Étiquette : 2014

  • تنظيم يدين إجرام البوليساريو بتندوف

    هسبريس – توفيق بوفرتيح

    علمت جريدة هسبريس الإلكترونية من مصدر مطلع من الجمعية الصحراوية للدفاع عن حقوق الإنسان بمدريد أن الأخيرة تتدارس رفع دعوى قضائية ضد قيادات في جبهة البوليساريو وضباط من الجيش الجزائري أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بستراسبورغ، على خلفية الانتهاكات المرتكبة بمخيمات تندوف، على غرار الاختطاف والتعذيب والاحتجاز غير القانوني في السجون السرية لهذا التنظيم الانفصالي.

    وأوضح مصدر هسبريس أن “الجمعية الصحراوية للدفاع عن حقوق الإنسان بمدريد ترى في اللجوء إلى القضاء الأوروبي خطوة ذات أهمية في مسار إنصاف ضحايا هذه الانتهاكات ومحاسبة الجناة”، مبرزا أنه “رغم أن البدء في هذا المسار القضائي يعد خطوة تتطلب إمكانيات ووسائل لوجستية ومادية خاصة، إلا أن المنظمة ماضية في تدارسها مع محاميها لتجاوز عقبة طول أمد التقاضي أمام القضاء الإسباني ورفض السلطات الجزائرية التعاون مع نظيرتها الإسبانية للكشف عن أسماء وهويات المتورطين في الانتهاكات الحقوقية بمخيمات تندوف”.

    وشدد على أن “التوجه نحو القضاء الأوروبي، في شخص المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان باعتبارها محكمة فوق وطنية، سيشكل إحراجا قانونيا كبيرا لكل من جبهة البوليساريو والجزائر، خاصة وأن هذه الانتهاكات الجسيمة وقعت مباشرة فوق الأراضي الجزائرية، في حين إن جبهة البوليساريو لا تحظى باعتراف دولي كدولة، وليست طرفا موقعا على الاتفاقيات الدولية والمعاهدات ذات الصلة بحماية حقوق الإنسان”.

    وتابع المصدر نفسه بأن “الجمعية سبق أن وضعت شكوى أمام القضاء الإسباني في مواجهة 23 عنصرا من جبهة البوليساريو وأربعة ضباط جزائريين في دجنبر من سنة 2007 على خلفية الانتهاكات المرتكبة في تندوف، غير أن هذه الدعوة لم تقبل رسميا إلا في سنة 2014 من طرف المحكمة الوطنية الإسبانية”، مضيفا أن “الملف ما زال ساري المفعول، ولكنه يواجه تعقيدات شديدة وبات في حالة جمود تام بسبب العرقلة الواضحة من طرف السلطات الجزائرية التي ترفض التجاوب مع مطالب ‘الإنابة القضائية’ التي أرسلتها السلطات القضائية الإسبانية للاستفسار عن وجود شكايات أو محاكمات مماثلة داخل الجزائر”.

    وسجل أن “القضاء الإسباني يواجه صعوبة كبيرة في تتبع المتهمين بسبب لجوئهم إلى استخدام أسماء مستعارة وهويات ثانية غير أسمائهم الحقيقية”، لافتا في هذا الصدد إلى أن “صك الاتهام في هذا الملف يتضمن انتهاكات فظيعة تشمل الاختطاف، والتعذيب، والاغتصاب، بالإضافة إلى وجود مؤشرات يمكن أن ترقى إلى محاولات إبادة جماعية ضد ساكنة مخيمات تندوف”.

    وأوضح المصدر المطلع الذي تحدث لهسبريس في هذا الشأن أن “مطالب الجمعية الصحراوية للدفاع عن حقوق الإنسان بمدريد تتلخص أساسا في الكشف عن مصير مئات المجهولين من الصحراويين وبعض الأجانب، وتقديم تعويضات عادلة للضحايا الذين يعانون من مخلفات وأضرار نفسية وجسدية بليغة جراء قضائهم سنوات طويلة في زنازين انفرادية، إضافة إلى محاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات المثبتة بموجب خبرات طبية مرفقة بالشكايات الموجهة إلى القضاء الإسباني”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بالصور والتصاميم.. دفاع مبديع يحاول إسقاط رواية “اختلالات الصفقات”

    تحولت جلسة محاكمة الوزير السابق والرئيس الأسبق لجماعة الفقيه بن صالح، محمد مبديع، أمام غرفة جرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، إلى مواجهة مباشرة بين هيئة الدفاع والنيابة العامة، بعدما اختار دفاع المتهم الرئيسي الانتقال من مناقشة النصوص القانونية إلى عرض صور وتصاميم وأمثلة ميدانية اعتبرها دليلا على “واقعية الأشغال المنجزة” وغياب أي تبديد للأموال العمومية.

    وخلال مرافعته، وجه إبراهيم أموسي، انتقادات حادة لتعقيبات النيابة العامة، معتبرا أنها اعتمدت على “خطاب عام” وعلى خلاصات غير مدعومة بأدلة مادية قاطعة. وأكد أن الملفات الجنائية، وخاصة المرتبطة بتدبير المال العام، لا يمكن أن تبنى على الانطباعات أو الاستنتاجات، بل على وقائع ثابتة ومعطيات دقيقة، مضيفا أن عددا من الشهادات التي استندت إليها المتابعة “تفتقد للقيمة القانونية والأخلاقية”، لأن أصحابها بحسبه كانوا جزءا من الوقائع موضوع التحقيق أو مستفيدين بشكل مباشر من بعض الصفقات.

    وفي محاولة لتقوية دفوعاته، لجأ الدفاع إلى استعراض صور للشوارع والمنشآت التي أنجزت خلال فترة تسيير مبديع لجماعة الفقيه بن صالح. وأبرز أن المدينة عرفت، خلال تلك المرحلة، أوراشا كبرى في مجال التهيئة الحضرية والبنية التحتية، مؤكدا أن بعض الشوارع الرئيسية التي أُنجزت آنذاك “تعد اليوم من بين الأفضل وطنيا”.

    وفي معرض رده على ما أثير بخصوص صفقة سنة 2017، والتي تحدثت النيابة العامة بشأنها عن رفع كميات الأشغال وعدم استكمال بعضها، قال الدفاع إن هذه الاتهامات “وردت بشكل فضفاض وعام”، دون تحديد دقيق لطبيعة الأشغال أو حجم الاختلالات المزعومة، مضيفا أن الأمر نفسه ينطبق على الصفقة رقم 12/2014. وتابع مؤكدا أن ما قُدم بشأنها “لا يرقى إلى مستوى الإثبات الجنائي”، وأن الحديث عن تجاوزات يبقة بحسب تعبيره، “في دائرة الادعاءات العامة غير المضبوطة”.

    وشدد أموسي على أن موكله لم يستفد شخصيا من الصفقات موضوع المتابعة، لا بشكل مباشر ولا غير مباشر، معتبرا أن الجماعة خلال فترة رئاسته عرفت تحولات عمرانية واضحة انعكست على البنية التحتية للمدينة.

    وبعد أن توقف الدفاع عند تصريحات أحد الأشخاص الملقب بـ”باسو”، الذي استندت إليه بعض محاضر البحث، اعتبر أن الضابطة القضائية تعاملت معه وكأنه “فاعل خير”، رغم كونه بحسب الدفاع مستفيدا من صفقات من الباطن، لافتا إلى أن هذا الشخص صرح بأنه اقتلع الأشجار بيده ولم يحصل على مستحقاته الحقيقية، في وقت تم فيه احتساب قيمة بعض الأشجار بحوالي 6000 درهم للشجرة الواحدة.

    وفي المقابل، رأى الدفاع أن هذه الرواية “غير منطقية تقنيا”، موضحا أن بعض الأشجار موضوع الحديث يصل طولها إلى عشرات الأمتار، ومن المستحيل اقتلاعها يدويا دون استعمال معدات وآليات ثقيلة. ونبه إلى أن عددا من الشهادات المدرجة في الملف “مجرد كلام مرسل”، معلنا تحفظه الكامل على مضامينها، وملتمسا من المحكمة التمييز بين الوقائع الثابتة والانطباعات الشخصية أو التصريحات المتناقضة.

    وفي السياق نفسه، أثار الدفاع مسألة سحب إحدى الصفقات من تجمع شركات، حيث اعتبر أن هذا الإجراء يتم وفق مسطرة قانونية مؤطرة بنصوص واضحة، ولا يمكن اعتباره دليلا تلقائيا على وجود فساد أو اختلالات، مشيرا إلى أن مبديع سبق أن وجه استفسارات وإنذارات إلى شركات نالت بعض الصفقات، بسبب تسجيل نقائص في الإنجاز. وزاد أن هذه المراسلات تثبت أن الجماعة كانت تمارس دورها الرقابي في تتبع الأشغال وليس التستر على الاختلالات.

    وفي جانب آخر من المرافعة، ربط الدفاع تفجر الملف بخلافات وصراعات بين بعض الأطراف المتابعة في القضية، متهما شخصا يدعى “الصحراوي” بأنه كان وراء “إشعال فتيل الملف”، بسبب نزاع مع شخص آخر يدعى “المدني”، المعتقل بدوره في القضية، معتبرا أن “الصحراوي” لم يقم بواجباته المتعلقة بمراقبة وتتبع الأشغال، رغم أنه كان معنيا بشكل مباشر بتلك المهام.

    وعلى المستوى المدني، التمس دفاع مبديع من المحكمة سحب مذكرة المطالب المدنية المقدمة باسم جماعة الفقيه بن صالح، معتبرا أن المحامي الذي ينوب حاليا عن الجماعة سبق أن اشتغل معها خلال فترة رئاسة مبديع، وهو ما يطرح بحسبه إشكالا مرتبطا بالسر المهني وأخلاقيات مهنة المحاماة. وأردف قائلا: “لا يمكن لمحام أن يترافع بالأمس لصالح الجماعة خلال فترة رئاسة مبديع، ثم يتحول اليوم إلى طرف يطالب بإدانته في الملف نفسه”، مشيرا إلى أنه تم وضع شكاية لدى نقيب هيئة المحامين ببني ملال للنظر في هذه النقطة.

    وعاد الدفاع للحديث عن الصفقة رقم 6/2016 المتعلقة بإنجاز شارع علال بن عبد الله، إذ سجل أن المشروع ساهمت فيه عدة قطاعات وزارية، معتبرا أن تقرير المفتشية العامة لوزارة الداخلية بشأن هذه الصفقة “لم يكن مضبوطا بشكل كاف”.

    وفي ختام مرافعته، جدد دفاع مبديع، مطالبته ببراءة موكله من جميع التهم المنسوبة إليه، معتبرا أن الملف، رغم ضخامته، لا يتضمن أدلة مادية حاسمة تثبت ارتكاب أفعال جنائية تستوجب الإدانة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • فاطمة المرنيسي.. نساء على أجنحة الحلم

    إعداد وتقديم: سعيد الباز

    تعدّ الكاتبة وعالمة الاجتماع والمهتمة بقضايا المرأة، فاطمة المرنيسي، الشخصية المغربية الأكثر حضورا وتأثيرا على المستوى العالمي، تميّزت بغزارة إنتاجها الفكري وأصالته، فضلا عن سمة الجدة والابتكار، وحظيت باهتمام كبير على مستوى الترجمة إلى لغات عالمية كثيرة وفي كبريات دور النشر.

    لم تكن المرنيسي مجرّد مناضلة نسائية بقدر ما كانت منشغلة بتفكيك البنية الاجتماعية التقليدية التي تكرّس الهيمنة الذكورية، ولم تكن تتورع في نقد الحركات النسائية الغربية.

     

    فاطمة المرنيسي.. بين الوعي والحلم

    رواية «نساء على أجنحة الحلم»، ذات الطابع السير ذاتي، تبرز كيف يتم خلق حدود وهمية في بلد واحد وبين عالم الرجال والنساء في المغرب. توظف المؤلفة ذاكرتها من أجل تقديم صورة مقربة عن وضعية المرأة من خلال جذور موروثها الثقافي والاجتماعي، وتؤكّد على أهمية الحلم في تطور وعي المرأة: «كانت عمّتي حبيبة مجبرة على الاحتفاظ بالطيور التي تحلم بها في أعماقها «إنّ الحلم أساسي بالنسبة للذين لا يتوفرون على السلطة» ذلك ما كانت تقوله لي أحيانا كثيرة وأنا أراقب الدرج حتّى تتمكّن من تطريز طائر أخضر على المرمة السرية التي كانت تخفيها في الزاوية المظلمة من غرفتها، الواقع أنّ الحلم وحده مجرّد من قدرة التحقق لا يغيّر العالم ولا يخترق الأسوار، ولكنّه يساعد الإنسان على الاحتفاظ بكرامته. الكرامة هي أن تحلم حلما قويا يمنحك رؤية وعالما يكون لك فيه مكان، وحيث تغيّر مشاركتك مهما كانت محدوديتها شيئا ما.

    في افتتاح الرواية نقرأ: «ولدت في حريم بفاس، المدينة المغربية التي تعود إلى القرن التاسع، وتقع على بعد خمسة آلاف كيلومتر غرب مكة وألف كيلومتر جنوب مدريد، إحدى عواصم النصارى القساة. مشاكلنا مع النصارى كما يقول أبي وكما هو الشأن مع النساء تبدأ حين لا تحترم الحدود، ولقد ولدت في فترة فوضى عارضة، إذ النساء والنصارى كانوا يحتجون على الحدود ويخرقونها باستمرار.

