
الحسن أبكاس
المدخل: زيارةٌ جديدةٌ بثوبٍ قديمٍ
بعد ما يقرب من عقد من الزيارة الأولى التي مهدت للحرب التجارية، ها هو ترامب يعود إلى بكين في مايو 2026 حاملاً ملفاً مختلفاً وثقلاً استراتيجياً متغيراً في مشهد أعاد إلى الأذهان زيارته الأولى عام 2017 التي توجت بصفقات تجارية ضخمة تلتها حرب تجارية مدمرة. جاءت هذه الزيارة الجديدة في ظل ظروف مختلفة تماماً: فالصين اليوم لم تعد القوة الصاعدة التي كانت قبل عقد من الزمن، بل أصبحت منافساً متكافئاً في العديد من المجالات التكنولوجية والعسكرية والاقتصادية، بينما تواجه الولايات المتحدة تحديات داخلية وخارجية تعيد تعريف موقعها كقوة مهيمنة. في هذا السياق المتغير، حملت الزيارة طابعاً استكشافياً أكثر منه احتفالياً، حيث سعى كل طرف إلى قياس مدى مرونة الآخر واستعداده لتقديم تنازلات في مرحلة بات فيها الحديث عن “نظام عالمي جديد” يملأ الأجندات الدبلوماسية.
هذه الزيارة، التي جرت بعد ما يقرب من عقد من إعلان إدارة ترامب الأولى الحرب التجارية على الصين، تضعنا أمام سؤال جوهري: هل نحن أمام محاولة حقيقية لكسر “فخ تيوسيديد” الذي حذر منه المؤرخ اليوناني القديم ثوسيديديس قبل 2500 عام، أم أننا أمام مجرد هدنة تكتيكية في صراع هيكلي طويل الأمد بين قوة مهيمنة وأخرى صاعدة؟ لفهم هذه المفارقة – زيارة ودية في ظل تنافس وجودي – لا بد من العودة إلى جذور هذه النظرية التي صاغها حديثاً غراهام أليسون، والتي ستفيدنا في تفكيك آليات الصراع والتعاون بين واشنطن وبكين، قبل أن نطبقها تحليلياً على دلالات زيارة ترامب 2026 -وقبلها زيارة 2017- وآثارهما على النظام القانوني والاستراتيجي العالمي. غير أن ما يميز زيارة 2026 عن سابقتها هو أنها تأتي في مرحلة باتت فيها الصين قوة منافسة متكافئة، والولايات المتحدة في حالة إعادة تقييم جيوسياسي عميق. هذا التحول في ميزان القوى يجعل من الضروري درس الزيارتين معاً: الأولى كإعلان لولادة المواجهة، والثانية كمؤشر على إمكانية تحولها -أو استمرارها- تحت مسميات جديدة.”
أولا: الإطار النظري.. تعريف “فخ تيوسيديد” 1. الأصل التاريخي للمصطلح
يعود أصل نظرية “فخ تيوسيديد Thucydides Trap” إلى المؤرخ اليوناني القديم ثوسيديديس (حوالي 460 – 395 قبل الميلاد)، الذي دوّن تاريخ الحرب البيلوبونيسية بين أثينا وإسبرطة التي استمرت من 431 إلى 404 قبل الميلاد؛ ففي مقدمته الشهيرة، كتب ثوسيديديس جملة أصبحت محور النظرية: “ما جعل الحرب حتمية هو نمو قوة أثينا والخوف الذي ولّده ذلك في إسبرطة.”
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
هذه الجملة البسيطة تحمل ثلاث ركائز أساسية: الأولى، وجود قوة صاعدة (أثينا) تزيد من قدراتها بسرعة. والثانية، شعور القوة المهيمنة (إسبرطة) بالتهديد الوجودي نتيجة هذا النمو. أما الثالثة، فالاعتقاد بأن الصراع المسلح أصبح مسألة وقت لا غير، بغض النظر عن النوايا الحسنة للطرفين.
