Étiquette : جريدة العمق

  • عائدة من جحيم تندوف تروي مآسي الترحيل القسري وتشيد بالعبقرية الملكية في ملف الصحراء (حوار)

    عبد المالك أهلال

    كشفت المدافعة الدولية عن حقوق الإنسان وعضو المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، سعداني ماء العينين، في حوار مطول أجرته مع جريدة العمق، عن تفاصيل الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جبهة البوليساريو في مخيمات تندوف، مطالبة بتدخل أممي عاجل لإطلاق تحقيقات جنائية دولية مستقلة وشاملة لمكافحة الإفلات من العقاب.

    وأوضحت الناشطة الحقوقية، لجريدة “العمق”، أنها تعتبر نفسها ضحية مزدوجة وشاهدة عيان على منظومة القهر، مستحضرة تعرضها لتهجير قسري نحو كوبا في سن مبكرة حيث خضعت للتجنيد العسكري والشحن الإيديولوجي، فضلا عن سردها لواقعة تعرض والدها لتعذيب وحشي أمام أعين أسرتها بغرض الترهيب الجماعي للمحتجزين.

    وأكدت المتحدثة للجريدة أن مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب برؤية استراتيجية للملك محمد السادس تمثل الإطار الحقوقي الوحيد لإنهاء هذا النزاع المفتعل، مشيرة إلى أن الزخم الدولي المؤيد لمغربية الصحراء أحدث تصدعا كبيرا في أسطورة التنظيم الانفصالي، ومسجلة في الوقت ذاته تنامي وعي ساكنة المخيمات بزيف الشعارات وارتفاع حالات التمرد والانشقاق.

    وأضافت الفاعلة في ختام تصريحاتها الدعوة لضرورة انتقال المنتظم الدولي من التوثيق السلبي إلى الإنفاذ الإجرائي عبر فرض إحصاء ديموغرافي تقوده المفوضية السامية للاجئين، محملة الدولة الجزائرية المسؤولية القانونية عن هذا الاستثناء الحقوقي، وموجهة نداء لشباب تندوف من أجل الانعتاق من الاستغلال والالتحاق بركب المواطنة لضمان كرامتهم.

    وفيما يلي نص الحوار كاملا

     السيدة سعداني ماء العينين، نرحب بك معنا في جريدة العمق. ولدت ونشأت في مخيمات تندوف، وعشت تجربة إنسانية بالغة القسوة تمثلت في معاناة والدتك وتعرض والدك للتعذيب الممنهج. كيف حولتِ هذه الجراح الشخصية العميقة إلى وقود لمعركتك الحقوقية اليوم؟

    تختزل قصتي مأساة جيل كامل تفتحت عيناه في مخيمات تندوف فوق التراب الجزائري، بعد ولادتي بمدينة الداخلة عام 1976، وإخضاعي لتهجير قسري بمعية الالاف من الصحراويين لتكثير سواد المخيمات، حيث لم تكن نشأتي بتلك المنطقة مجرد إقامة عابرة، بل كانت مسارا اضطراريا في مكان لا يخضع لأي نظام قانوني دولي او وطني، وتركنا تحت رحمة حركة مسلحة، بطشت بعوائلنا وبأحلامنا، وكنا شهود عيان شاهدة عيان مباشرين على فظاعات وانتهاكات جسيمة مست الحقوق الوجودية والكرامة الإنسانية، وهي وقائع تظل محفورة في ذاكرتنا كجرائم لا تسقط بالتقادم.

    وأصدقك القول أستاذ عبد المالك، أن حالتي تتجاوز حدود المعاناة الفردية لتنصهر في نموذج الضحية المزدوجة وفق أدبيات القانون الدولي الإنساني، فأنا لم أكن هدفا مباشرا لممارسات قمعية انتهكت حرمتي الشخصية وحقوقي الأساسية فحسب، بل تعدى الأمر ذلك، تحولي لشاهدة أولى على تنكيل ممنهج طال أسرتي والآلاف من المحتجزين في تلك المخيمات، وهو أمر شائع أن تجتمع في الضحايا بمخيمات تندوف، صفة المتضرر المباشر وصفة الشاهد على منظومة القهر.

    معاناتي المزدوجة، جرح حي موثق، بدأ مع ترحيلي بمعية أسرتي قسريا من أرضنا لإعمار المخيمات، حيث كنت شاهدة على مآس لا تنسى. وتعرضنا للتعذيب والتنكيل كعائلة.

    في سن مبكرة، رحلت قسرا إلى كوبا حيث عشت قرابة عقدين من الزمن في عزلة تامة عن أسرتي، وخضعت خلالها لتدريبات إيديولوجية وعسكرية تهدف إلى تشكيل جيل موال للانفصاليين.

    فالترحيل إلى كوبا لم يكن مجرد إبعاد جغرافي، بل كان اختطافا للهوية والطفولة معا، أعوام من الغسيل الإيديولوجي والعسكري بعيدا عن الأسرة والوطن والجذور، في سن مبكرة.

    وعلى هذا الأساس، بدأت مسيرتي النضالية تتشكل معالمها بعد عودتي إلى وطني الأم المملكة المغربية، وتشكل لدي وعي وإرادة قوية لا تقبل التأجيل بضرورة الحديث عما وقع وما زال يحدث بمخيمات تندوف، وضرورة إعمال مبدأ المساءلة ومكافحة الإفلات من العقاب، في قناعة راسخة لي بأن قضية الانتهاكات الجسيمة بمخيمات تندوف استحقاقا لا يقبل الإرجاء، إذ إن وضعية الضحية المزدوجة التي أمثلها تستوجب تحركا عاجلا لإطلاق تحقيق جنائي دولي مستقل وشامل، بمعية مئات القصص الحزينة المماثلة أو أشد قتامة.

    وأضيف في ختام جوابي على سؤالكم الأول، أن انخراطي في الترافع على إخواني وأخواتي بمخيمات تندوف الذين ما زالوا محتجزين تحت رحمة البوليساريو والجزائر، وفي غياب أي رقابة أممية، لا يتغيى سوى  تحقيق تفكيك بنية الانتهاكات التاريخية والمستمرة وإنصاف الضحايا، ضمان لعدم تكرار تلك الفظاعات ووفاءً بالالتزامات الدولية الرامية إلى حماية الإنسان في ظروف النزاعات وما يترتب عليها من احتجاز قسري، وضمان حرية تعبير الصحراويين بالمخيمات عن رأيهم والبوح بقناعاتهم إزاء نزاع فرض عليهم قسرا، وفتح المجال لعودتهم إلى أرضهم بجنوب المملكة المغربية، للعيش بكرامة وأمن واستقرار.

    إن هذا الفعل يرتب مسؤولية قانونية دولية بموجب مقتضيات المادة العاشرة من اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 والمادة التاسعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واللتين تجرمان تقويض الروابط العائلية وتوظيف الهشاشة العمرية للقاصرين كأداة في النزاعات، مما حول سنوات طفولتي إلى مسار من الاغتراب القسري والحرمان من الرعاية الأبوية.

    وعلاوة على ذلك، خضعت بمعية اللآلاف من الأطفال الإناث والذكور لبرامج وممارسات ممنهجة من الشحن الإيديولوجي والتدريبات العسكرية المصممة لإنتاج أجيال وظيفية تخدم المشروع الانفصالي، وهو ما يصطلح عليه ب «التجنيد المقنع للقاصرين”. فهذا النمط من الاستغلال، الذي تعرضنا له بكوبا لسنوات طوال، من غسل الأدمغة والتدريب على السلاح في بيئات معزولة، لا يمثل فحسب اعتداء على المصالح الفضلى للطفل، بل يرتقي إلى مصاف الجرائم الدولية الموصوفة التي لا ينال منها التقادم الزمني.

    ولذلك، يظل هذا الملف شاهدا على سياسة التوظيف القسري للناشئة، مما يفرض التزاما أخلاقيا وقانونيا على المنتظم الدولي لملاحقة المسؤولين عن هذه الممارسات التي تستهدف مسخ الهوية الإنسانية وتحويل الأطفال إلى أدوات في صراعات مفتعلة لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

    لا أزايد عليكم أستاذ عبد المالك، إن قلت لكم أن واقعة تعرض والدي لتعذيب قاس ومهين للكرامة الإنسانية، لم يعهد له مثيل في تاريخ التعذيب، فوالدي الشيخ اسلامة، رحمه الله وانتقم من معذبيه، يعد نموذجا صارخا لسياسة الاستهداف الممنهج التي طالت الأصوات المعارضة داخل مخيمات تندوف، حيث استخدم التنكيل الجسدي والتمثيل بكرامته كأداة عقابية مباشرة ردا على ممارسته لحقه الأصيل في المعارضة ورفضه الامتثال لبروتوكولات التهجير القسري التي استهدفت طفولة ابنته وصديقاتها.

    إن ما حدث لوالدي من تعذيب قاس وممارسات حاطة من الكرامة الإنسانية، اخرجته عصابة البوليساريو من سياقه الجنائي المباشر ليتم تنفيذه كفعل مشهود أمامنا نحن أفراد أسرته، بحيث لم يعد مساسا بالحق في الحياة والسلامة الجسدية، بل انتقل لإرسال رسائل ترهيب وتخويف للكثير من مكونات المخيمات في إطار ترهيب جماعي مخطط له، يتوخى في عمقه كسر إرادة مجتمعية ويكرس حالة من الرعب المخيف كآلية للضبط والسيطرة داخل فضاءات الاحتجاز.

    ونعتبر كعائلة عانت من قمع واستغلال البوليساريو البشع كينونتنا في الترويج للأكاذيب وإخضاعنا لعذابات نفسية عميقة الأثر، عبر تعذيب أبينا أمام أعين زوجته وابنته الصغيرة، أن ما تعرض له والدي استثنائي بامتياز، لمزاوجته بين التعذيب الجسدي والعنف النفسي المنظم الموجه ضد العائلة، ونحن واثقون أنه جريمة دولية موصوفة تستوجب تفعيل ميكانيزمات المساءلة الجنائية الدولية، فالحصانة الفعلية التي تمتع بها الجناة لعقود لا تلغي الالتزام القانوني بإحقاق العدالة لروح والدي الشهيد الشيخ اسلامة وضمان الانتصاف لنا كعائلة، باعتبار ذلك شرطا لا غنى عنه لتفكيك بنية الإفلات من العقاب في هذه المنطقة المعزولة حقوقيا.

     الانتقال من بيئة مغلقة تحكمها القبضة الحديدية في تندوف، إلى فضاء دولي مفتوح في جنيف للترافع والمواجهة، ليس مسارا سهلا. حدثينا عن تلك اللحظة الفارقة التي قررت فيها كسر جدار الصمت وإيصال صوتك للعالم؟

    لا أخفيك سرا أن إقدامي على كسر حاجز الصمت، لم اعتبره قط مجرد بوح ذاتي، بل هو في جوهره انتفاضة في وجه منظومة قمع ممنهج صاغ معالم مخيمات تندوف لعقود. فهذه المخيمات تتجاوز صفتها كحيز للإقامة الجبرية للتحول منذ اللحظات الأولى لإقامتها إلى مركز احتجاز مفتوح، حيث يصمم ليكون نظاما شموليا يهيمن على كافة أبعاد التحرك الإنساني في المنطقة، ويخضع الجسد والفكر والذاكرة لآليات رقابة لصيقة تتوخى طمس الفرد والجماعة وإعادة هندسة الوعي الجمعي ضمن قالب إيديولوجي أحادي لا يقبل التعدد أو الانعتاق.

