Étiquette : أحمد الطلحي

  • ترسانة قانونية مقابل موارد ضعيفة.. فاجعة فاس ترفع الستار على إخفاقات الوقاية العمرانية بالمغرب

    محمد عادل التاطو

    أعادت فاجعة انهيار بنايتين سكنيتين بمدينة فاس، والتي أودت بحياة 22 شخصا، بينهم أطفال ونساء، وإصابة 16 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة، ملف الدور الآيلة للسقوط إلى صدارة النقاش العمومي، خاصة مع تكرار مثل هذه الحوادث في مدن مختلفة، على رأسها فاس والدار البيضاء.

    الحوادث من هذا النوع ليست استثناء في المغرب، فملف المباني المهددة بالانهيار احتل الأولويات التشريعية والقانونية منذ سنوات، حيث أسست الدولة وكالة وطنية متخصصة لمجابهة هذه الظاهرة وتفعيل قانون المباني الآيلة للسقوط، لكن السؤال المطروح بقوة بعد فاجعة فاس: لماذا تستمر الخسائر البشرية رغم وجود مؤسسات وترسانة قانونية؟.

    وتشير أرقام الحكومة إلى أن عدد المباني المهددة بالانهيار تتجاوز 42 ألف وفق عملية الرصد لسنة 2024، بينها حوالي 16 ألف بناية خضعت للخبرة التقنية، وفق ما كشفته الوكالة الوطنية للتجديد الحضري وتأهيل المباني الآيلة للسقوط، في وقت سابق.

    وعقب فاجعة فاس، استنفرت وزارة الداخلية ولاة الجهات وعمال الأقاليم من أجل جرد البنايات الآيلة للسقوط وتحديد مواقعها وحالاتها التقنية، وتحيين اللوائح الحالية للمنازل المهددة بالسقوط، ورفع تقارير تقنية إلى المصالح المركزية، حسب كل جهة، من أجل اتخاذ القرارات المناسبة.

    ويعرف القانون رقم 94.12، المتعلق بالمبانى الآيلة للسقوط وعمليات التجديد العقاري، المبنى الآيل للسقوط بأنه بناية أو منشأة كيفما كان نوعها يمكن لانهيارها الكلي أو الجزئي أن يترتب عنه مساس بسلامة شاغليها أو مستغليها أو المارة أو البنايات المجاورة وإن كانت غير متصلة بها.

    إقرأ أيضا: مجلس حقوق الإنسان يدعو لنشر نتائج التحقيق في فاجعة فاس

    ووفق القانون ذاته، فإن البنايات المهددة بالانهيار هي، كذلك، “كل بناية أو منشأة لم تعد تتوفر فيها ضمانات المتانة الضرورية بسبب ظهور اختلالات بأحد مكوناتها الأساسية الداخلية أو الخارجية أو بسبب تشييدها على أرض غير آمنة من التعرض للمخاطر”.

    في هذا السياق، قال أحمد الطلحي، الخبير في البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية، إن المغرب راكم تجربة طويلة في معالجة الدور الآيلة للسقوط والبنايات المتدهورة، معتبرا أن الإشكال الأساسي لا يكمن في غياب الخبرة التقنية، بل في ضعف الإمكانيات المادية والبشرية المرصودة لهذا الورش الحساس.

    وأوضح الطلحي في تصريح لجريدة “العمق”، أن من بين أبرز التجارب المرجعية في هذا المجال، تجربة وكالة التنمية ورد الاعتبار لمدينة فاس، التي انطلقت منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي، تحت إشراف المهندس عبد اللطيف الحجامي، مؤسس المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية بالرباط، والتي شكلت نموذجا متقدما في التعامل مع تدهور البنايات داخل المدن العتيقة.

    إقرأ أيضا: المنازل الآيلة للسقوط.. كيف يحدد القانون المسؤوليات ويحمي الحقوق؟

    وأضاف الخبير العمراني أن التجربة الثانية، والأحدث عهدا، تتمثل في الوكالة الوطنية للتجديد الحضري وتأهيل المباني الآيلة للسقوط، التي تعنى بمختلف أنواع البنايات، سواء التاريخية أو الحديثة.

    وشدد الطلحي على أن التجربة موجودة، والخبرة التقنية متوفرة، غير أن التحدي الحقيقي، بحسب تعبيره، يتمثل في ضرورة رصد اعتمادات مالية كافية، وتعميم هذه الخبرات على المقاولات ومكاتب الدراسات، بما يضمن تدخلات ناجعة وسريعة، خاصة في المناطق الأكثر هشاشة.

    وبخصوص تحديد أولويات التدخل، لا سيما داخل الأنسجة العمرانية العتيقة، أوضح الطلحي أن ذلك يخضع لمجموعة من المعايير الدقيقة، في مقدمتها الحالة الفيزيائية للبناية ومستوى تدهورها، ثم قيمتها المعمارية، والثقافية والفنية، إضافة إلى قيمتها التاريخية، حيث تقيّم هذه العناصر وفق درجات محددة تبنى عليها قرارات التدخل.

    إقرأ أيضا: بن إبراهيم يكشف “الخطأ” في فاجعة فاس ويعتبر دور وكالة التجديد الحضري “غير مفهوم”

    وأشار في هذا الإطار إلى وجود أربعة أنماط رئيسية للتدخل، تشمل التجديد عبر الهدم الكلي أو الجزئي وإعادة البناء، والتدعيم من خلال تقوية العناصر البنيوية، ورد الاعتبار عبر الإصلاح والتجهيز، ثم الترميم، الذي وصفه بعمليات “دقيقة أشبه بالجراحة” تهدف إلى الحفاظ على الخصائص الأصلية للبناية وموادها وعناصرها المعمارية.

    وشدد الخبير على أن أولوية جميع هذه التدخلات يجب أن تمنح للسكان القاطنين، من خلال إعادة إسكانهم مؤقتا في بنايات لائقة، وإرجاعهم بعد انتهاء الأشغال إلى مساكنهم الأصلية، أو إعادة توطينهم عند الاقتضاء في إطار ما يعرف بعملية التخفيض من الكثافة السكانية، تفاديا لتكرار مآسي إنسانية كتلك التي شهدتها مدينة فاس.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • رحلة العمر: من مأساة 1445 إلى انضباط 1446.. موسم يمهد لمضاعفة الحجاج إلى 5 ملايين (الحلقة 17)

    أحمد الطلحي

    سلسلة رحلة العمر.. انطباعات حاج مغربي

    الحج ليس مجرد سفر أو تنقل بين شعائر وأمكنة، بل هو عبور روحي عميق يعيد صياغة علاقة المسلم بربه ونفسه والعالم من حوله، فمنذ أن نادى الخليل إبراهيم عليه السلام في الناس بالحج، ظل هذا الركن العظيم يجمع المسلمين من كل فج عميق، في مشهد مهيب تتجلى فيه وحدة الأمة ومساواتها أمام الله.

    في هذه السلسلة التي تنشرها جريدة “العمق”، يوثق الحاج المغربي أحمد الطلحي، المنحدر من مدينة طنجة والخبير البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية، تفاصيل رحلته إلى الديار المقدسة خلال موسم 1446 هـ، بعد سنوات طويلة من الانتظار والدعاء.

    بين الشوق قبل السفر، والسكينة في المشاعر، والمواقف المؤثرة في عرفات والطواف، يقدم الطلحي شهادة صادقة وتأملات روحية وإنسانية وتنظيمية، يشارك من خلالها القارئ مواقف لا تُنسى، ونصائح قد تعين المقبلين على هذه الفريضة العظيمة.

    ـــــــــــــ

    الحلقة 17: 

    1- تذكير بأحداث موسم 1445:

     في هذا الموسم، وربما لأول مرة، كان عدد الوفيات من جراء ارتفاع درجات الحرارة هو الأكبر، مقارنة بالماضي. فحصيلة الوفيات المرتفعة في السابق كانت في الغالب نتيجة حوادث الازدحام أو الحرائق. 

    فوفقًا لتقارير رسمية، توفي 1301 حاج خلال موسم الحج 1445، وقدرت تقارير غير رسمية أن عدد الوفيات وصل إلى 1426. وكانت معظم هذه الوفيات نتيجة لارتفاع درجات الحرارة في مكة التي تجاوزت 50 درجة مئوية.

    وكان أغلب المتوفين من الحجاج غير النظاميين، الذين يحجون بدون ترخيص، ويدخلون إلى المشاعر المقدسة على الأقدام وبعيدا عن الطرق والشوارع، مخافة الوقوع في الأسر من قبل الأمن، وحسب وزير الصحة السعودي تصل نسبتهم إلى 83 بالمائة.

    وأغلب الحجاج غير النظاميين كما هو معلوم من المقيمين في السعودية، خصوصا المصريين الذين كانوا هم أكثر الضحايا إذ تجاوز عددهم 660 متوفيا.

    وبالنسبة للحجاج المغاربة لم تسجل أية حالة وفاة في هذه الحوادث، حسب تصريح وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربي لوكالة المغرب العربي للأنباء بتاريخ 21 يونيو 2024، وهذا أمر طبيعي لأن كل الحجاج المغاربة هم حجاج نظاميون.

     

    2- تنظيم جيد لموسم حج 1446:

    مقارنة مع المواسم السابقة، كان تنظيم الحج لعام 1446 جيدا بشهادة الجميع، فلم تسجل أحداث كبيرة ولا عدد كبير من الأرواح والمتضررين.

    وتفاديا لتكرار فاجعة موسم 1445، اتخذت السلطات السعودية مجموعة من الإجراءات الفعالة والصارمة، وهو ما انعكس بالإيجاب على تنظيم الحج لموسم 1446. فحسب وكالة الأنباء السعودية، سجلت وزارة الصحة انخفاضًا بنسبة 90 بالمائة في عدد حالات الإجهاد الحراري بين الحجاج هذا الموسم مقارنة بالعام الماضي.

     وأهم هذه الإجراءات ما يتعلق بمحاربة ظاهرة الحجاج غير النظاميين الذين يشكلون دائما غالبية الحجاج، وهي كانت كالتالي:

    – سن قوانين رادعة:

    بحيث تم تغليظ العقوبات على الحجاج غير الرسميين وعلى كل من ساعدهم في ذلك، من غرامات مالية كبيرة تصل إلى 50 ألف ريال سعودي، والسجن لمدة قد تصل إلى ستة أشهر، والترحيل من السعودية والمنع من دخولها لمدة قد تصل إلى عشرة أعوام.

    – تنظيم حملة إعلامية واسعة تحت شعار “لا حج بدون تصريح”:

    ففي كل وسائل الإعلام وفي اللوحات الإعلانية في الشوارع والساحات العمومية وعبر الرسائل النصية في الهواتف، انتشرت وبشكل مكثف وصلة إعلانية بعبارة “لا حج بدون تصريح”. والهدف من هذه الحملة الإعلامية هو أن يتوفر كل من يرغب في أداء فريضة الحج، من المواطنين السعوديين والمقيمين، على تصريح رسمي من الجهات المختصة.

    – دعم هيئة كبار العلماء للقرار:

    حيث أصدرت الهيئة بيانا بتاريخ 26 أبريل 2024، أوضحت فيه أن أداء الحج بدون تصريح مخالفة يتعدى ضررها إلى الآخرين، وإثمها أعظم: “إن الالتزام باستخراج تصريح الحج مستند إلى ما تقرره الشريعة الإسلامية من التيسير ‏على العباد، في القيام بعبادتهم وشعائرهم ورفع الحرج عنهم، والإلزام باستخراج تصريح الحج إنما جاء بقصد تنظيم عدد الحجاج بما يمكن هذه الجموع الكبيرة من أداء هذه الشعيرة بسكينة وسلامة وهذا مقصد شرعي صحيح تقرره أدلة الشريعة وقواعدها.. وكلما كان عدد الحجاج متوافقًا مع المصرح لهم كان ذلك محققًا لجودة الخدمات التي تقدم للحجاج، ويدفع مفاسد عظيمة من الافتراش في الطرقات الذي يعيق تنقلاتهم وتفويجهم وتقليل مخاطر الازدحام والتدافع المؤدية إلى التهلكة.. الحج بلا تصريح لا يقتصر الضرر المترتب عليه على الحاج نفسه وإنما يتعدى ضرره إلى غيره من الحجاج الذين التزموا بالنظام، ومن المقرر شرعًا أن الضرر المتعدي أعظم إثمًا من الضرر القاصر..”.

