الخط : A- A+
حين يُستعاد تاريخ الأمن الوطني في ذكراه السبعين، يبرز في مقدمة هذا المسار رجال ونساء تحملوا، على امتداد السنوات، أعباء مهنة لا تشبه غيرها. فالأمن الذي يعيشه المغاربة كل يوم لا تصنعه فقط البنيات والتجهيزات والخطط، بل يصنعه أيضا أشخاص يوجدون باستمرار في الواجهة، في الشارع وفي التدخلات وفي لحظات الخطر، ويواصلون أداء مهامهم بما تقتضيه من يقظة وانضباط وتحمل للمسؤولية. ومن هنا تكتسب التضحيات المرتبطة بهذه المهنة مكانتها داخل تاريخ المؤسسة، لأنها تكشف الوجه الأكثر إنسانية في خدمة عمومية تقوم، في جوهرها، على حماية الناس وصون النظام العام.
في خطاب العرش لسنة 2016، شدد الملك محمد السادس على أن صيانة الأمن مسؤولية كبيرة، ودعا إلى تمكين الإدارة الأمنية من الموارد البشرية والمادية اللازمة، مع مواصلة تخليقها وتطهيرها من كل ما قد يسيء إلى سمعتها، وربط الحزم الأمني بالقانون واحترام الحقوق والحريات. ثم جاء خطاب 2017 ليضع التضحيات في الواجهة حين أكد الملك أن رجال الأمن يقدمون تضحيات كبيرة ويعملون ليلا ونهارا وفي ظروف صعبة من أجل حماية أمن الوطن واستقراره وراحة المواطنين وسلامتهم. هذه الإشارات ترسم الإطار العام الذي ينبغي أن تُقرأ داخله أوضاع العاملين في هذا الجهاز، لأن النجاعة اليومية للمرفق الأمني ترتبط أيضا بما يتحمله موارده البشرية من أعباء ومخاطر.
العمل الأمني لا يبدأ عند لحظة التدخل فقط، ولا ينتهي عند تحرير المحضر أو إنجاز المهمة. هو عمل قائم على الاستعداد الدائم، والاحتكاك المباشر بأوضاع متوترة، والتدخل في لحظات قد تنقلب فيها الأمور في ثوان قليلة. وهذا ما يجعل الإصابة أثناء أداء الواجب أو الاستشهاد خلاله جزءا من واقع المهنة. وتتضح طبيعة الوظيفة الشرطية باعتبارها من الوظائف العمومية التي تتطلب حضورا دائما ويقظة مستمرة وتحملًا كبيرا للمسؤولية، وهو ما ينعكس على إيقاع الحياة المهنية والشخصية للعاملين بها.
خلال السنوات الأخيرة، أخذت السياسة الاجتماعية داخل مؤسسة الأمن الوطني طابعا أكثر انتظاما واتساعا. الدور الذي تضطلع به مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لموظفي الأمن الوطني لم يعد محصورا في تقديم مساعدات ظرفية، بل امتد إلى مواكبة المصابين أثناء أداء الواجب، ودعم الأرامل والمتقاعدين وذوي الحقوق، وتطوير التغطية الصحية، والمساهمة في السكن، ومساندة الأسر في الجوانب التعليمية والاجتماعية.
هذا التوجه برز بشكل أوضح في السنوات التي تلت تعيين الملك محمد السادس لعبد اللطيف حموشي على رأس المديرية العامة للأمن الوطني. فمنذ تلك المرحلة، أخذ الورش الاجتماعي بعدا مؤسساتيا أكثر وضوحا، سواء من خلال مواصلة برامج الدعم والرعاية، أو عبر تتبع أوضاع الأرامل والمصابين والمتقاعدين، أو عبر إعطاء هذا الملف مكانة فعلية داخل تصور أوسع لتحديث المؤسسة. وقد ظهر ذلك في أكثر من محطة، من بينها المبادرات الموجهة إلى أسر شهداء الواجب، وتوسيع الاستفادة من الخدمات الصحية والاجتماعية، ومواصلة برامج الدعم المباشر، بما رسخ فكرة أن تحسين أوضاع العاملين وأسرهم جزء من استقرار المرفق نفسه، وليس ملفا منفصلا عنه.
وفي هذا المسار، اكتسب ملف شهداء الواجب مكانة خاصة. ففي ماي 2025، وعلى هامش أيام الأبواب المفتوحة بالجديدة، استقبل عبد اللطيف حموشي أرامل وآباء شهداء الواجب في مبادرة جمعت بين التقدير الرمزي والدعم الاجتماعي الملموس. وخلال هذه المناسبة جرى تسليم عشر أرامل شققا سكنية في المدن التي اخترنها، إلى جانب منح مساعدات مالية لآباء اثنين من موظفي الشرطة الذين استشهدوا أثناء أداء الواجب. هذه الخطوة تقدم صورة واضحة عن الاتجاه الذي ترسخ خلال السنوات الأخيرة، وهو ربط الوفاء لمن سقطوا أثناء أداء الواجب ببرامج دعم تحفظ الكرامة وتخفف من آثار الفقد.
وهذه المبادرة جاءت داخل سياق اجتماعي أوسع أخذ يترسخ داخل المؤسسة على امتداد السنوات الأخيرة، حيث ظل ملف أسر شهداء الواجب حاضرا في برامج المواكبة والدعم والرعاية، سواء في ما يتعلق بالأرامل والآباء، أو بالأبناء والأيتام، أو بإدماجهم ضمن مختلف آليات الإسناد الاجتماعي التي تشرف عليها مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لموظفي الأمن الوطني.