    وفي ظل هذه تلك الظروف القاسية واللاإنسانية، حيث باشرت قيادات جبهة البوليساريو، على مدى خمسة عقود، أنماطا من الانتهاكات الجسيمة والممنهجة التي استهدفت المدافعين عن حقوق الإنسان وكل الأصوات الناقدة، وحولت أدوات التنكيل، من تعذيب ممنهج واختفاء قسري وإعدامات خارج نطاق القضاء، إلى ميكانيزمات وظيفية تهدف إلى تحصين مركزية القرار الانفصالي وتكريس حالة الارتهان الوجودي لساكنة المخيمات، مما حول هذا المجال الجغرافي إلى منطقة استثناء حقوقي تقع خارج مدارات الرقابة الدولية والضمانات القانونية الكونية.

    ووسط هذا الفراغ القانوني وغياب المساءلة، قررت أن أتحرر من الحضور في هذا السياق الموبوء في مرحلة أولى والانتقال إلى أرضي ووطني الأم المملكة المغربية، لأنخرط في وقت لاحق في نضال مدني وحقوقي كفعل تحرري يكسر شرط الصمت الوجودي الذي فرض قسرا كآلية للبقاء علي وعلى غيري في المخيمات، في سياق يصنف فيه التعبير كفعل عدائي يوجب الملاحقة.

    وكلي يقين أن هذا الانخراط النضالي يكتسي صبغة الانتصاف المعنوي الذي يعري زيف السرديات المضللة، ويفتح الطريق للكثير من الحناجر التي ما زالت تخشى البوح والكلام عما تقاسيه وما حاق بها في الماضي، فانتقالي من الرضوخ القسري  إلى الترافع الدولي عن أهالينا بالمخيمات يمثل انتصافا واستردادا للحق في نشر سردية الحقيقة وانتصارا لكرامة الضحايا في مواجهة تنظيم قمعي يفتقر لأدنى مقومات المشروعية، مما يضع المنتظم الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية تاريخية لتوثيق هذه الفظاعات كخطوة لا غنى عنها نحو إحقاق العدالة ومكافحة الإفلات من العقاب.

    واعتقد في هذا الصدد، أنني بعد رجوعي إلى بلدي بمعية أخريات فضلن الدفاع عن بلدهن المغرب والصدح بحقيقة ما يقع بمخيمات تندوف، قدمنا مثالا بارزا لانتقال أشخاص خضعوا لبطش جبهة البوليساريو، أصيبوا بصدمة جماعية خاضعة للاستلاب بسبب قوة التحكم السائد بالمخيمات إلى طاقة خارقة للتحرر، لأن إيماننا القاطع برفض ما وقع لنا من تهجير قسري منذ نعومة أظافرنا إلى كوبا، وقضاء قرابة عقدين من الزمن في وضع احتجاز مقنع، لا تمثل مجرد انتهاك لمصلحتنا الفضلى كأطفال ولحقنا الأصيل في الهوية والانتماء، بل هي تجسيد لعملية تدمير نسيج اجتماعي بشكل متطرف يتوخى تطويع الوعي الناشئ لخدمة أجندات سياسية ضيقة. وقد تأسس حراكنا الحقوقي على اعتبار أن التجنيد المقنع الذي مورس ضدنا، والمنطوي على فصل القاصرين عن ذويهم لغرض الشحن الأيديولوجي والتدريب العسكري، يعد خرقا جسيما للاتفاقيات الدولية ذات الصلة، لاسيما تلك التي تجرم استغلال الهشاشة العمرية للأطفال في النزاعات، لا سيما في نزاع الصحراء المغربية المفتعل، وتوظيفهم كأدوات وظيفية لمشاريع الانفصال.

    ويلزمني بهذه المناسبة، التأكيد أن آلة التلقين القسري للحركة الانفصالية، منيت بفشل ذريع في تحقيق غاياتها، إذ انقلب السحر الإيديولوجي على الساحر، وتحولت سنوات الحرمان والاغتراب إلى مختبر للوعي النقدي، منحنا كضحايا وعائلاتنا حسا نقديا وإرادة لا تفتر في تفكيك مخططات البوليساريو وداعمتها الجزائر.

    فالنضج الناتج عن المعاناة، مكننا من تحقيق تغيير جذري من اعتبارنا موضوع للتلقين إلى ذوات فاعلة في المساءلة، نمتلك القدرة على تعرية آليات التضليل وتوظيف الأطفال سياسيا أمام المنتظم الدولي بلسان العارفين بخبايا التنظيم الانفصالي من الداخل، وقد شكلت شهاداتنا المتكررة وتدخلاتنا في دورات مجلس حقوق الإنسان وبالجامعات وبالمحاكم الاسبانية وفي غيرها من اللقاءات والندوات الدولية والوطنية، انتصافا تاريخيا لما لحقنا ولما عانه الصحراويون بمخيمات تندوف من أذى وامتهان للكرامة، حيث لم نكتفي بفضح الجلادين، بل اشتغلنا على انعاش الذاكرة وحاربنا محاولة البوليساريو قتلها، وبذلنا جهودا مضنية في نشر المعرفة بما جرى من فظاعات، وتحسيس الصحراويين بمسؤوليتهم حيال ما وقع وعدم استغلالهم كبيادق في رقعة صراع استنزف كرامتهم الإنسانية لعقود.

    وأود ان أفصح لك أستاذ عبد المالك عن موقف قلما أتقاسمه مع الصحافة أو في المجالس، لأنه يرتبط بعمق انتمائي وولائي، وأحب في الغالب التعبير عنه، قناعة مني بأنه تحصيل حاصل، لكن سؤالكم وتواصلكم الطيب فرضا علي التوضيح أكثر حول شخصي، وكيف انتقلت في صف بلدي المغرب، بل والترافع الدولي من أجل توضيح مواقفه والدفاع عنه لكي ينال حقوقه كاملة تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله.

    أعتقد أن ما يمنح قناعتي ثقلا استثنائيا أنها لم تأت من بيئة داخلية بطبيعتها من الأقاليم الجنوبية، بل اخترت موقفي عن دراية ومعايشة مباشرة للواقعين معا.

    فقناعتي استمدت جذورها وقوتها من كونها معاشة وليست مبلغة من طرف أي أحد، حيث عشت المرارة والحرمان والقمع والتضييق والعزل والتمييز ضدي وضد أسرتي والتهميش المجحف، وانتقلت بعد ذلك إلى أرضي، الصحراء المغربية، وبهذا أجد نفسي وقناعتي في المقارنة اليومية بين واقعين متناقضين، وجودي في المخيمات أعيش في وضعية جمود في قضية لا أفق لها، وداخل المغرب حيث البناء والتعلم والترقي، وحصل لي اليقين في هذا التباين، وهو ما يضفي الحجة الأقوى في اشتغالي على أكثر من واجهة حقوقية ودبلوماسية موازية.

    بصفتك وجهاً حقوقياً بارزاً ومألوفاً في أروقة مجلس حقوق الإنسان بجنيف، ما هي أبرز الانتهاكات والملفات التي تحرصين دائماً على وضعها على طاولة المنتظم الدولي بخصوص واقع المخيمات؟

    يتمحور ترافعنا الدولي أمام مجلس حقوق الإنسان بجنيف حول تسليط الضوء على الانتهاكات الجسيمة المرتكبة داخل مخيمات تندوف وبمحيطها، حيث جعلنا من فراغ المساءلة مدخلا لتعرية عقود من الانتهاكات الوحشية التي طالت المدافعين عن حقوق الإنسان والأصوات المعارضة. والكثير من الأبرياء، ونستند في ذلك إلى سجل حافل بالاختفاء القسري، والتعذيب، والإعدامات خارج نطاق القضاء التي باشرتها قيادات جبهة البوليساريو على مدى خمسة عقود، مطالبين في كل سانحة بإنهاء الحصانة الفعلية التي تحيط بهذه الجرائم عبر تفعيل مقتضيات اتفاقية مناهضة التعذيب والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وذلك من خلال إرساء ميكانيزمات للتحقيق الدولي المستقل كضمانة حتمية لتحقيق العدالة والإنصاف للضحايا وذويهم في مواجهة منظومة أمنية تقتات على ترهيب المحتجزين.

    ونتبنى في نفس الإطار، مقاربة للنوع الاجتماعي تضع معاناة الفئات الأكثر هشاشة كالنساء والطفلات في المخيمات في صلب النقاش الدولي، كاشفين عن فظاعات الاستعباد الاجتماعي والاحتجاز والتحرش الجنسي الذي تتعرض له النساء في بيئة تفتقر لأدنى الضمانات القانونية، وهو ما يمثل خرقا صريحاً لاتفاقية سيداو وللحرمة الشخصية للمرأة الصحراوية التي تقايض كرامتها بالجمود السياسي.

    وتتكامل هذه السردية مع ملف الشحن الإيديولوجي والترحيل القسري للأطفال، مستحضرين تجربتنا الشخصية المريرة كنساء قضين سنوات طوال من النفي والاغتراب القسري، حيث نعزز الوعي بكيفية توظيف برامج ذات واجهة إنسانية، مثل برنامج “عطل في سلام”، لتحويل القاصرين إلى أدوات وظيفية في النزاع المفتعل وتلقينهم خطابات الكراهية، في انتهاك صارخ لاتفاقية حقوق الطفل ومبدأ المصالح الفضلى، مما يستوجب تحركا أمميا عاجلا لانتزاع الناشئة من مخططات المحو الهوياتي والتوظيف السياسي اللإنساني.

    وننشد دائما الرقي في خطابنا خلال مداخلاتنا في مجلس حقوق الانسان، من اجل تشريح الماسي الإنسانية المفتعلة عبر فضح جريمة اختلاس المساعدات الدولية وتحويلها لغايات ربحية وعسكرية، وهو ما يصنف في القانون الدولي الإنساني العرفي ضمن جرائم الحرب التي تفاقم سوء التغذية وتصادر الحق في التنمية لجيل كامل من الشباب الذين يرزحون تحت وطأة الحيف الاجتماعي وغياب آفاق العيش الكريم.

    ونحن واعين كذلك، بضرورة توضيح المسؤولية القانونية والسيادية الكاملة لدولة الجزائر بصفتها بلدا مضيفا للمخيمات وضامنا بموجب ميثاق الأمم المتحدة لسلامة الأشخاص فوق إقليمها، بالإضافة الى تشديدنا على أن المسار نحو تسوية عادلة يمر حتما عبر إنهاء إفلات الجناة من العقاب. متشبثين بدبلوماسية الحقيقة في كافة المحافل الدولية، في تصالح عميق مع الذات يتوكأ على وجوب الانتصار لمبدأ الوحدة الترابية للمملكة المغربية وتعزيز الحل السياسي القائم على الحكم الذاتي كإطار حقوقي وحيد يضمن كرامة الصحراويين وينهي مأساة شتاتهم.