    – تعزيز الحملة الأمنية لملاحقة المخالفين لقانون الترخيص للحج:

    ولقد حققت نتائج مهمة، فحسب مدير الأمن العام ورئيس اللجنة الأمنية للحج، أبعدت قوات الأمن أكثر من 205 ألف شخص من مكة المكرمة كانوا يريدون الحج بدون تصريح، وتم ضبط أكثر من 415 مكتبًا وهميًا للحج، وأن قوات الأمن أعادت أكثر من 269 ألف شخص لم يحملوا تصاريح حج، كما تم تطبيق عقوبات على أكثر من 75 ألف مخالف لأنظمة الحج، وتم ضبط 1239 شخصًا حاولوا نقل حجاج غير نظاميين، كما تمت إعادة 110 آلاف سيارة من مداخل مكة لنقلها حجاجًا غير مصرح لهم.

    – تعميم وإجبارية حمل الحجاج لبطاقة “نسك”:

    “بطاقة نسك هي بطاقة تعريفية ذكية تُمنح لحجاج بيت الله الحرام، تحتوي على معلوماتهم الشخصية والطبية، وتسهل عليهم خدمات الحج وتعزز الأمن والسلامة. تُصدر هذه البطاقة من قبل وزارة الحج والعمرة السعودية، وتتوفر بنسختين: رقمية على تطبيق نسك، ومطبوعة تُسلم للحاج”. 

    وأهمية البطاقة، بحسب السلطات السعودية، تكمن في: 

    ” – تسهيل التنقل والإرشاد

    – تُمكن الحجاج من التنقل بسهولة بين المشاعر المقدسة ومناطق مكة المكرمة 

    – تحسين الخدمات

    – تُسرع إجراءات الخدمة وتقدم المساعدة للحاج في حالات الطوارئ أو الضياع 

    – تأكيد نظامية الحاج

    – تثبت أحقية الحاج في أداء المناسك، وتسهل على الجهات المعنية تقديم الخدمات 

    – التحقق من الهوية

    – تساعد في التعرف على الحجاج وتحديد هويتهم بسرعة”. 

    وعمليا، لم تطلب هذه البطاقة منا، سواء في مكة أو في المشاعر، ربما لأن الهدف منها وهو منع الحجاج غير الرسميين قد تحقق بالوسائل الأخرى.

     

    3- مقترحات لتطوير وتجويد تنظيم موسم الحج:

    من خلال ملاحظاتي الميدانية، ومن أجل تيسير الحج أكثر، أرى بأنه يستحسن القيام بعدد من الإجراءات والإصلاحات التي لن تعجز السلطات السعودية إن شاء الله على تحقيقها بما لها من إرادة قوية ودائمة للإصلاح والتجويد، ومن إخلاص وتفان في خدمة ضيوف الرحمان، وبما عرف عليها من سخاء في الإنفاق على تعظيم الأماكن المقدسة، ولما تملكه من عقول خلاقة. 

    وتتمثل هذه الإجراءات والإصلاحات في الآتي:

    1.3- على مستوى المسجد الحرام والخدمات الدينية:

    أصبح النظر إلى الكعبة غير ميسر بشكل واسع، والنظر إليها عبادة أيضا. وعليه أقترح إزالة أقواس وتوسيع فتحة باب الملك عبد العزيز، حتى يتمكن الحجاج من رؤية الكعبة من الساحة المجاورة. وكذلك إزالة كل الحواجز الداخلية في المسجد التي تمنع من رؤية الكعبة من جميع الطوابق والاتجاهات.

    كما أن الطواف في الطوابق العليا وفي السطح يحتاج للتشوير خصوصا إشارة بلوغ الركن اليماني.

    وأقترح كذلك أن يتم تثبيت المظلات الضخمة في الساحات المحيطة بالمسجد الحرام وفي أسطحه، مثل المظلات الموجودة في المسجد النبوي.

    وأرى أن يتم الاحتفاظ بالمنطقة الشمالية للمسجد فارغة حتى تحتضن التوسعة القادمة إن شاء الله.

    وبالنسبة للخدمات الدينية، يرجى من السلطات الدينية المزيد من التسامح والانفتاح، وأقترح في هذا المجال:

    – العمل على توفير المصاحف بالقراءات الأخرى، خصوصا قراءة ورش، وكذلك ترجمات معاني القرآن الكريم بمختلف اللغات

    – السماح للمرشدين والوعاظ التابعين لبعثات الحج بتقديم الدروس والإرشادات لحجاج بلدانهم. ولقد عاينت منع مرشد تابع للبعثة المغربية من إلقاء الدروس في الفندق الذي كنا نقيم فيه

    – استقدام كبار القراء من مختلف البلدان الإسلامية للإمامة في المسجد الحرام والمسجد النبوي خلال موسم الحج، كما يتم ذلك بشكل محدود خلال فترات السنة

    – السماح للنساء بزيارة مقبرة البقيع، وعدم حرمانهن من أجرها، على أن تخصص لهن مواعيد مخالفة لمواعيد زيارة الرجال.

    2.3- اقتراح أشغال تهيئة في منى:

    في منطقة الجمرات هناك ضعف في التشوير، وأقترح وضع لوحات إرشادية بالنسبة لكل جمرة من الجمرات الثلاث، بالإضافة إلى لوحات تذكر الحجاج بما يسن العمل به فيها.

    كما لا بد من تقليص مسافة الطريق التي يقطعها الحجاج ذهابا وإيابا لرمي الجمرات، والتي قدرتها بحوالي 9 كلم، وذلك تخفيفا على كبار السن والمرضى من الحجاج.

    كذلك ضرورة تهيئة أماكن لوقوف الحافلات في منى كما هو الأمر في عرفات، فالملاحظ أنه تقع فوضى على الطريق المؤدية إلى مكة بسبب ركن الحافلات على جانبيها.

    3.3- تحسين الإقامة في الحرمين والمشاعر المقدسة:

    ينبغي التنويه بالعمليات الكبيرة التي تهم القضاء على البناء العشوائي في الحرم المكي، وكذلك بعمليات التجديد الواسعة للفنادق حيث يتم هدم الفنادق القديمة وبناء فنادق ضخمة بطاقة استيعابية كبيرة وبمرافق جيدة.

    ومن الأمور التي أرى أنها ضرورية لتحسين الإقامة في فنادق مكة المكرمة والمدينة المنورة، هو تخفيض عدد المقيمين في الغرف بتعميم فقط الغرف الثنائية، ومنع الغرف الثلاثية والرباعية والخماسية (وربما هناك غرف يكون فيها أكثر من خمسة أشخاص). وسيساهم هذا التخفيض من تقليل المشاكل التي تقع بين الحجاج والمعتمرين المتساكنين لغرفة واحدة، ويحد بنسبة مهمة من انتقال الأمراض بين الحجاج، ويحول دون تفريق الأزواج عن زوجاتهم والأولاد عن آبائهم أو أمهاتهم… ولقد حكى لي حاج شاب مغربي أن المنظمين منعوهم من الإقامة في غرفة واحدة هو وأخوه ووالديهما بدون أي مبرر شرعي أو منطقي. وهذا الإجراء يقتضي مضاعفة أعداد الغرف وأعداد الفنادق، خصوصا في مكة المكرمة، وهو أمر ممكن مع عمليات التجديد القائمة، ومع إمكانية تعمير المناطق الخالية الواسعة والقريبة من المسجد الحرام. 

    أما في منى وعرفات، فلا بد من الانتقال من المخيمات إلى البناء العمودي، من أجل تحسين ظروف الإقامة من جهة، ومن جهة ثانية، من أجل استيعاب أكبر عدد ممكن من الحجاج في المستقبل. فالظروف الحالية في المخيمات سيئة جدا بشهادة الجميع، وليس هناك إمكانية للتحسين. وبالإقامة في البنايات بدل الخيم ولو بكثافة مرتفعة، ستكون الأحوال أفضل، ويمكن المساواة نوعا ما مع الحجاج الذين يقيمون في الفنادق والإقامات حاليا بدل الخيام.

    كما أنه لا بد من حل معضلة النزول والمبيت في مزدلفة، فكما هو معلوم من الواجب المبيت في هذا المشعر، أو النزول فيه على الأقل لمدة قصيرة لأصحاب الرخص الشرعية لأداء صلاتي المغرب والعشاء جمعا وقصرا وجمع الحصيات. وذلك، بتهيئة المزيد من الطرقات والساحات، في كل المجال الترابي لمزدلفة، لاستيعاب الملايين من الحجاج. 

    4.3- ضرورة الاهتمام أكثر بالمزارات:

    توجد مواقع تاريخية ومعالم أثرية مهمة بكل من مكة المكرمة والمدينة المنورة وبالمشاعر المقدسة وفي أماكن أخرى متفرقة، إما لا يعرفها الزوار، أو يصعب الوصول إليها، أو أنها في حالة غير مناسبة. وعليه لا بد العناية بها وترميمها وتهيئتها أولا، والترويج لها ثانيا، وبرمجتها في رحلات منظمة ثالثا. 

    5.3- تيسير التنقل على الأقدام بين المشاعر المقدسة:

    من الملاحظ أن نسبة كبيرة من الحجاج تفضل الانتقال مشيا على الأقدام بين المشاعر المقدسة. وهناك طريق مخصصة لذلك تسمى طريق المشاة والمعروفة أيضا بـ “طريق المشاعر المقدسة”، والتي تربط بين عرفات ومنى، مرورا بمزدلفة. هذه الطريق عرفت مؤخرا عددا من أشغال التهيئة، ولكنها لا زالت تحتاج للمزيد من التحسين والتوسعة، والربط الكامل بين المشاعر المقدسة والمسجد الحرام.

    وحاليا تمتد الطريق على مسافة تزيد عن 25 كيلومترًا، مما يجعلها من أطول طرق المشاة في العالم، حسب صحيفة الوطن. وتتكون من أربعة مسارات مجهزة “بأحدث المواصفات والخدمات لتيسير حركة الحجاج، بما في ذلك بلاط “الإنترلوك”، وكراسي للاستراحة، ومظلات لوقاية الحجاج من الشمس، وأعمدة الرذاذ لتلطيف الأجواء، ولوحات إرشادية، وأعمدة إنارة عالية التقنية، وكشافات، وسلات المهملات.. وممرًا خاصًا لذوي الاحتياجات الخاصة، وحواجز خرسانية لمنع دخول المركبات”.

    6.3- النقل الأخضر، البديل المقترح لمشاكل التنقل داخل مكة المكرمة:

    لحل مشكل الازدحام المروري داخل مكة المكرمة، ولتأمين نقل سريع ومريح للحجاج والمعتمرين، وللحفاظ على البيئة وعلى صحة الحجاج والمعتمرين والمقيمين من التلوث بجميع أنواعه، خصوصا التلوث السمعي والتلوث الغازي الذي تنتجه مختلف وسائل النقل الحالية، لا بد من التفكير الجدي والحاسم في توفير نقل صديق للبيئة.

    بالإضافة إلى وسائل النقل البديلة، لا بد من تعبيد طرق وبناء منشئات فنية من قناطر وأنفاق، تكون مخصصة بالأساس للمشاة. ففي الشوارع الرئيسية المؤدية إلى المسجد الحرام مثل شارع إبراهيم الخليل وشارع أجياد والشارع المؤدي إلى جبل الكعبة، يمكن بناء أجزاء من هذه الشوارع من طابقين أو أكثر، يخصص طابق للمشاة وآخر للمركبات.

    أما بالنسبة لوسائل النقل الجماعية الصديقة للبيئة والتي ستكون أفضل بديل لوسائل النقل العادية، أقترح كلا من القاطرات المعلقة والقطار المغناطيسي المعلق والترامواي:

    – القاطرات المعلقة:

    القاطرة المعلقة المعروفة أكثر ب”تلفريك”، وهي وسيلة نقل تعمل بالكهرباء، وتستعمل في المناطق الوعرة في الجبال والمرتفعات، كما تستعمل داخل المدن. وتتراوح حمولتها ما بين 8 إلى 60 راكبا كما هو الشأن بالنسبة لتلفريك كابريو بسويسرا. أما سرعته فقد تصل إلى 150 كلم في الساعة كما هو الشأن بتلفريك دبي.

    وإنجاز واستعمال التلفريك في مكة المكرمة لن يكون صعبا، بسبب انتشار هذه الوسيلة في عدد من المناطق داخل السعودية، فهي موجودة في أبها والطائف، باستخدام سياحي أساسا.

    كما أقترح إنجاز خطوط للتلفريك، لتيسير زيارة كل من غار حراء وغار ثور، لوقوعهما في قمة جبلين، يصعب على أغلب الحجاج والمعتمرين الوصول إليهما.