2. الصياغة الحديثة للنظرية
في عام 2012، أعاد الأكاديمي الأمريكي غراهام أليسون من جامعة هارفارد إحياء هذا المفهوم في إطار تحليله للعلاقات الأمريكية – الصينية؛ ففي كتابه “مصير الحرب.. هل يمكن لأمريكا والصين الهروب من فخ تيوسيديد؟” الصادر عام 2017، عرّف الفخ بأنه “الوضع الخطير الذي يحدث عندما تهدد قوة صاعدة بالإطاحة بقوة مهيمنة قائمة، مما يجعل الحرب بينهما محتملة بشدة. ليس بالضرورة بسبب النوايا العدائية، بل بسبب الضغوط الهيكلية التي لا يمكن السيطرة عليها.”
بمعنى آخر، فخ تيوسيديد ليس نظرية تقول إن الحرب حتمية دائماً، بل هو تحذير من أن الظروف الهيكلية – عندما تقترب قوة صاعدة من القوة المهيمنة – تخلق ديناميكيات من الخوف وعدم الثقة وسوء التقدير التي تجعل الحرب أكثر احتمالاً بشكل خطير.
3. الأدلة التجريبية للنظرية
قام أليسون بتحليل 16 حالة تاريخية من صراع القوى العظمى على مدى 500 عام الماضية؛ في 12 حالة من هذه الحالات، انتهى الصراع بالحرب، أي بنسبة 75%. وفي 4 حالات فقط تم تجنب الحرب من خلال تعديلات جذرية في موازين القوى أو التنازلات الطوعية من جانب القوة المهيمنة.
ومن أشهر الأمثلة على الوقوع في الفخ: الحرب البيلوبونيسية بين أثينا وإسبرطة، والحروب النابليونية بين فرنسا وبريطانيا، والحرب العالمية الأولى بين ألمانيا وبريطانيا، والحرب العالمية الثانية بين ألمانيا وبريطانيا وأمريكا. أما الأمثلة التي استطاعت تجنب الفخ فتشمل الانتقال السلمي للهيمنة من بريطانيا إلى الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر، والعلاقات الأنجلو-فرنسية بعد الحرب العالمية الثانية حيث تمكنت الدولتان من بناء علاقة تعاون بدلاً من المواجهة.
4. آلية عمل الفخ: كيف يحدث؟
يمكن تفكيك آلية فخ تيوسيديد إلى خمس مراحل متتالية. تبدأ المرحلة الأولى بالنمو غير المتناظر، حيث تنمو القوة الصاعدة بمعدل أسرع من القوة المهيمنة، كما حدث عندما نما الناتج المحلي الصيني من 5% من الناتج الأمريكي عام 1990 إلى حوالي 70% بحلول عام 2020.
تأتي بعد ذلك مرحلة تآكل الهيمنة، حيث تفقد القوة المهيمنة قدرتها على فرض قواعد اللعبة منفرداً، كما حدث عندما فشلت أمريكا في منع إنشاء البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية على الرغم من معارضتها الشديدة.
تليها مرحلة الخوف الاستراتيجي، حيث تبدأ القوة المهيمنة في رؤية كل تحرك للقوة الصاعدة باعتباره تهديداً وجودياً، سواء كان ذلك التحرك اقتصادياً أو عسكرياً أو دبلوماسياً. فمبادرة “الحزام والطريق” الصينية، على سبيل المثال، رغم طابعها الاقتصادي، تعتبر في واشنطن أداة للتوسع الجيوسياسي.
ثم تأتي مرحلة الاحتواء، حيث تبدأ القوة المهيمنة في سياسات منظمة لعزل القوة الصاعدة، مثل الاستراتيجية الأمريكية في المحيطين الهندي والهادئ وتحالف “كواد” الرباعي مع أستراليا واليابان والهند.
تنتهي هذه السلسلة بمرحلة المواجهة، حيث تتبادل القوتان إجراءات عدائية متصاعدة حتى الوصول إلى نقطة اللاعودة، كما حدث في الحرب التجارية والقيود التكنولوجية والتوتر المتصاعد حول تايوان.
5. انتقادات النظرية.
رغم قوة النظرية وجاذبيتها التفسيرية، هناك انتقادات جوهرية توجه إليها. يرى بعض المؤرخين أن ثوسيديديس نفسه لم يقل إن الحرب كانت “حتمية” بالمعنى الميكانيكي، بل إنها كانت نتيجة خيارات محددة كان يمكن تغييرها لو توافرت الإرادة السياسية. كما ينتقد البعض النظرية لأنها تركز على القوة المادية فقط وتهمل دور الأيديولوجيا والثقافة والقيم؛ فالصراع في الحرب الباردة، على سبيل المثال، لم يكن مجرد صراع على القوة، بل كان صراعاً أيديولوجياً بين الرأسمالية والشيوعية.