    على باب حريمنا ذاته، كانت النساء يهاجمن «أحمد» البواب ويضايقنه باستمرار، كانت الجيوش الأجنبية تتوافد مجتازة حدود الشمال. والواقع أنّ الجنود الأجانب كانوا رابضين في زاوية دربنا بالضبط، الموجود في الخط الفاصل بين مدينتنا القديمة، وتلك التي بناها الغزاة وأسموها المدينة الجديدة.

    يقول أبي بأنّ الله عندما خلق الأرض وما عليها فصل بين النساء والرجال، وشق بحرا بكامله بين النصارى والمسلمين، ذلك أنّ النظام والانسجام لا يتحققان إلّا إذا احترمت كل فئة حدودها، وكل خرق يؤدي بالضرورة إلى الفوضى والشقاء. غير أنّ النساء كن مشغولات باختراق الحدود، مهووسات بالعالم الموجود خارج الأسوار، يتوهمن أنفسهن طيلة النهار متجولات في طرق خيالية. وخلال تلك الفترة كان النصارى يجتازون البحر تباعا زارعين الموت والفوضى.

    الشقاء والرياح الباردة يأتيان من الشمال، ونحن نولي وجهنا للشرق للصلاة. مكة بعيدة ولكن صلواتك قد تصلها إذا عرفت كيف تركز، وسيلقونني التركيز في الوقت المناسب. كان الجنود الإسبان مرابطين شمال مدينة فاس، وحتى أبي وعمي، اللذان كانا من أعيان المدينة ويمارسان سلطة لا تناقش في البيت، كانا مجبرين على طلب الإذن من مدريد لحضور موسم مولاي عبد السلام بالقرب من طنجة على بعد ثلاثمائة كيلومتر من مدينتنا. ولكن الجنود الواقفين على بابنا ينتمون إلى قبيلة أخرى. لقد كانوا فرنسيين، إنّهم مسيحيون كالإسبان ولكنهم يتحدثون لغة مغايرة، كانوا يسكنون بلادا أبعد في الشمال، وباريس هو اسم عاصمتهم. يقول ابن عمي سمير بأنّها تبعد ألفي كلم وأنّها أبعد من مدريد مرتين وأنّ سكانها أكثر شراسة. يتنازع المسيحيون كالمسلمين في ما بينهم طيلة الوقت، وقد مزّق الإسبان والفرنسيون بعضهم البعض على أرضنا. وبما أنّ أحدهم لم ينجح في القضاء على الآخر، قرروا تقسيم المغرب إلى قسمين. لقد أوقفوا جنودا قرب «عرباوة» وأعلنوا بأنّ من شاء التوجه نحو الشمال، عليه الحصول على جواز سفر لأنه يدخل المغرب الإسباني، وإذا شاء التوجه نحو الجنوب عليه أن يحصل على جواز مرور آخر إذ أنّه حسب قولهم يجتاز حدودا للدخول إلى المغرب الفرنسي، وإذا ما رفض الشخص الامتثال لأوامرهم سيظل محاصرا في عرباوة، وهي مكان اختير بطريقة عشوائية شيدت فيه باب ضخمة أسموها حدودا. ولكن أبي شرح لنا بأنّ المغرب موحد منذ ملايين السنين، وحتى قبل مجيء الإسلام، أي منذ أربعة عشر قرنا، لم يسمع أحد بحدود تقسم المغرب إلى قسمين.

    الحدود خط وهمي في رأس المحاربين. ابن عمّي سمير، الذي كان يرافق عمّي أحيانا ووالدي في أسفارهما، يقول بأن اختلاق حدود يقتضي التوفر على جنود لإجبار الآخرين على الاقتناع بها، أمّا في المكان ذاته فلا شيء يتغير، إنّ الحدود لا توجد إلّا في أذهان الذين يملكون السلطة. ما كان بإمكاني التأكد من ذلك في عين المكان لأن عمّي وأبي كانا يؤكدان بأنّ النساء لا يسافرن، فالأسفار خطيرة والنساء عاجزات عن الدفاع عن أنفسهن.

    فاطمة المرنيسي.. الجنس كهندسة اجتماعية

    اهتمت فاطمة المرنيسي، في كتابها «الجنس كهندسة اجتماعية»، بإبراز أهمّ الثوابت والتحولات التي شهدتها وضعية المرأة قديما وحديثا، موضحة ذلك بقولها: «إنّ غياب أشكال للتبادل بين الجنسين خارج إطار العلاقة الجنسية المعتادة يشرح إلى حدّ ما المسلكيات التي تمارس، في المكتب والشارع. «فالمكتب» ظاهرة حديثة في المغرب، وهو من مترتبات المركزية البيروقراطية التي أقامتها فرنسا بعد إعلان الحماية سنة 1912 وقد تطورت الوظيفة العمومية بعد الاستقلال، حيث تضاعف عدد المكاتب والمراكز، وكذلك الشأن بالنسبة للأموال العمومية التي تستثمر فيها، وتشكّل الحكومة المشغل الرئيسي في البلاد راهنا. إنّ عددا لا يستهان به من النساء المتعلمات غدون موظفات، وغالبا ما لا يكملن تعليمهن بالثانويات ويشتغلن راقنات أو كاتبات خاصّات أو عاملات تنفيذ، بحيث أنهن يشغلن مراكز تابعة للرجال».  إنّ هذا التطور وخروج المرأة إلى مجال العمل خاصة في الأعمال الإدارية أقام وضعا ملتبسا يخلط بين صورتها التقليدية وصورتها الحديثة عاملة أو موظفة، وبتعبير فاطمة المرنيسي: «إنّ وضعية المرأة التي تعمل في مكتب تذكر بوضعيتها في البيت التقليدي، والخلط بين هذه الصور والمواقف يفسّر بعض ردود أفعال الرجال تجاه -زميلتهم- المرأة. فمثلا نجد أنّ الكاتبة الخاصة للرئيس تابعة له كما لو كانت زوجته أو أخته، وله الحق في إعطائها الأوامر، كما أنها تابعة له بخصوص حياتها المادية بطريقة أكثر أو أقل مباشرة. فالرئيس هو الذي «يمنحها» راتبها الذي تحصل عليه مقابل الخدمات المحددة التي تؤدّيها له، ومن هنا فإنه يخلطها بزوجته التي يسيطر عليها نتيجة تفوقه المادي وسلطته المؤسساتية، فليس بين الكاتبة والزوجة إلّا خطوة قصيرة، ويبدو أنّ عديدا من الرجال يخطونها بيسر. وعلى كلّ حال فإن الانزلاق الذي يحدث في العلاقة بين الموظف وكاتبته الخاصة، الناتج عن الخلط الذي يقع فيه هذا الأخير بين امتيازاته كرجل وامتيازاته وحقوقه كموظف لا يقف عند السلوك الجنسي. وقد اعتبر «ماكس فيبر» هذا الخلط إحدى القضايا المطروحة على النظام البيروقراطي الدالة على الخلل فيه.

    وإذا كان هذا الخلط ملازما لكل بنية بيروقراطية، فإنّه يكتسي طابعا مبالغا فيه في مجتمعات العالم الثالث، حيث تتسم الظاهرة البيروقراطية بحداثتها. من المؤكد أنّه كانت في المغرب إدارة مخزنية مركزية، ولكن المخزن كان يفتقر إلى بنيات ووسائل وتجهيزات وطاقات إنسانية كتلك الموجودة لدى الإدارة المغربية حاليا. وبالتالي فإنّ مضايقة المرأة الموظفة ناتجة عن كونها تجاوزت حدود المكان الرجالي بامتياز أي حدود إدارة شؤون الدولة. إنّ حدّة الصراع والضغوط التي تعيشها النساء العاملات في الإدارة، مترتبة عن اجتياحهن الجسور لمعابد السلطة الرجالية». لتستخلص في النهاية أنّ هذا التطور مرشح إلى مزيد من الامتداد والاجتياح رغم ما يشوبه من خلط بين صورتها التقليدية والحديثة.

     

    فاطمة المرنيسي.. لقد تفوقت علينا بموهبتك

    كتبت فاطمة المرنيسي رسالة طريفة إلى الرسامة المغربية المشهورة الشعيبية طلال باعتبارها نموذجا فريدا للإبداع النسائي: «في هذه الرسالة التي لن تقرئيها، عزيزتي الشعيبية، لأنك مثل أمي لم تتعلمي تهجية الحروف أو لم يلقنوك دروس محو الأمية كما يقول الموظفون. أود أن أقول لك بلغة أجنبية مقدار الإعجاب والحب اللذين أكنهما لك واللذين قد لا أوفق في التعبير عنهما جيدا بعاميتنا. إنني معجبة بك لأنك تمكنت، في مجتمع مبرمج لإهانة المرأة، من إحباط المخططات وتفكيك الآليات، دونما تعمد ومجردة من كل سلاح، لأن البحث عن الكرامة صار هو رد الفعل الأكثر تلقائية للبقاء وللحياة، بشهادات أو بدونها فبعض المجتمعات، كما تعلمين، تنظم إذلال الفرد مثلما تنظم الاحتياط الاجتماعي أو العطل المؤدى عنها… وفي مجتمعنا، جرت العادة على اعتبار اللواتي والذين لم يحالفهم الحظ في تعلم القراءة والكتابة غير مؤهلين لدخول عالم الإبداع: فوحدهم جامعو الألقاب مرخص لهم بذلك. أما الآخرون والأخريات، مثلك عزيزتي الشعيبة ومثل أمي أو ابنة خالتي، فلأن حظكن العاثر شاء لكن أن تولدن قبلي ببضع سنوات، في زمن مبكر أو بعيدا جدا عن الحواضر الكبرى (حيث لم يبدأ التمدرس المكثف في المغرب إلا بعد الاستقلال، في أواخر الخمسينات)، وجدتن أنفسكن ممنوعات من الإقامة في فضاءات الإبداع، غير أنك، عزيزتي الشعيبية، اخترت هذه المرحلة بالذات لتدخلي المشهد، مخلخلة السيناريوهات وأصحابها، مزعجة الممثلين والملقنين، ومعيدة إظهار سراب الجمال طبقا لقانونك الخاص، قانون الموهبة اللامعة لقد تسربت إلى عالم محروس بصرامة، عالم الفن التشكيلي الحديث الوافد من جهة أخرى بقماشة عمودية وفرشاة ولون اصطناعي… من مدينة بعيدة اسمها باريس. تسربت بصمت، كما لا تقدر على ذلك سوى النساء العربيات، إلى مواقع السلطات: سلطة الإبداع، سلطة التعبير، سلطة بيع العمل بثمنه الاعتباري، وسلطة ترصيع اللوحة بقيمتها الحقيقية. وهي قيمة صارت أصالتها تقدر اليوم بأقوى العملات الصعبة عبر المتاحف وقاعات العرض… وأنت تقومين بكل هذا مرتدية لباسك التقليدي ومجوهراتك نكاية بالموضات الزائلة، ومزخرفة يديك بالحناء، ومكر شعرك بادٍ تحت وشاحك الذي لا علاقة له بالشارات المعروفة، وهي مجرد تدلل وضحك وسخرية من الدار البيضاء. لهذا كله أنا معجبة بك، وكذا لمكرك… حين تحيينني بذلك الهزل المحيّر الذي يبعث على الخوف: «آش كتكَولي آلقارية؟» (ماذا تقولين أيتها القارئة) فبإلحاحك بلطف، على ما حرمت منه، أي متابعة الدراسة والحصول على شهادات تعريننا جميعا، معيدة إيانا إلى الإنساني بعظمته ومسؤوليته. وعندما سألتك ذات يوم: «لماذا تحدثينني دوما عن التعليم؟ إنك تتدبرين أمرك أفضل من العديد من أساتذة الجامعة…»، جاء جوابك مضيئا أكثر مما يستطيع بحث طويل: «ألحّ على التعليم لأنّ الأمية جرح. ينبغي إعداد مغربٍ لا تكون فيه أية امرأة جريحة. فحتى عندما نلاقي النجاح، فإن هذا الجرح لا يندمل أبدا». إنني أحبك، عزيزتي الشعيبية، لأنك توقظين ضمائرنا، ليس بأبواق المناضلين، بل بنجاحك، وصدقك. وأنت تحبين المختلف لتعبري عما هو داخلي بنحو أفضل. هكذا أنت منفتحة على الغرب، وتحبين الفرنسيين والأمريكيين وكل الذين يختلفون عنك حديثا وسلوكا، لأنه ما من تهديد يطال الجوهري فيك، أي صدق كينونتك. إنك ناجحة لأنك واثقة مما أنت عليه: شعاع من الضوء يتموج ويومض ويسمى إنسانا حتى لو كنت امرأة يعتبرها بعضهم هنا وهناك تافهة وثانوية وعديمة الأهمية… وردك على المجتمعات التي تحتقر المرأة هو تلطيخ لياليها بألق ألوانك، وكنس القوالب الجاهزة بالإبداع الهادئ لجمال لا يحتاج لإثبات نفسه أمام أيّ كان، لأنّه بكل بساطة ينير من يراه. مع كل احترامي لهذه القارئة التي هي في غنى عن القراءة، لأنها مستغرقة تماما في مصيرها المتواضع واللانهائي، المتمثل في اجتراح معجزات بصمت، ومبادرتك بالقول حين تصادفها، وعيناها الكحيلتان تشعان بلمعان ماكر: «آش كتكَولو آلقاريين؟ ما قولكم أيها المتعلمون؟ أجل عزيزتي الشعيبية لقد مكرت بنا وتفوقت بموهبتك علينا بما نحمله من شهادات».