    كيف يتلقى الدبلوماسيون والمنظمات الحقوقية الدولية في جنيف شهاداتك الحية، مقارنة بالخطاب الدعائي والمظلومية المفتعلة التي تروج لها قيادة البوليساريو؟

    دائما تصطدم شهاداتنا وعملنا الحقوقي بازدواجية معرقلة للحقيقة عموما، فالاشتغال من داخل داخل مجلس حقوق الإنسان بجنيف يواجه بازدواجية بنيوية تحكم الفضاء الأممي، حيث يتجاذب المشهد منطقان متنافران، أحدهما منطق الأخلاقي المعياري المستند إلى الاتفاقيات الدولية، والثاني منطق براغماتي جيوستراتيجي للدول الأعضاء. وبينما يجد الخبراء المستقلون والمراقبون الدوليون في روايتنا وشهاداتنا مادة يقينية لتوثيق الانتهاكات الجسيمة الممنهجة، تظل الاستجابة الرسمية رهينة حسابات ديبلوماسية انتقائية، مما يضع المنظومة الأممية أمام اختبار حرج لمدى قدرتها على تغليب جوهر الإنصاف على مقتضيات المصلحة السياسية العابرة.

    وبالرغم من معرفتي اليقينية باكتساب عملي الرصدي والتوثيقي لمشروعية استثنائية، إلى جانب أخواتي الصحراويات المناضلات والساعيات إلى كشف حقيقة ما يجري بالمخيمات، لكونه يجمع بين ثلاثة مستويات من الإثبات، تتمثل في حقيقة الضحايا، ومصداقية الشهود، وكفاءة الفاعلين الحقوقيين بالأقاليم الجنوبية للمملكة، وهو ما يمنح خطابنا قدرة على تعرية ممارسات الظلم العمدية ضد المدنيين بالمخيمات.

    وهذا التدبير الانتهاكي للمخيمات يظهر بوضوح المقاربة الانتقائية الصارخة والتنكر للواقع الميداني في مخيمات تندوف، فضلا عن افتقار التنظيم الانفصالي لأدنى مبادئ حقوق الانسان، إذ تتحرك البوليساريو تحت وصاية جزائرية مطلقة توظف الكوادر الانفصالية كأدوات تنفيذية، مما يفرغ السردية الانفصالية من قيمتها الحقوقية المضافة ويجعلها مجرد صدى لأجندات إقليمية تتوخى الاستنزاف لا الانتصاف.

    وما يمكن إثباته، هو أن هناك هوة سحيقة صدقية ونزاهة الشهادات التي نقدمها وبين ترتيب آثار المساءلة القانونية، بسبب العطالة المؤسساتية التي تعتري آليات الحماية الدولية، حيث يظل غياب المساءلة في تندوف منطقة استثناء حقوقي محصنة بالتوازنات السياسية. وبالرغم من تصاعد النداءات لكسر جدار الصمت وإرسال بعثات لتقصي الحقائق، إلا أن غياب الإرادة الدولية في إلزام الدولة المضيفة بفتح المخيمات أمام الرقابة الأممية يساهم في تأبيد واقع القهر والقمع، وهو تناقض صارخ يزداد تعقيدا عندما تواجه الجزائر نفسها انتقادات أممية حادة بشأن سجلها في قمع المدافعين عن حقوق الإنسان الذين يتواصلون مع الآليات الدولية.

    غير أن تراكم الحقيقة بفعل عمل الناشطات القادمة من الصحراء المغربية، بدأ يحدث فرقا ويرسل إشارات بحدوث تصدعات متنامية في صرح الإفلات من العقاب، ووقوع تحول تدريجي في موازين القوى التوثيقية، أصبح اشتغالنا يفرض نفسه على تقارير الأمين العام للأمم المتحدة، لاسيما فيما يتعلق بتجنيد الأطفال واختلاس المساعدات.

    فالرهان الاستراتيجي الراهن يتمثل في تحويل هذه القناعة الأخلاقية الدولية إلى إلزام قانوني ينهي حالة التغييب القسري للمساءلة في تندوف، فالمعطيات الميدانية تثبت أن محاولات تلميع صورة البوليساريو لم تعد ذات جدوى أمام إصرار الضحايا على استرداد كرامتهم وفرض كشف الحقيقة حول ما جرى، وفرض واقع جديد يبدأ بفتح المخيمات وينتهي بالإنصاف الشامل تحت سيادة القانون.

    باعتباركِ امرأة عاشت المعاناة، كيف تصفين لنا الوضعية الحالية لـ “النساء والأطفال” داخل مخيمات تندوف؟ وهل ما زالوا يمثلون الحلقة الأضعف التي يتم استغلالها للمتاجرة السياسية والإنسانية؟

    من واقع تجربتي كطفلة هجرت قسرا وامرأة عاينت تعذيب والدها بشكل بشع ووصمنا أنا ووالدتي بـ”العمالة” وبغيرها من أبشع النعوت، أؤكد توثيق حالة من الحرمان الشامل من الأهلية المدنية تفرض على النساء واقعا يتسم بالاستغلال القسري والتحرش والاستعمال في الدعاية المغرضة وفي الترويج لخطابات الكراهية، والاستعباد الاجتماعي، والتقييد الممنهج لحرية الحركة والتعبير، في ظل غياب هوية قانونية رسمية ناتج عن الرفض المستمر لإجراء الإحصاء، وهو ما يحول الساكنة إلى أشباح قانونيين من وجهة نظر قانونية، يرزحون تحت وطأة تنظيم أمني يزاوج بين العسكرة والوصاية القبلية، ويجعل من صرخة الضحايا فعلا تحرريا يكسر شرط الصمت الوجودي المفروض كآلية للبقاء.

    وأضيف في هذا الجانب، وجود استهداف للأطفال الصحراويين بالمخيمات، حيث تحول برامج ذات أهداف إنسانية محضة، مثل برنامج «عطل في سلام”، إلى أدوات للشحن الأيديولوجي والتجنيد المقنع والاتجار بالبشر، مما يضع المجتمع الدولي أمام جرائم حرب موصوفة تتنافى مع المصالح الفضلى للطفل.

    ونعتقد أن التوظيف النفعي للمعاناة، المقترن بالاختلاس الممنهج للمساعدات الدولية لتحقيق مآرب ربحية وعسكرية، يكرس فراغا مطلقا للمساءلة تتحمل فيه الدولة المضيفة المسؤولية السيادية عن تأبيد هذا الاستثناء الحقوقي، بالرغم من مناداتنا بالتدخل العاجل لتصحيح هذا الوضع المختل في أكثر من مناسبة. ونوجه نداء صادقا من خلال منبركم الموقر، إلى ضرورة النظر إلى ضحايا تندوف وهم كثر بصفتهم الإنسانية كجهات تمتلك حجة الإثبات الدامغة على تواتر الانتهاكات بمخيمات تندوف، وعدم حماية الصحراويين هناك، وفي مقدمتهم النساء والأطفال كفئات هشة، وهو ما يفرض على الآليات الأممية والجنائية الدولية ضرورة التدخل لفك الحصار عن المحتجزين واسترداد سيادتهم المصادرة على مصيرهم وهويتهم.

    في ظل التعتيم الإعلامي الذي تفرضه القيادة هناك، هل تلمسون عبر تواصلكم تنامياً لوعي الساكنة بزيف الشعارات الانفصالية وحالة من التمرد الصامت أو العلني ضد هذا الوضع؟

    ما يمكن أن أشهد عليه بخصوص سؤالكم حول التعتيم الإعلامي الحاصل والمفروض من طرف جبهة البوليساريو والبلد المضيف، هو أن ترافعنا الحقوقي المستمر في الفضاء الدولي ولا سيما بدورات مجلس حقوق الإنسان، ساهم في تشكل تحول بنيوي في وعي ساكنة مخيمات تندوف، حيث انتقل الحراك من حيز التمرد الصامت والهمس في الخلف إلى طور الممارسة النقدية العلنية والمساءلة السياسية المباشرة.

    ويبرز هذا الانزياح في تآكل الشرعية الثورية المزعومة التي تذرعت بها جبهة البوليساريو لعقود، وبروز فجوة سحيقة بين الخطاب الإيديولوجي وبين الواقع المعاش المطبوع بالحرمان المادي والقمع الأمني، وهو ما تجسد في تنامي ظاهرة الانشقاقات العسكرية النوعية والهروب الجماعي نحو الوطن الأم المملكة المغربية، مما يؤشر على أن طاقة الرفض الكامنة قد بلغت مرحلة الغليان الاستراتيجي التي لم تعد تجدي معها مسكنات المساعدات الدولية أو شعارات التحرر المتآكلة.

    وفي المقابل، تكشف الاستجابة القمعية العنيفة لقيادة البوليساريو والجيش الجزائري تجاه الاحتجاجات السلمية بوجوه مكشوفة، لاسيما تلك المناهضة للتمييز العنصري والتعذيب الممنهج، عن حالة من الارتباك المؤسساتي والذعر من فقدان السيطرة على منطقة الظل الحقوقية.

    وبفعل ميكانيزمات منصات التواصل الاجتماعي واختراق الشبكات الاجتماعية لجدار التعتيم، استردت الساكنة سيادتها على السردية، محولة المعاناة من أداة للابتزاز في يد التنظيم الانفصالي إلى حجة إثبات دامغة تضعه أمام استحقاقات العدالة الجنائية الدولية. فهذا المخاض الجيلي، الذي يقوده شباب لم يعد يرهنه الوهم التأسيسي، يضع المخيمات أمام حتمية التفكيك وتجاوز معضلة الارتهان، معلنا نهاية عهد التغييب القسري للحقيقة بفضل وعي جماعي يرى في العودة إلى السيادة المغربية المخرج الحقوقي والوجودي الوحيد لإنهاء خمسة عقود من الاستثناء الإنساني.

    يشهد ملف الصحراء المغربية دينامية إيجابية وانتصارات دبلوماسية متتالية، مع تزايد الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء وبوجاهة مبادرة “الحكم الذاتي”. من موقعك الحقوقي، كيف ترين تأثير هذه الانتصارات على قرب طي هذا النزاع المفتعل؟

    نشيد بصوت مرتفع بالانتصارات الدبلوماسية المغربية المتلاحقة، وتحديدا القرار الأممي رقم 2797 الصادر في أكتوبر 2025، بوصفها انعطافة حاسمة حولت المكتسبات السياسية إلى درع حماية إنسانية لساكنة مخيمات تندوف، فمن منظور الضحية والشاهدة، لم يعد الزخم الدولي المؤيد لمبادرة الحكم الذاتي مجرد تفوق لسيادة الدولة، بل هو إقرار كوني بنهاية مرحلة التيه القانوني والارتهان الإديولوجي لمشروع انفصالي فاقد للأهلية الواقعية.

    وهنا دائما ما تستوقفني كغيري من أعضاء المجتمع المدني، عبقرية جلالة الملك محمد السادس في ملف الصحراء المغربية، واتخذها زادا لشحذ الهمم وتعزيز الجانب الترافعي، لاسيما فيما يتعلق ببعد نظر جلالته  الاستثنائي في التعامل مع هذا الملف الاستراتيجي، عبر مقاربة حصيفة لإخراج المقترح في 2007، وهو ما يجسد مسار ملك استثنائي بحق، يستند على الثبات على السيادة مع الانفتاح على التفاوض، علاوة على الفكر الدبلوماسي الاستراتيجي، والترافع الاستباقي وبناء سردية الحل  وتوظيف التنمية كحجة دبلوماسية ورد مادي على الأطروحات والحملات المغرضة التي يروج لها الخصوم.