أيضاً، تتجاهل النظرية إلى حد كبير دور القانون الدولي والمؤسسات الدولية في تخفيف حدة الصراعات. في عالم منظمة التجارة العالمية والأمم المتحدة ومجموعة العشرين، توجد آليات لفض المنازعات وإدارة الخلافات لم تكن متاحة في القرن الخامس قبل الميلاد أو حتى في القرن التاسع عشر.
وأخيراً، هناك من يرى أن تحليل أليسون للستة عشر حالة يعاني من التحيز المنهجي؛ فبعض الحالات التي اعتبرها “حرباً” قد لا تصنف كصراع حقيقي بين قوة مهيمنة وصاعدة إذا أعدنا تعريف المصطلحات.
ثانياً: التحليل الموسع.. زيارة ترامب للصين في ضوء فخ تيوسيديد 1. السياق الزمني للزيارة: لحظة فاصلة في مسار الفخ
لم تكن زيارة مايو 2026 الأولى من نوعها؛ فقد سبقتها زيارة مماثلة في نوفمبر 2017، شكلت تلك الزيارة السابقة نقطة تحول من الاحتواء الناعم إلى المواجهة المفتوحة. بين الزيارتين، وقعت حرب تجارية وسياسات احتواء تكنولوجي وتحالفات عسكرية جديدة، غير أن الأسئلة نفسها ظلت قائمة، وإن بثقل مختلف؛ فلحظة دقيقة وحساسة -اختلف فيها الزمان ولم تختلف المدخلات ولا المخرجات- من مسار العلاقات الأمريكية – الصينية؛ توصف بأنها “نقطة التحول من الاحتواء الناعم إلى المواجهة المفتوحة”. فقبل هذه الزيارة، كانت العلاقات بين البلدين تسير ضمن إطار ما يسمى “مجتمع المصير المشترك” الذي روجت له إدارة أوباما، والذي تركز على التعاون في قضايا المناخ والطاقة النووية الإيرانية ومكافحة الإرهاب.
لكن بحلول الوقت الذي وصل فيه ترامب إلى الرئاسة في يناير2017؛ أي قبل الزيارة بعشرة أشهر، كانت المؤشرات قد تغيرت جذرياً. فقد أصدرت الصين في عام 2015 خطة “صنع في الصين 2025” التي تهدف إلى تحويل الصين من مركز تصنيع منخفض القيمة إلى قوة عظمى في التكنولوجيا المتقدمة في عشر قطاعات استراتيجية، تشمل الذكاء الاصطناعي والروبوتات والطيران والسيارات الكهربائية والرقائق الإلكترونية. وفي نفس الفترة، كانت إدارة ترامب التي وصلت إلى السلطة في يناير 2017 تتبنى شعار “أمريكا أولاً”، وتعتبر الصين منافساً استراتيجياً وليس شريكاً تعاونياً.
في هذا السياق، حملت زيارة ترامب إلى الصين طابعاً متناقضاً: من جهة، كانت استعراضاً للقوة الدبلوماسية الصينية ومحاولة لشراء الوقت وتهدئة التوترات. ومن جهة أخرى، كانت استخباراتية استكشافية، حيث أتاحت للإدارة الأمريكية فرصة قراءة ردود الفعل الصينية عن كثب قبل الشروع في سياسة المواجهة.
2. قراءة قانونية لزيارة ترامب
من منظور القانون الدولي، فإن “زيارة الدولة” هي أرفع مستوى من التمثيل الدبلوماسي، وتنطوي على اعتراف متبادل بالسيادة والمساواة بين الدول. لكن هذه الزيارات، رغم رمزيتها الكبيرة، لا تنتج عادةً التزامات قانونية ملزمة بموجب معاهدات دولية، بل تبقى في إطار القانون الدبلوماسي العرفي الذي ينظم العلاقات الودية والتبادل البروتوكولي.