     

    فاطمة المرنيسي.. سلطانات منسيات

    خصصت فاطمة المرنيسي، في كتابها «سلطانات منسيات»، السيدة الحرة ضمن سلسلة من النساء المسلمات الحاكمات، مثل شجرة الدر حاكمة مصر، لتناول ظاهرة النسيان والإغفال التي تتعرض لها هذه الفئة من النساء من قبل المصادر التاريخية: «لقد دفع سقوط غرناطة بحرّات أخريات من نساء علية القوم، اللواتي كن يعشن حياة أخرى مسترخية في الحريم، إلى المسرح السياسي، وقد وضعتهن الهزائم ضمن المعترك وأجبرتهن على الاهتمام والمساهمة في الأحداث في الأحداث الخطيرة التي تتعرض لها الجماعة. وبتحررهن من قيد التقليد الذي كان يشلّهن، وذلك بالحكم عليهن أن يقبعن في الفضاء المنزلي، بتحررهن من هذا القيد أخذن يتكشفن، رغم عدم خبرتهن، عن خبيرات فطنات بالخطط الحربية، وفي كلّ الأحوال، ماهرات كالرجال. وأنّ واحدة من بينهن، وهي مغربية من أصل أندلسي لم تجد شيئا أفضل من الاندفاع في القرصنة كي تنسى الهزيمة. وقد أظهرت مواهبها في ذلك وسرعان ما أصبحت «حاكمة تطوان». ويحافظ المؤرخون المسلمون على صمتهم اتّجاهها «عمليا لا نجد في المصادر العربية عن هذه الملكة التي مارست السلطة فعلا خلال ثلاثين سنة (1510م تاريخ وصول زوجها المنظري إلى السلطة حتّى 1542م عندما أزيحت عنها)، في حين أنّها، حسب المصادر الإسبانية والبرتغالية، كانت شريكة في اللعبة الدبلوماسية. وقد كانت لعدة سنوات، حاكمة تطوان والإقليم الشمالي الغربي من المغرب وكانت رئيسة للقرصنة لا منازع لها في المنطقة، وكان أحد حلفائها الشهيرين القرصان التركي (بارباروس) الذي كان يعمل لصالحها انطلاقا من الجزائر. إلّا أنّه لم يكن لها حلفاء سوى القراصنة، وبعد وفاة زوجها، تزوجت الملك أحمد الوطاسي ثالث ملوك هذه الأسرة (1524م- 1549م). ولكي تُفْهمه أنّها لا تنوي مطلقا التنازل عن دورها السياسي طلبت منه الانتقال من العاصمة فاس إلى تطوان لإقامة حفلة الزواج. وكانت تلك المرة الوحيدة، في تاريخ المغرب، التي يتزوج فيها ملك خارج عاصمته… لم يكن لحاكمة تطوان الحقّ بلقب الحرّة، أي كامرأة تمارس السلطة العليا إلّا في 1515م، عقب موت زوجها، ولاختيارها والية على تطوان تدبرت أمرها بسرعة وحصلت على تسميتها حاكمة تطوان».

     

    البشر.. موجز تاريخ الفشل

    يلقي الكاتب والصحافي البريطاني توم فيليبس بطريقة ساخرة، في كتابه «البشر.. موجز تاريخ الفشل وكيف أفسدنا كلّ شيء»، نظرة على الكيفية التي كان أسلافنا يفكرون بها، وكيف انتهى الأمر بنا ضحايا لأفكارنا الخاصة، وكيف يخذلنا ذكاؤنا ويقودنا مباشرة نحو هاوية القرارات الخاطئة التي نتخذها، ويتحدث، كذلك، عن الفترات الأولى من مهد الحضارة الإنسانية حيث بدأنا بالزراعة وشكّلنا العالم من حولنا، إلى جانب حديثه عن محاولات البشر الحثيثة في ترويض الطبيعة.

    يستعرض الكتاب بأسلوب شيق تاريخ البشر الطويل الحافل بالانخراط في حروب بلا جدوى، ويلقي نظرة على أغبى الحروب بما فيها المعركة التي خسرها أحد الجيوش مع أن جيش الأعداء لم يصل إلى ساحة المعركة أصلاً. وستعرض صفحات هذا الكتاب، أيضا، لكيفية التواصل مع الثقافات الأخرى، مع إلقاء نظرة على أسوأ قرار سياسي تم اتخاذه في التاريخ من قِبَلِ شاه خوارزم، حينما قرر إضرام النار في لِحى السفراء الدبلوماسيين، قبل أن يستعرض المؤلف ما سيقدم عليه البشر من تصرفات حمقاء، وما سيترتب عليها من أحداث.

    يقدم توم فيليبس لكتابه هذا بمقدمة جاء فيها: «… لقد وضعت كتابي هذا ‏لأحكي فيه عن البشر وقدرتهم العجيبة على تخريب كل شيء، عن كل لحظة امتلأنا ‏بها فخراً لكوننا بشراً، أمام عمل فني لا يُضاهى أو إنجاز علمي تفوقنا به على ‏أنفسنا، بينما الحسرة واليأس يملآن قلوبنا لأجل كل تلك الحروب والتلوث الذي لا ‏يضاهيه شيء…».‏ ويضيف موجها خطابه إلى القارئ: «لابد أنّك تأملت يوما ما حال العالم، بغض النظر عن آرائك الشخصية أو انتماءاتك السياسية، وفكرت: اللعنة، ماذا فعلنا؟ أكتب اليوم لأساهم بتقديم بعض الراحة. لا تقلق، لأننا ما فتئنا نفعل الأمر عينه منذ الأزل، وما زلنا هنا. يؤسفني أن أكتب هنا أنني مضطر للانتهاء من الكتابة قبل تبيان ما سيحدث، قبل معرفة ما إذا كنا سنموت بسبب حرب نووية قريبة أم لا، ولهذا سأكمل الكتابة معتبرا أنّك إذا ما قرأت هذا الكتاب فإننا قد نجونا بأعجوبة لما بعد شهر يونيو المقبل. تتناول العديد من المؤلفات الإنجازات البشرية الأروع، والقادة العظماء والمخترعين العباقرة والروح البشرية التي لا تقهر. كما توجد العديد من الكتب التي تتحدث عن الأخطاء التي ارتكبناها فرادى وجماعات، عن أخطاء ارتكبتها مجتمعات بأسرها، لكني لم أجد كتابا يتحدث عن الكيفية الكارثية والعميقة التي تدبرنا بها أمرنا للقيام بكل تلك الأخطاء مرة تلو الأخرى. وفي واحدة من سخريات القدر، التي يبدو أن الكون يستمتع بها حقا، أنّ الأسباب ذاتها التي تدفعنا للفشل والتخريب على نطاق واسع، هي عين الأشياء التي تفرقنا عن بقية الكائنات، كالحيوانات، وتمكننا من تحقيق العظمة. يرى البشر النماذج في العالم من حولهم، ويمكننا إيصال ما نرى ونقله للبشر الآخرين، كما نملك المخيلة التي تسمح لنا بتخيّل المستقبل الذي لم يقع بعد.. فيهمس الواحد منا لنفسه أو للآخرين: ماذا لو أجريت تغييرا على هذا أو ذاك، قد يحصل هذا أو ذاك في تلك الحالة، وسيكون العالم مكانا أفضل عندها. المشكلة الوحيدة هنا هي أننا لسنا على كفاءة عالية لتغيير أيّ شيء. سيبدو أيّ تقييم نجريه للأداء البشري السابق على كلّ تلك الأصعدة أشبه بتقرير سنوي مريع عن أحد الموظفين، كتبه شخص يكرهه حقا. نحن نتخيّل وجود نموذج مألوف بالنسبة لنا حيث لا وجود لأثر لتلك النماذج، كما أنّ مهارات التواصل لدينا ناقصة، وسجل الإدراك لدينا فقير لدرجة مخجلة، إدراك أننا إذا ما غيّرنا هذاـ فإنّه سيقودنا إلى شيء آخر مختلف، وحينها سيحصل ما هو أسوأ، وبعدها سنقف عاجزين مستغيثين.. كيف يمكننا الحدّ من هذا الأمر وإيقافه.

     

    في ظلال الغد.. تشريح لتعاسة العصر الحديث

    يعتبر المؤرخ الهولندي يوهان هويزنغا، Huizinga Johan، أحد مؤسسي منهج التاريخ الثقافي في رصده للحركية الثقافية متتبعا خطا رابطا يتجاوز فيه الإغراق في التفاصيل الصغيرة حرصا على عدم الوقوع في التشتت والبعثرة، أو كما يقول في كتابه «نظرات في التاريخ الثقافي»: «الارتفاع فوق الصغائر إلى الإمساك بالخيوط الرئيسية والخطوط العريضة للظواهر الثقافية المتتابعة، أو النظر إليها نظرة كلية، تشبه نظرة الطائر إلى الغابة، إذ لن تقوم لدراسة التاريخ الثقافي قائمة إلا حين يتجه العلماء والنقاد إلى تحديد أنماط الحياة والفن والفكر مجتمعة».  في كتابه الشهير «في ظلال الغد، تشريح لتعاسة العصر الحديث»، الذي ينتقد فيه ما آلت إليه الحضارة المعاصرة مبرزا عدة عوامل تهددها بالزوال، يقول: «إنّنا نحيا في عالم فقد عقله، ونحن نعلم ذلك، لن يكون من المفاجئ لأي أحد إذا ما أفسح الجنون غدا الطريق لشعار قد يترك عالمنا مشدوها مذهولا. ثمة شكوك في كل مكان حول تماسك بنياننا الاجتماعي، ومخاوف مستترة حول مستقبلنا القريب؛ ثمة شعور بأنّ حضارتنا على حافة الهلاك. ليست هذه المخاوف مثل القلق الشائه الذي يحيطُنا عندما يخيّم الليل ويخبو ضوء الحياة، بل توقّع مبنيّ على الملاحظة، وحكم أساسه مجموعة هائلة من الحقائق لا تُخطئها العين. كيف ننكر أنّ جل الأشياء، التي بدت مقدسة وغير قابلة للتغيير يوما ما، باتت محلا للتنازع: الحقيقة والإنسانية والعدالة والعقل؟ إننا نرى أشكالا من الحكومات عاجزة عن أداء وظائفها، وأنظمة إنتاج على شفير الهاوية وقوى اجتماعية جُنّ جنونها بالسلطة. يبدو أنّ المحرك الهادر لهذا الزمان المفزع يقوده إلى جرف هارٍ.. لكن القوى المناقضة لذلك تفرض ذاتها على أذهاننا فورا، فلم يكن ثمة وقت سبق أن كان فيه البشر أكثر وعيا وأوضح رؤية بأزوف واجبهم على التعاون في مهمة الحفاظ على العالم والحضارة الإنسانية وصيانتها، لم يكن الإنسان أبدا، في أيّ وقت سبق، مستعدا لتكريس كلّ جسارته وقواه من أجل قضية مشتركة، على الأقل، لم ينعدم الأمل بعد. وإذا كانت الحضارة، إذن، في حاجة للإنقاذ، وإن لم تطمسها قرون آتية من البربرية، وتوجب الحفاظ على كنوز تراثها على أسس جديدة أكثر استقرارا. فثمة حاجة ملحة، بالنسبة للذين يحيون اليوم، أن يدركوا إلى أيّ مدى قد بدأ الأفول يغشى حضارتهم.

    لم يمض وقت طويل منذ أصبح الخوف من الكارثة الوشيكة والتدهور التدريجي للحضارة أمرا عاما. وبالنسبة لأغلب البشر تحمل الأزمة الاقتصادية وآثارها المادية المباشرة هذا الوزر، فمعظمنا لا ينتبهون لضرر الروح بقدر ما ينتبهون لضرر الجسد، ويرون أنّها أوّل ما حرث لمثل هذه الأفكار والمشاعر. لقد كان الأمر واضحا بالنسبة للذين يقتضي عملهم التعامل بشكل منهجي ونقدي مع مشكلات المجتمع والحضارة الإنسانية، من الفلاسفة وعلماء الاجتماع، فقد أدركوا، منذ زمن طال، شيئا معطوبا في حضارتنا الحديثة المتبجحة. لقد أدركوا، منذ البداية، أنّ الاضطراب الاقتصادي ليس إلّا عنصرا واحدا من عناصر عملية تحوّل أكثر أهمية واتّساعا. هذا كتاب عن التاريخ، عن الأخطاء التاريخية، ولهذا يجدر بنا الحديث، أيضا، عن أننا غالبا ما نفهم التاريخ بشكل خاطئ. المشكلة مع التاريخ هي أنّه زلق للغاية، إذ لم يتكبد أحد عناء تأريخ ما جرى عبره.

