متحف القتلى في غزة! أرغب في أن أنادي على كل واحد منكم باسمه أيها القتلى وأن أعلق صوركم في كل مكان

Écrit par

dans

حميد زيد – كود//

على رسلك أيها العالم. ولا داعي للعجلة.

فسيان أن يموت في اليوم الواحد عشرون فلسطينيا. أو أربعون. أو مائة. أو أقل. أو أكثر.

هذا أمر طبيعي. وقد تعودنا عليه.

وصار قتل الأطفال والنساء في غزة مألوفا لدينا.

و نفطر بصور الأطراف المقطوعة في الصباح مع الشاي والقهوة.

وبالدماء في المستشفيات في وجبة الغداء.

وفي الليل. وفي كل الأوقات.

دون أن نشعر بأي شيء. ودون أن نفقد شهية الأكل.

وشهية الحياة.

لذلك على مهلك أيها العالم.

فلن يفرق أن يموت الفلسطيني جائعا.

أو بالقصف.

أو تحت الردم.

ولن نهتم بالأرقام.

ولن نقول لأحد إن ما يقع جريمة.

لن نقول إنها إبادة.

فهذه الكلمات لم تعد مقبولة. ومن ينطق بها متهم في وطنيته. وفي ارتباطاته.

وقد يعتبر إرهابيا.

ولن ننظر إلى مشهد القيامة هذا الذي يركض فيه الجوعى بعين سلبية.

ولن نركز على من يجوّع مليوني إنسان.

ومن يمنع عنهم الماء كي يموتوا عطشا.

ولن نطالب بأي شيء.

ولن نحتج.

ولن ندين إسرائيل.

فعلى ما يبدو أن هذا كله عادي. و ضروري. والمصلحة تقتضي ربما أن يموت البشر في غزة بهذه الطريقة.

وأن نتفرج فيهم من منازلنا.

فالقتل في غزة طبيعي جدا.

مثل الهواء.

ومثل شروق الشمس.

ومثل المغيب.

ومثل ضوء القمر.

ولذلك على رسلكم.

ولن نتدخل.

ولن نتحدث عن حق الإنسان في أن يقاوم.

وندعوكم إلى أن تستمروا في القتل.

و لن نزعجكم بعد الآن.

فقد اقتنعنا بأن علينا أن نتعود مع ما ترتكبونه.

وأن نتكيف.

لكن هل تسمحوا لنا رجاء أن نكتب أسماء كل الذين تقتلونهم.

في كل يوم.

وفي كل ساعة.

هذا كل ما نطلبه منكم. ولا شيء آخر غير هذا.

هل تسمحون لنا بتسجيلها. وإحصائها.

مع وضع صورة لكل مقاوم.

ولكل طفل.

ولكل امرأة.

في متحف القتلى بغزة المفتوح على السماء.

ولا يعني هذا أننا نطالب بإيقاف التطهير العرقي.

حاشا.

حاشا.

بل فقط نريد أن تكون هناك ذاكرة للناس في غزة.

نريد أطرافا مقطوعة.

نريد الأشلاء.

وصورا للأطفال وهم يبكون. ثم وهم يسقطون تباعا.

نريد جمعا للأسماء وللوجوه.

نريد أن نفعل مثلكم ونبني متحفا.

نريد “ياد فاشيم” خاصا بالفلسطينيين. وبالمحرقة الجديدة.

نريد لكل ميت في غزة نصبا واسما كما جاء في سفر إشعيا.

تماما كما فعلتم.

نريد ذاكرة حتى لا ينسى الإنسان ما كان يتفرج فيه.

دون أن ينبس ببنت شفة.

نريد أن نستفيد من تجربتكم ومن معاناتكم السابقة.

ولا يعني هذا أننا نعترض على القتل.

لا

لا.

واصلوا. واصلوا.

بل نلتمس منكم فقط أن تجعلوا من غزة متحفا لقتلاكم.

ولكن يكلفكم ذلك أي شيكل.

وكما هي غزة الآن مدمرة وجائعة

فاتركوها

بلا ديكور

وبلا أي تجميل

ولا تبذلوا أي جهد

كي يكون المتحف شاهدا على كل شيء.

وكي يكون طبيعيا

ولا اصطناع فيه ولا دعاية ولا مبالغة

وكي يكون لكل ضحية اسم وصورة وأثر.

وربما هذا كثير و غير واقعي.

وربما نبالغ كعادتنا.

لكننا لن نتجاوز هذا المطلب.

ولن نتطرف.

ولا نريد أكثر من أن نسمي كل قتيل في غزة باسمه.

وأن لا ننساه.

كما تمنت الشاعرة الروسية أنّا أخماتوفا في “قداسها الجنائزي” الشهير.

“أرغب في أنادي كل واحدة منكن باسمها

لكن اللائحة فقدت

فمن علي أن أسأل”.

ولا نرغب في أكثر مما كانت ترغب فيه أنا أخماتوفا.

التي كان “من بين شفتيها الجافتين يصرخ مائة مليون إنسان”.

و أن ننادي بدورنا على كل طفل مقتول باسمه.

وعلى كل امرأة

وعلى كل بنت صغيرة.

وعلى كل جائع.

فاللائحة لم تفقد بعد.

ولا يزال هناك شهود

ولا يزال الناس يقاومون القتل في غزة

ولا يزال العالم يتفرج

ويرى يوميا كل ما يقع

دون أن يحرك أحد ساكنا.

و لا أكتب كل هذا الذي أكتبه كي أتألم

وكي أعلن عن تضامني

وعن إدانتي

لا

حاشا أن أفعل

أنا فقط

أرغب

في افتتاح متحف القتلى في غزة

وأن نسمي

كل ميت باسمه

دون أن ننسى أحدا

وأن نعلق صورهم على الأنقاض

وعلى ما تبقى من جدران

فمن يدري

فقد يبقى فلسطيني حيا من بين المليوني فلسطيني في غزة

ومن حقه علينا

أن نحفظ له ذاكرته

وهذا لا يعني أنني ضد ما يقع

ومع وقف الإبادة

لا

لا

أنا لست حالما

ولا إرهابيا

ولا مقاوما

ولا مفرطا في التفاؤل

حتى أكون ساذجا إلى هذا الحد.

أنا

أرغب

وحسب

في أن أنادي على كل قتيل باسمه

ما دامت اللائحة التي تُفقد بعد

وما دام الدم لا يزال يسيل

والجثث مرمية في المقابر الجماعية

ومادام القاتل

مستمرا في القتل.

إقرأ الخبر من مصدره