ما ميز زيارة ترامب هو توقيع عقود تجارية ضخمة بين شركات أمريكية وصينية وبين حكومة الصين. هذه العقود تخضع لقانون العقود الدولي الخاص، وليس لقانون المعاهدات العامة. الفرق جوهري: فالمعاهدات تحتاج إلى مصادقة برلمانية وتعتبر قانوناً ملزماً في النظام القانوني الداخلي لكل دولة، بينما عقود الشركات يمكن تعديلها أو إلغاؤها إذا تغيرت الظروف السياسية، خاصة إذا كانت حكومة قادمة مثل إدارة ترامب لا تلتزم بما وقعته الإدارات السابقة.
هذا ما أتاح للإدارة الأمريكية التراجع عن روح هذه الاتفاقات بعد أيام فقط من عودة ترامب إلى واشنطن. ففي 16 نوفمبر 2017؛ أي بعد أقل من أسبوع من مغادرة بكين، أعلنت واشنطن رسمياً أنها ستواصل رفض الاعتراف بالصين كاقتصاد سوق، مما يحرم الصين من الحماية القانونية التي توفرها منظمة التجارة العالمية ضد الرسوم الجمركية التعسفية.
الأكثر خطورة من الناحية القانونية هو قرار إدارة ترامب تفعيل القسم 301 من قانون التجارة الأمريكي. هذا القانون، الذي يعود لعام 1974، يسمح للرئيس الأمريكي بفرض رسوم جمركية من جانب واحد رداً على ممارسات تجارية تعتبرها واشنطن “غير معقولة” أو “تمييزية” أو “مرهقة للتجارة الأمريكية”. المشكلة أن هذا القانون يتجاوز بالكامل آليات منظمة التجارة العالمية القائمة على فض المنازعات عبر القضاء الدولي، ويعتبر من قبل معظم الدول انتهاكاً صارخاً للقانون التجاري الدولي.
من وجهة نظر القانون الدولي، يمكن وصف سلوك إدارة ترامب بأنه “استخدام الأدوات القانونية الأحادية كسلاح في صراع القوى العظمى”. فالقانون لم يعد هنا إطاراً لتنظيم العلاقات، بل أصبح ساحة معركة ووسيلة لفرض الهيمنة. وهذا التحول له دلالة كبرى: فخ تيوسيديد لم يعد يقتصر على الدبابات والطائرات، بل انتقل إلى المحاكم التجارية والمكتب التجاري الأمريكي.
3. قراءة في العلاقات الدولية: صدام أمريكي صيني
من منظور نظريات العلاقات الدولية، يمكن النظر إلى زيارة ترامب من خلال مدرستين فكريتين متناقضتين.
المدرسة الليبرالية المؤسسية التي تفترض أن المؤسسات الدولية والعقود التجارية والتشابك الاقتصادي تعمل على تحويل الصراع إلى تعاون.
كان يمكن لليبراليين قراءة زيارة ترامب كتأكيد لهذه الرؤية: فكلما زاد حجم التبادل التجاري، وكلما أصبحت الشركات الأمريكية والصينية متشابكة في سلاسل التوريد العالمية، قلَّت احتمالات الصراع. والصفقات بقيمة 250 مليار دولار التي تم توقيعها كانت، وفق هذا المنطق، ضمانة ضد الحرب.
لكن المدرسة الواقعية الجديدة (النيورياليةNeoliberalisme ) تقدم قراءة مختلفة تماماً. تفترض هذه المدرسة، التي يمثلها كينيث والتز وجون ميرشايمر، أن الدول تتصرف في المقام الأول وفق حسابات ميزان القوى، وأن العقد التجاري الواحد (أو حتى مئة عقد) لا يمنع السباق الاستراتيجي. من هذا المنظور، كانت زيارة ترامب مجرد “مرحلة تخفيف توتر مؤقت” في إطار صراع هيكلي أوسع وأعمق.
ما حدث بعد الزيارة يؤكد الفرضية الواقعية بوضوح: الصفقات التجارية الضخمة لم تمنع واشنطن من إطلاق استراتيجية المحيطين الهندي والهادئ (Stratégie de l’Indo-Pacifique libre et ouvert) التي تمثل رداً مباشراً على “مبادرة الحزام والطريق” الصينية. ولم تمنع فرض رسوم جمركية على سلع صينية بقيمة تجاوزت 370 مليار دولار في المراحل التالية من الحرب التجارية. ولم تمنع تقييد تصدير التقنيات المتقدمة إلى الصين، خاصة في مجال الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي.
