلات الإقليمية، وحساسية الرأي العام الوطني.
إنه تريث محسوب لا يعني القطيعة، بل انخراط واقعي يوازن بين المصالح العليا للمملكة وحتميات الجغرافيا السياسية للمنطقة.