    ولا يفوتني مرة أخرى أن أعبر عن فخري بأسلوب جلالة الملك محمد السادس الحازم دون استفزاز والثابت دون جمود والموازن بدقة متناهية بين القوة والمرونة، فنحن كمدافعات عن حقوق الانسان نعتبر أن ما تحقق إلى حدود الساعة، يمثل الإعلان الرسمي عن غروب السردية الانفصالية وتفكيك منطقة الاستثناء التي دامت خمسة عقود، مما يضع المجتمع الدولي أمام استحقاق أخلاقي لنزع فتيل المعاناة عبر تبني المقترح المغربي كإطار وحيد يزاوج بين السيادة الوطنية وإحقاق الحقوق الوجودية للصحراويين بالمخيمات. لا غالب ولا مغلوب.

    ونرى كذلك أن العزلة الدولية الخانقة التي تضرب جبهة البوليساريو ورعاتها في الجزائر، عقب اصطفاف أكثر من 120 دولة خلف مغربية الصحراء، قد أحدثت تصدعا كبيرا في أسطورة الثورة داخل المخيمات، محولة المعاناة من ورقة للابتزاز السياسي إلى حجة إثبات تعجل بالانتقال نحو مرحلة إنهاء النزاع.

    في ختام هذا الحوار، لو طُلب منك توجيه رسالتين: الأولى للشباب المحتجز واليائس في مخيمات تندوف، والثانية للمجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية.. ماذا ستقولين السيدة سعداني ماءالعينين ؟

    أود في الختام، أن أعيد التأكيد بأن استمرارية حالة الاحتجاز المكاني لشباب مخيمات تندوف خلف جدران التلقين الإيديولوجي، تمثل انتهاكا جسيما للحق في حرية التعبير والرأي وتقرير المصير الفردي، فمن واقع تجربة النفي القسري لمدة طويلة، نؤكد أن صيرورة صناعة الضحية قد استنفدت أمام انكشاف زيف الخطاب الانفصالي وتصاعد مؤشرات الفساد لدى قيادة تتاجر بالمعاناة الإنسانية.

    ومن هذا المنطلق، ندعو الشباب إلى ممارسة حقهم الأصيل في الانعتاق من منطق الوقود البشري والالتحاق بركب المواطنة الكاملة التي توفرها مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، بوصفها الإطار الحقوقي الوحيد الذي يضمن الكرامة ولم الشمل، وينهي حالة التيه القانوني التي حولت طفولتهم إلى ثكنات عسكرية، مانحةً إياهم الفرصة لاستعادة سيادتهم المصادرة على مستقبلهم وهويتهم.

    فعجز المنتظم الدولي عن معالجة غياب المساءلة في تندوف لنصف قرن يضع مصداقية الأمم المتحدة أمام اختبار حاسم، حيث يتحول الاستماع للشهادات دون إجراءات زجرية إلى شكل من أشكال التواطؤ المعياري.

    وبناء عليه، نطالب كمكونات مجتمع مدني بالانتقال الفوري من التوثيق السلبي للانتهاكات إلى الإنفاذ الإجرائي، عبر فرض إحصاء ديموغرافي شامل ومستقل تقوده المفوضية السامية للاجئين لإنهاء التغييب القسري للمركز القانوني للمحتجزين، وإطلاق تحقيقات جنائية دولية بموجب نظام روما الأساسي في جرائم التعذيب وتجنيد الأطفال.

    ونحمل الدولة المضيفة الجزائر كامل المسؤولية القانونية والسيادية عن تأبيد هذا الاستثناء الحقوقي، ونؤكد أن الحصانة الفعلية للجناة لا تلغي الالتزام بضمان سبل الانتصاف للضحايا وتأمين ممرات آمنة للعودة الطوعية، وفاء لقدسية الحق في الحياة وصوناً للأمن الإقليمي من مخاطر الجمود والانسداد السياسي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • نجاح مغربي في السوق المالية الدولية.. وخبير اقتصادي يدعو لربط الاستدانة بنجاعة الاستثمار ومحاربة الفساد

    عبد المالك أهلال

    تمكن المغرب من جمع 2.25 مليار أورو عبر إصدار جديد لسندات في السوق المالية الدولية، في عملية مالية شهدت إقبالا واسعا استقطب طلبا إجماليا بلغ 5.2 مليار أورو، مسجلا معدل تغطية يقارب المرتين والنصف، وفق ما كشفته منصة اقتصاد الشرق مع بلومبرغ.

    وتأتي هذه الخطوة، التي تمت على شريحتين تستحقان في سنتي 2034 و2038، في سياق دينامية اقتصادية متسارعة تفرضها التزامات المغرب المستقبلية، وعلى رأسها الاستعداد لتمويل مشاريع البنية التحتية الضخمة المرتبطة باستضافة كأس العالم 2030، إلى جانب استثمارات استراتيجية في قطاعات الطاقة وتحلية المياه تتجاوز قيمتها الإجمالية 100 مليار دولار حتى نهاية العقد الجاري.

    وقد استفاد هذا الخروج المالي من استعادة المغرب لتصنيفه الائتماني عند درجة جديرة بالاستثمار من طرف وكالة “ستاندرد آند بورز”، مما يترجم ثقة المؤسسات الدولية في صلابة الاقتصاد الوطني رغم التحديات الجيوسياسية وارتفاع عجز الميزانية.

    وفي خضم هذه التحركات المالية التي تهدف الحكومة من خلالها إلى تحقيق توازن بين دعم الاستثمارات ومواصلة خفض عجز الميزانية إلى 3 بالمائة بحلول سنة 2026، تبرز تساؤلات جوهرية حول آليات تدبير هذه القروض لضمان تحقيق التنمية المنشودة.

    وفي هذا السياق، كشف الخبير الاقتصادي محمد جدري، في تصريح لجريدة “العمق”، أن خروج المملكة المغربية إلى السوق المالية الدولية يعتبر خروجا ناجحا بكل المقاييس، حيث طلبت البلاد مبلغا يقدر بحوالي 2.25 مليار أورو، في حين أن العرض الذي تلقته تجاوز حجم الطلب بنسبة بلغت مرتين ونصف.

    وأكد المتحدث ذاته أن هذا المعطى الرقمي يعكس بشكل واضح مستوى الثقة الكبيرة التي تضعها المؤسسات المالية الدولية ومستثمرو القطاع الأجنبي في الاقتصاد الوطني، مشيرا إلى أن هذه الجهات الدائنة تأخذ بعين الاعتبار معيار الصلابة وتصنف المغرب ضمن خانة الدول القادرة على سداد ديونها بكل أريحية.

    وأوضح المحلل الاقتصادي أن لجوء جميع دول العالم للاستدانة، سواء على المستوى المحلي أو على المستوى الدولي من صندوق النقد الدولي أو البنك العالمي أو مؤسسات مالية أخرى، يبقى أمرا طبيعيا جدا، مشبها ذلك بأسرة عادية تقترض من أجل القيام باستثمار في عقار أو اقتناء سيارة أو لتدريس أبنائها أو توفير التطبيب لهم، ومبرزا أن المغرب تمكن من الحصول على هذا القرض بشروط تفضيلية وبنسبة فائدة أقل مما كان يعول عليه في البداية.

    وأضاف جدري، في حديثه للجريدة، أن الدولة المغربية اتخذت قرارا هاما يقضي بتوجيه هذه القروض المالية المحصل عليها بشكل حصري نحو قطاع الاستثمار، معتبرا أن هذا التوجه الاستراتيجي يحمل دلالات إيجابية بالغة الأهمية وضرورية لتحريك عجلة الاقتصاد الوطني.

    وتابع المصدر عينه مبينا أن الإشكالية الحقيقية في المغرب لا تكمن في آلية الاستدانة بحد ذاتها، بل ترتبط أساسا بـ “الحكامة وتسيير وتدبير الموارد المالية”، مسجلا وجود تحديات كبرى تتعلق بغياب النجاعة في الاستثمارات العمومية وما وصفه بـ “الفساد”، مما يجعل التدبير الخاطئ لهذه المديونية يرهن مستقبل الأجيال القادمة لثلاثين أو أربعين سنة مقبلة.

    وأشار الخبير إلى ضرورة العمل المستعجل على تحسين أساليب تدبير الموارد المالية على أرض الميدان والرفع من نجاعة الاستثمارات العمومية لتدارك التأخر الحاصل، مستدلا في هذا السياق بمؤشر الكفاءة الحدية لرأس المال الذي يظهر أن المغرب يحتاج إلى 11 نقطة من الناتج الداخلي الخام لتحقيق نقطة واحدة من النمو، في حين أن المعدل العالمي المسجل لا يتجاوز 6 نقاط فقط لإنتاج نفس النسبة من النمو.

    وشدد المتحدث، في ختام تصريحه، على ضرورة التوجه نحو تنزيل حزمة من التدابير الرامية إلى تقليص حجم الفساد في المغرب، مكررا تأكيده على أن العائق الأساسي يكمن في التدبير الخاطئ للموارد المتأتية من الديون وليس في مبدأ الاقتراض، وهو الواقع الذي يفرض الانكباب على إصلاح منظومة التدبير المالي لعدم الإضرار بالأجيال القادمة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • خبير اقتصادي يحذر من تحول الشيخوخة وضعف تشغيل النساء إلى أزمة مالية بعد 2040

    العمق المغربي

    قال الخبير الاقتصادي سامين أمين إن المغرب يدخل نقطة تحول تاريخية حاسمة في نموذجه الاجتماعي والاقتصادي، محذرا من منظومة تراكمية مترابطة من اللاتوازنات التي تعمل كحلقة مغلقة تعيد إنتاج نفسها وتهدد استدامة الأنظمة الاجتماعية.

    وأوضح المتحدث ذاته في تصريح لجريدة “العمق” تعليقا على تقرير المندوبية السامية للتخطيط حول الاقتصاد غير المهيكل والنوع الاجتماعي والشيخوخة أن الوثيقة الرسمية تبين أن الاقتصاد غير المهيكل لم يعد مجرد قطاع اقتصادي جانبي، بل أصبح آلية امتصاص اجتماعي لفشل النسق الإنتاجي المنظم في خلق فرص عمل كافية، مبرزا أن ضعف مشاركة النساء يتجاوز كونه قضية مساواة ليصبح تهديدا مباشرا لاستدامة قاعدة المساهمين في الحماية الاجتماعية، ومضيفا أن الشيخوخة ليست أزمة مستقبلية بل مسرعا زمنيا سيحول اختلالات الحاضر إلى ضغوط مالية واجتماعية حادة بعد سنة 2040.

    وأكد الخبير الاقتصادي في تصريحه للجريدة أن التقرير يضع أمامنا معادلة شديدة الحساسية، تتجلى في كون الارتفاع المستمر لحجم الاقتصاد غير المهيكل يؤدي بشكل مباشر إلى ارتفاع واستمرار هشاشة تشغيل النساء، وهو ما يفضي في النهاية إلى تسريع التداعيات السلبية لظاهرة الشيخوخة على الاقتصاد الوطني والمجتمع.