وهذا يؤكد إحدى الأفكار المركزية في فخ تيوسيديد: الصراع ليس مسألة سوء نية أو نقص في التواصل الدبلوماسي، بل هو نتاج هيكلي للتنافس على المرتبة الأولى في النظام الدولي.
4. فخ تيوسيديد في العصر الحديث: ملامح جديدة
إذا طبقنا نظرية فخ تيوسيديد على حالة زيارة ترامب وما تلاها، نجد أن النظرية تصمد من حيث المبدأ لكنها تتغير في المظاهر؛ فالجوانب التي تؤكد صحة النظرية كثيرة.
إن رفض واشنطن الاعتراف بالصين كاقتصاد سوق، واستهداف خطة “صنع في الصين 2025” بشكل منهجي، ومحاولة عزل الصين تقنياً وعلمياً، وبناء تحالفات عسكرية مثل “أوكوس” بين أمريكا وبريطانيا وأستراليا، كلها تعكس الخوف الكلاسيكي الذي شعرت به (إسبرطة) عندما رأت أسوار (أثينا) الطويلة تمتد نحو البحر. هذا هو منطق أثينا وإسبرطة نفسه، لكن بأدوات العصر الرقمي والحرب التجارية.
لكن هناك جوانب أخرى تخالف السيناريو الكلاسيكي للنظرية. الغائب الأكبر في هذه القصة هو الحرب العسكرية المباشرة بين القوتين. لم تطلق بكين طلقة واحدة رداً على الرسوم الجمركية، ولم ترسل أسطولها لمواجهة الأسطول الأمريكي في بحر الصين الجنوبي. بدلاً من ذلك، ردت الصين بإجراءات قانونية داخل منظمة التجارة العالمية، وباتباع سياسة “الانتقام المتناظر” حيث ترد على كل تعريفة أمريكية بتعريفة مماثلة بالقيمة وليس بالنوع.
هذا التحول في شكل الصراع يسمح لنا بصياغة مفهوم جديد يمكن تسميته “فخ تيوسيديد القانوني”. في هذا الفخ الجديد، لا تتنافس القوتان العظميان عبر الجيوش والسفن الحربية بشكل أساسي، بل عبر ثلاث ساحات رئيسية.
– الأولى هي استخدام القانون الدولي كسلاح: فبينما تستخدم واشنطن القسم 301 والقسم 232 من قانون التجارة الأمريكي (الذي يسمح بفرض رسوم بدعوى حماية الأمن القومي)، تستخدم بكين آلية تسوية النزاعات في منظمة التجارة العالمية، وتقدم شكاوى رسمية ضد الإجراءات الأمريكية. كل طرف يحاول أن يصور نفسه على أنه “المدافع عن القانون الدولي” والطرف الآخر على أنه “المنتهك للقواعد”؛
– الثانية هي بناء مؤسسات دولية منافسة: الصين أنشأت البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية وبنك التنمية الجديد (بنك بريكس) كبدائل للمؤسسات المالية الغربية التي يهيمن عليها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. بالمقابل، تحاول واشنطن تعزيز تحالفاتها الاقتصادية والإقليمية كبديل عن النظام متعدد الأطراف الذي تضعف هيمنتها عليه؛
– الثالثة هي توسيع دوائر الحلفاء والنفوذ: فمبادرة “الحزام والطريق” الصينية تشمل أكثر من 140 دولة وتستثمر تريليونات الدولارات في البنية التحتية حول العالم، مما يخلق شبكة من المصالح المالية والسياسية المرتبطة بالصين. بالمقابل، ترد واشنطن باستراتيجية “المحيطين الهندي والهادئ” وتحالفات مثل “كواد” و”أوكوس” ومحادثات “أبيك” الاقتصادية.