     

    أيامي في الصحافة

    صدر حديثا، للكاتب والصحافي المغربي عبد العالي بركات، كتاب «أيامي في الصحافة» ضمن منشورات مكتبة سلمى الثقافية بتطوان. الكتاب عبارة عن مذكرات، يستحضر فيها المؤلف جوانب من تجربته في الصحافة المكتوبة. هذه التجربة، التي استمرت لأكثر من عقدين من الزمن، ينقلها الكاتب بكثير من العفوية والصدق. يقول في تقديمه لهذا العمل: «لا أريد أن يعتقد رفاقي في درب الصحافة أنني أكتب هذه المذكرات واليوميات لأجل تصفية حسابات معهم، رغم وجود ما يدعو لذلك، لكنني أحرص على أن أنأى بنفسي عنه. أنا هنا فقط أتذكر إن أسعفتني الذاكرة. أتذكر وأكتب. أكتب بصدق عن وقائع حقيقية لا لبس فيها. كانت الساعات التي أقضيها معهم وبين ظهرانيهم تفوق تلك التي أقضيها مع أسرتي الصغيرة، على مدى ربع قرن ونيف. فلماذا لا أكتب؟ تقاسمنا الحلو والمر. كنا نواجه الأوقات الصعبة والعسيرة بسلاح فريد هو السخرية. لم نكن نملك شيئا آخر غير سخريتنا. فلماذا لا أكتب؟ لأقل كلمتي وأمشي إذن».

    عبد العالي بركات كاتب من المغرب، حاصل على جائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب، خلال دورة 1994، عن مجموعته القصصية (أشياء صغيرة). له عدة إصدارات في جنسي القصة والمقالة الأدبية: المشروع (قصص 2007)، شيء مربع وأجوف (قصص 2014)، كمامات (قصص وبائية 2023)، مكر الليل والنهار (قصص قصيرة جدا 2023)، الكتابة والزمن (مقالات أدبية 2016).

    إقرأ الخبر من مصدره

  • رواية «أرواح لا تهزم» للمصطفى البوسعيدي

    الأخبار

    تحكي الرواية قصة شاب فلسطيني اسمه )إياد(، فقد أسرته بسبب الحرب الأخيرة على غزة، ما جعله يتغير بشكل جذري، وينخرط في صفوف المقاومة لأنه وجد فيها سبيلاً للتشبث بالأمل والكرامة. يلتقي البطل (إياد) ببنت خاله (خلود)، ويقرران الزواج، لأنه رأى فيها شريكاً يعينه على تحمل أعباء الحياة والنضال، فيتزوجها، إيمانا منه بأن بناء الأسرة نوع آخر من المقاومة، وتلك نصيحة الفلسطينيين الكبار لأحفادهم الصغار.

    ومع مرور الوقت، يبدأ البطل في التعبير عن قناعته بأن الأولاد هم «الجيل الجديد من المقاومين»، وأن بناء أسرة قوية ومتكاثفة وسيلة لمواجهة العدو على المدى البعيد، وأن التربية على حب الوطن والإيمان بالحرية سلاح لا يقل قوة عن البنادق.

    تقدم الرواية صورة واقعية للحرب الإسرائيلية على غزة، وما عانته وتعانيه شخصياتها التي عاشت الحرب وتعايشت معه، من تقتيل ودمار وحرمان من أبسط شروط الحياة الكريمة. إنها دعوة للتضحية من أجل القيم والمبادئ، وتظهر أن المقاومة ليست سلاحاً فقط، بل هي فعل إنساني نبيل ينبع من الإيمان بالحق، متى أهين الإنسان في هويته وفي وطنه وفي مقدساته. وتنتصر لمبادئ العدل السماوي ولنصرة الحق.

    لذلك جاءت خاتمة الرواية منتصرة للخير على الشر، ومؤمنة بأن الحق يعلو ولا يعلى عليه، وأن شمس العدالة مهما غابت ستعود، وأن الجلاد مهما طغى وتجبر، سينال جزاءه لا محالة.

    البنية الثقافية في الرواية

    تُبنى رواية «أرواح لا تُهزم» على تصور ثقافي للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، يجعل من الهوية والذاكرة مركزاً بنيويا للفعل السردي. فالرواية لا تتعامل مع الوقائع التاريخية بوصفها معطيات خارجية، وإنما تُدمجها في نسيج التجربة الإنسانية للشخصيات، حيث يغدو التاريخ مكونا من مكونات الوعي اليومي. وبهذا المعنى، يتحول السرد إلى فضاء لإعادة إنتاج الذات الفلسطينية، في سياق تتداخل فيه الثقافة مع السياسة، والذاكرة مع المعاناة، دون أن يفقد النص توازنه الفني أو كثافته الرمزية. بعدما «أفلح هذا الرهط في كتابة أكبر السرديات المضللة للحقيقة، فهم من وضعوا أكذوبة حوار الأديان، وهم من قالوا بالمساواة الدينية، وهم من ألفوا أسطورة فلسطين أرض الميعاد…».

    يكشف هذا الاختيار السردي عن وعي جمالي يعتبر أن الصراع الحقيقي لا يدور حول السيطرة على الأرض فحسب، وإنما حول السيطرة على المعنى والحق في تمثيل الذات. ومن هنا، تكتسب الرواية قيمتها بوصفها نصاً ثقافيا يشتغل على تفكيك خطاب الإلغاء، وإعادة تثبيت الوجود الفلسطيني في أفق سردي مقاوم.

    الذاكرة والحرب

    تحضر الأحداث التاريخية المفصلية في الرواية بوصفها لحظات مؤسسة للوعي الجمعي، لا كمجرد تواريخ مؤطرة زمنياً. فاستدعاء النكبة، والحروب والانتفاضات يتم من داخل التجربة الشعورية للشخصيات، حيث يتخذ التذكر شكل فعل يومي يرافق الحياة تحت القصف والحصار. يتجلى ذلك في شهادة بطل الرواية بقوله: «منذ أن أبصرت النور كانت الحروب تلاحقني، وأشدها وقعا معركة الفرقان 2008، وحجارة السجيل 2012 والعصف المأكول 2014». وبهذا تتجسد الذاكرة باعتبارها ممارسة ثقافية متواصلة، تشتغل على مقاومة النسيان وإعادة إنتاج الانتماء. «حرب ستدفع لا محالة إلى ابتداء عهد جديد، ولا مكان فيها للحطام والأسى في قلبه، فرغم عمق الجراح، لا أحد سيوقف الفلسطيني الحر عن أرضه، أو يرغمه على المغادرة الجبروتية».

    في هذا السياق تُقدَّم الحرب بوصفها وضعا كاشفا للبنية الثقافية الفلسطينية، إذ تتبلور الهوية في لحظات التهديد القصوى. فالخراب لا يفضي إلى الفراغ، بقدر ما يفتح المجال أمام تكثيف اللغة والحكاية والصورة، بما يجعل السرد فضاءً لإعادة تنظيم العالم من داخل التجربة المأزومة. ويتبدى ذلك من خلال حضور التفاصيل المرتبطة بالحياة في زمن الحرب، حيث تتجاور المأساة مع الإصرار على الاستمرار، ويتحول الألم إلى مادة لبناء المعنى.

    وتكشف الرواية، من خلال هذا الاشتغال، أن الحرب لا تُختزل في بعدها العسكري، وإنما تمتد إلى المجال الرمزي، حيث تُستهدف الذاكرة واللغة ونمط العيش. فإياد، ككل شخصيات الرواية، ظل «مقتنعا أن هذه المعركة عسكرية لأغراض سياسية، بل هي حرب عقيدة من قبل صهاينة عنصريين عرفوا منذ استقام عودهم بالخيانة والمكر». وفي مقابل ذلك، تقيم الرواية خطابها على فكرة أن الثقافة قادرة على إعادة بناء الذات الجماعية، حتى في أكثر السياقات عنفاً.

    اليومي والهوية

    يحتل اليومي موقعا مركزياً في البناء السردي للرواية، بوصفه الحامل الأكثر كثافة للهوية الثقافية. فالتفاصيل الصغيرة، المرتبطة بالمكان، والعادات، والأسماء والطقوس، لا تُدرج من أجل إغناء الوصف فحسب، وإنما تؤدي وظيفة دلالية عميقة، إذ تشتغل على تثبيت الوجود الفلسطيني في وجه محاولات التفريغ الرمزي. جاء على لسان البطل: «وكم كنت سعيدا بمشاركتي كذلك في الاحتفالات الوطنية المخصصة للتراث الفلسطيني، احتفالات مزمعة في غزة، وفي الضفة، بموازاة مع نشاطات ستعم كل المحافظات كما في حيفا والناصرة والشتات، والقرى الريفية».

    ويُلاحظ أن الرواية تراهن على المعيش اليومي بوصفه مجالا لإنتاج المعنى، حيث تتحول الممارسات البسيطة إلى علامات على الاستمرارية التاريخية. يقول السارد: «كان صباحا عاديا، يشبه كل صباحات الغزاويين، البحر ذاته، والأفق ذاته والأسماك والوجوه كما هي»؛ فالحفاظ على نمط الحياة، في ظل ظروف استثنائية، يغدو شكلاً من أشكال المقاومة الثقافية، ويمنح السرد بعداً أنثروبولوجياً يوثق كيفية تشكل الهوية في زمن الصراع.

    يسهم هذا التركيز على اليومي، كذلك، في إعادة أنسنة الشخصية الفلسطينية، وإخراجها من الصور النمطية التي تفرضها بعض السرديات الخارجية. يقول السارد: «كنا نسرق النظر إلى حدود فلسطين الباقية، حيث الجرح مفتوح شمال يافا فالشخصيات تُقدَّم في تعددها الإنساني، بما تحمله من خوف وأمل وتشبث بالحياة، وهو ما يعزز البعد الثقافي للرواية ويمنحها طاقة تمثيلية عالية ».

    الثقافة/ الصراع

    تؤسس الرواية تصورها للصراع انطلاقاً من مركزية الثقافة، باعتبارها المجال الأعمق للمواجهة. فالهزيمة، في أفق النص، لا تتحقق بسقوط المكان وحده، وإنما بتآكل الذاكرة وانكسار المعنى. ومن ثم، يشتغل السرد على تثبيت الهوية الثقافية عبر استدعاء الرموز، واللغة والتاريخ، بوصفها عناصر قادرة على تحصين الذات الجماعية. فأم رامي «لا تعرف هدنة مع لاحتلال، فهي معاندة له ومتحدية لكل عداوته، فقد دمر بيتها وبيوت أبنائها، لكنها صيرت غرفتها في المدرسة دارا ثانية، وأطلقت هنا دورات لتحفيظ القرآن، وتفسيره وتلاوته».

    وتكتسب الرواية دلالتها من هذا المنظور، إذ تحيل إلى قدرة الروح الفلسطينية على تجاوز منطق القوة المادية. لـ«أن فلسطين عند كل صغير جاء إلى الدنيا، هي الهواء والماء، والأشجار والمنازل والأهل والأحباب، هي الأم التي لا يستغني عنها أحد». فالأرواح التي لا تُهزم هي تلك التي تحتفظ بذاكرتها وتواصل سرد حكايتها، مهما اشتد العنف. وبهذا تطرح الرواية الأدب بوصفه مجالاً للصراع الرمزي، ووسيلة للحفاظ على الحق في الوجود والتمثيل داخل عالم يتنازع السرديات والمعاني.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • « الباطرونا » تنتخب المهدي التازي رئيسا جديدا لاتحاد مقاولات المغرب خلفا لشكيب لعلج (صور)

    انتخب الاتحاد العام لمقاولات المغرب، اليوم الخميس 14 ماي 2026 بالدار البيضاء، مهدي التازي رئيسا جديدا للاتحاد خلفا للرئيس السابق شكيب لعلج، وذلك خلال أشغال الجمع العام العادي الانتخابي للاتحاد.

    كما أسفر الجمع العام عن انتخاب محمد بشيري نائبا عاما لرئيس الاتحاد، لولاية تمتد لثلاث سنوات.

    وحصل الثنائي مهدي التازي ومحمد بشيري على 3773 صوتا من أصل 4123 صوتا معبرا عنه، بنسبة بلغت 91,5 في المائة، ما يعكس دعما واسعا من طرف أعضاء الاتحاد للقيادة الجديدة.

    وشهد الجمع العام حضور عدد من الفاعلين الاقتصاديين وممثلي المقاولات الوطنية، في محطة تنظيمية مهمة تهدف إلى مواصلة تعزيز دور الاتحاد في مواكبة المقاولات والدفاع عن مصالحها، في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة.

    وُلد المهدي التازي بمدينة الدار البيضاء، وواصل مساره الأكاديمي بفرنسا، حيث تخرج سنة 1999 مهندساً من Télécom Paris Sud المتخصصة في الهندسة والاتصالات، قبل أن يحصل سنة 2004 على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال (MBA) من INSEAD، إحدى أبرز المدارس العالمية في مجال التسيير.

    وعلى المستوى المهني، بدأ مساره في مجال الاستشارات داخل شركة KPMG بفرنسا، قبل أن ينضم إلى مجموعة سهام، حيث شغل مناصب مسؤولية متعددة، من بينها المدير العام لشركة “Mondial Assistance” سنة 2008، ثم الرئيس المدير العام لشركة “سهام للتأمين” سنة 2014. كما قام بتأسيس وتطوير مشاريع خاصة في مجالات الوساطة في التأمين والخدمات الرقمية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الإمبريالية الرقمية أو العبودية الجديدة

    المقدمة

    تخيل أنك تستيقظ صباحا فتمد يدك إلى هاتفك قبل أن تمد يدك إلى فنجان قهوتك. تتصفح أخبارا اختارتها لك الخوارزمية، وتشتري منتجا أوحت لك به إعلانات تتبعت اهتماماتك، وتصوت في انتخابات شكلت رأيك فيها منصات لا تعرف أصحابها. هذا مشهد يومي عادي في حياة مليارات البشر في القرن الحادي والعشرين.