    – القطار المغناطيسي المعلق:

    وهو يعرف اختصارا ب”الماجليف”، وهو بإمكانه أن ينقل أعدادا كبيرة من الركاب في كل رحلة، فمثلا قطار شنغاي في الصين ينقل 574 راكبا، أي أكثر من أي وسيلة نقل تقليدية. ورحلاته كذلك أسرع من أية وسيلة نقل أخرى فسرعته يمكن أن تصل إلى 600 كلم في الساعة.

    – الترامواي:

    الترامواي هو عبارة عن وسيلة نقل مثل القطار تسير على سكة حديدية، لكنها تعبر نفس الشوارع التي تستعملها السيارات. وأغلب أنظمة الترامواي تشتغل بالكهرباء، مما يجعلها صديقة للبيئة. بالإضافة إلى أنها تنقل أعدادا كبيرة من الأشخاص في كل رحلة، وأسرع من الحافلات العمومية.

    7.3- نحو مشروع الحرم الأخضر والمشاعر المقدسة الخضراء:

    لماذا لا نفكر في حرم أخضر ومشاعر مقدسة خضراء، تستعمل فيها فقط الطاقات النظيفة المتجددة في إنتاج الكهرباء والنقل وفي تشغيل محطات معالجة المياه العادمة ومحطات تحلية مياه البحر، وتعميم التشجير على الطرقات وفي الحدائق والساحات العمومية…

    وهنا يجب التنويه بمبادرة السعودية الخضراء التي انطلقت في عام 2021 “بهدف مكافحة تغير المناخ ورفع مستوى جودة الحياة وحماية كوكب الأرض للأجيال القادمة”، مع تسجيل بعض الملاحظات على بعض مشاريعها.

     

    4- مقترحات لمضاعفة عدد الحجاج:

    حسب الهيئة العامة للإحصاء في السعودية، بلغ عدد الحجاج في موسم 1446 ما مجموعه 1,673,230 حاجًّا وحاجَّة، منهم 166,654 من داخل السعودية من المواطنين والمقيمين. وكما هو معلوم يتم تخصيص حصة لكل دولة إسلامية وللمسلمين في الدول غير الإسلامية، بنسبة 1 في الألف من إجمالي السكان. لكن في الواقع، يُقدر عدد المسلمين في العالم بحوالي ملياري نسمة، أي ربع سكان العالم، وعليه كان من المفترض أن يكون عدد الحجاج هو مليوني حاج مضافا إليها عدد حجاج السعودية. لذلك ينبغي الرفع من عدد الحجاج اعتمادا على الإحصائيات المحينة.

    مثلا عدد الحجاج المغاربة لموسم 1446 هو 34 ألف حاج وحاجة، منهم 22 ألف و400 من التنظيم الرسمي الذي تشرف عليه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، و11 ألف و600 من تنظيم وكالات الأسفار والسياحة. بينما عدد السكان القانونيين للمغرب حسب نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 هو 36.828.330 نسمة، أي أنه ينبغي أن تكون حصة الحجاج المغاربة هي 36800 حاج، بمعنى أقل ب2800 حاج.

    وكما هو منتشر في معظم الدول الإسلامية، عدد طلبات الحج تكون أضعاف عدد المقاعد المخصصة لها. فمثلا في المغرب، بالرغم من عدم وجود أرقام رسمية عن عدد المغاربة المشاركين في قرعة الحج كل سنة، لكن وحسب متابعاتي، عددهم يزيد على الأقل بعشرة أضعاف عدد المقاعد.

    لذلك وجب الرفع من عدد الحجاج، ولما لا مضاعفته، للاستجابة لطلبات المسلمين المتزايدة كل عام، لعدة أسباب، أهمها: انتشار التدين، وارتفاع مستوى الدخل، والتقدم الكبير في وسائل النقل وتراجع أسعارها…

    والسلطات السعودية واعية بموضوع الزيادة في عدد الحجاج، وتعمل من أجل ذلك. وحسب وكالة الأنباء السعودية نقلا عن أمير منطقة مكة المكرمة، فإن الدراسات المتعلقة بمشروع تطوير المشاعر المقدسة التي انطلقت في عام 2018، قد أصبحت جاهزة، وأن مشروع التطوير يهدف لاستيعاب 5 ملايين حاج مستقبلا. وتضمن المشروع اعتماد الحج الذكي وتطوير البنية التحتية للمشاعر.

    ولبلوغ هذا الهدف، أرى أنه لا بد من التوسعة العمودية فهي الخيار الاستراتيجي، وذلك ببناء الأبراج العملاقة، والانتهاء من نظام المخيمات.

    ـــــــــــ

    * أحمد الطلحي: إطار مغربي وخبير في البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية

    إقرأ الخبر من مصدره

  • رحلة العمر: بين الفنادق والخيام.. تجربة إقامة الحجاج المغاربة بالديار المقدسة (الحلقة 13)

    أحمد الطلحي

    سلسلة رحلة العمر.. انطباعات حاج مغربي

    الحج ليس مجرد سفر أو تنقل بين شعائر وأمكنة، بل هو عبور روحي عميق يعيد صياغة علاقة المسلم بربه ونفسه والعالم من حوله، فمنذ أن نادى الخليل إبراهيم عليه السلام في الناس بالحج، ظل هذا الركن العظيم يجمع المسلمين من كل فج عميق، في مشهد مهيب تتجلى فيه وحدة الأمة ومساواتها أمام الله.

    في هذه السلسلة التي تنشرها جريدة “العمق”، يوثق الحاج المغربي أحمد الطلحي، المنحدر من مدينة طنجة والخبير البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية، تفاصيل رحلته إلى الديار المقدسة خلال موسم 1446 هـ، بعد سنوات طويلة من الانتظار والدعاء.

    بين الشوق قبل السفر، والسكينة في المشاعر، والمواقف المؤثرة في عرفات والطواف، يقدم الطلحي شهادة صادقة وتأملات روحية وإنسانية وتنظيمية، يشارك من خلالها القارئ مواقف لا تُنسى، ونصائح قد تعين المقبلين على هذه الفريضة العظيمة.

    ـــــــــــــ

    الحلقة 13: بين الفنادق والخيام.. تجربة إقامة الحجاج المغاربة بالديار المقدسة

    بالمقارنة مع ظروف إقامة الحجاج المغاربة في الديار المقدسة، فلا يسع الملاحظ إلا أن يعترف بالتحسن الكبير الذي لوحظ في السنوات الأخيرة لها. ففي المدينة المنورة أغلب الفنادق التي يقيم فيها الحجاج المغاربة محيطة بالمسجد النبوي، كما أن أغلب الفنادق بمكة المكرمة لا تبعد كثيرا عن المسجد الحرام. والتغذية كانت في السابق منعدمة، واليوم أصبحت معممة داخل الفنادق وفي المخيمات، خصوصا وجبتا الفطور والغذاء. لكن، لا تزال هناك مجهودات مطلوبة من أجل التحسين أكثر، خصوصا في مخيمات عرفات ومنى. 

    1- ظروف الإقامة في المدينة المنورة:

    كل فنادق الحجاج المغاربة هي فنادق مصنفة، وبها خدمات لا بأس بها، مع تفاوت فيما بينها.

    بالنسبة للفندق الذي نزلنا فيه، بالرغم من قربه من المسجد النبوي، كانت خدماته وفضاءاته وتجهيزاته أقل جودة من الفنادق الأخرى التي نزل بها الحجاج المغاربة. وتبين لنا فيما بعد بأنه تم تغيير فندقنا قبل وصولنا بمدة قليلة، وأن الفندق الذي كان مخصصا لنا كان أفضل بكثير، لذلك على السلطات المغربية أن تراعي هذا الأمر عند التعاقد مع الفنادق. 

    كان أول مشكلة عانينا منها عند وصولنا للفندق، هو توزيع الحجاج على الغرف وتسليم مفاتحها لهم، إذ تطلب ذلك وقتا طويلا لساعات أدى إلى إرهاق الحجاج كثيرا وإلى تشنجات كثيرة. وكانت هناك عدة تفاسير لهذه المشكلة، لكننا لم نتفهمها ولم نقبلها، لأن العملية بسيطة ولم تكن تحتاج لكل الجهد والوقت الذين صرف لها.  

    ومما عانيناه من مشاكل في هذا الفندق، والتي ينبغي الانتباه إليها في اختيار الفنادق، ما يلي:

    – ضيق البهو الوحيد للفندق، بحيث لم يكن يتسع لأعداد كبيرة من الحجاج

    – ضيق المطعم الوحيد للفندق، بحيث كان هناك تفويج للحجاج، وكنا ننتظر في الطابور لمدة طويلة، بالإضافة إلى ازدحام الموائد والكراسي

    – قلة المصاعد وصغرها، ولتفادي الانتظار الطويل كان الحجاج يضطرون لاستعمال السلم

    – ضيق مساحة الغرف وضعف جودة تجهيزاتها

    – سلم للحجاج مفتاح واحد لكل غرفة، مما تسبب في مشاكل كثيرة لهم

    – الطعام المقدم في الوجبتين، بالرغم من وفرته كما، إلا أنه لم يراع حمية المرضى، وكما هو معلوم أغلب الحجاج من كبار السن الذين يعانون من الأمراض المزمنة. كما أن الأكلات لم تكن مغربية وبالتالي لم ترق لأغلب الحجاج.

    2- ظروف الإقامة في مكة المكرمة:

    نفس المشكلة تكررت حين وصولنا إلى فندق مكة، وهي مشكلة توزيع الغرف، التي أدت أيضا إلى ضياع وقت طويل وإلى إرهاق وتشنج. وهناك من الحجاج من لم يستلم مفتاح غرفته إلا بعد ساعات من الوصول إلى الفندق. كما أنه وقع تغيير غير مفهوم للأفراد الذين كانوا في غرفة واحدة في المدينة المنورة.

    وكان من حظنا السيء أن الفندق الذي نزلنا فيه كان بعيدا بعض الشيء عن المسجد الحرام، بالرغم من وجود حافلات تابعة للفندق تنقل الحجاج منه إلى المسجد والعكس، إلا أن مدة رحلاتها كانت طويلة. لذلك كنا نفضل الذهاب إلى المسجد راجلين، ولكن بسبب الحرارة المرتفعة لم نكن نستطيع أن نذهب في كل الأوقات، ونصلي فقط في مصليات الفندق الكثيرة.

    لكن، في الواقع كان الفندق فخما، وجميع خدماته وتجهيزاته ممتازة، ويتميز باتساع فضاءاته ومرافقه ونظافتها، وبكثرة المصاعد التي كانت كبيرة وسريعة. الفندق كبير وضخم فهو يتكون من 9 أبراج وكل برج مكون من 35 طابق علوي إضافة إلى الطابق الأرضي وطابقين تحت أرضيين فوقهما ميزانين، والطابق الأول مخصص لقاعات الصلاة وأماكن الوضوء للرجال والنساء، والطابق الثاني مخصص للاجتماعات واللقاءات، والطابقين الثالث والرابع عبارة عن مطاعم، ومن الطابق الخامس إلى الطابق ال35 مخصصة للغرف، في كل طابق 16 غرفة وفي كل غرفة أربع أسرة والمجموع هو حوالي 18 ألف سرير.

    بالنسبة للطعام، فهو كان متنوعا وبكميات كبيرة لكنه لم يكن يناسب المغاربة، وحتى الأكلات المغربية لم تكن تعجبنا لاستعمال التوابل والبهارات الآسيوية القوية. لذلك، على السلطات المغربية أن تفرض تقديم الأكلات المغربية وبكيفية الطهي المغربية، وهذا ما لاحظناه معمولا به بالنسبة للحجاج الماليزيين والإندونيسيين.

    3- ظروف الإقامة في عرفات:

    المخيم المغربي بعرفات كأغلب مخيمات الدول الأخرى، يتصف بالبساطة والاكتظاظ. كل خيمة كانت تضم المئات من الحجاج، وعانينا من شدة الحرارة داخل الخيمة بالرغم من وجود المكيفات التي كان يرفض عدد من الحجاج تشغيلها. بالنسبة لي، لم أنم جيدا ليلة عرفات بالرغم من الإرهاق، وذلك للأسباب التالية: الحرارة المرتفعة، والازدحام الكبير، وحديث الحجاج فيما بينهم بصوت عال، والمصابيح التي رغب أغلب الحجاج في بقائها مشتعلة.

    ويرى عدد من الحجاج، وأنا واحد منهم، أن المبيت في عرفة بدل منى ليلة التاسع من ذي الحجة، لم يكن قرارا موفقا أو لم تهيأ الظروف له جيدا. فالاكتظاظ داخل الخيام كان كبيرا، والأفرشة كانت عائقا للصلاة، بحيث كانت مخصصة للنوم والجلوس. وكل هذه المشاكل أثرت على القيام بمناسك الوقوف في أحسن حال.