    وأضاف سامين أمين أن الرهان الحقيقي للبلاد لم يعد يقتصر فقط على خلق النمو الاقتصادي، بل يستوجب خلق نمو مساهم ونمو منظم ومولد للحقوق الاجتماعية، مشددا على ضرورة الانتقال العاجل نحو اقتصاد منتج ومنظم، واعتماد تشغيل نسائي عالي القيمة، مع العمل الجاد على توسيع القاعدة المساهمة، وتحقيق إنتاجية مرتفعة، إلى جانب إرساء تحول ترابي ذكي.

    وأشار المحلل الاقتصادي إلى أن الهدف من هذه التحولات هو تحويل الشيخوخة من عبء إلى اقتصاد فضي يساهم في التنمية، معتبرا أن التقرير المشترك بين مندوبية التخطيط والأمم المتحدة يحتوي على بذور تحول تنموي عميق، تتجلى معالمها في الاقتصاد الفضي، والاقتصاد النسائي المنتج، والتحول نحو اقتصاد القيمة، فضلا عن إعادة هندسة المجال الترابي، والاعتماد على التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الأصالة والمعاصرة يطوي صفحة الوجوه “القديمة” بأزيلال ويراهن على كفاءات محلية جديدة

    عبد المالك أهلال

    كشف عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة ورئيس مجلس جهة بني ملال- خنيفرة، عادل بركات، أن التنظيم السياسي يتجه نحو إحداث قطيعة تامة مع الأسماء الانتخابية القديمة، والرهان بشكل كبير على وجوه سياسية جديدة وشابة في الاستحقاقات المقبلة، مشيرا إلى أن القيادة الحزبية تبحث عن برلمانيين حقيقيين يتواصلون بشكل يومي مع المواطنين لإنهاء عهد النواب الذين يختفون بمجرد فوزهم بمقاعدهم البرلمانية.

    وأكد المسؤول الحزبي في تصريح خاص لجريدة “العمق” أن الحسم النهائي في مسألة التزكيات الخاصة بالدائرتين الانتخابيتين التابعتين لإقليم أزيلال لم يتم بعد، موضحا أن الإعلان الرسمي عن أسماء المرشحين المختارين يبقى من الاختصاصات الحصرية للأمانة العامة والمنسقة الوطنية للحزب، وذلك تفاعلا مع ما ترفعه القواعد الحزبية التي تلعب دورا توجيهيا في اقتراح ورسم ملامح المرشحين الأنسب للمرحلة.

    وأوضح المتحدث ذاته، ردا على سؤال حول وثيقة مسربة تفيد بطي الحزب لصفحة الوجوه القديمة، أن هذا التوجه العام ليس حكرا على إقليم أزيلال وحده، بل يميل نحو ضخ دماء جديدة في كافة دوائر الجهة، مبرزا أن الحزب يطمح لتقديم جيل جديد من الكفاءات القادرة على تحمل المسؤولية ومواجهة التحديات التنموية الراهنة التي تعرفها المنطقة.

    وتابع القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة انتقاده الحاد للممارسات السابقة لبعض البرلمانيين، معتبرا أن طموح الحزب الأساسي يتمثل في القطع النهائي مع النواب الذين ينجحون في الانتخابات ليغادروا نحو مدينة الرباط للاستقرار بها، تاركين الحزب في موقف محرج ومواجهة مباشرة مع غضب واحتجاجات الساكنة المحلية التي منحتهم أصواتها.

    وأضاف المسؤول الجهوي أن هذه الفئة من المنتخبين تعمد إلى إغلاق هواتفها في وجه الناخبين طيلة خمس سنوات كاملة من الولاية التشريعية دون تقديم أي حصيلة تذكر، ولا تعاود الظهور إلا مع اقتراب موعد الحملات الانتخابية حيث تشرع في استعمال طرق غير أخلاقية لمحاولة العودة للمشهد، مسجلا أن هذه السلوكات تدفع المواطنين إلى فقدان الثقة في السياسة.

    وأشار المصدر عينه إلى أن الرؤية الجديدة لحزب الأصالة والمعاصرة ترتكز على ترشيح أبناء المنطقة الذين يقطنون فعليا داخل نفوذ دوائرهم، لكي يكونوا في الخطوط الأمامية لمواجهة الأزمات المحلية من قبيل مشاكل العطش والبنية التحتية، مبديا أسفه لكون غياب البرلمانيين أثناء الأزمات يلقي بالعبء كاملا على عاتق مؤسسات أخرى كالوالي أو العامل أو رؤساء الجهات والمجالس الإقليمية.

    وخلص المتحدث إلى أن استرجاع ثقة المواطنين في العملية السياسية يتطلب حتما مقاربة مغايرة تعتمد على ترشيح طاقات شابة تعيش هموم المواطن البسيط وتتواصل معه بصفة دائمة، معتبرا أن النموذج الناجح للبرلماني هو الذي يوازن بين حضور الجلسات التشريعية والتواجد الميداني المستمر سواء داخل الجماعات أو المجالس الإقليمية ليكون قريبا من نبض الشارع الجبلي ومشاكله.

    يذكر أن حزب حزب الأصالة والمعاصرة سبق أن حصد مقعدين خلال الانتخابات البرلمانية السابقة، حيث فاز سعيد أتغلاست بمقعد عن دائرة أبزو  واويزغت، فيما ظفر المقاول المعروف إبراهيم مجاهد بمقعد عن دائرة دمنات أزيلال.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • خبير اقتصادي: تجاوز “عقدة الفرنسية” والحكامة مفتاح استقطاب الاستثمارات الأجنبية

    عبد المالك أهلال

    في ظل التحولات الاقتصادية التي يشهدها المغرب خلال السنوات الأخيرة، برز توجه واضح نحو تعزيز البنية التحتية وتطوير القطاعات الصناعية، مدعوما بإطلاق مخططات استراتيجية واستثمارات كبرى همّت الموانئ والطرق والصناعات الحديثة. وقد ساهم هذا المسار في تحقيق مؤشرات إيجابية على مستوى بعض الصادرات، خاصة في مجالات السيارات والطيران، ما يعكس سعي المملكة إلى تنويع اقتصادها وتقليص الاعتماد على القطاعات التقليدية.

    غير أن هذه الدينامية الاستثمارية تطرح في المقابل تساؤلات حول مدى قدرتها على تحقيق الأثر المنتظر على مستوى التشغيل وجاذبية الاستثمار الأجنبي، في ظل استمرار تحديات مرتبطة بالحكامة، والتسويق الاقتصادي، وتأهيل الكفاءات.

    وفي هذا السياق، أكد المحلل الاقتصادي رشيد الساري، في تصريح لجريدة “العمق”، أن المنظومة الاقتصادية المغربية تحتاج إلى إعادة نظر شاملة، مبرزا المفارقة الكبيرة بين حجم الاستثمارات الضخمة في البنيات التحتية والصناعية، وبين الارتفاع المخيف لمعدلات البطالة وضعف استقطاب الاستثمارات الأجنبية مقارنة بالمؤهلات والفرص المتاحة.

    وأوضح المصدر ذاته أن المغرب انخرط بشكل كبير ومهم في المجال الصناعي متجاوزا الاعتماد الحصري على القطاعات التقليدية كالفلاحة والسياحة، ليؤسس بنية صناعية قوية منذ إطلاق المخطط الصناعي لسنوات 2014 و2018، مشيرا إلى أن المداخيل المسجلة خلال الشهر الأول من العام الجاري أظهرت ارتفاعا ملموسا في صادرات قطاعي السيارات والطائرات، مقابل تسجيل تراجع في الصناعات الاستخراجية والنسيج وغيرها، مما يعكس توجها اقتصاديا جديدا للمملكة.

    وأضاف المتحدث أن هذا التوجه تعزز بتقوية الشبكات الطرقية والمخططات المينائية الكبرى، حيث أشار إلى ميناء طنجة المتوسط وميناء الناظور غرب المتوسط، إلى جانب ميناء الداخلة الأطلسي الذي تتجاوز تكلفة إنجازه 10 ملايير درهم، فضلا عن إخراج ميثاق جديد للاستثمار، وتخفيض الإجراءات الإدارية بنسبة 45 في المائة، وتقديم مجموعة من التحفيزات الضريبية المهمة.

    واعتبر الخبير الاقتصادي أن عدد الوافدين من المستثمرين الأجانب ليس بالأمر الكبير أو المدهش رغم كل هذه المجهودات التشريعية واللوجستية، حيث يحتل المغرب المرتبة الثالثة عشرة إفريقيا والثامنة عربيا في استقطاب الاستثمارات، مبرزا أن التطور في البنيات التحتية والصناعية لم يواكبه تسويق جيد لما تتمتع به المملكة من إمكانيات في قطاعات حديثة كالطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والطاقتين الريحية والشمسية، رغم اعتماد الدولة على مبدأ “رابح-رابح” مع شركائها الدوليين.

    وكشف الساري في تصريحه لـ”العمق” عن استمرار بعض العراقيل البيروقراطية رغم تقليص الإجراءات الإدارية، مسجلا افتقار المنظومة للحكامة وللكفاءات العالية بالشكل المطلوب، إلى جانب محدودية التواصل الذي يقتصر غالبا على اللغة الفرنسية على حساب اللغة الإنجليزية التي تعد لغة المال والأعمال عالميا، وهو ما يضعف آليات التسويق الدولي لجلب المستثمرين الأجانب.

    وشدد المحلل الاقتصادي في ختام تصريحه على الحاجة الماسة لسياسات جديدة في مجالات التكوين وتأهيل الكفاءات والتسويق الاستثماري، محذرا من أن المبالغ الكبيرة المستثمرة واجتماعات اللجنة الوطنية للاستثمارات التي يترأسها رئيس الحكومة، والتي بلغت دورتها العاشرة، لم تنعكس بالشكل الكافي على أرض الواقع، حيث لم يتم توظيف هذه المشاريع لامتصاص العاطلين، مما جعل معدلات البطالة تبلغ مستويات وصفها بالمخيفة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • خبير يشرح لـ”العمق” سر التحول النوعي في الموقف الدولي من قضية الصحراء

    عبد المالك أهلال

    في سياق دولي يتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية وتزايد الرهان على الاستقرار الإقليمي، يستمر ملف الصحراء المغربية في تصدر واجهة الاهتمام الدبلوماسي، مدفوعا بزخم متنامٍ يعكس تحولا تدريجيا في مقاربات عدد من الفاعلين الدوليين. ويبرز هذا التطور في ظل توجه متزايد نحو تبني حلول واقعية وقابلة للتطبيق، قادرة على تجاوز حالة الجمود التي طبعت هذا النزاع لسنوات.

    وفي هذا الإطار، يطرح مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب باعتباره إحدى الصيغ التي تحظى بنقاش متجدد داخل الأوساط الدولية، خاصة مع تزايد الإشارات إلى ارتباط هذا الملف برهانات أوسع تتعلق بالأمن الإقليمي والتنمية في منطقة شمال إفريقيا والساحل. كما يتقاطع هذا النقاش مع دينامية داخلية تعرفها الأقاليم الجنوبية، ما يضفي بعدا عمليا على مختلف التصورات المطروحة لحل النزاع.

    وفي هذا السياق، أكد المحلل السياسي والمتخصص في قضايا الصحراء، بوجمعة بيناهو، في تصريح لجريدة “العمق”، أن المقترح المغربي المتعلق بمنح الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية للمملكة يشهد دينامية متزايدة خلال الفترة الأخيرة، مبرزا أن هذا الزخم يعكس تحولات نوعية في طريقة تعاطي المجتمع الدولي مع هذا الملف، ويثبت تنامي القناعة بواقعية هذا المقترح ومصداقيته كأرضية جادة للتوصل إلى حل سياسي دائم.