    في هذا العالم الذي باتت فيه البيانات أثمن من النفط والانتباه أندر من الوقت، ظهر مفهوم الإمبريالية الرقمية ليصف شكلا جديدا من أشكال الهيمنة، هيمنة لا تحتاج إلى جيوش ولا إلى مستعمرات، لأنها تكتفي بخوارزمية وبروتوكول وشروط استخدام لا يقرأها أحد. وقد ذهب بعض المفكرين، كالباحثة الأمريكية شوشانا زوبوف في كتابها « عصر رأسمالية المراقبة » (2019)، إلى أن ما يجري اليوم لا يختلف في جوهره عن استعمار الموارد الطبيعية الذي ميز القرون الماضية، غير أن المورد المستعمر هذه المرة هو الإنسان ذاته: سلوكه، وعواطفه، وقراراته.

    ولعل تعبير « العبودية الجديدة » الوارد في عنوان هذه المقالة يبدو صادما، لكنه مقصود. فالعبد القديم كان يعمل بلا أجر لصالح سيده. أما مستخدم الإنترنت اليوم فينتج يوميا كميات هائلة من البيانات القيمة، ويولد إيرادات إعلانية ضخمة، دون أن يتلقى في المقابل سوى وهم الخدمة « المجانية ». والفارق الجوهري أن العبودية القديمة كانت مرئية ومقاومة، في حين أن هذه العبودية الجديدة غير مرئية، والفظيع في الأمر أنها محبوبة ومقبل عليها طوعا.

    تطرح هذه المقالة إشكالية محورية: كيف تحولت التكنولوجيا الرقمية من أداة للتحرر إلى آلية للسيطرة، ومن يستفيد من هذه السيطرة، وكيف يمكن مقاومتها؟
    للإجابة عن هذه الإشكالية، سنتناول في ما يلي: آليات عمل الإمبريالية الرقمية، والجهات الفاعلة فيها من شركات وحكومات وقوى عالمية، ثم آثارها على الخصوصية والاستقلالية والصحة النفسية، فسبل الحماية منها، وأخيرا استشراف المستقبل وتقديم التوصيات.

    المحور الأول: كيف تعمل الإمبريالية الرقمية؟
    لا تعمل الإمبريالية الرقمية بالقوة الصريحة، فهي تعمل بالإغراء والتصميم والتوجيه الخفي. ثمة ثلاث آليات رئيسية تشكل معا منظومة متكاملة للسيطرة: استخراج البيانات، والاستحواذ على الانتباه، والتأثير في الرأي العام.

    1- استخراج البيانات: التعدين في مناجم الإنسان
    إذا كان النفط هو الذهب الأسود للقرن العشرين، فإن البيانات هي الذهب الرقمي للقرن الحادي والعشرين. غير أن ثمة فارقا جوهريا: النفط يستخرج من الأرض، أما البيانات فتستخرج من الإنسان، من سلوكه وعلاقاته وأفكاره وأحاسيسه، وغالبا دون أن يدرك ذلك.

    كل نقرة، كل بحث، كل توقف أمام صورة، كل مسار تسير فيه في المدينة، كل محادثة تجريها عبر الإنترنت، هي في الحقيقة بيانات تجمع وتحلل وتباع. وتتوزع هذه البيانات على ثلاثة أنواع رئيسية:

    أ) البيانات الديموغرافية: كالعمر والجنس والموقع الجغرافي والمستوى التعليمي والحالة الاجتماعية. وهي أبسط أنواع البيانات وأقلها خطورة بمفردها.

    ب) البيانات السلوكية: وهي الأكثر قيمة تجاريا، تشمل المواقع التي تزورها، والمنتجات التي تتصفحها دون أن تشتريها، والمقالات التي تقرأها حتى النهاية، والفيديوهات التي تشاهدها مرتين. هذه البيانات تكشف عن نمط حياتك وأولوياتك بدقة تفوق أحيانا ما تعرفه أنت عن نفسك.

    ج) البيانات النفسية والاستنتاجية: وهي الأخطر، فمن خلال تحليل مجموع سلوكياتك، تستطيع الخوارزميات الحديثة استنتاج ميولاتك السياسية، وحالتك النفسية، ومخاوفك، وطموحاتك، وحتى نواياك المستقبلية قبل أن تتحول إلى أفعال. أظهرت دراسة شهيرة نشرتها جامعة كامبريدج عام 2013 أن تحليل 68 « إعجابا » فقط على Facebook كاف للتنبؤ بالتوجه السياسي للمستخدم بدقة تبلغ 85%، وبديانته بدقة 82%، وبتوجهه الجنسي بدقة % 88 (Kosinski et al., 2013).

    أما قنوات الجمع فمتعددة ومتشابكة: التطبيقات والمنصات التي تطلب صلاحيات تتجاوز حاجتها الفعلية، وملفات تعريف الارتباط (Cookies) التي ترسم خريطة كاملة لتصفحك عبر الإنترنت، والأجهزة الذكية المتصلة بالإنترنت (IoT) من هاتف وساعة ومكبر صوت ذكي وحتى ثلاجة، وتطبيقات الخرائط التي تسجل تنقلاتك اليومية.

    والنموذج الاقتصادي القائم على هذا الاستخراج ضخم بصورة مذهلة. فقد بلغت إيرادات شركة  Alphabet، الشركة الأم لـ  Google، 257.6 مليار دولار عام 2021، يمثل الإعلان المبني على بيانات المستخدمين نحو 82% منها (Alphabet Inc., Rapport annuel, 2021).  ما يعني أن كل عملية بحث تقوم بها، وكل موقع تزوره، تسهم في تدفق ثروة لا ترى منها شيئا.

    وقد وصفت الباحثة شوشانا زوبوف هذا النموذج بـ « رأسمالية المراقبة  » (Capitalisme de surveillance)، معرفة إياه بأنه منطق اقتصادي يقوم على التقاط التجربة الإنسانية الخام وتحويلها إلى بيانات سلوكية تباع في أسواق خفية لتمويل التنبؤ بالسلوك البشري والتحكم فيه (Zuboff, 2019) .

    والفارق بين هذا التعريف وأي تعريف آخر هو كلمة « التحكم »: فالأمر لا يتوقف عند فهم سلوكنا، بل يمتد إلى توجيهه.

    2- الاستحواذ على الانتباه: اقتصاد العقول
    إذا كانت البيانات هي المادة الخام، فإن الانتباه هو المحرك الأساسي لعجلة الإمبريالية الرقمية. فلا قيمة لإعلان لا يراه أحد، ولا ربح من منصة لا يقضي فيها أحد وقته. ولهذا، أصبح الانتباه البشري موضوع تنافس شرس بين آلاف التطبيقات والمنصات الرقمية، في ما بات يعرف بـ « اقتصاد الانتباه  » (Économie de l’attention)، وهو مفهوم تعود جذوره إلى أعمال هيربرت سيمون، الذي نبه مبكرا إلى أن وفرة المعلومات تؤدي إلى ندرة الانتباه، قبل أن يتحول هذا التصور إلى نموذج اقتصادي مهيمن في عصر المنصات الرقمية.

    وتعتمد الشركات في هذا السياق على ما يمكن تسميته « هندسة الإدمان »، وهي منظومة من التقنيات المصممة لتحويل استخدام التطبيق من عادة إلى حاجة. ومن أبرز هذه التقنيات:
    أ) التمرير اللانهائي: (Infinite Scroll)  الذي طوره المصمم آزا راسكن سنة 2006، يقوم على إزالة نقاط التوقف الطبيعية في التصفح، مما يجعل تدفق المحتوى مستمرا بلا نهاية. وقد أثيرت لاحقا انتقادات ضمن نقاشات أخلاقيات التصميم الرقمي، حيث ينظر إلى هذا النمط كواحد من الآليات التي تسهم في استنزاف انتباه المستخدمين وإطالة زمن بقائهم داخل المنصات.

    ب) المكافآت العشوائية: (Variable Rewards)  تقوم هذه الآلية المستمدة من علم النفس السلوكي، على مبدأ التعزيز المتقطع الذي درسه ب. ف. سكينر، حيث يكون السلوك أكثر ثباتا عندما تأتي المكافأة بشكل غير متوقع. وقد استثمر هذا المبدأ في تصميم المنصات الرقمية، إذ يدفع المستخدم إلى تكرار أفعال مثل تحديث الخلاصة أو التمرير المستمر، ترقبا لمكافأة محتملة كإعجاب أو تعليق أو محتوى جديد.

    ج) الإشعارات المتواصلة: التي تعيد سحبك إلى التطبيق كلما حاولت الابتعاد عنه، مستغلة نفس آليات الإدمان العصبية.

    د) التخصيص الآني: إذ يتعلم التطبيق في الوقت الفعلي ما يستوقفك وما يمرره ويقدم لك المزيد منه، في حلقة مغلقة تجعل كل جلسة أكثر إدمانا من السابقة.

    وصف تريستان هاريس، وهو أحد مسؤولي أخلاقيات التصميم السابقين في Google، هذه الآليات بأنها تسعى إلى « اختطاف انتباه المستخدمين »، مشيرا إلى أن الشركات التقنية توظف فرقا متعددة التخصصات لفهم كيفية تعظيم التفاعل. وقد أسس لاحقا مركز التكنولوجيا الإنسانية (Center for Humane Technology) للدعوة إلى تصميم رقمي أكثر أخلاقية.

    وفي السياق نفسه، أفادت دراسة صادرة عن Common Sense Media (2016) بأن نحو نصف المراهقين الأمريكيين يصرحون بشعورهم بالإدمان على هواتفهم، وهو ما يعكس التأثير المتزايد لآليات التصميم القائمة على جذب الانتباه.
    -3 التأثير في الرأي العام : من توجيه الاستهلاك إلى توجيه الديمقراطية

    أخطر ما في الإمبريالية الرقمية أنها بالإضافة لسرقة وقتك أو بيع بياناتك، تمتد إلى ما هو أعمق: تشكيل طريقة تفكيرك، وتوجيه قراراتك السياسية، وإعادة رسم خريطة قناعاتك الاجتماعية.

    أ) غرف الصدى وفقاعات الفلترة
    حين تحدد خوارزميات Facebook وYouTube المحتوى المعروض للمستخدم، فإنها  تفعل ذلك وفق نماذج تنبؤية تهدف إلى تعظيم التفاعل وزمن البقاء. ويترتب على ذلك أن المستخدم يتعرض تدريجيا لمحتوى يتوافق مع اهتماماته ومواقفه السابقة، مما قد يؤدي إلى تضييق نطاق التنوع المعرفي. وقد وصف Eli Pariser هذه الظاهرة سنة 2011 بمفهوم « فقاعة الفلترة ». (Filter Bubble)
    وفي السياق نفسه، أشار Neal Mohan خلال مؤتمر CES 2018 إلى أن أكثر من 70% من وقت المشاهدة على YouTube يأتي من أنظمة التوصية، وهو ما يعكس الدور المتزايد للخوارزميات في توجيه استهلاك المحتوى.

    ب) التلاعب السياسي الرقمي:

    لم تعد هذه الآليات مقتصرة على المجال التجاري، فقد امتدت إلى المجال السياسي، حيث كشفت تحقيقات صحفية أجرتها The Guardian  وThe New York Times  سنة 2018 أن شركة Cambridge Analytica حصلت على بيانات ما يصل إلى 87 مليون مستخدم على Facebook دون موافقة صريحة، واستخدمتها في بناء نماذج استهداف دعائي خلال الانتخابات الأمريكية لعام 2016 واستفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
    ورغم الجدل القائم حول حجم التأثير الفعلي لهذه الممارسات، فإن القضية أبرزت الإمكانات الكبيرة التي تتيحها أدوات الاستهداف الرقمي، والتي أصبحت -بدرجات متفاوتة- متاحة ضمن أنظمة الإعلان على منصات التواصل الاجتماعي.

    ج) من التضليل إلى « التزييف العميق: « 
    مع تطور الذكاء الاصطناعي، أصبح بمقدور الجهات المضللة إنتاج مقاطع فيديو ومقاطع صوتية « مزيفة عميقا »، لا يكاد يميزها المشاهد العادي عن الحقيقة، وهو تطور ينذر بتحول حاد في طبيعة الحرب المعلوماتية في المستقبل المنظور.

    المحور الثاني: الجهات الفاعلة: الشركات التكنولوجية، الحكومات، القوى العالمية

    لا تنشأ الإمبريالية الرقمية في فراغ، ولا هي نتاج تطور تقني عفوي، فهي منظومة مصالح متشابكة تديرها جهات فاعلة بعينها، كل منها يسعى إلى تعظيم نفوذه وفق منطقه الخاص. وفهم هذه الجهات ضروري لفهم بنية السيطرة الرقمية ومظاهرها.