هذه التحولات تعني أن فخ تيوسيديد لم يختفِ، بل تغير شكله. لم يعد السؤال “متى ستنطلق الصواريخ؟”، بل أصبح “أي نظام قانوني واقتصادي عالمي سيسود في المستقبل؟” و”هل تستطيع المؤسسات الدولية الحالية احتواء صراع القوتين العظميين دون أن تنهار؟” هنا تكتسب زيارة 2026 أهميتها: فهي اختبار حقيقي لما إذا كانت القوتان قد تعلمتا من عقد من المواجهة، أم أنهما دخلتا في مرحلة أكثر تعقيداً من “السباق القانوني الدائم” الذي لا نهاية له في الأفق.
5. التأثيرات والنتائج المترتبة على الزيارة
لزيارة ترامب إلى الصين تأثيرات متعددة المستويات، بعضها مباشر وقصير المدى، وبعضها استراتيجي وطويل المدى.
– على المستوى المباشر، منحت الزيارة إدارة ترامب غطاءً سياسياً داخلياً ثميناً. فقد استطاع ترامب أن يظهر لناخبيه وللطبقة السياسية في واشنطن أنه “يستطيع التعامل مع الصين بقوة” دون أن يفجر أزمة كبرى. هذا الغطاء السياسي شجع البيت الأبيض على تصعيد الضغوط على الصين في الأشهر التالية، مع قناعة راسخة بأن القيادة الصينية لن ترد برد عسكري أو بقطع العلاقات الدبلوماسية.
كما عززت الزيارة لدى الإدارة الأمريكية قناعة أخرى خطيرة: أن الصين مستعدة لدفع ثمن باهظ لشراء الوقت وتجنب المواجهة. هذا التفسير الخاطئ للسلوك الصيني دفع واشنطن إلى الاعتقاد بأن الضغط المتزايد سيؤدي إلى مزيد من التنازلات، وهو ما لم يحدث في الواقع، بل أدى إلى ردود صينية مضادة تصاعدت تدريجياً.
– على المستوى طويل المدى، أدى التصعيد التجاري الذي تلا الزيارة إلى نتائج عكسية من منظور أمريكي. فقد دفع التصعيد الصين إلى تسريع تطوير بدائل محلية للتقنيات الغربية، خاصة في مجال الرقائق الإلكترونية والبرمجيات وأنظمة التشغيل. اليوم، الصين تستثمر مئات الملايير من الدولارات في تحقيق الاكتفاء الذاتي التكنولوجي، وهو هدف لم يكن بهذه الدرجة من الإلحاح لولا الحرب التجارية التي تلت زيارة ترامب.
كذلك، أعاد التصعيد تعريف مفهوم “السيادة التكنولوجية” في القانون الدولي. فقبل هذه الفترة، كان الافتراض السائد أن التكنولوجيا سلعة عالمية يمكن شراؤها وبيعها بحرية. بعد العقوبات الأمريكية على هواوي و ZTE ومئات الشركات الصينية الأخرى، أصبح واضحاً أن الدول لا يمكنها الاعتماد على التقنيات الأجنبية في قطاعات حساسة تتعلق بالأمن القومي. هذا أدى إلى موجة من قوانين “السيادة التكنولوجية” في الصين والهند وروسيا وحتى الاتحاد الأوروبي.
على المستوى المؤسسي الدولي، أظهرت الأزمة عجزاً مريعاً لمنظمة التجارة العالمية عن حسم نزاع بين عمالقة القوى. فآليات فض المنازعات في المنظمة صممت للتعامل مع خلافات تجارية تقليدية، وليس مع حرب تجارية شاملة بين أكبر اقتصادين في العالم. هذا العجز أضعف مصداقية النظام القانوني التجاري متعدد الأطراف بشكل كبير، ودفع الطرفين نحو تحالفات تجارية إقليمية منفصلة. الصين قادت إلى اتفاق “الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة” الذي يضم 15 دولة آسيوية، بينما عززت واشنطن تحالفاتها مع أوروبا واليابان وأستراليا.