وخلال السنوات الأخيرة، أخذت السياسة الاجتماعية داخل مؤسسة الأمن الوطني طابعا أكثر انتظاما واتساعا في ما يخص المصابين أثناء أداء الواجب، وأسر شهداء الواجب، والأرامل والأيتام وذوي الحقوق. وتظهر حصيلة 2025 هذا المنحى بوضوح، إذ واصلت مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لموظفي الأمن الوطني تقديم منح مالية وعينية لفائدة 1610 منخرطين من ضحايا إصابات بليغة أثناء مزاولة مهامهم أو ممن أصيبوا بأمراض خطيرة، مع معالجة ملفاتهم عبر مسطرة استعجالية، كما شمل الدعم المالي المباشر 4226 أرملة من أسرة الأمن الوطني.

وفي السنة نفسها، أُطلقت خدمة التغطية الصحية التكميلية والتأمين على الوفاة لفائدة الأرامل وأفراد أسرهم وأيتام الأمن الوطني، مع توسيع قاعدة الخدمات الصحية المشمولة، فيما استفاد 4044 من أبناء وأيتام المؤسسة من المخيمات الصيفية. وتهم هذه الأرقام آخر حصيلة معلنة، ضمن مسار اجتماعي استقر عبر السنوات وتعزز خلال العقد الأخير، حيث أصبح دعم المصابين أثناء أداء الواجب، ومواكبة الأرامل، والعناية بالأيتام من الثوابت المؤسسة للسياسة الاجتماعية داخل الأسرة الأمنية.

والاهتمام بأوضاع العاملين لا يتوقف عند ما بعد الإصابة أو ما بعد الفقد. داخل المؤسسة نفسها، ترسخ خلال السنوات الأخيرة توجه يعطي قيمة أكبر للتحفيز والاعتراف المهني، سواء عبر الترقيات الاستثنائية في بعض الحالات المرتبطة بالتضحية أو الظروف الخاصة، أو عبر أشكال التفات مهني واجتماعي إلى من يتحملون أعباء المهنة في مواقع مختلفة. هذا الجانب يظل مهما في فهم المناخ الداخلي للمؤسسة، لأن الاستقرار المهني لا يقوم فقط على التكوين والتجهيز والانضباط، بل يحتاج أيضا إلى شعور العاملين بأن ما يبذلونه من جهد وما يتحملونه من مخاطر يجد صداه داخل المؤسسة.
شهداء الواجب في أسرة الأمن الوطني يستحقون، في هذه الذكرى، كل الوفاء والتقدير والدعاء، لأنهم قدموا حياتهم في سبيل حماية المواطنين وصون أمن الوطن. كما تستحق أسرهم كامل الاحترام لما تحملته من أثر هذا الفقد وما واصلته بعده من صبر وصمود. والتقدير نفسه يشمل المصابين أثناء أداء الواجب، وعلى جميع العاملات والعاملين في هذه المؤسسة، ممن يواصلون أداء مهامهم يوميا بيقظة وانضباط واستعداد دائم. فالأمن الذي يعيشه المغاربة كل يوم يقوم أيضا على هذا الجهد البشري المتواصل، وعلى ما يبذله هؤلاء من وقت وجهد وتضحية في الميدان.
وحين يُقال إن المغرب راكم تجربة أمنية متقدمة، فالمقصود لا ينحصر في البنيات والتقنيات والنجاعة العملياتية، بل يشمل أيضا هذا الوجه الإنساني الذي يحمل جزءا كبيرا من كلفة الاستقرار. وراء الزي الرسمي توجد مهنة ثقيلة، ووراء حضور الأمن في الحياة اليومية توجد أسر تتحمل بدورها جزءا من هذا العبء. ومن هنا يصبح الحديث عن التضحيات الجسيمة في خدمة الوطن جزءا طبيعيا من أي قراءة جادة لمسار الأمن الوطني، لا من باب المجاملة، بل من باب الإنصاف.
إقرأ الخبر من مصدره