    وأوضح الخبير ذاته أن هذا الزخم المتصاعد يرتبط بشكل وثيق بالسياق الدولي الراهن الذي يتسم بتفضيل الحلول العملية والقابلة للتطبيق على حساب الطروحات النظرية أو المتجاوزة، مبينا أن مخطط الحكم الذاتي برز في هذا الإطار باعتباره مبادرة متوازنة تضمن تدبيرا ديمقراطيا لشؤون الأقاليم الجنوبية مع الحفاظ على سيادة المملكة ووحدتها الترابية، وهو ما جعله يحظى بدعم متنام من قبل عدد من القوى الدولية والإقليمية المؤثرة.

    وأشار المتحدث إلى أن هذا التطور يعكس إدراكا متزايدا لدى العديد من الفاعلين الدوليين بأهمية الاستقرار في منطقة شمال إفريقيا والساحل، لا سيما في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية المتصاعدة، معتبرا أن دعم المبادرة المغربية يأتي أيضا في إطار البحث عن حلول فعلية تساهم في تعزيز الأمن الإقليمي وفتح آفاق جديدة للتنمية والتكامل الاقتصادي بالمنطقة.

    وأضاف المحلل السياسي أن هذا الزخم يندرج ضمن مسار أممي واضح أضحت فيه المبادرة المغربية تشكل مرجعية أساسية في إطار الجهود الرامية إلى إيجاد تسوية سياسية نهائية لهذا النزاع على أساس التوافق بين الأطراف، مسجلا أن هذا التوجه يتعزز بما تحمله المبادرة من عناصر مرونة وانفتاح تسمح بإدماج مختلف التصورات ضمن إطار يحفظ الكرامة ويضمن الحقوق.

    وتابع المصدر ذاته التأكيد على أن هذا التقدم الدبلوماسي يتقاطع بشكل مباشر مع دينامية تنموية ملحوظة تعرفها الأقاليم الجنوبية للمملكة، وذلك من خلال إطلاق مشاريع كبرى في مجالات البنية التحتية والاستثمار والطاقات المتجددة، مشددا على أن هذه الأوراش المفتوحة تعزز مصداقية الطرح المغربي وتمنحه بعدا عمليا يتجاوز الإطار النظري المحض.

    وأبرز بيناهو في ختام تصريحه أن المرحلة الحالية تبدو مفصلية حيث تتقاطع الإرادة الوطنية مع دعم دولي متزايد، بما يفتح المجال أمام ترسيخ حل سياسي نهائي يقوم على الواقعية والتوافق ويطوي صفحة هذا النزاع بما يخدم مصالح شعوب المنطقة، مشددا على أن المملكة المغربية تظل منفتحة على كل المبادرات الجادة والبناءة في إطار احترام ثوابتها الوطنية، مع مواصلة الانخراط الإيجابي في المسار الأممي بما يفضي إلى حل عادل ودائم لهذا الملف.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • انحياز “أمنستي”.. الكاين يكشف لـ”العمق” كيف تحولت مخيمات تندوف إلى “ثقب أسود” للمساءلة الحقوقية

    عبد المالك أهلال

    أكد عبد الوهاب الكاين، الكاتب العام لتحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، وجود انحياز منهجي وازدواجية صريحة في المعايير داخل التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية لعام 2025، متهما المنظمة بتوفير حماية سياسية للجزائر وجبهة البوليساريو عبر التغاضي عن الانتهاكات الجسيمة المرتكبة بمخيمات تندوف واختزالها في أزمات إنسانية مرتبطة بنقص الغذاء.

    وأوضح الكاين، في حوار  خاص مع  جريدة “العمق” أن المنظمة الدولية تعتمد تأطيرا مزدوجا يضع المغرب تحت مجهر المساءلة الحقوقية الصارمة بتوثيق حالات فردية ضمن فئات قانونية واضحة، بينما تدرج الوضع في تندوف ضمن فصل الجزائر بخلفية إنسانية بحتة. وأضاف أن هذا النهج يغيب المسؤولية السيادية للدولة الجزائرية عما يقع فوق إقليمها، ويخلق فراغا رقابيا يعفي سلطات الأمر الواقع من أية محاسبة قانونية.

    وأكد المسؤول الحقوقي أن التحالف سبق أن أبلغ الهيئات الدولية رسميا بقائمة تضم إحدى وعشرين حالة قتل خارج نطاق القضاء ارتكبها الجيش الجزائري في محيط المخيمات، من بينها حالات وقعت في شهر أبريل 2025، غير أن منظمة العفو الدولية تجاهلت إدراجها كليا. وتابع أن المنظمة تمتلك تقنيات متطورة كالاستشعار عن بعد استخدمتها في مناطق مغلقة أخرى، لكنها أحجمت عن توظيفها لرصد استخدام الذخيرة الحية ضد المدنيين الصحراويين تفاديا للاصطدام بالسلطات الجزائرية وحفاظا على ترخيص عملها بالعاصمة.

    وأشار الكاتب العام إلى أن مخيمات تندوف تحولت إلى ثقب أسود للمساءلة نتيجة تضافر عوامل بنيوية، أبرزها رفض إحصاء السكان لثلاثة عقود بهدف تضخيم الأعداد لضمان حصص أكبر من المساعدات التي تباع في أسواق مجاورة لتمويل صفقات الأسلحة. وكشف أن المنظمة تقصي التقارير التي ترصد فظاعات القيادة الانفصالية وتعتمد على جهات ذات اصطفاف إيديولوجي، مما يكرس تراتبية تجعل معاناة سكان المخيمات مجرد أرقام تفتقر للشخصية القانونية التي تمنح المرافعة قوتها.

    وخلص الكاين في حواره إلى التحذير من التداعيات الخطيرة لهذا التفاوت المنهجي على عملية صنع القرار، موضحا أن تقديم هيئات عالمية لخرائط غير متماثلة عن واقع حقوق الإنسان يضلل مجلس الأمن الدولي الذي أطر النزاع مؤخرا في قراره الأخير بوصف الجزائر طرفا فاعلا. وأردف أن هذا الإخفاق يساهم في بناء تصورات دبلوماسية مغلوطة تخدم الرواية الرسمية الجزائرية وتعيق التوصل إلى تقييم محايد لحقيقة النزاع.

    نص الحوار كاملا:

    لماذا يصنف التقرير حقوق الإنسان في مخيمات تندوف حصريا تحت العنوان الإنساني “حقوق اللاجئين والمهاجرين” في الفصل الخاص بالجزائر، بينما تعالج أوضاع مماثلة في الفصل الخاص بالمغرب كقضايا “أمن الدولة” و”الحريات المدنية”؟ هل يعمل هذا التأطير بشكل منهجي على حماية الدولة المضيفة (الجزائر) من مسؤوليتها السيادية عن الانتهاكات المتعلقة بالأمن التي تقع على أراضيها؟

    تطرح هذه القراءة النقدية لتقرير منظمة العفو الدولية، في الشق المتعلق بالمغرب والجزائر ومخيمات تندوف، إشكالية قانونية وحقوقية جوهرية تتعلق بمسؤولية الجزائر بوصفها الدولة المضيفة لمخيمات تندوف، إذ ترسي اتفاقية وضع اللاجئين لعام 1951 وبروتوكولها والقانون الدولي العرفي مبدأ المسؤولية السيادية الكاملة عما يجري داخل الإقليم الوطني. غير أن المنظمات الحقوقية الدولية، ولا سيما منظمة العفو الدولية، تعتمد تأطيرا مزدوجا إشكاليا يصنف البوليساريو مديرا تنفيذيا يوميا، والجزائر ضامنا سياديا، دون أن يفضي ذلك فعليا إلى مساءلة الأخيرة عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان موثقة على أراضيها.

    ويترتب على هذا التأطير الإنساني الحصري أثر إجرائي خطير، يتمثل في إقصاء الجزائر من دائرة المساءلة الأمنية السيادية، حيث يتجلى هذا التفاوت بوضوح في المعالجة التوثيقية المتباينة، إذ حين توثق منظمة العفو اعتقال ناشطي حركة “مانيش راضي” داخل العاصمة تسند الانتهاكات صراحة إلى الدولة بالأسماء والتواريخ والمواد القانونية، في المقابل تغيب كليا عن التقارير ذاتها حوادث العنف العسكري الجزائري في محيط مخيمات تندوف وما تخللها من قتل مدنيين صحراويين وتقييد لحرية تنقلهم.

    ويرى تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية أن هذا التباين ليس مجرد قصور في التركيز، بل هو خيار هيكلي ممنهج، يسهم في تكريسه عاملان رئيسيان، أولهما تفاوت إمكانية الوصول الميداني، إذ تفرض الجزائر والبوليساريو قيودا مشددة على منطقة تندوف تحد من قدرة الباحثين على التحقق الميداني، وثانيهما المحافظة المنهجية في اعتماد معايير إثباتية صارمة تستلزم شهودا موثوقين، مما ينتج بقعا عمياء منهجية حين تكون الدولة محل الفحص هي ذاتها من يشيد عوائق الوصول.

    وخلاصة ما توصي به هذه القراءة النقدية، هو معالجة هذا الخلل الهيكلي بإخضاع الجزائر لمعايير الإسناد القانوني ذاتها المطبقة على سلوكها داخل عاصمتها، مع إدراج صريح لأي انتهاكات موثقة تتعلق بالسلوك العسكري الجزائري ضمن أقسام القوات الأمنية وحرية التنقل في التقارير الدولية، ذلك أن الأثر الفعلي للتأطير الراهن، بصرف النظر عن القصد، هو إفلات الجزائر من كل مساءلة سيادية، في تناقض صارخ مع المبادئ التأسيسية للقانون الدولي لحقوق الإنسان.

    ما الذي يفسر التفاوت في التفاصيل الدقيقة بين توثيق حركة “مانيش راضي” في الجزائر العاصمة، والتجاهل التام لضحايا العنف العسكري في محيط مخيمات تندوف؟ لماذا تمنح الأولوية لأسماء وتواريخ وأرقام القضايا الخاصة بنشطاء الجزائر العاصمة على حساب الهويات الموثقة للصحراويين الذين قتلوا برصاص الدوريات العسكرية؟

    يكشف تقرير منظمة العفو الدولية لعام 2025 عن تفاوت توثيقي صارخ بين معالجته للانتهاكات داخل الجزائر العاصمة وتلك المرتكبة في محيط مخيمات تندوف، إذ يُوثّق الفصل الخاص بالجزائر حالات فردية بدقة إسنادية عالية، تشمل أسماء المعتقلين وتواريخ الاعتقال والتهم والأحكام القضائية، في حين يخلو قسم تندوف كليا من أي توثيق أمني فردي، مقتصرا على مؤشرات إنسانية كمعدلات سوء التغذية وإحصائيات برنامج الأغذية العالمي.