    يضاف إلى ذلك، المشكلة العويصة المتمثلة في قلة المراحيض مقابل الأعداد الكبيرة للحجاج، والمراحيض الموجودة كانت سيئة وغير نظيفة في غالب الأوقات أو خارج الخدمة. 

    وبالنسبة للتغذية، وزع علينا في كل وقت أكل بارد في صناديق كرتونية، بنفس الأطعمة التي لا تراعي شروط الحمية بالنسبة للحجاج المرضى بأمراض مزمنة. أما بالنسبة للماء، فقنينات الماء البارد كانت متوفرة بكثرة.

    وبالتالي لابد من تحسين شروط الإقامة كلية في عرفات، والتقويم الموضوعي لقرار المبيت في عرفات، ولما لا التراجع عنه.

    4- ظروف الإقامة في منى:

    أغلب الحجاج يقيمون في المخيمات في منى، مع وجود بعض الفنادق والإقامات تقيم فيها نسبة قليلة من الحجاج. والمخيمات تتكون من خيام مجهزة كبيرة، وممرات ضيقة، ومرافق صحية للنساء والرجال، ومطبخ في كل مخيم…

    الخيام كانت مكتظة وضيقة، بالرغم من توفير أسرة مركبة من طابقين، لدرجة كان يصعب توفير مساحة كافية للصلاة، وبعض الحجاج كانوا يصلون واقفين على أسرتهم العلوية.

    وكنا نجد صعوبة في النوم لنفس الأسباب التي كانت في مخيم عرفات.

    والمعضلة الكبرى كانت طبعا قلة المراحيض، بالرغم من المجهودات التي بذلت في تجهيزها ونظافتها، لكن عددها قليل بالنسبة للعدد الكبير للحجاج، وكان الحجاج يقفون لوقت طويل في الطوابير للدخول للمراحيض. ومن الظواهر السيئة التي عشناها في المخيم، هو دخول النساء في بعض الأحيان للمراحيض المخصصة للرجال.

    أما التغذية فكانت متوفرة، لكنها كانت سيئة لدرجة أن نسبة من الحجاج لم تكن تتناولها. وفي اليوم الأول يوم النحر سجل ارتباك كبير في توزيع الطعام، لدرجة أن بعض الحجاج لم يصله نصيبه، والبعض الآخر لم يحصل على الفاكهة. لكن، بعد ذلك تم تجاوز هذا الإشكال، وبالعكس كان الطعام متوفر بكثرة لدرجة أنه كان يتم إرجاع كميات كبيرة منه.  

    والحل الوحيد في نظري لعلاج مسألة الاكتظاظ في منى، هو البناء العمودي بدل المخيمات.

    ـــــــــــ

    * أحمد الطلحي: إطار مغربي وخبير في البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية

    إقرأ الخبر من مصدره

  • رحلة العمر: طواف الإفاضة ووداع الكعبة والعمرة الثانية.. لحظات روحانية خالصة (الحلقة 9)

    أحمد الطلحي

    سلسلة رحلة العمر.. انطباعات حاج مغربي

    الحج ليس مجرد سفر أو تنقل بين شعائر وأمكنة، بل هو عبور روحي عميق يعيد صياغة علاقة المسلم بربه ونفسه والعالم من حوله، فمنذ أن نادى الخليل إبراهيم عليه السلام في الناس بالحج، ظل هذا الركن العظيم يجمع المسلمين من كل فج عميق، في مشهد مهيب تتجلى فيه وحدة الأمة ومساواتها أمام الله.

    في هذه السلسلة التي تنشرها جريدة “العمق”، يوثق الحاج المغربي أحمد الطلحي، المنحدر من مدينة طنجة والخبير البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية، تفاصيل رحلته إلى الديار المقدسة خلال موسم 1446 هـ، بعد سنوات طويلة من الانتظار والدعاء.

    بين الشوق قبل السفر، والسكينة في المشاعر، والمواقف المؤثرة في عرفات والطواف، يقدم الطلحي شهادة صادقة وتأملات روحية وإنسانية وتنظيمية، يشارك من خلالها القارئ مواقف لا تُنسى، ونصائح قد تعين المقبلين على هذه الفريضة العظيمة.

    ـــــــــــــ

    الحلقة التاسعة: طواف الإفاضة ووداع الكعبة والعمرة الثانية.. لحظات روحانية خالصة

    1- أنواع الطواف:

    هناك ثلاثة أنواع للطواف بالكعبة المشرفة وبينهم بعض الفروقات، فهناك الطواف الركن والطواف الواجب وطواف التطوع:

    – الطواف الركن:

    فهو ركن من أركان العمرة الثلاثة مع الإحرام والسعي بين الصفا والمروة. وهو أيضا ركن من أركان الحج الأربعة مع الإحرام والوقوف بعرفات والسعي، ويسمى طواف الإفاضة.

    – الطواف الواجب:

    ويتعلق الأمر بطواف القدوم الذي يقوم به الحاج عند قدومه على مكة، وهو بمثابة تحية للمسجد الحرام. وكذلك طواف الوداع الذي يكون آخر عمل يقوم به الحاج قبل مغادرة مكة المكرمة، لكنه مستحب عند المالكية.

    – طواف التطوع:

    وهو طواف غير مرتبط بنسك الحج والعمرة، فهو مثل صلاة النافلة. وهناك طواف النذر الذي يلزم به المسلم نفسه به إذا تحقق ما يريده. كما يسن للمسلم الطواف عند دخوله المسجد الحرام ويسمى طواف التحية مثل صلاة تحية المسجد.

    2- كيف أدينا طواف الإفاضة:

    طواف الإفاضة من أركان الحج كما تقدم، وسمي كذلك لأنه يكون بعد الإفاضة من عرفة ومزدلفة. وهو من أعمال يوم النحر، لكن يمكن تأخيره إلى ما بعد أيام التشريق، بل إلى آخر ذي الحجة. وهو بخلاف طواف العمرة، ليس فيه اضطباع ولا الرمل بل وبلا لباس الإحرام لمن تحلل التحلل الأصغر. وفيه طبعا بعد الطواف الدعاء عند الملتزم وصلاة ركعتي الطواف خلف مقام إبراهيم وشرب ماء زمزم، ثم بعد ذلك القيام بأداء الركن الأخير للحج وهو السعي بين الصفا والمروة.

    وبطواف الإفاضة والسعي بين الصفا والمروة يتحلل الحاج التحلل الأكبر، ويكون بذلك قد أنهى جميع أركان الحج، ولا يتبقى له إلا طواف الوداع.

    ولقد وفقنا الله تعالى أن قمنا بطواف الوداع يوم 13 ذي الحجة بعد صلاة العشاء، بالرغم من الازدحام الكبير، واستغرق الطواف مع السعي مدة ساعتين ونصف.

    ومباشرة بعد خروجنا من المسجد الحرام، اتجهنا إلى مكتب إحدى الجمعيات الأهلية وأدينا الفدية، ومقدارها هذا العام هو 120 ريالا لكل حاج، وهو ما يعادل 190 إلى 200 درهما حسب قيمة الصرف.

    وللأسف الشديد، الكثير من الحجاج لا يخرجون الفدية، بسبب الجهل في الغالب. ومن المعلوم أن الفدية هي عبارة عن كفارة عن ارتكاب محظورات الحج أو العمرة، وهي إطعام ستة مساكين، أما من أخل بالواجبات فالكفارة هي ذبح شاة. وإذا ارتكب الحاج عددا من المحظورات، فيلزمه إخراج فدية عن كل محظور. 

    وينفرد المذهب المالكي بإمكانية إخراج فدية واحدة عن جميع المخالفات التي ارتكبها الحاج بشرط أن ينوي ذلك عند الإحرام، ويخرجها بعد إحرامه.

    وبسبب الفرح بإنهاء المناسك، لم أستطع النوم في الليل وبقيت صاحيا إلى الفجر. أسأل الله القبول.

    3- كيف أدينا طواف الوداع:

    طواف الوداع لا يكون بلباس الإحرام، ولا يكون فيه الرمل ولا الاضطباع، ولا يكون متبوعا بالسعي بين الصفا والمروة. طبعا، هو طواف بسبعة أشواط متبوعا بالدعاء أمام الملتزم وصلاة ركعتي الطواف خلف مقام إبراهيم ثم شرب ماء زمزم. 

    قبل يوم من عودتنا إلى المغرب، قمنا بأداء طواف الوداع بعد صلاة العشاء. وقمت بطواف الوداع في سطح المسجد بعد أن منعنا الحراس من دخول الصحن الذي أصبح مفتوحا فقط لمن يلبس الإحرام أي المعتمرين. ومعلوم أن مدة الطواف في الطوابق العليا للمسجد الحرام أطول من الطواف في الصحن، لكن بسبب قلة الطائفين في السطح استغرق الطواف فيه نفس المدة التي تكون في الصحن، أي مدة 50 إلى 55 دقيقة.

    وعند مغادرتي لسطح المسجد الحرام، نظرت طويلا للكعبة نظرة مودع، وفي الحقيقة توقفت عن النظر إليها بصعوبة، ودعوت الله أن تتجدد زيارتي للحرمين الشريفين في المستقبل إن شاء الله.

    وبطواف الوداع، أتممنا مناسك الحج، فاللهم تقبلها منا كلها واجعلها خالصة لوجهك الكريم، واجعل حجنا حجا مبرورا وسعيا مشكورا إن شاء الله.

    4- القيام بعمرة ثانية:

    بعد أداء مناسك الحج، خصوصا بعد أيام التشريق، يجوز للحجاج القيام بعمرة ثانية أو أكثر عن أنفسهم وعن ذويهم ممن توفاهم الله أو القاعدين الذين لا يستطيعون القيام بمناسك العمرة بأنفسهم. وهناك خلاف بين أهل العلم حول تعدد العمرات في سفرة واحدة للحاج والمعتمر، بين من يراها مستحبة ومن يراها مكروهة، على أنه –حسب ابن باز رحمه الله- لا يوجد دليل واضح على الكراهية.

    والحمد لله، وفقني الله تعالى أن قمت بعمرة ثانية عن والدي رحمه الله، فاللهم تقبلها مني واجعلها في ميزان حسناته.

    ـــــــــــ

    * أحمد الطلحي: إطار مغربي وخبير في البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية

    إقرأ الخبر من مصدره

  • رحلة العمر: مناسك النحر وأيام التشريق.. بين رمي الجمرات وخشوع القلوب (الحلقة 8)

    أحمد الطلحي

    سلسلة رحلة العمر.. انطباعات حاج مغربي

    الحج ليس مجرد سفر أو تنقل بين شعائر وأمكنة، بل هو عبور روحي عميق يعيد صياغة علاقة المسلم بربه ونفسه والعالم من حوله، فمنذ أن نادى الخليل إبراهيم عليه السلام في الناس بالحج، ظل هذا الركن العظيم يجمع المسلمين من كل فج عميق، في مشهد مهيب تتجلى فيه وحدة الأمة ومساواتها أمام الله.

    في هذه السلسلة التي تنشرها جريدة “العمق”، يوثق الحاج المغربي أحمد الطلحي، المنحدر من مدينة طنجة والخبير البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية، تفاصيل رحلته إلى الديار المقدسة خلال موسم 1446 هـ، بعد سنوات طويلة من الانتظار والدعاء.

    بين الشوق قبل السفر، والسكينة في المشاعر، والمواقف المؤثرة في عرفات والطواف، يقدم الطلحي شهادة صادقة وتأملات روحية وإنسانية وتنظيمية، يشارك من خلالها القارئ مواقف لا تُنسى، ونصائح قد تعين المقبلين على هذه الفريضة العظيمة.

    ـــــــــــــ

    الحلقة الثامنة: مناسك النحر وأيام التشريق.. بين رمي الجمرات وخشوع القلوب

    1- يوم النحر:

    10 ذي الحجة، هو يوم النحر بالنسبة للحجاج وعيد الأضحى لباقي المسلمين، ذلك لأن الحجاج لا عيد لهم، وإنما أداء عدد من مناسك الحج. وباستثناء طواف الإفاضة كل أعمال يوم النحر وأيام التشريق تكون في منى.

    – أعمال يوم النحر:

    أعمال يوم النحر أربعة، اختصرها العلماء في كلمة “رنحط” بحيث كل حرف يدل على عمل، وهي بهذا الترتيب: رمي جمرة العقبة، ونحر الهدي، والحلق، وطواف الإفاضة.

    – رمي جمرة العقبة:

    رمي جمرة العقبة، أو الجمرة الكبرى، وذلك ابتداء من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ويجوز لأصحاب الأعذار مثل المسنين ومن يرافق النساء الرمي بعد الغروب وبالليل. يرمي الحاج سبع حصيات، مع التكبير عند رمي كل حصاة. وحجم الحصاة الواحدة أكبر من حبة الحمص وأصغر من حبة الفول، ويشترط أن تقع الحصيات في الحوض.