    1- الشركات التكنولوجية الكبرى: رأسمالية المراقبة في العمل

    حين تفتح تطبيقا « مجانيا »، فأنت لا تستهلك منتجا، إنك تنتجه. هذه المفارقة تختصر النموذج الاقتصادي الذي تقوم عليه أكبر شركات التكنولوجيا في العالم Google :وMeta (Facebook)  وAmazon  وApple  و.Microsoft  فهذه الشركات، تتوهم نفسك أنها تبيعك خدمة بالمعنى الكلاسيكي، في حين فهي تستخدمك مصدرا للمادة الخام الأكثر قيمة في القرن الحادي والعشرين، وهي بياناتك السلوكية كما أسلفنا الإشارة.
    وقد وصفت شوشانا زوبوف هذا النموذج في كتابها « عصر رأسمالية المراقبة » (2019) بأنه يقوم على ما أسمته « الفائض السلوكي »، أي أن الشركات تجمع من بيانات المستخدمين أكثر مما يلزم لتقديم الخدمة، ثم تحول هذا الفائض إلى « منتجات تنبؤية » تُتداول في ما تسميه « أسواق المستقبل السلوكي »، حيث تباع القدرة على توقع السلوك البشري.

    غير أن الطابع المميز لهذا النموذج يتجاوز التنبؤ، ليمتد إلى محاولة توجيه السلوك والتأثير في احتمالات حدوثه من خلال تصميم البيئات الرقمية.

    أ) تركز السوق وتداعياته 
    تمارس بعض الشركات الرقمية الكبرى درجة عالية من الهيمنة على مفاصل أساسية في البيئة الرقمية. فعلى سبيل المثال، يستحوذ محرك البحث Google على نحو 90% من سوق البحث العالمي وفق بيانات StatCounter (2023)، وهي نسبة تعكس تركزا سوقيا مرتفعا. وقد تعزز هذا التوصيف بقرار قضائي مهم في قضية United States v. Google LLC، حيث خلص القاضي أميت ميهتا في أغسطس 2024 إلى أن الشركة تحتكر سوق البحث العام وقد اتخذت إجراءات للحفاظ على هذا الوضع. ويعتبر هذا الحكم من أبرز قضايا مكافحة الاحتكار في قطاع التكنولوجيا منذ قضية Microsoft عام 1998.

    ب) النموذج الاقتصادي بالأرقام
    بلغت، كما أسلفنا الذكر، إيرادات شركة  Alphabet، الشركة الأم لـ Google، عام 2021 نحو 257.6 مليار دولار، وذلك وفق تقريرها السنوي لدى U.S. Securities and Exchange Commission. وكما جاء في نفس التقرير فإن ما يقارب 80% منها من الإعلانات الرقمية المعتمدة على البيانات.

    وهذا يعني أن كل استعلام بحثي تقوم به، وكل موقع تزوره، يغذي آلة تحقيق ربح لا ترى منها أنت كمستخدم قرشا واحدا.

    ج) التأثير على المحتوى والديمقراطية
    ما يميز هذه الشركات عن الاحتكارات الصناعية التقليدية هو أنها إلى جانب تحكمها في الإنتاج، فهي تتحكم في الوصول إلى المعرفة أيضا. فخوارزميات Facebook وYouTube تقوم بترتيب المحتوى وتحديد مدى ظهوره، مما يمنحها تأثيرا تحريريا واسع النطاق يفوق، في امتداده، المؤسسات الإعلامية التقليدية. غير أن هذه المنصات تعمل ضمن أطر قانونية تختلف عن تلك التي تحكم الناشرين، وهو ما يثير نقاشا متزايدا حول حدود مسؤوليتها.
    وقد أبرزت -كما سبقت الإشارة إلى ذلك- فضيحة Cambridge Analytica سنة 2018 جانبا من هذه القوة، حين كشف أن بيانات نحو 87 مليون مستخدم على Facebook استخدمت في بناء نماذج استهداف سياسي خلال الانتخابات الأمريكية واستفتاء خروج بريطانيا، وذلك وفق تحقيقات The Guardian وThe New York Times.

    وما يزيد من إشكالية هذا النموذج ما كشفت عنه تسريبات داخلية من Facebook نشرتها صحيفة The Wall Street Journal سنة 2021، حيث أظهرت وثائق الشركة أن خوارزمياتها تميل إلى ترجيح المحتوى الذي يثير تفاعلات قوية، بما في ذلك المحتوى المثير للانقسام أو الانفعال، نظرا لدوره في زيادة التفاعل وزمن الاستخدام. وقد أشارت هذه الوثائق إلى أن هذا المنطق قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى تضخيم محتوى مضلل أو ضار.

    2- الحكومات: بين مراقبة المواطن وتنظيم الشركات
    تقف الحكومات في موقع مزدوج وملتبس داخل منظومة الإمبريالية الرقمية: فهي من جهة ضحية لتمدد سلطة الشركات التكنولوجية على الفضاء العام، ومن جهة أخرى طرف فاعل يستخدم هذه التكنولوجيا ذاتها أداة للمراقبة والسيطرة على المواطنين.

    أ) المراقبة الحكومية: حين تصبح الدولة عينا لا تغمض
    كشف إدوارد سنودن، المتعاقد السابق مع وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA)، في يونيو 2013 عن برامج مراقبة جماعية، من خلال وثائق سرية نشرتها صحيفتا The Guardian و.The Washington Post  ومن أبرز هذه البرامج PRISM، الذي أتاح للوكالة الوصول إلى بيانات مستخدمين من شركات تكنولوجيا كبرى، في إطار آليات قانونية لجمع المعلومات. كما كشفت الوثائق عن جمع سجلات اتصالات لملايين عملاء شركة. وقد نال الصحفيون المشاركون في هذا الكشف جائزة بوليتزر عام 2014.

    وعلى الجانب الآخر، طورت الصين نموذجا مختلفا يعرف بنظام « الائتمان الاجتماعي، وهو منظومة متعددة المستويات، كما يوضح الباحث روجيه كريمرز، تعكس توجها نحو رقمنة الحوكمة وربط السلوك الفردي بآليات تقييم رقمية.

    ب) التنظيم الحكومي: درع أم واجهة؟
    في مواجهة هذه الظاهرة، تتباين مقاربات الحكومات بشكل ملحوظ. ويعتبر الاتحاد الأوروبي من أكثر الفاعلين جرأة على المستوى التشريعي، حيث دخلت اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) حيز التنفيذ في مايو 2018، على أنها من أكثر الأطر صرامة في مجال حماية البيانات الشخصية. فهي تفرض على الشركات التزامات بالشفافية، وتمنح الأفراد حقوقا موسعة في الوصول إلى بياناتهم وتصحيحها وحذفها، كما تتيح فرض غرامات قد تصل إلى 4% من الإيرادات السنوية العالمية أو 20 مليون يورو.

    وقد أسهم هذا الإطار في إحداث تغييرات ملموسة في سياسات الخصوصية لدى شركات كبرى، كما ألهم تشريعات في عدة دول. غير أن فعاليته تظل محل نقاش، نظرا لاستمرار الفجوة بين النص والتطبيق، واعتماد بعض الشركات على استراتيجيات امتثال شكلية، مثل تعقيد شروط الاستخدام، بدل إعادة النظر في نماذجها الاقتصادية القائمة على البيانات.

    3- القوى العالمية: الصراع على الهيمنة الرقمية والجنوب في المنتصف
    ما يجعل الإمبريالية الرقمية أكثر تعقيدا وخطورة هو أنها لا تخضع لقطب واحد. إننا نشهد اليوم تنافسا حادا بين قطبين رئيسيين – الولايات المتحدة والصين – على الهيمنة الرقمية العالمية، وهو تنافس لا يشبه في طبيعته الحروب التجارية التقليدية بقدر ما يشبه صراعا على تعريف الإنترنت ذاتها وقيمها ومعاييرها.

    أ) نموذجان رقميان متصادمان
    يتمحور النموذج الأمريكي حول شركات خاصة كبرى تعمل ضمن منطق السوق، لكنها تمارس نفوذا واسعا على البنية التحتية الرقمية العالمية، من أنظمة التشغيل إلى المنصات والخدمات السحابية. في المقابل، يقوم النموذج الصيني على دور مركزي للدولة، حيث تعمل الشركات التكنولوجية الكبرى ضمن إطار تنظيمي واستراتيجي تقوده الحكومة، وتسهم في تصدير هذا النموذج عبر « طريق الحرير الرقمي » ضمن مبادرة الحزام والطريق.
    وقد تجسد هذا التنافس بوضوح في عام 2019، حين أدرجت إدارة ترامب شركة Huawei على قائمة الكيانات المقيدة، مما حد من وصولها إلى التكنولوجيا الأمريكية وأثر بشكل كبير على نشاطها الدولي. ومع ذلك، أعادت الشركة التموقع بدعم محلي، رغم استمرار القيود. ثم وسعت إدارة بايدن هذه السياسات، خاصة في مجالات أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، في إطار تصاعد التنافس التكنولوجي بين القوتين.

    ب) دول الجنوب: ضحية التنافس أم شريكة فيه؟
    تجد دول الجنوب العالمي نفسها في موقع معقد ضمن هذا المشهد، إذ تعتمد على بنى تحتية رقمية لا تملكها بالكامل، سواء عبر المنصات الأمريكية التي تدير تدفقات البيانات والمحتوى، أو عبر الشركات الصينية التي توفر البنية التحتية للاتصالات. ويطرح هذا الوضع تحديات حقيقية تتعلق بالسيادة الرقمية.

    وقد وصف هذا السياق في بعض الأدبيات النقدية بمفهوم « الاستعمار الرقمي »، حيث يترتب على الاندماج في الاقتصاد الرقمي العالمي قبول شروط تحددها قوى خارجية، في حين يحمل الانعزال كلفة تنموية مرتفعة. وفي هذا الإطار، يشير الباحث مايكل كويت إلى أن النماذج العالمية المختلفة – الأمريكي، والصيني، والأوروبي- تمارس أشكالا متباينة من النفوذ، سواء عبر الشركات أو البنية التحتية أو المعايير التنظيمية، وهو ما يترك دول الجنوب في موقع تفاوضي غير متكافئ في كثير من الحالات.

    ومن هنا يتضح أن جوهر الإمبريالية الرقمية يتعدى امتلاك البيانات أو المنصات، ليمتد إلى السيطرة على المعايير والقواعد التي تنظم الفضاء الرقمي العالمي.

    المحور الثالث: الآثار على الشعوب: الخصوصية، الاستقلالية، الصحة النفسية

    إذا كانت المحاور السابقة قد رصدت آليات الإمبريالية الرقمية وجهاتها الفاعلة، فإن هذا المحور يعنى بالجانب الأكثر إنسانية وإيلاما: ما الذي تفعله فعلا في حياة البشر؟ والإجابة لا تقتصر على البيانات والأرقام، إذ أنها تمتد إلى مس الكرامة الإنسانية في أدق تجلياتها: الحق في الخصوصية، والقدرة على الاختيار الحر، والصحة النفسية.

    1- انتهاكات الخصوصية: حين يصبح الإنسان زجاجا
    الخصوصية هي الشرط الوجودي للكرامة الإنسانية. فبدون خصوصية، لا يوجد فضاء للتفكير الحر، ولا للتعبير الصادق، ولا للهوية المستقلة. وهذا تحديدا ما يجعل الاعتداء عليها جوهر الإمبريالية الرقمية.

    أ) من الانتهاك الاستثنائي إلى المراقبة الهيكلية
    لم تكن أهمية تسريبات إدوارد سنودن في ما كشفته من برامج بعينها، بقدر ما كشفت عنه من تحول نوعي في منطق المراقبة: من تتبع مشتبه بهم محددين إلى جمع واسع للبيانات كشرط أولي للفهم والتصنيف. وبهذا المعنى، لم يعد الفرد يراقب بسبب سلوكه، إذ أن سلوكه نفسه أصبح يعاد تشكيله داخل فضاء دائم من الرصد والتحليل.

    وتكشف هذه التسريبات أيضا أن المراقبة الجماعية لم تعد ممارسة استثنائية مرتبطة بحالات الحرب أو الطوارئ، فقد أصبحت جزءا من البنية الهيكلية للدولة الحديثة، حيث يتم جمع البيانات أولا ثم فرزها وتصنيف أصحابها لاحقا، في انتقال من منطق « المشتبه به » إلى منطق « المجتمع المرصود ».

    ب) الخصوصية كسلطة
    تمثل الخصوصية في جوهرها شكلا من توازن القوة القائم على توزيع المعرفة. فعندما تمتلك المؤسسات قدرا واسعا من المعلومات عن الأفراد، وبينما يظل الأفراد محدودي المعرفة بآليات جمع ومعالجة تلك البيانات، ينشأ اختلال بنيوي في العلاقة بين الطرفين.

    وقد أشار الباحثون إلى أن هذا الاختلال يؤدي إلى ظاهرة « الرقابة الذاتية »، حيث يعدل الأفراد سلوكهم وتعبيراتهم بمجرد إدراكهم لاحتمال المراقبة، حتى في غياب رقابة مباشرة.
    وتجد هذه الفكرة جذورها في نموذج « البانوبتيكون » الذي صاغه جيريمي بنثام، والذي أصبح لاحقا إطارا نظريا لفهم أشكال جديدة من الرقابة في السياقات الرقمية المعاصرة.

    2- تقليص الاستقلالية: حين يفكر الآخرون نيابة عنك
    الاستقلالية – القدرة على اتخاذ قرارات حرة مبنية على معلومات متوازنة وغير موجّهة – هي جوهر الكرامة الإنسانية الحديثة. غير أن الإمبريالية الرقمية تعمل على تقويض هذا الأساس عبر تشكيل البيئة المعلوماتية التي يتخذ فيها الفرد قراراته.