    وتقدم هذه القراءة النقدية جملة من التفسيرات الهيكلية لهذا التباين، أبرزها أن انتهاكات العاصمة تمر عبر منظومة قضائية رسمية تنتج سجلات قابلة للتحقق، في حين تقع الحوادث الأمنية في تندوف بمعزل عن الشهود المستقلين والإجراءات القانونية الرسمية. غير أن التحالف يرفض قبول هذا المبرر على علاته، معتبرا إياه ذريعة تخفي وراءها تواطؤا ناجما عن خشية المنظمات الدولية من الاصطدام بالسلطات الجزائرية جراء إجراء رصد مستقل في تندوف.

    يتجاوز التحالف التفسيرات المنهجية ليشير إلى بعد سياسي، إذ يرى أن حركة “مانيش راضي” استفادت من تغطية إعلامية واسعة ونشاط رقمي وفر للمنظمة مسارات تحقيق واضحة، في حين تظل حوادث العنف وارتكاب الانتهاكات الجسيمة في تندوف غير مرئية لآليات بناء الملفات المعتمدة لدى المنظمة، على الرغم من أن التحالف أحاط المنظمة علما بتقرير مفصل يوضح ارتكاب قوات الجيش الجزائري لعمليات القتل والإعدام خارج نطاق القضاء منذ عام 2014، حيث شمل واحد وعشرون حالة قتل خارج نطاق القضاء، حالتان منها، وقعت في الفترة المشمولة بالتقرير، مرفقة بأسماء الضحايا وتواريخ التنفيذ وملابسات الجرائم.

    وتسجل هذه القراءة تناقضا داخليا في موقف المنظمة ذاتها، إذ سبق لها المطالبة بإضافة مكوّن لمراقبة حقوق الإنسان إلى ولاية المينورسو، معترفة ضمنيا بأن غياب الرقابة المستقلة يولد فجوات توثيقية، بيد أن تقريرها السنوي لا يربط بين هذا الموقف الترافعي وبين الفجوات التي يعكسها، مما يكشف عن عدم اتساق داخلي يضعف مصداقية المنظمة ويقوض حجج التحفظ الإثباتي التي تسوقها.

    تنبع الإشكالية في جوهرها من الهندسة التصنيفية للتقرير، التي تمنح أفضلية منهجية للانتهاكات المندرجة ضمن أطر قانونية رسمية، وتهمش تلك الواقعة في المناطق الرمادية كمخيمات تندوف، حيث تتضارب الصلاحيات بين الجزائر التي تحكم السيطرة على الوصول دون أن تتحمل المسؤولية الإدارية، والبوليساريو التي تدير دون أن تحظى بصفة الدولة المعترف بها، والمينورسو التي تراقب دون أن تمتلك تفويضا حقوقيا، مما يفضي إلى فراغ رقابي تعيد فيه المنظمة إنتاج التسوية السياسية عوضا عن تحديها.

    وقد خلصنا في تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية إلى أن تأطير تندوف حصريا بوصفه شأنا إنسانيا ليس موقفا محايدا، بل خيار هيكلي يتوافق مع الصورة التي تروج لها الجزائر عن نفسها بوصفها مضيفا كريما لا طرفا سياديا مسؤولا، مما يوجب على المنظمة الإقرار صراحة بأن فجوات التوثيق في قسم تندوف هي نتاج هيكلي لسياسة منع الوصول، وأن تصنف هذه السياسة في حد ذاتها انتهاكا حقوقيا مستقلا، بمعزل عن إمكانية التحقق من الانتهاكات الكامنة وفق معاييرها الإثباتية.

    بالنظر إلى أن تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية الذي تمثلونه قد أبلغ الهيئات الدولية رسميا في أبريل 2025 بقائمة تضم 21 حالة قتل خارج نطاق القضاء موثقة، بما في ذلك مقتل سيد أحمد ولد غلام والناجم ولد محمود في 9 أبريل 2025، ما هي العتبة الإثباتية التي عجزت هذه الحالات عن بلوغها لكي تدرج في التقرير السنوي لعام 2026؟

    تشترط منهجية الإثبات لدى منظمة العفو الدولية في أعلى درجات صرامتها توافر شهادات مباشرة من ضحايا أو شهود، يجمعها باحثو المنظمة أنفسهم، معززة بمصدر مستقل إضافي كالسجلات الطبية أو الأدلة الرقمية. وعلى الرغم من أن رسالة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية الموجهة للإجراءات الخاصة للأمم المتحدة وللمنظمة بشكل متزامن، في 16 أبريل 2025 تضمنت بيانات وافية تشمل أسماء الضحايا وتواريخ الأحداث وأماكنها، فإن المنظمة لم ترقها إلى مستوى المعلومات الموثوقة الكافية للإدراج في تقاريرها الرسمية.

    وتبعا لذلك، يقر التحالف بمشروعية اشتراط التحقق المستقل من الادعاءات الصادرة عن أطراف ذات مصلحة سياسية، غير أنه يطعن في تطبيق هذا المعيار بصورة انتقائية، إذ تعتمد المنظمة بانتظام على شهادات منظمات ذات مصلحة سياسية في سياقات أخرى كالقضية الفلسطينية والأزمة الأوكرانية، في حين يبدو المعيار المطبق على المنظمات الصحراوية أشد تقييدا وأكثر تشددا. فضلا عن ذلك، فإن اشتراط الوصول الميداني المسبق كشرط للتوثيق يتحول في حالة تندوف إلى منظومة مكافأة للدول التي تنجح في تقييد الوصول التحقيقي، منتِجا صمتا توثيقيا يخدم مصالح الجزائر.

    يكشف التحالف عن بعد زمني بالغ الدلالة، إذ وقعت بعض الإعدامات في التاسع من أبريل 2025، وأرسلت رسالة التحالف في السادس عشر من الشهر ذاته، مما أتاح لمنظمة العفو الدولية أحد عشر شهرا للتحقيق وتقييم استيفاء تلك الحالات لعتبتها الإثباتية. ويؤكد التحالف أن غياب أي إشارة إليها، حتى في صيغة مشروطة تقر بتلقي مزاعم لم يتسن التحقق منها، لا يعد نتيجة قيد منهجي محايد، بل خيارا مؤسساتيا واعيا بالصمت.

    وتذهب قراءتنا النقدية للتقرير إلى أن ثمة بعدا سياسيا يفسر، وإن لم يبرر، هذا الصمت المؤسساتي، إذ إن توثيق إعدامات خارج نطاق القضاء منسوبة إلى الجيش الجزائري سيوظَف فورا في دعم ادعاءات أوسع أمام آليات الأمم المتحدة بشأن انتهاكات جسيمة ترتكبها الجزائر بحق سكان المخيمات. وهذا التعقيد السياسي يكشف أن صمت المنظمة ليس محايدا ولا منهجيا بحتا، بل هو موقف ذو أثر سياسي يصب في نهاية المطاف في خدمة الرواية الرسمية الجزائرية.

    تستخدم منظمة العفو الدولية بشكل مشهور تقنيات الاستشعار عن بعد، وصور الأقمار الصناعية، والشهادات الرقمية الموثقة لتوثيق الانتهاكات في البيئات المغلقة مثل شينجيانغ أو كوريا الشمالية. لماذا لم تستخدم هذه الأدوات المنهجية ذاتها للتحقيق في الاستخدام الموثق للذخيرة الحية والطائرات المسيرة من قبل الجيش الجزائري ضد المدنيين الصحراويين في مخيمات تندوف؟

    تمتلك منظمة العفو الدولية ترسانة تقنية متطورة للتحقق عن بعد، إذ تعتمد على صور الأقمار الصناعية منذ عام 2007، وتضم في هيكلها مختبر أدلة متخصصا يشغله مستشار متخصص في الاستشعار عن بعد منذ عام 2016. وقد وظفت المنظمة هذه القدرات التقنية بفاعلية في حالة شينجيانغ عام 2021، حيث اعتمد تقريرها على صور الأقمار الصناعية والبيانات الرقمية لرسم صورة شاملة عن ظروف معسكرات الاحتجاز رغم استحالة الوصول الميداني. وهو ما يجعل إغفال تطبيق الأدوات ذاتها على وضع تندوف أمرا يستدعي تفسيرا موضوعيا دقيقا.

    ونرى أن الظروف الهيكلية التي بررت اللجوء إلى الاستشعار عن بعد في شينجيانغ، تنطبق على وضع تندوف بالقدر ذاته، بل وبقوة أكبر في بعض الأوجه، فالمنطقة محاطة بإغلاق جغرافي يحول دون وصول الباحثين المستقلين، فيما تتوفر شهادات من مجتمعات الشتات الصحراوي المنتشرة في أوروبا وموريتانيا والمغرب، خلافا لحالة شينجيانغ. فضلا عن ذلك، فإن حوادث بعينها كالغارة العسكرية الجزائرية على المنقبين عن الذهب في الحدود الجزائرية الموريتانية في مايو 2024، تركت آثارا فيزيائية قابلة للرصد والتحقق عبر الأقمار الصناعية، لا سيما مع توفر إحداثيات جغرافية محددة.

    ويقدم تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية تفسيرا جوهريا لهذا التفاوت، مفاده أن أدوات الاستشعار عن بعد والتحقق الرقمي لم تطبق على تندوف بسبب غياب المحفز المؤسساتي، إذ ينشط مختبر الأدلة عادة استجابة لتغطية إعلامية دولية واسعة أو لطلب تحقيق داخلي رسمي، وكلاهما يفتقر إليهما ملف تندوف. ويزيد من ثقل هذا الإشكال أن مقاطع الفيديو المتداولة لتفريق عائلات ضحايا إعدامات أبريل 2025 على يد جنود جزائريين تمثل بالذات النوع من الأدلة الرقمية الذي يتخصص مختبر الأدلة في التحقق منه عبر تحديد الموقع الجغرافي وتحليل البيانات الوصفية.

    كشفت القراءة النقدية للتقرير عن تناقض منهجي بالغ الخطورة في موقف المنظمة ذاتها، إذ تجادل صراحة في موادها الترافعية بأن غياب الرقابة المستقلة في تندوف يشكل في حد ذاته مشكلة حقوقية تستوجب الحل، بيد أنها تمتنع في الوقت ذاته عن تطبيق قدراتها التقنية والتحقيقية المتاحة على الانتهاكات الموثقة في المنطقة. ويلزم هذا التناقض المنظمة الدولية بموجب المنطق الحقوقي، بأن تسعى بمواردها الذاتية إلى سد الفجوة الرقابية التي تقر بوجودها، لا أن تكتفي بالدعوة إلى الإصلاح المؤسساتي مع الإحجام عن التحرك الميداني والتقني.

    وتخلص القراءة إلى أن إخفاق منظمة العفو الدولية في توثيق وضع تندوف لا يفسر بقيود الإثبات وحدها، بل يعكس خيارات مؤسساتية تتعلق بأولويات التحقيق والمخاطر السياسية. فالحالات الموثقة، بما فيها إعدامات أبريل 2025 والغارة العسكرية في مايو 2024 وشهادات الشتات أمام الأمم المتحدة، تستوفي بالمعايير التي طبقتها المنظمة في شينجيانغ وميانمار وكوريا الشمالية عتبة إطلاق تحقيق تقني وإدراج مزاعم ذات مصداقية في التقرير السنوي. وغياب هذا التوثيق لا يثبت عدم وقوع الانتهاكات، بل يثبت أن الصمت المؤسساتي ينتج بقعة عمياء ممنهجة تخدم بصورة غير متكافئة، الدولة الجزائرية المسؤولة عن استمرار الظروف التي تجعل التوثيق عسيرا.