    وبعد الرمي يقوم الحاج بالدعاء متوجها نحو القبلة والجمرة في الظهر. ورمي الجمار من ذكر الله، لقوله ﷺ: “إنَّما جُعِلَ الطَّوافُ بالبَيتِ وبالصَّفا والمَرْوةِ، ورَمْيُ الجِمارِ، لإقامةِ ذِكرِ اللهِ عزَّ وجلَّ” (روته عائشة أم المؤمنين، أخرجه أبو داود وأحمد). ورمي الجمار يوم النحر وأيام التشريق من واجبات الحج السبعة التي إن لم يقم بها الحاج وجب عليه الهدي أي الذبح.

    – نحر الهدي:

    ثاني عمل يقوم به الحاج المتمتع والقارن هو نحر الهدي، بينما لا يفرض على الحاج المفرد. وبما أنه لم يعد ممكنا القيام بعملية الذبح ولا تتبعها، فهناك جهات مرخص لها بشراء وذبح الهدي وتوزيعه على الفقراء نيابة عن الحجاج، الذين يقومون بدفع المال لهذه الجهات، يكتفي الحاج بنية نحر الهدي.

    ومن الأخطاء الشائعة بين الحجاج ومعظم المسلمين هو اعتقادهم أن الهدي هو أضحية العيد وأن هديا واحدا يكفي الحاج وزوجته أو باقي أفراد أسرته الذين معه في الحج، بينما أن الهدي كما تقدم لكل حاج متمتع ومقرن رجلا أو امرأة وليس له علاقة بأضحية العيد، لأن الحجاج معفيون من هذه السنة المؤكدة، وطبعا أسرهم في بلدانهم غير معفيين.

    – الحلق:

    الحلق أو التقصير من واجبات الحج أيضا، لقوله ﷺ: “..وليُقَصِّر ولَيْحِلل..” (رواه عبد الله بن عمر، صحيح البخاري ومسلم). والحلق أفضل من التقصير، فعن أم الحصين الأحمسية “أنَّها سَمِعَتِ النبيَّ ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ دَعا لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلاثًا، وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً. وَلَمْ يَقُلْ وَكِيعٌ: في حَجَّةِ الوَداعِ” (صحيح مسلم).

    – طواف الإفاضة:

    هو الركن الرابع للحج، ومن لم يستطع القيام به يوم النحر يجوز له تأخيره إلى ما بعد أيام التشريق بل إلى آخر شهر ذي الحجة.

    وإذا قام الحاج بالأعمال الثلاثة الأولى يمكنه التحلل تحللا أصغر، أي التخلي عن لباس الإحرام والقيام بجميع موانع الإحرام باستثناء المعاشرة الزوجية التي لا تكون إلا بعد طواف الإفاضة، وهو التحلل الأكبر.

    وخلال هذا اليوم يصلي الحجاج الصلوات المفروضة قصرا لا جمعا، باستثناء حجاج مكة، لأن منى تعتبر من مكة. كما يستمر الحجاج في الذكر والدعاء.

    – كيف قمنا بأعمال يوم النحر:

    قبل الظهر ذهبت أنا وزوجتي لرمي جمرة العقبة الكبرى، وكانت شبه فارغة، لدرجة انتابني الشك وظننت أنها الجمرة الصغرى أو الوسطى، فذهبت أسأل أحد أفراد الشرطة فأكد لي بأنها الجمرة الكبرى.

    الحمد لله رمينا الحصيات السبع بيسر وبدون ازدحام كما كان الأمر في الماضي، ودعونا الله بعد ذلك متجهين إلى القبلة والجمرة وراءنا كما هي السنة.

     بعد ذلك، صلينا الظهر في مسجد الخيف، أو مسجد الأنبياء كما يسمى أيضا، حيث صلى فيه الرسول ﷺ والأنبياء من قبله، فقد روى عبد الله بن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: “ صلّى في مسجدِ الخَيْفِ سَبعونَ نبيًّا منهُم موسى، كأنِّي أنظرُ إليه وعليهِ عباءتانِ قَطوانِيَّتانِ وهوَ مُحرِمٌ، على بعيرٍ من إبلِ شَنوءَةَ مَخطومٍ بخطامِ ليفٍ، لهُ ضَفيرَتانِ” (أخرجه الفاكهي والطبراني والمخلص).

    ثم عدنا إلى المخيم، وقمت بالحلق وتحللت. وأدينا باقي الصلوات في المخيم قصرا، مع الذكر والدعاء وتلاوة القرآن.

    بالنسبة للهدي، فقد اشتريناه في مكة قبل أن نتوجه إلى عرفات بأسبوع، وكان سعر الهدي لكل فرد هذه السنة هو 720 ريال وهو ما يعادل 1800 إلى 1900 درهما حسب سعر الصرف.

    2- أيام التشريق:

    أيام التشريق هي أيام 11 و12 و13 ذي الحجة، والمتعجل يمكنه الاكتفاء بيومين على ألا تغيب عنه شمس يوم ال12 في منى، قال تعالى: “واذكروا الله في أيام معدودات* فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه* ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى* واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون” (البقرة: 203).

    وسميت هذه الأيام بأيام التشريق في الغالب نسبة إلى عادة العرب في حفظ اللحم من التلف، إذ كانوا يقطعونه إلى قطع يجففونها في الشمس، فكانوا بذلك يُشرّقون اللحم.

    – أعمال أيام التشريق:

    المبيت بمنى من واجبات الحج، وذلك ليلتي 11 و12 للمتعجل مع إضافة الليلة ال13 للمتأخر، والمتعجل يغادر منى يوم 12 قبل الغروب والمتأخر يوم 13 قبل الغروب كذلك. 

    وأعمال أيام التشريق تتمثل أساسا في رمي الجمرات الثلاث كل يوم، يبدأ الحاج بالصغرى ثم الوسطى فالكبرى، يرمي سبع حصيات في كل جمرة مع التكبير عند رمي كل حصاة، والدعاء ما بين الصغرى والوسطى وما بين الوسطى والكبرى، وبعد الكبرى ينصرف ولا يدعو. والرمي يكون بعد آذان الظهر إلى غروب الشمس، ويجوز الرمي ليلا لمن كان له عذر مثل كبار السن والضعفاء والنساء.

    – كيف قمنا بأعمال أيام التشريق:

    في اليوم الأول من أيام التشريق رمينا الجمرات الثلاث، بدون ازدحام أيضا، وصلينا العصر في مسجد الخيف. ولاحظنا اكتظاظا في الشارع الرئيسي لمنى فكنا نسير ببطء. وخلال اليوم بقينا في المخيم نتبادل الحديث تارة مع باقي الحجاج ونؤدي الصلوات قصرا جماعة داخل الخيام، مع الاستمرار في الذكر والدعاء وتلاوة القرآن.

    وبسبب الإرهاق والتعب الذي عانينا منه نتيجة ظروف الإقامة غير المريحة في المخيم، ولتراكم التعب من يوم التروية، ولطول المسير الذي تفرضه السلطات السعودية على الحجاج عند رمي الجمرات تفاديا لوقوع الازدحام، حيث كنا نمشي مسافة 9 كلم ما بين الذهاب والإياب، قررنا أن نتعجل ونرحل إلى مكة في الغد، بعدما كنا ننوي التأخر وربح أجر أعمال اليوم الثالث. 

    في اليوم الثاني، ذهبنا لرمي الجمرات بعد صلاة الظهر، وبعدما ارتحنا بعض الوقت في المخيم أخذنا متاعنا وغادرنا منى، وبسبب الازدحام المروري لم نصل إلى الفندق في مكة إلا بعد ساعتين، بينما المسافة كانت تتراوح ما بين 10 و12 كلم.

    ـــــــــــ

    * أحمد الطلحي: إطار مغربي وخبير في البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية

    إقرأ الخبر من مصدره

  • اعتراف عالمي مبكر واعتراف وطني متأخر.. هكذا انتظرت تطوان 28 عاما لتنال “جنسية التراث الوطني”

    أحمد الطلحي

    غريب أمر تصنيف التراث المعماري في بلدنا

    بعد مرور 28 عاما من تصنيفها تراثا عالميا، المدينة العتيقة لتطوان تصنف تراثا وطنيا

    نشر مؤخرا في الجريدة الرسمية، عدد 7439 بتاريخ 15 سبتمبر 2025، القرار رقم 1892.25 الصادر بتاريخ 25 يوليوز 2025 لوزارة الشباب والثقافة والتواصل الذي يقضي بتقييد المدينة العتيقة لتطوان في عداد الآثار الوطنية.

    القرار نص على “منع إحداث أي تغيير في المكوّنات التراثية أو في الشكل العام للمدينة العتيقة لتطوان إلا بعد إشعار وزارة الشباب والثقافة والتواصل بستة أشهر على الأقل قبل تاريخ الشروع في الأشغال، وذلك طبقًا للمقتضيات القانونية الجاري بها العمل”.

    ولا يسعنا كمختصين في التراث المعماري إلا أن نثمن هذه الخطوة، ونشكر المحافظ الجهوي للتراث بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة الذي تقدم بطلب التقييد بتاريخ 15 غشت 2024.

    لكن، في الوقت ذاته، نأسف للتأخر الكبير، سواء لطلب التقييد أو لإصدار القرار. ذلك لأنه مضت مدة طويلة بين القرار وتصنيف اليونيسكو، حيث صنفت المدينة العتيقة لتطوان تراثا عالميا منذ 1997، أي أن التصنيف الوطني جاء بعد مرور 28 عاما على التصنيف العالمي. والمنطق والواقع يقول إن التصنيف الوطني هو الذي يجب أن يسبق التصنيف العالمي. بل إن اليونيسكو بدأت تشترط عددا من إجراءات حماية التراث المرشح للتصنيف حتى تقبل ملف الترشيح، ومن هذه الإجراءات التصنيف الوطني والحماية القانونية من قبل وثائق التعمير، بالإضافة إلى الالتزامات التنظيمية من قبل الجماعات الترابية والأجهزة الحكومية، وهذا ما طلب منا حينما اشتغلنا على ملف ترشيح مدينة طنجة.،

    وتأخر تصنيف مجمل تراب المدن العتيقة تراثا وطنيا له نتائج سلبية، بحيث تتعرض المعالم التاريخية الموجودة داخل أسوار المدن العتيقة، قبل التصنيف، للتحويل والتغيير وللهدم في بعض الأحيان، فنواجه حين تصنيف المدينة العتيقة لقلة عدد ما تبقى من المعالم الأثرية والتاريخية داخلها، فينحصر التصنيف فقط على الموقع وعلى الأسوار وتبعاتها من أبواب وأبراج إن لم تسلم هي أيضا من التدهور والإتلاف.

    لذلك، وجب في نظري بحكم التجربة الطويلة في الاهتمام بالمدن العتيقة المغربية ومشاركتي في الدراسات والأعمال المتعلقة بحماية وتثمين عدد منها، القيام بالخطوات التالية بهذا الترتيب:

    أولا، جرد كل المواقع والمعالم الأثرية الموجودة داخل المدن العتيقة

    ثانيا، تصنيف هذه المواقع والمعالم، ترتيبا أو تقييدا، كلها أو جلها، في عداد التراث الوطني

    ثالثا، تصنيف كل المجال الجغرافي للمدن العتيقة في عداد التراث الوطني، بما في ذلك الوحدات المجالية التابعة لها تاريخيا والواقعة خارج الأسوار، مثل القلاع والقصبات وبعض المواقع التاريخية والمعالم الأثرية

    وبالرجوع إلى المدينة العتيقة لتطوان، لحد الآن لم يتم تصنيف أي معلمة داخل أسوارها في عداد التراث. بل حتى خارج الأسوار لم يتم تصنيف إلا ثلاثة مواقع، وهي:

    1- “موقع تمودة” الذي تم ترتيبه في عام 2005، وهو يقع على بعد 5 كلم جنوب غرب تطوان بجانب الطريق الوطنية المؤدية إلى مدينة شفشاون. والموقع عبارة عن حصن روماني شيد خلال النصف الأول من القرن الأول قبل الميلاد، على أنقاض المدينة الأمازيغية الموريتانية التي أسست حوالي 200 ق. م

    2- “حي الإنساتشي” وتم تقييده في عام 2015، وكلمة الإنساتشي بالإسبانية تعني التَوْسعة، وهو حي بني في مرحلة الاحتلال الإسباني خلال الفترة ما بين 1913 و1956

    3- “جنان حصار” قيد في عام 2016، والمعلمة توجد بجوار حي بوجراح شمال مدينة تطوان. ويسمى أيضا جنان الخليفة لأنه كان قصر الأمير مولاي الحسن بن المهدي، الخليفة السلطاني على منطقة الاحتلال الإسباني بشمال المغرب، كما أن الأقاليم الصحراوية الجنوبية كانت تابعة لها، ويتعلق الأمر بأقاليم إفني وطرفاية والساقية الحمراء وواد الذهب.

