وفي خضم ذلك، تجد بلادنا نفسها في مواجهة مخططات خبيثة وهجمات متتالية تحمل عداء سافرا للمشروع التنموي الوطني، عبر حملات تحريضية تنفذها أجهزة استخباراتية معروفة، بتنسيق مع مجموعات مصالح أوروبية تحاول توجيه ضربات اقتصادية و سياسية، سعيا لكسر الصورة الإيجابية التي راكمها المغرب خلال المراحل الأخيرة، و عززت رصيد التعاطف معه و التقدير الدولي لقضاياه.
ويبدو أن الحضور القوي للمغرب في المنابر الإعلامية الدولية بمناسبة تميز المنتخب الوطني في المونديال، و ما تم إرساله للعالم من صور إنسانية و حضارية أصيلة، عكسها اللاعبون في ملاعب قطر، و عكسها توحد الجماهير في مدن المملكة و في مدن العالم العربي و إفريقيا مساندة للمغرب و اعتزاز به، قد أزعج عددا من الجهات. و زاد من حدة ذلك الانزعاج، ما تم تسجيله من أداء متميز للمؤسسات الأمنية المغربية التي ضبطت الأمور بشكل احترافي أحبط كل المناورات التي حاولت خلق البلبلة و إفشال الجو الاحتفالي الذي تميزت به أول منافسات كأس العالم لكرة القدم تنظم في بلد عربي مسلم. و هو أمر لم تستسغه عدد من المؤسسات و الأجهزة التي كان البعض منها يتمنى لو طلب منه القيام بذلك الدور الأمني الاستراتيجي.
تلك الاعتبارات شكلت حافزا للقوى المعادية لمصالح المغرب كي تسرع هجماتها التحريضية على بلادنا، قبل أن تشرع في استخلاص عائدات « التميز المونديالي » على شكل استثمارات خارجية جديدة محتملة، أو عبر تزايد أعداد السياح الوافدين، أو من خلال جني عائدات تعاظم التعاطف الديبلوماسي مع المملكة في المحافل الدولية.
معطيات كثيرة تشير إلى أن الديناميكية العدوانية التي تصاعدت مؤخرا، خاصة عبر منصة البرلمان الأوروبي و بعض المنظمات الدولية الموجهة، تخفي في طياتها حلقات تآمرية جديدة قادمة في الأفق. وهو ما يفرض استيعاب خطورة ما قد يجري من محاولات بائسة للتضييق على بلادنا مجددا، إما عبر بوابة ملفات يراد إلباسها طابعا « حقوقيا »، أو عبر محاولة التأثير على مصالحنا الاقتصادية و التجارية، أو عبر السعي لتعطيل التقدم في حل النزاع المفتعل بشأن الصحراء المغربية في مجلس الأمن الدولي، أو من خلال الترويج لأصوات نشاز، كتلك التي برزت قبل أيام في الصحافة الفرنسية، تروج لفكرة التعاطي مع قضيتنا الوطنية من خارج المسار الأممي المتقدم، الذي يركز على حل المشكل المفتعل عبر المقترح الجاد للحكم الذاتي ضمن السيادة المغربية.
ما نعيشه مؤخرا ليس إلا محاولة يائسة من خصوم المغرب لفرض إيقاع أكبر في صراع جيوستراتيجي يهدف إلى تركيع بلادنا عبر خلق شروط بلبلة اجتماعية وسياسية باستثمار الأزمة الاقتصادية العالمية و تأثيراتها المحلية، من أجل الضغط على الدولة المغربية لإجبارها على تقليص حضور المؤسسات الاقتصادية و الرأسمال الوطني في السوق الإفريقية؛ و التضييق على الاستراتيجية الاستثمارية في السوق الدولية للفوسفاط؛ و لجم الانفتاح على الصين و الهند و عدم تمكينهم من منصات لوجيستيكية، صناعية أو تجارية، على بعد كيلومترات من السوق الأوروبية؛ و دفع المغرب للقبول بتعاقدات بشروط مجحفة في أفق ما قد يكون قادما من فرص استثمارية إذا تأكدت اكتشافات حقول غاز و بترول في أراضي وبحار المغرب.
