الأحداث بقلم محمداعويفية
تعد قصيدة “وا اشعيبة يا وليدي” من قصائد الزجل الشعبي المغربي الذي انتشر بشكل ملفت و واسع في أواخر سبعينيات والتمانينيات من القرن الماضي، لأنها لامست وجدان وعواطف الناس بلغتهم البسيطة المتداولة ، وقدمت لهم مأساة اجتماعية حية وواقعية بكلمات معبرة وإيقاع حزين متكرر. وهي نموذج لأغنية انتشرت ، لكن بوسائل الزمن القديم كالتناقل الشفهي، الحفلات الشعبية، والأسواق والأعراس.
القصيدة تعتمد على لازمة متكررة: “وا اشعيبة يا وليدي” وهي صرخة أم مكلومة تخاطب ابنها بحسرة وألم، وكأنها تبكيه وهو ما يزال حيا. هذا التكرار ليس مجرد زينة لغوية و زخرفة كلامية ، بل هو شحنة عاطفية كبيرة تحول النص إلى مرثية شعبية حزينة.
تحكي القصيدة قصة شاب اسمه اشعيبة ، يبدو أنه تورط في قضية تتعلق بحيازة الكيف و استهلاك الجعة وهي أنواع محضورة من المخدرات ، وتم اعتقاله بعد وشاية أو خيانة من المحيط القريب من سكناه . وهنا تظهر ظاهرة اجتماعية كانت منتشرة في ذلك الوقت بقوة وهي الخيانة التي لا تأتي دوما من العدو، بل أحيانا من الجيران أو الأقارب أو من أشخاص المفروض أنهم أصدقاء.
فحين تقول القصيدة:
سباب البيعة جيرانك
فهي تفضح مجتمعا كانت فيه البيعة و الوشاية وسيلة لتصفية الحسابات أو التقرب إلى المخزن أو السلطة، خاصة في الفترات التي كان فيها الخوف مسيطرا بقوة على الكل.
ثم تأتي الإشارة إلى:
ملي جات ربيعة جابت لك البيعة
هنا تتحول القصيدة من مأساة إلى دراما إنسانية أكثر تعقيدا وتشويقا، حيث تتهم امرأة تدعى ربيعة بأنها كانت سببا في سقوط اشعيبة في يد السلطة.
وقد تكون ربيعة هذه رمزا للخيانة العاطفية، وخيبة الأمل في الحب أو للثقة التي تنقلب بعدها إلى طعنة من الخلف .
سر قوة قصيدة اشعيبة ياوليدي يكمن في بساطة كلماتها ومعانيها. فهي لا تستخدم صورا شعرية مركبة و معقدة، بل لغة عامية، لغة الشارع ، ولهذا شعر الناس أنها القصيدة قريبة منهم بل تشبههم وتحكي عنهم .
الكلمات خرجت من قلب الطبقة الشعبية من الدار، الجيران، اللولة في لمسايل راهم داو طوموبيل، البيعة ، مني مشيت سولت في الدار لمن عطاني لخبار ،مني هزوك ؤ ساروا بيك حتى واحد مساخي بك، مني دوك لاكاب شكون لي كان سباب….
كلها مفردات ومعاني تحمل حمولة نفسية ودلالات اجتماعية قوية عند المغاربة.
القصيدة بنيت على مشاهد حية كالمداهمة،اكتشاف المخدرات، الاعتقال، التحقيق، كشف الخيانة، لهذا بقيت القصيدة راسخة في الذاكرة الشعبية لأنها تجاوزت الغناء الى حكاية متكاملة تروى عن الغدر، عن السقوط في يد السلطة بسبب الوشاية ،و عن ألم الأم الكبير لفراق ابنها.
الأغنية نجحت لأنها لامست العاطفة بصوت الأم الحزين المؤثر بطبيعته ،ثم بواقعيتها لأن الناس كانوا يعيشون مثل هذه القصص ويرونها تقع حولهم، بالإضافة إلى إيقاعها الشعبي البسيط المعتمد على تكرار اللازمة ، والنداء بذلك الصوت النسائي الشجي الذي جعلها سهلة الحفظ والتداول بين الناس.
إنها قصيدة تظهر كيف كان الفن الشعبي المغربي قادرا على توثيق أحداث الناس بكل تفاصيلها الدقيقة، وكشف أوجاعهم وآلامهم ، قبل زمن وسائل التواصل الاجتماعي بسنوات طويلة.
هيئة التحرير31 مايو، 2026
إقرأ الخبر من مصدره