    وتطوان لست انفرادا، في قلة تصنيف معالمها الأثرية والتاريخية، بل كل المدن المغربية المصنفة تراثا عالميا: الرباط 43 معلمة، فاس 37 معلمة، مكناس 37 معلمة، مراكش 21 معلمة، الجديدة 15 معلمة والصويرة 5 معالم.

    في حين، نجد مدينة طنجة، ومنذ سنوات تحافظ على الرتبة الأولى وطنيا من حيث عدد المعالم الأثرية المرتبة والمقيدة بما مجموعه 124 معلمة من عام 1934 إلى غاية 2024، 23 معلمة مرتبة و101 معلمة مقيدة.

    وعليه، أدعو مثقفي مدينة تطوان والمجتمع المحلي التطواني والمحافظة الجهوية للتراث بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة (وأعرف الكثير منهم، ومنهم أصدقاء، وأعرف مؤهلاتهم العلمية وحبهم لمدينة تطوان)، أن يتعاونوا فيما بينهم على القيام بما يلزم لتصنيف المواقع والمعالم الأثرية والتاريخية الواقعة داخل أسوار المدينة العتيقة لتطوان، بالرغم من أن القرار الجديد يهم المدينة العتيقة بالمجمل. ولائحة التراث المعماري بهذه المدينة العتيقة طويلة ومهمة تاريخيا ومعماريا وإنشائيا وفنيا، منها على سبيل المثال لا الحصر: أبراج المدينة (برج سوق الحوت، برج القصبة، برج الكحيلي، برج السقالة)، أبواب المدينة (باب سبتة، باب الجياف، باب المقابر، باب الرموز، باب العقلة)، جامع القصبة، الجامع الكبير، سقاية باب العقلة، الأضرحة والزوايا، نظام السكوندو المائي، التشورير الأفقي للأزقة…

    قرار تقييد المدينة العتيقة لتطوان في عداد الآثار المنشور في الجريدة الرسمية عدد 7439 بتاريخ 15 سبتمبر 2025

    موقع تمودة الأثري بتطوان

    جانب من حي الإنساتشي بتطوان Ensanche

    قصر الخليفة بتطوان حيث يوجد جنان حصار

    * بقلم أحمد الطلحي، خبير في البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية

    إقرأ الخبر من مصدره

  • رحلة العمر: المسجد الحرام.. الصلاة بـ100 ألف ضعف في أطهر بقاع الأرض (الحلقة 5)

    أحمد الطلحي

    سلسلة رحلة العمر.. انطباعات حاج مغربي

    الحج ليس مجرد سفر أو تنقل بين شعائر وأمكنة، بل هو عبور روحي عميق يعيد صياغة علاقة المسلم بربه ونفسه والعالم من حوله، فمنذ أن نادى الخليل إبراهيم عليه السلام في الناس بالحج، ظل هذا الركن العظيم يجمع المسلمين من كل فج عميق، في مشهد مهيب تتجلى فيه وحدة الأمة ومساواتها أمام الله.

    في هذه السلسلة التي تنشرها جريدة “العمق”، يوثق الحاج المغربي أحمد الطلحي، المنحدر من مدينة طنجة والخبير البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية، تفاصيل رحلته إلى الديار المقدسة خلال موسم 1446 هـ، بعد سنوات طويلة من الانتظار والدعاء.

    بين الشوق قبل السفر، والسكينة في المشاعر، والمواقف المؤثرة في عرفات والطواف، يقدم الطلحي شهادة صادقة وتأملات روحية وإنسانية وتنظيمية، يشارك من خلالها القارئ مواقف لا تُنسى، ونصائح قد تعين المقبلين على هذه الفريضة العظيمة.

    ـــــــــــــ

    الحلقة الرابعة: المسجد الحرام.. الصلاة بـ100 ألف ضعف في أطهر بقاع الأرض

    1- فضل المسجد الحرام:

    قال تعالى: “إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ” (آل عمران: 96).

    وهناك خلاف كبير من قبل أهل العلم حول أول من بنى الكعبة، لضعف الأحاديث النبوية التي تتحدث عن ذلك ولعدم ذكر ذلك في القرآن الكريم. فهناك روايات تقول إن الملائكة هي أول من بناها، وأخرى تذهب إلى أن آدم عليه السلام هو أول من بناها، ورواية ترجع بناءها إلى شيث بن آدم. لكن ما هو مؤكد أنها اندثرت وأعاد بناءها إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، قال تعالى: “وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ” (البقرة: 127). 

    وجاء في الحديث: “لا تشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا (المسجد النبوي)، والمسجد الأقصى”.

     وسمي بالمسجد الحرام لحرمة القتال فيه منذ دخول النبي محمد ﷺ إلى مكة المكرمة منتصراً.

    فيه تؤدى مناسك العمرة والحج، من طواف حول الكعبة المشرفة والصلاة خلف مقام إبراهيم وسعي بين الصفا والمروة.

    والصلاة فيه تعادل مئة ألف صلاة، قال رسول الله: “صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ”. 

    ومن الآداب التي ينبغي الحرص عليها عند دخول المسجد الحرام والخروج منه الدعاء الخاص بارتياد المساجد. فعند دخول المسجد يقدم رجله اليمنى ويقول: “بسم الله، اللهم صلِّ وسلِّم على رسول الله، أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم، اللهم افتح لي أبوابَ رحمتك”، وعند الخروج يُقدِّم رجله اليسرى ويقول: “بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم إني أسألك من فضلك، اللهم أَجِرْنِي من الشيطان”.

    2- توسعات المسجد الحرام:

    أعادت قريش بناء الكعبة بعد أن حطم السيل أجزاء منها، ولما اختلفوا فيمن يضع الحجر الأسود في موضعه، اتفقوا على أن يقوم بذلك أول من يخرج إليهم، فكان رسول الله ﷺ وكان في ال35 من عمره، حيث طلب منهم أن يجعلوا الحجر الأسود في كساء ثم يرفعه زعماء القبائل ثم وضعه الرسول ﷺ بيده الشريفة في مكانه.

    والحجر الأسود نزل من الجنة، وجاء في الحديث الذي رواه أحمد والنسائي والترمذي: “نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضاً من اللبن فسودته خطايا بنى آدم”.

    وفي عهد رسول الله ﷺ وخليفته أبي بكر الصديق كان المسجد بدون جدار ومساحته 1490 مترا مربعا. وبعد ذلك توالت التوسعات وأعمال الترميم، منها:

    – التوسعة الأولى في عهد الخليفة عمر بن الخطاب في عام 17 هـ

    – توسعة الخليفة عثمان بن عفان في عام 26 هـ، ولحد الآن لا يزال الرواق العثماني موجودا

    – توسعة عبد الله بن الزبير في عام 65 هـ

    – توسعة الوليد بن عبد الملك في عام 91 هـ، وأصبحت مساحة المسجد 2805 مترا مربعا

    – توسعات في العهد العباسي

    – توسعات في عهد العثمانيين، حيث لقب سلاطينهم بخادمي الحرمين الشريفين 

    – التوسعة السعودية الأولى، وبدأت في عهد الملك سعود عام 1375هـ، ورفعت الطاقة الاستيعابية للمسجد إلى أكثر من 300 ألف مصلٍّ 

    – التوسعة السعودية الثانية، وكانت في عهد الملك فهد بن عبد العزيز 

    – التوسعة السعودية الثالثة، وهي بدأت في عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز، وهي مستمرة إلى الآن، ورفعت الطاقة الاستيعابية للمسجد إلى مليون و850 ألف مصلٍّ 

    وأقترح، أن يتم تثبيت المظلات الضخمة في الساحات المحيطة بالمسجد الحرام وفي أسطحه، مثل المظلات الموجودة في المسجد النبوي، وأن يتم الاحتفاظ بالمنطقة الشمالية للمسجد فارغة حتى تحتضن التوسعة القادمة إن شاء الله.

    3- أهم الأعمال التي يقوم بها الحاج والمعتمر في المسجد الحرام: 

    أهم عمل يقوم به الحاج أو المعتمر في مكة المكرمة، هو لزوم المسجد الحرام، لفضله الكبير، فالصلاة فيه ب100 ألف ضعف، فمن صلى الصلوات الخمس ليوم واحد كمن صلى 282 عاما ونصف العام (بحسب السنة القمرية وعدد أيامها 354، بينما السنة الشمسية 365 يوما)، ومن صلى أياما عديدة فالأجر لا حدود له.

    وهناك جدال مستمر حول، هل الأجر نفسه في غيره من مساجد مكة أم فقط في المسجد الحرام. فالقول الأول يذهب إلى أن المقصود هو كل الحرم المكي، ففي أي مسجد أو مصلى بما في ذلك مصليات الفنادق، فالصلاة فيها لها نفس أجر الصلاة في المسجد الحرام. أما القول الثاني فيرى أن الحديث النبوي تحدث عن المسجد الحرام ولم يقل في الحرم المكي، وحدود الحرم المكي تبعد بكيلومترات عن المسجد الحرام، وللحرم أحكام تخصه تختلف عن أحكام المسجد.

    ومضاعفة أجر الصلاة في المسجد الحرام لا تقتصر فقط على الصلاة المفروضة، بل حتى على صلاة النافلة، لأن الحديث تحدث عن الصلاة فيه بالإطلاق. وأنصح الحجاج والمعتمرين بعدم تفويت صلاة الجنازة لما لها من أجر كبير يفوق باقي الأعمال التي ينشغل بها عنها بعض الناس، وتقام صلاة الجنازة تقريبا في جميع الأوقات، ولقد رأيت نسبة لا بأس بها من الحجاج تنصرف وتغادر المسجد الحرام مباشرة بعد الانتهاء من الصلاة المفروضة، والبعض يقوم لصلاة النافلة أو ينشغل بالذكر.

    ولقد ذهب العلماء إلى أن مضاعفة الأجر تشمل جميع الأعمال الصالحة في مكة، ولكن التحديد لعدد معين لمضاعفة الأجر كان للصلاة فقط. وعليه، فعلى الزائر لمكة أن يكثر من الطاعات والقربات والأعمال الصالحة، من ذلك:

    – طواف النافلة: وهو كبقية أنواع الطواف بالكعبة يكون بسبعة أشواط، وللأسف نجد البعض يكتفي بعدد أقل من الأشواط. ولا يشترط فيه لا لباس الإحرام ولا الصلاة خلف مقام إبراهيم

    – الإكثار من قراءة القرآن: ولو استطاع أن يختمه عدة مرات فليفعل، لأن الأجر مضاعف، وعن أجر قراءة القرآن يقول نبينا ﷺ: “من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف”

    – الإكثار من الصدقة

    – الذكر بمختلف صيغه

    – النظر إلى الكعبة: فالنظر إليها عبادة، وعند رؤية الكعبة، من السنة ترديد الدعاء التالي: “اللهم زدها تعظيما وتشريفا وتكريمًا ومَهابةً يا رب العالمين”. وبالفعل إن لها مهابة، وتستريح النفس وتسعد عند النظر إليها. لكن، للأسف، بسبب التوسعات الجديدة، أصبحت إمكانية رؤية الكعبة من أماكن محدودة جدا

    – النظر إلى عبادة الناس: مشاهدة الحجاج والمعتمرين وهم صلون ويطوفون ويقرؤون القرآن ويذكرون الله ويتضرعون إلى الله بالدعاء، تدخل الفرحة والسرور على النفس وتدفعها للقيام بالمزيد من الأعمال الصالحات. وكنت في الكثير من الأوقات، داخل وخارج المسجد الحرام، أتأمل مشاهد الحجاج والمعتمرين وأرتاح وأسعد بذلك، أنظر إلى تنوع ألوانهم وأجناسهم وقومياتهم ولغاتهم وملابسهم التقليدية، بل وإلى اختلافاتهم في بعض الأمور الفرعية في الصلاة، وأذكر قوله تعالى وهو يوجه سبحانه الأمر إلى سيدنا إبراهيم عليه السلام: “وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ” (الحج: 27). 