وبخصوص زيارة 2026، ثمة ثلاث دلالات أولية يمكن استخلاصها وإن كانت الأحكام ما زالت مبكرة:
– طابعها التكتيكي أكثر منه استراتيجياً؛ إذ لم تُعلن عن صفقات أو معاهدات كبرى تشبه تلك التي ميزت 2017، مما يشير إلى أن كلا الطرفين أصبح يدرك أن العقود التجارية وحدها لا تشكل ضماناً للسلام في ظل تنافس هيكلي؛
– تركيز المباحثات على إدارة الأزمات أكثر من حل الخلافات الجوهرية (تايوان، بحر الصين الجنوبي، التقنيات الحساسة)، مما يعكس تحولاً من طموح “حل الفخ” إلى محاولة “تجميده” مؤقتاً؛
– استغلال كلا الجانبين الزيارة لأغراض داخلية: ترامب في سياق حملته الرئاسية (إن كان في 2026) أو لتعزيز صورته كصانع سلام، والصين لإظهار انفتاحها الدبلوماسي رغم التوترات.
على سبيل الختم.. هل نحن في مرحلة ما بعد فخ تيوسيديد؟
بعد تحليل زيارة ترامب إلى الصين من منظور فخ تيوسيديد والقانون الدولي والعلاقات الدولية، يمكننا استخلاص عدة استنتاجات جوهرية.
أ. فخ تيوسيديد لم يختفِ، بل تحول وتكيف مع العصر الحديث: القوى العظمى اليوم لا تتجه بالضرورة إلى الحرب الساخنة كما حدث بين أثينا وإسبرطة، لكنها دخلت في مرحلة من “الصراع الدائم تحت عتبة الحرب”. هذه المرحلة الجديدة تشمل الحروب التجارية، وحروب العملات، والحصار التكنولوجي، والحروب القانونية في المحاكم الدولية، والحروب الإعلامية والدعائية.
ب. قانون العلاقات الدولية عجلة مصيرية: فبينما كانت زيارة ترامب محاولة لتجميد التصعيد أو شراء الوقت، أثبتت الأحداث اللاحقة أن القوى الهيكلية التي تحدث عنها ثوسيديديس قبل 2500 عام ما زالت تعمل بقوة. صعود الصين كقوة عظمى يخلق خوفاً حقيقياً في واشنطن، وهذا الخوف يولّد سياسات احتواء، وهذه السياسات تولد ردود فعل صينية، وهكذا في دوامة تصاعدية يصعب كسرها.
ج. السياق القانوني يشكل الفارق بين الموت والمأساة. في الماضي، كان فخ تيوسيديد يؤدي غالباً إلى حرب مدمرة. اليوم، يوفر القانون الدولي ومنظمة التجارة العالمية والأمم المتحدة متنفساً قانونياً يمكن أن يمنع تحول الخلافات إلى نزاعات مسلحة. لكن هذا الإطار القانوني نفسه مهدد بالانهيار إذا واصلت القوى العظمى استخدامه كسلاح ضد بعضها البعض.
أخيراً، الدرس الأهم من زيارة ترامب هو أن الدبلوماسية الاحتفالية والصور التذكارية في القاعات الإمبراطورية لا تغير من الحقائق الهيكلية للعلاقات الدولية؛ فالرقص في القاعة الإمبراطورية لا يلغي حقيقة أن كلا الراقصين يضع يده الأخرى على سيف غير مرئي اسمه القانون والاقتصاد والتكنولوجيا.
وإذا أردنا صياغة خلاصة أخيرة، نقول: نحن نعيش في زمن “فخ تيوسيديد المعاصر”، حيث لم تعد ساحة المعركة الرئيسية هي الميدان العسكري، بل أصبحت ساحة القانون الدولي، وساحة التكنولوجيا، وساحة بناء المؤسسات البديلة. والسؤال الحاسم ليس “هل ستقع الحرب؟”، بل “هل يستطيع النظام القانوني العالمي الحالي أن يحتوي صراع القوتين العظميين، أم أنه سينهار تحت وطأة هذا الصراع؟” الإجابة على هذا السؤال ستحدد شكل النظام العالمي في العقود القادمة. فبقدر ما كانت زيارة 2017 إيذاناً ببداية عقد من المواجهة القانونية والتجارية، فإن زيارة 2026 – إن لم تتبعها تصعيدات جديدة – قد تكون بداية مرحلة “الهدنة الطويلة” التي لا تعني السلام، بل إدارة الصراع بأدوات أكثر براغماتية وأقل انفجاراً.”
-دكتوراه في القانون الدولي العام والعلاقات الدولية
إقرأ الخبر من مصدره