
حميد زيد – كود//
الأبيض أسود هذه الأيام في المغرب.
والأسود أبيض.
أسود بذلة المحامي هو نفسه أبيض وزرة الطبيب.
ولهما نفس القضية.
ولهما نفس الرفض لنفس الضريبة تقريبا.
ويخوضان نفس المعركة العادلة.
وفي أي لحظة قد يحدث تنسيق بين أبيض الطبيب وأسود المحامي.
كي يكون الضغط أكبر على الحكومة. وكي تتراجع عن الاقتطاع من المنبع.
وفي أي لحظة قد يقرران معا تنظيم وقفة أمام البرلمان.
وقد يتمردان على المخزن.
وقد تحدث في المغرب ثورة الأبيض والأسود.
ويا له من تضامن بين المهنتين الحرتين.
يا له من تحالف غير مسبوق.
يا له من منظر رائع لو خرج آلاف أصحاب البذلات البيضاء والوزرات السود للاحتجاج وللتعبير عن غضبهم.
وكم ستكون الصور الملتقطة جميلة.
وكم سيكون التألق كبيرا.
وكم من علاقة سوف تنسج. وكم من صداقة. وكم من تعاون. وكم من علاج بالمجان. وكم من مؤازة مجانية.
ويالها من تصريحات ممتعة سمعناها وسنسمعها من المهنتين.
يا له من وجع.
يا له من فقر لم نكن نتخيله في المهنتين.
يا له من حس تضامني مع الشعب.
يا للظلم الذي يتعرض له المحامي.
يا لمعاناة الطبيب في المغرب.
حتى أن طبيبة حذرت. في سياق مختلف. من خطر ندرة المرضى في المغرب الذي يهدد الأطباء.
وبدل أن توفر الدولة المرضى للأطباء.
وتحسن من أوضاعهم المادية. وتعوضهم. حتى يتمكنوا من زيارة الطبيب.
وبدل أن تصيبهم بالعدوى.
تلجأ إلى الحل السهل. وغير العادل. وتفرض على الأطباء الضريبة.
و أنا متأكد أنه لو سمع المحامون بعد سنة من الآن ما يرددونه اليوم لضحكوا من تصريحاتهم.
ومن خطابهم.
ومن مبالغاتهم.
ولو سمع المحامي عمر بنجلون ما صرح به لمجلة تيل كيل الأسبوعية لما تمالك نفسه.
ولما توقف عن القهقة. ولتعجب. ولشك في أنه هو القائل “إن الحكومة تريد فرض الضريبة على الطبقات الوسطى والشعبية وذلك من خلال فرضها على المحامين. وهذا ما لا يمكننا قبوله. ومقابل ذلك فلتكن للحكومة شجاعة مواقفها الليبرالية المتطرفة لإعفاء الأوليغارشيين من أداء الضرائب….”.
هكذا.
تحول الموضوع من مشروع قانون خاص بالضريبة إلى “حكومة أوليغارشية”.
و من له القدرة على الرد على المحامي عمر بنجلون. بعد أن رفع السقف عاليا.
وبعد أن استعمل أوليغارشية.
وبعد أن ذهب أبعد من زملائه. معبرا عن وجهة نظر المحامي اليساري الجذري الطليعي.
حيث لا فرق هنا بين موقف محام يميني ومحام يساري.
ولهما نفس الرفض.
ولهما نفس الراديكالية الرافضة لهذه الضريبة.
ولهما نفس الخطاب ونفس الإيديوجية ونفس التبريرات.
وكلما كان شخص لا يؤدي الضرائب يعتبرونه مثالا لهم.
ولماذا الأغنياء لا يؤدون الضريبة ونحن نؤديها. يقول بعض المحامين.
ولماذا اللصوص. ولماذا المهربون. ولماذا يتهرب المنعشون العقاريون.
ومن متعة الخطاب الذي يستعمله المحامون ينسون أن هذا المقارنات التي يضعها بعضهم ليست في صالحهم.
ومضرة. وخطيرة. ومسيئة إليهم.
فالمحامي يمارس مهنة نبيلة ومن العيب أن يقارن نفسه بالمهرب. وباللص. وبالمتهرب.
كما من الممتع أن يعلن المحامي إضرابا عن الطعام.
وبعد ساعة أو ساعتين يتراجع عن ذلك ويشرب القهوة.
والأكثر إمتاعا أن تتواصل هذه المعركة ولا تتوقف. وتستمر الاحتجاجات والوقفات.
لأنه لا أحد صراحة كان يتوقع أن أصحاب المهن الحرة
لهم كل هذه القدرة على الإبداع.
وعلى الضعط.
وعلى عدم الاستسلام. وعلى تحدي وفضح الأوليغارشية.
ولا أحد كان يتخيل أن المحامين والأطباء فقراء وطبقة شعبية ويعانون إلى هذا الحد.
ولا يجدون قوت يومهم. ولا ما يقيم أودهم.
حتى اكتشفنا ذلك مع قضية الضرائب هذه.
والخزي والعار للاقتطاع من المنبع.
وعاشت المهن الحرة. النبيلة. الشريفة. الشعبية. المعفاة. الفقيرة. المظلومة.
ولا عاش من خانها.