    ـــــــــــ

    * أحمد الطلحي: إطار مغربي وخبير في البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية

    إقرأ الخبر من مصدره

  • رحلة العمر: المدينة المنورة.. محطة الروح في حضرة الرسول ﷺ قبل بدء المناسك (الحلقة 2)

    أحمد الطلحي

    سلسلة رحلة العمر.. انطباعات حاج مغربي

    الحج ليس مجرد سفر أو تنقل بين شعائر وأمكنة، بل هو عبور روحي عميق يعيد صياغة علاقة المسلم بربه ونفسه والعالم من حوله، فمنذ أن نادى الخليل إبراهيم عليه السلام في الناس بالحج، ظل هذا الركن العظيم يجمع المسلمين من كل فج عميق، في مشهد مهيب تتجلى فيه وحدة الأمة ومساواتها أمام الله.

    في هذه السلسلة التي تنشرها جريدة “العمق”، يوثق الحاج المغربي أحمد الطلحي، المنحدر من مدينة طنجة والخبير البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية، تفاصيل رحلته إلى الديار المقدسة خلال موسم 1446 هـ، بعد سنوات طويلة من الانتظار والدعاء.

    بين الشوق قبل السفر، والسكينة في المشاعر، والمواقف المؤثرة في عرفات والطواف، يقدم الطلحي شهادة صادقة وتأملات روحية وإنسانية وتنظيمية، يشارك من خلالها القارئ مواقف لا تُنسى، ونصائح قد تعين المقبلين على هذه الفريضة العظيمة.

    ـــــــــــــ

    الحلقة الثانية: المدينة المنورة.. محطة الروح في حضرة الرسول ﷺ قبل بدء المناسك

    المحطة الأولى للأفواج الأولى للحجاج المغاربة هي المدينة المنورة، فيما تتجه الأفواج المتأخرة مباشرة إلى مكة المكرمة، حيث يسافرون بلباس الإحرام لأن الميقات يوجد قبل الوصول إلى مطار جدة.

    ولكل من المسارين إيجابيات وسلبيات، حسب رأيي المتواضع، يمكن اختصارها كما يلي:

    – البدء بالمدينة المنورة: من إيجابياته أن الحاج يأخذ قسطا من الراحة البدنية والنفسية بسبب ضغوطات الاستعداد للسفر، والاستراحة من عمله المهني، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، الاستراحة قبل القيام بمناسك العمرة والحج التي تتطلب جهدا كبيرا من الحجاج، بينما في المدينة المنورة هناك أعمال أقل ولا تتطلب جهدا كبيرا. كما أن الإقامة في المدينة المنورة تكون فرصة لتأقلم الحجاج مع مناخ المنطقة الحار والجاف، والتأقلم مع طبيعة تنظيم السلطات السعودية للحرمين الشريفين. أما سلبيات المسار فتتمثل أساسا في عدم أخذ قسط كاف من الراحة البدنية والنفسية بعد أداء مناسك الحج والعمرة قبل العودة إلى أرض الوطن، وما ينتظره الحجاج من زيارات الأقارب والأصدقاء المرهقة متبوعة باستئناف العمل المهني

     – البدء بمكة المكرمة: إيجابياته هي أساسا سلبيات المسار الأول، وسلبياته هي إيجابيات المسار الأول

    وكان فوجنا ممن اتجه أولا إلى المدينة المنورة، وكنت من المحظوظين، لأنني أفضل هذا المسار عن المسار الآخر. 

    دامت إقامتنا في المدينة المنورة خمس ليال وستة أيام تقريبا، وهي كانت مدة كافية، تمتعنا فيها بالهدوء والطمأنينة والسكينة التي تتميز بها هذه البقعة المباركة عن باقي الديار المقدسة، كيف لا وساكنها هو أفضل الخلق والمرسلين، صلوات ربي عليه وسلم تسليما.

    ويعتقد خطأ عدد لا بأس به من المسلمين بأن زيارة المدينة المنورة هي جزء من مناسك الحج والعمرة، بالإضافة إلى الاعتقادات الأخرى من مثل أن قبر الرسول ﷺ موجود داخل الكعبة. وشخصيا، هذا ما كنت أعتقده في صغري، ومرد ذلك إلى غياب ثقافة الحج إلى درجة كبيرة لدى المسلمين للأسف الشديد.

    ويمكن اختصار أعمال زوار المدينة المنورة التي فيها أجر في الأعمال التالية:

    1- الصلاة في المسجد النبوي:

    الصلاة في المسجد النبوي، سواء المفروضة أو النافلة، تعدل ألف صلاة في أي مسجد آخر عدا المسجد الحرام. فحينما يصلي المسلم فيه الصلوات الخمس ليوم واحد كأنما صلى 1000 يوم وهو ما يعادل سنتين وتسعة أشهر.

    هذا بالإضافة إلى أنه في جميع الأوقات تقريبا تصلى صلاة الجنازة، وفضلها كبير، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: “مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ؛ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ؛ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ” (أخرجه الشيخان). وإذا تم الاكتفاء فقط بالصلاة دون حضور الدفن، وهذا هو السائد عند الزوار، فكم من جبل أحد أجرا سيغنم الزائر.

    ومن العبادات التي ينبغي أن يواظب عليها الحاج والمعتمر في المسجد النبوي: قراءة القرآن ولما لا ختمه خلال إقامته بالمدينة المنورة، والذكر بمختلف صيغه المسنونة، والدعاء المستمر بما شاء ولمن شاء، والإكثار من الصدقة.

    ومما أجمع عليه أهل العلم، أن العبادات والأعمال الصالحات في هذا المقام العظيم يضاعف أجرها وليس فقط أجر الصلاة، لكن عدد الأضعاف غير معروف كما بالنسبة للصلاة.

    2- السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم:

    أول عمل وآخر عمل يقوم به الزائر للمدينة المنورة، إن استطاع، هو السلام على رسول الله ﷺ. وإن كان بالإمكان أن يسلم عليه كل يوم فليفعل، خصوصا وأن هناك جناح مفتوح طول الوقت للزائرين للسلام على رسول الله، للأسف النساء لا يسمح لهن بدخول هذا الجناح، لكن يمكن لهن السلام من الخارج أمام القبة الخضراء.

    والحمد لله وفقني الله للسلام على رسول الله وصاحبيه كل يوم تقريبا، كما بلغت سلام كل من أوصاني بالسلام عليه، صلوات الله عليه وسلم تسليما.

    وصيغة السلام على رسول الله ﷺ وعلى صاحبيه ليست توقيفية، فيمكن للزائر أن يسلم بالصيغة واللغة التي يحب، والله أعلم. والصيغة المشهورة هي:

    “السلام عليك يا رسول الله يا حبيب الله، السلام عليك يا خير خلق الله، أشهدُ أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وجاهدت في الله حق جهاده حتى أتاك اليقين فجزاك الله عنّي وعن أمّتك خير ما جزى نبيًّا عن أمّته،

    السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته، رضي الله عنك وجزاك عن أمة محمد خيرا،

    السلام عليك يا عمر الفاروق ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا ثاني الخلفاء الراشدين، جزاك الله عنا وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء”.

    3- زيارة الروضة الشريفة:

    عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: “مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي” رواه البخاري ومسلم.

    فالروضة الشريفة، خصوصا الجزء الواقع بين قبر الرسول ﷺ ومنبره، روضة من رياض الجنة. فزيارتها مع ارتداء أجمل الملابس، وصلاة ركعتين فيها ثم الدعاء بما شاء، يعد من أفضل الأعمال التي يقوم بها الزائر في المدينة المنورة. 

    لكن الزيارة تكون بموعد، سواء للأفراد أو للمجموعات. والحمد لله، يسر الله لنا زيارتها، بعدما أخذت موعدا بواسطة تطبيق “نسك”.

    4- زيارة مقبرة البقيع:

    مقبرة البقيع قطعة من الجنة على أرض المدينة المنورة، وزيارتها مسنونة اقتداء بالنبي ﷺ الذي كان يزور البقيع ويحث على زيارته.

    والمقبرة تضم رفات الآلاف من الصحابة رضوان الله عليهم أمثال: عثمان بن عفان ثالث الخلفاء الراشدين، والعباس بن عبد المطلب عم الرسول ﷺ. كما دفنت بها أمهات المؤمنين رضي الله عنهن باستثناء خديجة وميمونة، وكذلك فاطمة الزهراء ابنة النبي عليه السلام وولدها الحسن بن علي رضي الله عنهما، وإبراهيم ابن النبي عليه السلام. ومن أبرز الشخصيات التاريخية المدفونة أيضا بها مالك بن أنس إمام دار الهجرة وثاني الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة.

    وخير ما يقول زائر البقيع: “السلام عليكم يا أهل البقيع، السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين”، ويدعو لهم بالمغفرة والرحمة: اللهم اغفر لهم وارحمهم.

    تفتح المقبرة للزوار يوميا بعد صلاتي الفجر والعصر، ويمنع على النساء زيارتها. والحمد لله وفقني الله لزيارتها والترحم على أهل البقيع.

    5- زيارة مسجد قباء:

    ورد عن النبي ﷺ أنه قال: “من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه ركعتين كان كعمرة”. كما ورد ذكر المسجد في القرآن الكريم، قال تعالى: “لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ، فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ” (التوبة: 108).

    فزيارة مسجد قباء والصلاة فيه لها فضل عظيم، فهو أول مسجد بُني في الإسلام، وقد أسسه النبي ﷺ بنفسه عند وصوله إلى المدينة.

    والمسجد اليوم هو في حلة جميلة، يزوره الآلاف يوميا من الزوار، ويصلون فيه. ولقد قامت السلطات السعودية مشكورة بتوسعته وتهيئة ساحاته الخارجية والمناطق الخضراء والمرائب، كما وضعت عددا من اللوحات تعرف بالمسجد وتعرف بأماكن تاريخية مهمة كانت بجانب المسجد، أهمها: موقع دار الصحابي كلثوم بن الهدم التي أقام فيها الرسول ﷺ خلال إقامته في قباء (14 يوما فقط) قبل انتقاله إلى المدينة المنورة، وموقع دار الصحابي سعد بن خيثمة رضي الله عنه حيث كان الرسول ﷺ يستقبل فيها زواره حينما كان يقطن في قباء، وموقع بئر أريس أو بئر الخاتم حيث بشر فيه الرسول ﷺ صحابته أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان بالجنة.

    من الطرائف التي حدثت لي في المسجد النبوي:

    بينما أنا جالس كالعادة في الساحة الخلفية للمسجد مع زوجتي بعد صلاة المغرب نتناول الشاي وبعض الطعام وننتظر صلاة العشاء، وكان بالقرب منا بعض الشباب السعوديين الذي يعملون في الحرم المدني يأخذون قسطا من الراحة، إذ بأحد زملائهم مر علينا وهو متجه إليهم، فحيانا قائلا: مرحبا بالمغاربة، ثم أردف قائلا: لا تقل لي بأنك من طنجة، قلت له بالفعل أنا من طنجة، فقال طنجة العالية، قلت له هل زرتها، قال: لا، ولكنه زار مدنا مغربية أخرى. تحدثنا سريعا عن أصول المغاربة وعن جمال المغرب ودور المغاربة في نشر الدعوة في إفريقيا ودورهم في فتح الأندلس، وافترقنا عند آذان العشاء. 

    ـــــــــــ

    * أحمد الطلحي: إطار مغربي وخبير في البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية

    إقرأ الخبر من مصدره

  • رحلة العمر: من الانتظار الطويل إلى رحاب البيت العتيق (الحلقة الأولى)

    أحمد الطلحي

    سلسلة رحلة العمر.. انطباعات حاج مغربي

    الحج ليس مجرد سفر أو تنقل بين شعائر وأمكنة، بل هو عبور روحي عميق يعيد صياغة علاقة المسلم بربه ونفسه والعالم من حوله، فمنذ أن نادى الخليل إبراهيم عليه السلام في الناس بالحج، ظل هذا الركن العظيم يجمع المسلمين من كل فج عميق، في مشهد مهيب تتجلى فيه وحدة الأمة ومساواتها أمام الله.

    في هذه السلسلة التي تنشرها جريدة “العمق”، يوثق الحاج المغربي أحمد الطلحي، المنحدر من مدينة طنجة والخبير البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية، تفاصيل رحلته إلى الديار المقدسة خلال موسم 1446 هـ، بعد سنوات طويلة من الانتظار والدعاء.

    بين الشوق قبل السفر، والسكينة في المشاعر، والمواقف المؤثرة في عرفات والطواف، يقدم الطلحي شهادة صادقة وتأملات روحية وإنسانية وتنظيمية، يشارك من خلالها القارئ مواقف لا تُنسى، ونصائح قد تعين المقبلين على هذه الفريضة العظيمة.