في رأيي، هذه هي الأسباب الرئيسية العميقة لما نتابعه من حملات إعلامية تحريضية ضد المغرب، تأكد أن وراءها بعض الجهات الرسمية وغير الرسمية، التي تحركها مؤسسات مرتبطة بالدولة العميقة في فرنسا التي لا تخفي رفضها لبروز « تركيا جديدة » في غرب البحر الأبيض المتوسط، و تريد وقف تحركات المغرب على الساحة الإفريقية، و ترفض تنويع بلادنا لشراكاتها الديبلوماسية و الاقتصادية و السياسية و العسكرية بعيدا عن نفوذ المستعمر القديم.
لكل ما سبق، علينا أن ننتبه إلى حساسية المنعطف الحالي الذي يفرض على الجميع تحمل المسؤولية، سواء النخبة السياسية والاقتصادية، أو المثقفين و العلماء، أو المسؤولين العموميين و المنتخبين و الفاعلين المدنيين و عموم المواطنين، لكي ندخل معركة الصمود دفاعا عن وطننا، ونحن جبهة واحدة متضامنة ضد جهات لن تستنى من أهدافها الخبيثة أي فئة من بيننا.
لهذا، المطلوب من كل من يستطيع ذلك المساهمة في تعزيز الشعور بقدسية الانتماء الواحد و المصير المشترك لجميع المغاربة كيفما كانت اختلافاتهم حول سبل تدبير الشأن العام، خاصة في البعد المرتبط بمواجهة الأزمة الاجتماعية و ضغط ارتفاعات الأسعار و تأثيرها على القدرة الشرائية للأسر. لذلك، على الفاعلين الحكوميين تجديد مقومات الثقة المجتمعية في المؤسسات، عبر تطوير التواصل و النقاش العمومي باعتماد استراتيجيات جديدة و تعبئة كفاءات مؤهلة، و تطوير مردودية المؤسسات و القطاعات العمومية و تجديد مناهج تدبيرها، و فرض أقصى درجات الجدية والشفافية و الانضباط في تدبير الإمكانيات، و محاربة الفساد حفاظا على مصالح الوطن و المواطنين، وضمان مستوى عيش كريم للأسر المغربية التي يجب حمايتها من الغلاء في الأسعار و من عبث السماسرة والمضاربين و أصحاب الريع و تجار الأزمات.
إن أفضل خطة للدفاع عن بلادنا هي الالتحام حول ثوابت المشروع الوطني، و نهج الاستباقية لفرض إيقاعنا على خصومنا حيثما كانوا، و عدم التردد في استثمار الذكاء الفردي و الجماعي لأبناء المغرب، و تعبئة الكفاءات والمثقفين و المفكرين الجادين لتحفيز الثقة في الذات ورفع تحدي نهج تدبير جديد على مختلف الواجهات الإعلامية و السياسية و التأطيرية، بإرادة وطنية صادقة تكسر آمال الأعداء في النيل منا أو شق صفوفنا كشعب مثشبت بثوابته و غيور على سيادته الوطنية.
في هذه المرحلة التاريخية بالذات، نحتاج إلى خطاب الصدق وتعزيز القرب من المواطنين وترميم جسور التواصل السياسي و المؤسساتي بين الفاعلين العموميين والنخب و مختلف فئات المجتمع، في ظل شراكة وطنية تجعل المواطنين يستعيدون تفاؤلهم بالأفق الذي تتيحه لهم ديناميكية الفعل العمومي، حتى ينخرط الجميع في التعبئة الشاملة لمواجهة كل الاحتمالات الممكنة من أثر ما يخطط له أعداء المغرب وخصوم وحدته الترابية، والمتربصون بقضاياه المشروعة ومصالحه. ولا شك في أن سعي هؤلاء جميعا سيفشل، كما فشلت مؤامرات سابقة عبر التاريخ، وستصطدم خطط العداء بحائط صلب قوامه توحد المغاربة وراء قيادتهم و مؤسسات دولتهم، وصدق ولائهم لله و الوطن و للملك.
يونس التايب
إقرأ الخبر من مصدره