    أ) من فقاعة الفلترة إلى غرف الصدى
    فحين تتحكم الخوارزميات في المحتوى المعروض، فإنها لا تقدم « العالم » كما هو، ولكن تقدم نسخة مصاغة منه تهدف إلى تعظيم التفاعل وإبقاء المستخدم داخل المنصة. وقد صاغ Eli Pariser هذا التحول سنة 2011 بمفهوم « فقاعة الفلترة »، حيث يتعرض كل مستخدم لبيئة معلوماتية مخصصة تعزز قناعاته السابقة. وفي السياق نفسه، تشير بيانات منصات مثل YouTube إلى أن جزءا كبيرا من زمن المشاهدة يوجه عبر أنظمة التوصية.

    ب) التلاعب السياسي: الديمقراطية في مواجهة الخوارزمية
    فضيحة Cambridge Analytica التي أشير إليها آنفا لا تمثل فقط انتهاكا للخصوصية، فهي تمثل هجوما مباشرا على آلية الديمقراطية ذاتها. فحين تصمم رسائل انتخابية مستهدفة بناء على الملف النفسي لكل ناخب على حدة – مستغلة مخاوفه الشخصية وتحيزاته المعرفية – فإن الانتخاب لم يعد تعبيرا عن إرادة حرة، إذ باتت الإرادة ذاتها موضع تشكيل وتوجيه مسبق.

    ج) الثقافة الرقمية الموحدة والهيمنة اللغوية
    بعد آخر لانتهاك الاستقلالية يكاد يغيب عن النقاشات: هيمنة الإنترنت الإنجليزية الناطقة على تصنيف المعلومات وترتيب أولوياتها. فمحركات البحث لا تعكس « المعرفة الإنسانية » بصورة محايدة، لأنها تعكس في المقام الأول المحتوى المكتوب بالإنجليزية والمرتبط بالبنية التحتية الغربية. وهذا يعني أن ثلاثة أرباع البشرية يطالعون العالم من خلال نافذة لغوية وثقافية لا تمثل تجاربهم وقيمهم بالقدر الكافي، وهو شكل خفي لكنه عميق من أشكال هدر الاستقلالية الثقافية.

    3- الصحة النفسية: الجيل القلق
    إن الآثار النفسية لوسائل التواصل الاجتماعي من أكثر المجالات جدلا في البحث العلمي المعاصر، حيث لا تزال العلاقة السببية المباشرة محل نقاش، رغم وجود مؤشرات متزايدة على تأثيرات سلبية محتملة على فئات من المراهقين.
    وقد لاحظ Jean Twenge وJonathan Haidt  تزامنا بين انتشار الهواتف الذكية وارتفاع معدلات القلق والاكتئاب وإيذاء النفس لدى المراهقين منذ بداية العقد الثاني من الألفية. كما تشير دراسات مسحية مثل Common Sense Media (2016)  إلى أن نحو نصف المراهقين يشعرون بإدمانهم على هواتفهم، وهو تعبير عن إدراك ذاتي أكثر منه تشخيصا طبيا.

    في حين، تنبه دراسات نقدية حديثة، مثل مقالة Candice Odgers في Nature (2024)، إلى أن الأدلة الطولية لا تثبت علاقة سببية حاسمة، نظرا لتداخل العوامل الجينية والاجتماعية والبيئية.

    ومع ذلك، يتفق عدد من الباحثين على وجود ارتباط بين الاستخدام المفرط لوسائل التواصل وتدهور الصحة النفسية، خاصة لدى المراهقين. وتعزى هذه العلاقة المحتملة إلى آليات متعددة، من بينها المقارنة الاجتماعية المستمرة، والتقييم الفوري عبر التفاعل الرقمي، واضطرابات النوم، والتعرض للتنمر الإلكتروني. وقد دعمت وثائق داخلية أوردتها The Wall Street Journal (2021)  هذا الاتجاه، مشيرة إلى تأثيرات سلبية محتملة على صورة الجسد لدى المراهقات.
    في المقابل، يظل البحث في هذا المجال منحازا جغرافيا نحو المجتمعات الغربية، رغم أن غالبية مستخدمي هذه المنصات ينتمون إلى دول الجنوب العالمي، ما يكشف فجوة معرفية تؤثر على فهم الظاهرة عالميا.

    المحور الرابع: كيفية الحماية من الإمبريالية الرقمية 
    مواجهة الإمبريالية الرقمية تعني رفض العلاقة غير المتكافئة التي تحكم التكنولوجيا. والحماية الحقيقية تعمل على ثلاثة مستويات متشابكة: الفرد، والمجتمع، والدولة. ولكل مستوى أدواته ومسؤولياته.

    1- الحماية على المستوى الفردي: استعادة السيادة الشخصية
    لا يمكن لأي فرد أن يعيد تشكيل البنية الكلية للإمبريالية الرقمية بشكل منفرد، غير أنه قادر على تقليص بصمته الرقمية واستعادة قدر من السيطرة على بياناته وسلوكياته الرقمية.
    على مستوى الأدوات، يعتبر DuckDuckGo من أبرز محركات البحث التي لا تعتمد على تتبع المستخدمين، إذ يعالج مئات الملايين من عمليات البحث يوميا وفق تقديرات عام 2023، مما يعكس توجها متزايدا نحو بدائل أكثر احتراما للخصوصية، رغم استمرار هيمنة Google.

    وفي مجال الاتصالات، إن تطبيق Signal معيار في التشفير الطرفي، نظرا لكونه مفتوح المصدر ولا يحتفظ بالبيانات الوصفية، وقد أوصى به Edward Snowden كأداة موثوقة لحماية الاتصالات. كما يوفر متصفح Tor مستوى أعلى من إخفاء الهوية عبر تمرير الاتصال عبر شبكة موزعة من العقد المشفرة، مما يجعل تتبعه بالغ الصعوبة.

    أما على مستوى التتبع الإعلاني، فتقدم إضافات مثل uBlock Origin وPrivacy Badger  أدوات فعالة للحد من التتبع عبر المواقع.
    غير أن الحماية التقنية وحدها لا تكفي، إذ تظل « الأمية الرقمية النقدية » هي الأداة الأعمق، بكونها قدرة الفرد على مساءلة مصدر المحتوى ودوافعه، وإعادة بناء علاقة نشطة مع البيئة الرقمية بدل التلقي السلبي، من خلال تنويع المصادر وتقليص زمن الشاشة والتعرض الواعي لوجهات نظر مختلفة.

    2- البدائل التقنية المفتوحة المصدر: بنية تحتية بديلة
    يتطلب التحرر النسبي من الإمبريالية الرقمية، إلى جانب اعتماد أدوات بديلة، تبني نموذج اقتصادي مغاير يقوم على الشفافية والمشاركة بدل منطق الاستخراج السري للبيانات، وهو ما تمثله البرمجيات مفتوحة المصدر في جوهرها.
    على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي، تقدم منصات مثل Mastodon وDiaspora  نموذجا لامركزيا يوزع السلطة بدل تركيزها، حيث لا توجد خوارزمية مركزية موحدة تتحكم في تدفق المحتوى أو في ترتيب ظهوره. ورغم محدودية انتشار هذه المنصات مقارنة بالأنظمة السائدة، فإنها تمثل مختبرا عمليا لنماذج بديلة للإنترنت الاجتماعي.

    وعلى مستوى أنظمة التشغيل، توفر أنظمة مثل Linux وLineageOS  درجات أعلى من التحكم في البيانات مقارنة بالأنظمة التجارية المغلقة مثل Android وiOS، رغم أن استخدامها يتطلب خبرة تقنية تحد من انتشارها الواسع.
    غير أن هذه البدائل تواجه تحديا بنيويا يتمثل في « تأثير الشبكة »، حيث تزداد قيمة المنصات الرقمية كلما ازداد عدد مستخدميها، ما يجعل الانتقال الجماعي نحو البدائل المفتوحة أمرا معقدا رغم جاذبية نموذجها.

    3- التوعية والتعليم: بناء المقاومة المجتمعية
    لا تكفي الأدوات التقنية وحدها لمواجهة ظاهرة بنيوية كالإمبريالية الرقمية. يجب أن ترافقها ثورة في الوعي الجماعي تغير طريقة تعامل المجتمعات مع الفضاء الرقمي.
    ويعني ذلك على مستوى المنظومة التعليمية إدراج مفاهيم الخصوصية الرقمية والتفكير النقدي في المحتوى الرقمي ضمن المناهج الدراسية من مراحل التعليم الأساسية، كمهارة حياتية أساسية في القرن الحادي والعشرين لا كمادة اختيارية تقنية فقط. كما يعني على مستوى الأسرة والمجتمع نشر ثقافة الحد الصحي في استخدام التكنولوجيا، مع إدراك أن هذا الحد هو استجابة في حد ذاتها ضرورية لمنظومة مصممة لتجاوزه.

    4- التشريعات والسياسات: تنظيم السلطة الرقمية
    لا يمكن للأفراد وحدهم مواجهة منظومة رقمية تتحكم فيها شركات تتجاوز قيمتها السوقية ميزانيات دول كاملة، مما يجعل التدخل المؤسسي والتشريعي ضرورة بنيوية.
    على مستوى حماية البيانات، يعد GDPR الأوروبي النموذج الأكثر صرامة في هذا المجال، غير أن تطبيقه يكشف عن فجوة بين الإطار القانوني والواقع العملي، حيث تكيفت الشركات مع متطلبات الموافقة عبر آليات شكلية لا تغير جوهر جمع البيانات، ما يؤكد أن التشريع وحده غير كاف دون رقابة مستقلة وعقوبات فعالة.

    أما في مجال مكافحة الاحتكار الرقمي، فقد شكل الحكم الصادر عام 2024 في قضية وزارة العدل الأمريكية ضد Google  منعطفا مهما، حيث ثبتت ممارسات احتكارية في سوق البحث، في حين لا تزال مرحلة تحديد العلاجات التنظيمية محل نقاش قانوني. ويشير هذا التطور إلى تحول تدريجي في موقف الدولة تجاه الشركات التكنولوجية الكبرى.

    وفي سياق الدول النامية، تبرز الحاجة إلى استراتيجيات سيادة رقمية تشمل تطوير بنية تحتية محلية، وتعزيز القدرات الصناعية الرقمية، ووضع أطر تنظيمية أكثر توازنا في إدارة بيانات المواطنين، بما يقلل من التبعية الهيكلية للمنصات العالمية.

    المحور الخامس: المستقبل  بين التحديات والفرص

    1- التحديات المقبلة: حين تتسارع وتيرة السيطرة
    يشير عدد من الباحثين إلى أن مستقبل الإمبريالية الرقمية سيتشكل عبر ثلاث تحولات رئيسية متسارعة.

    أولها، تصاعد ظاهرة التزييف العميق، حيث تشير تقارير أمنية إلى ارتفاع غير مسبوق في إنتاج المحتوى المزيف القائم على الذكاء الاصطناعي. وقد سجلت حالات استخدام لأصوات مزيفة في حملات تضليل انتخابي خلال عام 2024، في سياق يصفه المنتدى الاقتصادي العالمي بأن المعلومات المضللة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تمثل أحد أخطر التحديات العالمية. ويقود هذا التطور إلى ما يمكن تسميته « أزمة معرفية »، تتمثل في تآكل القدرة على التحقق من صدقية المعلومات.
    ثانيها، توسع إنترنت الأشياء (IoT)، حيث تصبح المراقبة جزءا من البنية اليومية للحياة، من الأجهزة المنزلية إلى الأجهزة الطبية والمركبات، مما يوسع نطاق جمع البيانات ليشمل الجسد والسلوك اليومي في آن واحد.

    ثالثها، تطور الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي يسمح بإنتاج رسائل دعائية وسياسية مخصصة بدقة عالية لكل فرد على حدة، بما يمثل انتقالا من الخطاب الجماهيري إلى الخطاب الفردي المفصل خوارزميا.

    2- التوصيات: نحو عقد رقمي جديد
    ما تحتاجه البشرية في مواجهة هذه التحديات لا يختزل في قانون أو أداة أو حملة توعية، وإنما في إعادة تفكير شامل في العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا وتنظيمها. ويمكن إجمال التوصيات في أربع نقاط:

    – يجب أن تفصح الشركات عن كيفية عمل خوارزميات التوصية لديها، وأن تخضع لمراجعة مستقلة معتمدة من جهات تنظيمية. فالخوارزمية غير المرئية التي تقرر ما يراه مليار إنسان لا يمكن أن تظل خارج دائرة المساءلة الديمقراطية.
    – يجب الاعتراف صراحة بأن الخصوصية الرقمية والوصول إلى معلومات غير موجهة، و عدم الخضوع للتلاعب النفسي الرقمي هي حقوق إنسانية أساسية، لا ميزات اختيارية يحددها عقد الخدمة.

    – المشكلة الجذرية أن الإنترنت « المجاني » يقوم على الإعلانات التي تقوم على البيانات التي تقوم على المراقبة. كسر هذه الحلقة يتطلب التفكير في نماذج تمويل بديلة: اشتراكات مباشرة، وتمويل عام للمنصات ذات المصلحة العامة، ونماذج تعاونية تعيد للمستخدم حصة من القيمة التي ينتجها.

    – تحتاج دول الجنوب إلى بناء تكتلات إقليمية تتيح لها التفاوض الجماعي مع الشركات التكنولوجية الكبرى من موقع قوة لا ضعف، وإلى تبادل التقنيات المفتوحة المصدر والخبرات التنظيمية، وإلى تمثيل فعلي في المحافل الدولية التي تصاغ فيها قواعد الإنترنت العالمي.