    الحلقة الأولى.. من الانتظار الطويل إلى رحاب البيت العتيق

    مقدمة السلسلة

    1- نصوص في فريضة الحج:

    قال تعالى: “وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ” (الحج: 27-28).

    وَقَوْلُهُ جل وعلا: “وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا” (آل عمران:97).

    وكذلك قَوْلُهُ سبحانه وتعالى: “وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ” (البقرة: 196).

    ومن الأحاديث النبوية:

    – عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: “خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ، فَحُجُّوا، فَقَالَ رجلٌ: أكل عامٍ يا رسول الله؟ فسكت، حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ، ثُمَّ قَالَ: ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ”.

    – “بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ شَهادةِ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وصَومِ رمضانَ وحجِّ البيتِ لمنِ استطاعَ إليهِ سبيلًا”.

    – “الحجاج والعمار وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم”.

    2- ذهابي للحج بعد سنوات من الانتظار:

    استجاب الله لدعواتي المتواصلة فكتب لي أداء فريضة الحج هذا العام (1446) والحمد لله رب العالمين، بعد 14 عاما من المشاركة في القرعة والبحث عن إمكانية الحج من خلال قنوات أخرى خصوصا في خارج البلاد والتي باءت كلها بالفشل.

    طبعا، تجربة الحج تجربة فريدة، فهي رحلة العمر، وفاصل بين مرحلتين إذا تقبلها الله وإذا لم تنعم بالقبول –لا قدر الله- تكون وصلا لما سبق واستمرارا له.

    لهذا، ارتأيت أن أتقاسم تجربتي الشخصية، وأنشر انطباعاتي ومشاعري وملاحظاتي ومقترحاتي، لعلها تكون مفيدة للجميع، لي وللمقبلين على هذه التجربة وللقيمين على تدبير وإدارة شعيرة الحج.

    وقبل أداء الفريضة بحوالي سبعة أشهر قمت بأداء العمرة، وكنت أنوي نشر يومياتي، تحت عنوان “يوميات معتمر مغربي”، لكني ترددت في ذلك في الشهور الأولى ولم أفعل، وقررت عدم النشر بعدما اقترب موعد الذهاب للحج.

    وللعلم، فأنا أدون كل تجاربي ورحلاتي، ونشرت عددا منها في كتب، أهمها كتاب “السلوقية أولا.. قصة نضال لإنقاذ محمية طبيعية بمدينة طنجة” في عام 2024، وكتابي الأخير الذي صدر في 2025 “قصتي مع التراث.. مقاطع من السيرة الذاتية للمؤلف التي لها علاقة بالتراث” والتي هي خلاصة ليومياتي ومذكراتي في مختلف المجالات التي عشتها واشتغلت فيها.

    كنت حريصا على أداء الركن الخامس للإسلام منذ تحققت الاستطاعة، بأنواعها الثلاثة: الاستطاعة المالية والاستطاعة البدنية وأمن الطريق والسفر، ولا أكتفي بإعلان النية، بل اتخذت كل الأسباب المتاحة من أجل بلوغ المراد، مع الإلحاح في الدعاء.

    كنت أحزن كثيرا إلى درجة البكاء، كل عام فاتني فيه أداء هذه الفريضة، خصوصا لما كنت أتابع على التلفزيون مشاهد الوقوف في عرفات وباقي المناسك. لكني كنت راضيا بقدر الله مطمئنا بل متيقنا بأن الله سيكتب لي أجر هذه الفريضة إذا قبضني إليه، مصداقا لقوله عليه الصلاة والسلام “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى”.

    وكنت عند الدعاء متيقنا بالاستجابة، بل إنني عند عودتي من العمرة ودعائي فيها بأن يردني إلى ذاك المقام العظيم حاجا مرة أخرى، كنت أردد كثيرا على أهلي بأن الله سيكتب لنا الحج في هذا العام.

    تحقق الحلم، واستجاب الله لدعائي، فله الحمد والشكر، وأسأل الله القبول، الذي هو المبتغى من الأعمال الصالحات.

    فمن خلال تجربتي، أوصي:

    – أولا، بأن يبادر كل مسلم إلى أداء الركن الخامس للإسلام كلما تحققت الاستطاعة،

    – ثانيا، بالذهاب إلى العمرة قبل الحج بسنوات أو قبيل الحج، ذلك يجعل الحج ميسرا، وشخصيا لم أجد الأماكن في الديار المقدسة غريبة عني لأني زرتها من قبل ولم أجد صعوبة في أداء المناسك لأنني أديت أغلبها في العمرة،

    – ثالثا، بعدم إهمال الدعاء والتضرع إلى الله لكي يكتب له أداء هذه الفريضة، وأن يكون الدعاء بتيقن الاستجابة. ومن الأفضل أن يكون الدعاء بهذا الأمر في الأماكن المقدسة خلال أداء العمرة، فمن خلال التجربة تكون الاستجابة سريعة عند الدعاء في هذا المقام، وأذكر ثلاث حالات لهذه الاستجابة: لي وللوالدة قبلي ولأحد الأصدقاء بعدي الذي عمل بنصيحتي.

    3- لماذا السلسلة:

    السلسلة هي عبارة عن تذكير بمناسك الحج، تعريفا وشرحا، وسرد للظروف التي أديت فيها الفريضة، وتقديم لبعض المقترحات من أجل تحسين الخدمات في المستقبل.

    طبعا، لا مجال للمقارنة بين مواسم الحج السابقة والمواسم الأخيرة، فهناك تطور وتحسن مستمرين، تجهيزا وتنظيما، سواء من قبل السلطات السعودية أو من قبل السلطات المغربية.

    كما أنه يمكن اعتبار موسم 1446 هو أفضل موسم للحج، فلم تسجل فيه الحوادث التي كانت تقع في الماضي وينتج عنها ضحايا بأعداد كبيرة، كما تميز بعدم وجود مشاكل تحول دون أداء المناسك بيسر.

    والسلسلة سأنشرها، إن شاء الله في 17 حلقة، وذلك كالتالي:

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

    ـــــــــــــــ

    * أحمد الطلحي: إطار مغربي وخبير في البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية

    إقرأ الخبر من مصدره

  • سور المعجازين نسبة للخمول والكسل.. والروايات الأخرى لا أساس لها من الصحة

    أحمد الطلحي

    انتشرت في هذه الأيام الكثير من التدوينات والمقالات عن قصة سور المعجازين أو المعكازين، وكلها تعمد إلى عدم ربط الاسم المشهور له والذي يعني السور الذي يجلس فيه الكسالى والذين يعانون من الخمول، خشية أن تلصق صفة الكسل والخمول بسكان طنجة، على أن أي صفة سلبية لمستعملي مكان في مدينة ما لا تعم كل سكان تلك المدينة. والمعجازين جمع لكلمة معجاز، التي تعني باللهجة المغربية الكسول، والاختلاف بين لهجة الشمال ولهجة المناطق الداخلية للمغرب هو في صيغة الجمع، المعجازين مقابل المعاجيز.

    وإذا بحثنا عن تهيئة ساحة فارو، وهو الاسم الإداري للساحة منذ عام 1985، فترجع بعض الروايات التاريخية تاريخ بناء السور إلى عام 1911، وذلك بإشراف المقاول الإسباني “دي بينيا”، وكان الهدف من بناء السور هو منع انجراف الكثبان الرملية المنتشرة في المنطقة كما هو مبين في الصور التي ترجع إلى هذه الفترة، وحماية شارع باستور الذي كان يحمل اسم شارع السلف نسبة إلى دار السلف التي بنيت في عام 1910 قبل أن يتغير اسمه في عام 1925 ويصبح شارع باستور.

    فربط اسم الساحة باسم متجر صور مغازين الذي فتح أبوابه في الخمسينات ربط غير صائب في نظري، لأنه لا يعقل أن يبقى المكان بدون اسم لمدة أكثر من 40 عاما، من 1911 تاريخ بناء السور إلى غاية 1956 تاريخ فتح هذا المتجر. ثم، ألا يمكن أن يكون هذا المتجر هو الذي أخذ اسم السور وليس العكس، فتكون كلمة مغازين هي معجازين محرفة إلى اللغة اللاتينية. فما هو منطقي هو أن تحمل المتاجر اسم المكان التي توجد فيه وليس العكس، فمثلا صيدلية “س” نسبة إلى ساحة أو شارع أو حي “س”.

    وهناك من ذهب إلى أنه سور تاريخي كانت تستريح فيه القوافل قبل دخول المدينة لأنه يقع بالقرب من طريق فاس (شارع الحرية وشارع فاس حاليا)، فهذه الرواية لا يقبلها العقل والمنطق، لأن محطات استراحة القوافل تكون على مسافات طويلة، وليس على بعد أقل من كيلومتر واحد من سوق دبارا، الذي كان المحطة النهائية للقوافل.

    والقول بأن السور كان للمرشدين الذين كانوا يجلسون فيه في انتظار خروج السواح من فندق المنزه، فقد أكدت الروايات التاريخية أن سور المرشدين كان خلف الفندق وظهر في عام 1928.

    والرواية الطريفة، والتي اكتشفها البعض مؤخرا هو اسم للا فريجة نسبة إلى قبور كانت في حديقة السور، وهذه التسمية ظهرت في الخرائط الإسبانية القديمة. وما هو أكيد عموما في علم تسمية الأماكن، طوبونوميا، أن أسماء الأماكن تستمر لمدة طويلة ويتوارثها جيل عن جيل. كما أن أسماء الأماكن الدينية مثل المقابر لا تتغير.

    وهناك رواية تاريخية تقول بأنه كانت هناك مقهى قرب السور في زنقة أنوال (ربما في مكان النادي الرياضي حاليا)، وكانت تسمى مقهى سور المعجازين أيضا، وكان طنجاوة يتابعون فيها أخبار الحرب العالمية الثانية، بمعنى أن السور كان موجودا بهذا الاسم ما بين 1939 و1945، ولقد أكد لي بعض كبار السن أن المقهى استمرت بعد ذلك إلى سنوات الستينات أو أكثر.

    وإذا قمنا بتحليل الصور القديمة، سنكتشف أن السور، وهو سور قصير بعرض قد يصل لمتر واحد، قد استمر إلى حدود نهاية الخمسينات، حيث كان يجلس عليه زوار المنطقة من سكان المدينة والسواح الأجانب لرؤية المنظر البانورامي منه، فمنه نرى جزء من المدينة العتيقة والميناء ورأس مالاباطا وخليج طنجة وشواطئه ومضيق جبل طارق والساحل الجنوبي لإسبانيا. وهذا المنظر البانورامي، نظرا لأهميته وجماله، تم تصنيفه في عام 1947 ضمن التراث الوطني هو والمنظر البانورامي لصخرة سيدي اعمر، وذلك لأول مرة في المغرب لهذا الصنف من التراث. وفي أواخر الخمسينات أو بداية الستينات تم هدم السور وتم توسيع رقعة الساحة وتهيئتها على شكل حديقة، وتوالت مشاريع التهيئة إلى حدود الآن.

    وعليه، لا نستحي بربط اسم الساحة بالكسل والخمول، لأنه في تقاليدنا المغربية والإسلامية الأصيلة لا يجوز الجلوس في الطرقات، فقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك. لذلك، لا نجد في المدن العتيقة ساحات عمومية وأماكن للجلوس ومشاهدة المارة، فالطرق كانت وظيفتها المرور فقط، والجلوس كان في الغالب ما يكون في أفنية المساجد، والساحات القليلة التي كانت داخل المدن العتيقة كانت مخصصة للأسواق مثل سوق الداخل أو مخصصة لطابور الجند مثل ساحة المشور بالقصبة وساحة الطابور أمام برج النعام.

    تعبيد البوليفار وتهيئة سور المعجازين

    صورة لشارع السلف الذي تحول اسمه إلى شارع باستور في عام 1925

    سور المعجازين وتظهر فيه كراسي وطاولات خشبية ربما ترجع لمقهى سور المعجازين بزنقة أنوال

    أرض فارغة خلف سور المعجازين في بداية الخمسينات

    سور المعجازين في الخمسينات. قبل تهيئة حديقته

    سور المعجازين في الخمسينات قبل تهيئة حديقته

    وكانت تعرض عليه الزرابي لبيعها للسواح

    سور المعجازين في عام 1953

    سور المعجازين في عام 1957 قبل تحويله إلى حديقة

    سور المعجازين في عام 1958 ولم تتم تهيئة حديقته بعد

    أشغال توسيع وتحويل ساحة سور المعجازين في نهاية الخمسينات أو بداية الستينات من القرن العشرين

    ــــــ

    * أحمد الطلحي: خبير في العمارة والبيئة والتنمية

    إقرأ الخبر من مصدره