    الخاتمة

    في البداية، قلنا إن الإمبريالية الرقمية هيمنة لا تحتاج إلى جيوش. وفي نهاية هذا المسار، يمكن القول إن مقاومتها كذلك لا تحتاج إلى جيوش، فما تحتاجه هو الوعي.
    الوعي بأن الخدمة « المجانية » ليست مجانية بالمفهوم الصحيح، لأنها تجعلك تدفع ثمنا منك لا من جيبك. الوعي بأن الخوارزمية تصنع العالم وفق مصالح لا تتوافق بالضرورة مع مصلحتك. الوعي بأن ما يبدو قرارا شخصيا هو في أغلب الأحيان قرار مشكل مسبقا في مختبرات هندسة السلوك.

    لكن الوعي وحده غير كاف. ما تضيفه هذه المقالة إلى سرديات النقد الرقمي الكثيرة هو التشديد على أن المسألة ليست تقنية في جوهرها، فهي بالدرجة الأولى سياسية واقتصادية وأخلاقية. فالإمبريالية الرقمية نتاج نموذج تمويل معين للتكنولوجيا وليست نتاج للتكنولوجيا نفسها، وهذا النموذج يمكن تغييره وتنظيمه ومقاومته.

    ما يميز هذا العصر أنه أول عصر تصبح فيه البنية التحتية للعقل الجماعي للبشرية – مصادر معلوماتهم، وقنوات تواصلهم، وفضاءات نقاشهم – مملوكة لعدد ضئيل من الشركات الخاصة التي تخضع لمساءلة ديمقراطية ضئيلة. وهذا في حد ذاته إشكالية حضارية لم يسبق للإنسانية أن واجهت مثيلها.

    المستقبل الرقمي ليس قدرا محتوما يكتب في مختبرات سيليكون فالي أو في قاعات الحزب الشيوعي الصيني. إنه أيضا يكتب في المدارس حين نعلم الأطفال كيف يفكرون لا في ماذا يفكرون. ويكتب في البرلمانات حين تحاسب المشرعون الشركات التكنولوجية بشجاعة. ويكتب في خيارات المستهلكين حين يختارون المنصة التي تحترمهم لا التي تستهلكهم. ويكتب في التضامن الرقمي لشعوب الجنوب حين تطالب بأن تكون شريكة في رسم قواعد الفضاء الرقمي لا مجرد سوق تستنزف بياناتها.

    وكما لا تنشأ الاستعمارات الكلاسيكية دفعة واحدة، إذ أنها تتسلل تدريجيا عبر المصالح الاقتصادية وتثبيت التبعية وبناء البنية التحتية، كذلك لا تقاوم الإمبريالية الرقمية بردة فعل واحدة، وإنما على العكس تقاوم بتراكم ممنهج طويل النفس من الوعي، والتشريع، والابتكار البديل، والتضامن.

    فالبذور التي نزرعها اليوم في الفضاء الرقمي – بذور الشفافية أو الغموض، السيادة أو التبعية، الكرامة أو الاستهلاك – هي التي سنحصد ثمارها غدا.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المغرب يعزز قوته المالية ويتجاوز الجزائر في احتياطي العملة الصعبة رغم غياب النفط والغاز

    الدار/ إيمان العلوي

    كشفت المؤشرات المالية لسنة 2026 عن تحول لافت في ميزان القوة الاقتصادية بين المغرب والجزائر، بعدما نجح المغرب في رفع احتياطاته من العملة الصعبة إلى حوالي 50 مليار دولار، متجاوزاً الجزائر التي تراجعت احتياطاتها إلى نحو 38,7 مليار دولار، رغم الإمكانات الضخمة التي توفرها عائدات النفط والغاز الجزائريين.

    ويعكس هذا الفارق، الذي يفوق 22 في المائة لصالح المغرب، نجاح الرباط في بناء نموذج اقتصادي أكثر تنوعاً واستقراراً، قائم على الصناعة والتصدير والسياحة وتحويلات مغاربة العالم والاستثمارات الأجنبية، بدل الارتهان لمصدر وحيد للدخل.

    وتظهر الأرقام أن المغرب حقق قفزة قوية منذ سنة 2002، بعدما ارتفعت احتياطاته بأكثر من 533 في المائة، إذ انتقلت من 7,9 مليارات دولار إلى قرابة 50 مليار دولار حالياً، في مؤشر على قدرة الاقتصاد المغربي على تعزيز موارده الخارجية وتحقيق توازن مالي متصاعد.

    في المقابل، تعيش الجزائر تراجعاً حاداً في احتياطات النقد الأجنبي، بعدما فقدت نحو 80 في المائة من رصيدها مقارنة بسنة 2014، حين بلغت الاحتياطات حوالي 193,6 مليار دولار. ويعزو مراقبون هذا الانخفاض إلى استمرار الاعتماد شبه الكامل على مداخيل المحروقات، إلى جانب ارتفاع الإنفاق العمومي وتراجع فعالية التنويع الاقتصادي.

    التجربة المغربية أصبحت تبرز كنموذج اقتصادي أكثر قدرة على الصمود، خاصة أن المملكة استطاعت تحقيق هذه النتائج دون امتلاك ثروات نفطية أو غازية كبيرة، بينما تواجه الجزائر صعوبة في الحفاظ على احتياطاتها رغم الإمكانات الطاقية الضخمة التي تتوفر عليها.

    كما يعيد هذا التفاوت المالي النقاش حول أولويات الإنفاق في المنطقة، وسط انتقادات متزايدة داخل الجزائر بشأن توجيه جزء مهم من الموارد نحو ملفات وصراعات إقليمية بدل التركيز على الاستثمار والتنمية الاقتصادية الداخلية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • سبايكر تعود بمحرك V8 يرفض صمت السيارات الكهربائية

    تستعد شركة سبايكر الهولندية لمحاولة عودة جديدة إلى عالم السيارات الرياضية الفاخرة، عبر نسخة حديثة من طراز C8 Preliator، في خطوة تراهن فيها العلامة التاريخية على التصميم اليدوي والمحركات التقليدية بدل السير في موجة الكهرباء التي اجتاحت سوق السيارات الخارقة. وتؤكد الشركة عبر موقعها الرسمي أن الطريق إلى بيبل بيتش سيبلغ محطة مهمة في 14 أغسطس 2026.

    وتحمل السيارة الجديدة، وفق تقارير متخصصة، محرك V8 مزدوج التيربو بقوة تقارب 800 حصان، مع سرعة قصوى تتجاوز 350 كيلومتراً في الساعة. ويؤكد فيكتور مولر، مؤسس سبايكر ورئيسها التنفيذي، أن الطراز الجديد لن يكون كهربائياً ولا هجيناً، في محاولة للحفاظ على تجربة قيادة ميكانيكية صافية وصوت محرك تقليدي يراهن عليه عشاق العلامة.

    وتأتي هذه العودة بعد سنوات من التعثر المالي، إذ تعرضت سبايكر لأزمات وإفلاسات متكررة، أبرزها في عامي 2014 و2021، قبل أن يستعيد مولر حقوق الملكية الفكرية الخاصة بالعلامة العام الماضي، ما فتح الباب أمام محاولة إحياء جديدة. وتقول تقارير إن الطراز المقبل يحمل رقم الهيكل 270، في إشارة إلى الطابع المحدود والحصري لإنتاج الشركة الحديثة.

    ومن المرتقب أن يظهر الجيل الجديد من C8 Preliator خلال فعاليات The Quail في كاليفورنيا ضمن أسبوع مونتيري للسيارات، بعدما يجري تجميع أجزاء من السيارة بين بريطانيا وهولندا قبل عرضها النهائي. غير أن التحدي الأكبر أمام سبايكر لن يكون في جذب الأنظار فقط، بل في إثبات قدرتها على تحويل هذا الإعلان إلى إنتاج فعلي ومستقر بعد سنوات من الوعود المتعثرة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بعد سنوات على وفاته.. صدور كتاب “التجارب الفكرية النقدية من داخل الحركة الإسلامية المعاصرة” لأيوب بوغضن

    العمق المغربي

    صدر للباحث الراحل أيوب بوغضن، مؤخرا، كتاب “التجارب الفكرية النقدية من داخل الحركة الإسلامية المعاصرة”، وذلك بعد أكثر من سنوات على وفاته. وهو المؤلف الذي حققه والده ابراهيم بوغضن، وقدمه برواق حركة التوحيد والإصلاح بالمعرض الدولي للكتاب بالرباط، أمس الخميس.

    وأوضح ابراهيم بوغضن، خلال تقديمه للكتاب، أن هذا المؤلَف هو الإصدار الرابع لمؤلفه، بعد أن نشر ثلاثة كتب أخرى في حياته، قائلا أصدقاء الراحل مكّنوه من نسخته الأصلية فقام بتحقيقها وتوثيقها وإعدادها للنشر وكتب مقدمته تحت عنوان “تقديم الكاتب والكتاب”.

    وأضاف أن هذا الكتاب يتناول التجارب الفكرية النقدية من داخل الحركة الإسلامية المعاصرة، والتي تعرضت للنقد من جهتين؛ الجهة الأولى هي خصومها أو لنقل أعداؤها أو منافسوها الذين هم خارج هذه الحركة الإسلامية، والثانية من داخل الحركة الإسلامية، و”هو قليل بل أستطيع أن أقول إنه نقد نادر”.

    هذه التجارب التي تناولها الكتاب، يقول بوغضن، لم يسبق أن تحدث عنها كاتب آخر، قائلا إن المؤلف يتضمن ستة فصول وفصل تمهيدي يتضمن نقطتين: الأولى بين الذات والموضوع، تطرق فيها المؤلف إلى تجربته في الانتماء إلى الحركة الإسلامية ومنها حركة التوحيد والإصلاح، وفي النقطة الثانية من الفصل التمهيدي تطرق للخلفية النظرية للكتاب.

    وتناول الكتاب، بحسب محققه، بالنقد تجربة عدد تجارب الحركة الإسلامية في كل من مصر وتونس والمغرب. واختتم الكتاب بموضوع سماه الكاتب “ما وراء تجارب الفكرة النقدية”، وفيه بعض الأفكار تتحدث عن الإنسان بين الهوية الإلهية وبين الهوية الطينية المادية التي تجذبه إلى الطين وإلى المادة وإلى التراب.

    جدير بالذكر أن أيوب بوغضن، فارق الحياة في فبراير من سنة 2020 عن سن يناهز 24 عاما، بعدما قضى أسبوعين في حالة غيبوبة بقسم الإنعاش بمستشفى التخصصات ابن سينا بالرباط، إثر حادثة سير خطيرة تعرض لها.

    وكان بوغضن، قيد حياته،  باحث وكاتب ومحاضرا رغم صغر سنه، حيث صدرت له ثلاثة كتب هي ”هموم تلميذ” سنة 2014 و”العمل الطلابي: تاريخ ومسار” سنة 2016، ثم ”تأملات” في عام 2017، وكان يحاضر بمجموعة من الندوات والملتقيات العلمية والأكاديمية خاصة بالجامعات، كما يداوم على كتابة مقالات بشكل مستمر.

    وحصل بوغضن على شهادة البكالوريا شعبة العلوم الرياضية 2014، وعلى شهادة البكالوريا الثانية مسلك العلوم الإنسانية 2015، وفي عام 2017 حصل على شهادة الإجازة في العلوم الاقتصادية بجامعة محمد الخامس بالرباط 2017، وكان يتابع دراسته بسلك الماستر تخصص ”الاقتصاد وتقييم السياسات العمومية” بكلية الحقوق أكدال بالرباط.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • “داي داي”… شاكيرا تكشف عن الأغنية الرسمية لمونديال 2026

    نشرت نجمة البوب الكولومبية شاكيرا الخميس فيديو قصير يشير إلى إصدارها أغنية رسمية جديدة خاصة بكأس العالم 2026 بعنوان “داي داي”. وتظهر شاكيرا حاملة الكرة الرسمية للبطولة الأشهر، وصوّر الفيديو في ملعب ماراكانا الشهير في البرازيل.

    وتبلغ مدة الفيديو المنشور على إنستاغرام 67 ثانية، تظهر فيه شاكيرا على أرضية ملعب ماراكانا في ريو دي جانيرو، حيث أحيت السبت حفلا مجانيا على شاطئ كوباكابانا، حضره أكثر من مليوني شخص.

    حاملة “تريوندا”، الكرة الرسمية لكأس العالم 2026، أدّت شاكيرا مقاطع من الأغنية باللغة الإنكليزية بمشاركة راقصين يرتدون ألوان منتخبات، من بينها الولايات المتحدة وكولومبيا.

    وينتهي المقطع الذي شاركه أيضا حساب كأس العالم التابع للاتحاد الدولي (فيفا)، برسالة تقول “نحن جاهزون!”.

    ومن المقرر إصدار الأغنية رسميا في 14 مايو، وتم إنتاجها بالتعاون مع الفنان النيجيري بورنا بوي.

    وترتبط المغنية العالمية بعلاقة طويلة مع كأس العالم، إذ قدمت عروضا في نهائيي مونديالي 2006 و2014، إضافة إلى إنتاجها نشيد مونديال جنوب أفريقيا 2010 “واكا واكا”.

    إقرأ الخبر من مصدره