    هل فعلا فرض المغرب حظرا فعليا على بعثات منظمة العفو الدولية منذ عام 2015 كما يتم الترويج له، وهو ما أدى انتهاج سلوك مفرط في توثيق التظلمات التي يسهل الوصول إليها في المغرب للتعويض عن استبعادها، بينما تقصر في توثيق البيئة التي يصعب الوصول إليها والأكثر خطورة في مخيمات تندوف؟

    يرصد التحالف اختلالا منهجيا جوهريا في معالجة منظمة العفو الدولية لملف الصحراء، إذ تعتمد المنظمة حين يتعذر الوصول الميداني إلى الأقاليم الجنوبية للمغرب على ثلاث منهجيات بديلة، تشمل إجراء مقابلات عن بعد مع مصادر غادرت المنطقة، ورصد السجلات القضائية والمراسلات الرسمية، وتوظيف تقارير المنظمات غير الحكومية الشريكة، بغض النظر عن صحة ما تتلقاه من معلومات من عدمها.

    غير أن هذه المنهجيات، رغم مشروعيتها الإجرائية، تميل بكفة التوثيق نحو مزاعم بارتكاب انتهاكات منسوبة إلى المغرب تحديدا، لأن النشطاء الصحراويين المساندين للبوليساريو في الأقاليم الجنوبية يسهل التواصل معهم عبر الهاتف أو من المهجر، في حين يواجه سكان مخيمات تندوف الراغبون في الإبلاغ عن انتهاكات البوليساريو مخاطر جسيمة تحول دون إدلائهم بشهاداتهم، مما يغيب فئة كاملة من المظالم بصورة ممنهجة.

    ولا تنفي المنظمة إدراكها لهذه الفجوة، إذ سبق لها عام 1996 أن طالبت بالتحقيق في انتهاكات مخيمات تندوف، مقرة بوقوع اعتقالات وتعذيب ووفيات تحت وطأة الاحتجاز، مع إخفاق قيادة البوليساريو في تقديم معلومات محددة بشأنها. ويثبت هذا السجل الترافعي أن المنظمة وثقت انتهاكات في المخيمات في مراحل سابقة، لكن وتيرة هذا التوثيق وعمقه تراجعا تراجعا ملحوظا، في حين ظلت التقارير المتعلقة بادعاءات وقوع انتهاكات بالمغرب أكثر انتظاما وتفصيلا، وهو ما يجسد عدم تماثل واضح في تخصيص الموارد التحقيقية بين الطرفين.

    يؤكد تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية أن إشكالية التوثيق لا تعود في جوهرها إلى عوائق الوصول الميداني، بل إلى خيارات مؤسساتية في تحديد الأولويات البحثية وتخصيص الموارد. ويستند التحالف في ذلك إلى سابقتين دامغتين، هما على التوالي، بعثة منظمة هيومن رايتس ووتش للمخيمات في عامي 2013 و2014، وعمل منظمة فرنسا للحريات داخلها، مما يثبت أن الوصول المادي يظل ممكنا للمنظمات التي تسعى إليه بإصرار ومنهجية. ويبقى السؤال الجوهري الذي يتعذر الإجابة عنه تجريبيا في غياب بيانات علنية، هو حجم الساعات البحثية التي تخصصها منظمة العفو لملف المخيمات مقارنة بما تخصصه لملف الأقاليم الجنوبية، إذ يكشف هذا الغموض المؤسساتي في حد ذاته عن خيار سياسي يستحق المساءلة.

    في ضوء قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي يؤطر النزاع صراحة في سياق إقليمي يشمل الجزائر، لماذا تستمر تقارير منظمة العفو الدولية في التعامل مع دور الجزائر كدولة مضيفة إنسانية سلبية، بدلا من كونها فاعلا سياسيا وأمنيا نشطا له تأثير مباشر على مآلات حقوق الإنسان لسكان المخيمات؟

    يدحض تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية الرواية الرسمية الجزائرية التي تصور الجزائر مضيفا إنسانيا محايدا، مستندا إلى جملة من الوقائع الموثقة التي تكشف عمق انخراطها الفعلي في ملف الصحراء، إذ تستضيف الجزائر جبهة البوليساريو وتسلحها وتمولها وتوفر لها الغطاء الدبلوماسي، فضلا عن سيطرتها على المحيط الخارجي لمخيمات تندوف. وقد قدم تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية شهادات موثقة أمام مجلس حقوق الإنسان تدين الجزائر بارتكاب انتهاكات مباشرة، تشمل اعتقال معارضين من الشباب وتنفيذ إعدامات خارج نطاق القضاء، داخل المخيمات ومحيطها، مطالبا الأمم المتحدة بمساءلتها بصفتها طرفا مسؤولا لا مجرد وسيط.

    ويعزز هذا التوصيف ما أرسته الممارسة الدبلوماسية الدولية من معطيات كاشفة، لا سيما قرار مجلس الأمن رقم 2797 الذي نجحت بموجبه واشنطن في إحضار الجزائر إلى طاولة المفاوضات بعد إصرارها الشديد على موقع المراقب فحسب، وهو ما يشكل اعترافا ضمنيا بأنها طرف لا غنى عن انخراطه في أي تسوية. ومن ثمّ، فإن أي منظمة حقوقية تؤطر الجزائر حصريا بوصفها مضيفا إنسانيا إنما تعمل وفق خارطة سياسية تجاوزتها الأحداث، متجاهلة أن الجزائر تتحكم في الولوج إلى المخيمات وتقرر منح الدعم اللوجستي للمراقبين الدوليين، وأن أي إصلاح في حكامة المخيمات يستلزم موافقتها صراحة.

    يرصد التحالف جملة من الحوافز الهيكلية التي تفسر تمسك منظمة العفو الدولية بهذا التأطير القاصر، أبرزها أن التفويض التقليدي للمنظمة يرتكز على إثبات المسؤولية القانونية المباشرة للدولة، وهو ما يعقد الإسناد في الحالات التي تتوسط فيها جهة وسيطة كالبوليساريو. يضاف إلى ذلك حرص المنظمة على صون علاقتها الوظيفية مع الجانب الجزائري، وتأثير السردية السياسية السائدة تاريخيا في أوساط المدافعين الدوليين عن حقوق الإنسان، التي رسخت صورة المغرب منتهكا أصيلا والجزائر ظهيرا للمضطهدين، مما أسبغ على الدولة الجزائرية نوعا من الحصانة الرمزية أمام النقد الحقوقي الجدي.

    ويؤكد التحالف أن المقاربة المحايدة منهجيا تستوجب الخروج من هذا القالب الضيق نحو توثيق أفعال الجزائر الملموسة، سواء أفعال القيام أو الامتناع، وتشمل رصد سيطرتها على الوصول إلى المخيمات، ودورها السيادي في تقييد حرية تنقل السكان أو تيسيرها، وفحص علاقتها التمويلية والعسكرية بالبوليساريو وما يترتب عليها من تبعات مباشرة في مجالي الحكامة والحقوق. وخلاصة الأمر أن الإصرار على معاملة الجزائر مضيفا إنسانيا فحسب لم يعد يمثل حيادا حقوقيا، بل هو خيار سياسي مغلَف برداء المنهجية، يتعارض مع التحولات الجذرية في خارطة المسؤوليات التي كرستها الأحداث والقرارات الدولية.

    في الفصل الخاص بالمغرب، تحدد الدولة بصفتها المنتهك الرئيسي من خلال جهازها القضائي والأمني. أما في الفقرة الفرعية الخاصة بتندوف، فتعزى المظالم، مثل سوء التغذية إلى عوامل هيكلية وفجوات تمويلية. لماذا يستبدل إطار حقوق الإنسان القائم على ‘التزامات الدولة بإطار إنساني قائم على الندرة فقط عند التعامل مع مخيمات تندوف؟

    يسجل التحالف تفاوتا مفاهيميا جوهريا في منهجية منظمة العفو الدولية بين معالجتها لملف المغرب وأقاليمه الجنوبية من جهة، وملف مخيمات تندوف من جهة أخرى. ففي الفصول المتعلقة بالمغرب، تعتمد المنظمة لغة التزامات الدولة بكل صرامتها، محددة الجاني والفعل والقاعدة القانونية المنتهكة، في حين تتحول العدسة التحليلية عند تناول تندوف إلى لغة إنسانية بحتة تقتصر على وصف معدلات سوء التغذية وفجوات التمويل، قاطعة العلاقة السببية التي تربط القرارات السياسية للحكامة بالمآلات الإنسانية عند النقطة التي تستوجب المساءلة.

    لا تعكس بيانات سوء التغذية في المخيمات ندرة تجريدية، بل تعبر عن خيارات في التدبير السياسي المتعمد، إذ رفضت جبهة البوليساريو والجزائر منذ أكثر من ثلاثين عاما طلبات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إجراء إحصاء للسكان، وهو رفض مدفوع بالرغبة في تضخيم الأعداد لضمان حصص أكبر من المساعدات. وتبقى مخيمات تندوف الوحيدة عالميا التي تمنع فيها الأمم المتحدة من أداء وظيفتها الإحصائية الجوهرية، مما يحرم السكان من نظام إدارة الهوية البيومتري الضروري لتوجيه المساعدات بصورة سليمة.

    تتفاقم هذه الإشكالية بفعل عمليات اختلاس المساعدات الإنسانية الموثقة، إذ كشف المكتب الأوروبي لمكافحة الغش عام 2015 أن قيادة البوليساريو كانت تبيع المساعدات المخصصة للاجئين في أسواق موريتانيا ودول جنوب الصحراء لتمويل مشتريات الأسلحة والإثراء غير المشروع. ومن ثم، فإن تأطير معاناة الأطفال في المخيمات بوصفها نتاجا لفجوات التمويل يشكل إسنادا تبريريا خاطئا يعفي المسؤولين الفعليين من المساءلة، ويحول الانتباه عن الجناة الحقيقيين نحو المانحين الدوليين.

    وقد كشف التحالف عن توتر فقهي حقيقي في منهجية المنظمة، إذ إن قانون حقوق الإنسان في تشكيله التقليدي يلزم الدول لا الكيانات شبه الدولتية، غير أن الممارسة السابقة للمنظمة ذاتها أثبتت قدرتها على تطبيق إطار التزامات الدولة على البوليساريو، كما تجلى في مراسلتها بخصوص اعتقال مصطفى سلمى سيدي مولود. وهو ما يجعل التساؤل مشروعا: لماذا تطبق هذه الصرامة بشكل انتقائي لا منهجي؟ مما يرسخ الانطباع بأن التمييز في المعالجة خيار مؤسساتي لا قيد منهجي محايد.

    يخلص التحالف إلى أن إخفاق المنظمة في تطبيق لغة الحريات والمساءلة على تندوف لا يعود إلى غياب الوعي بهذه الفجوة، بل إلى عجز هذا الوعي عن الترجمة إلى معالجة تحليلية مكافئة. فالكيان الذي يدير المحاكم والسجون غير النظامية والشرطة ويتحكم في الحدود، يستوجب بالضرورة تقديم كشف حساب عن كيفية معاملته للأشخاص الخاضعين لإدارته بحكم الواقع، وتأطير غير ذلك باعتباره حيادية منهجية لا يعدو كونه خيارا سياسيا مغلفا برداء المنهجية.

    هل يؤدي الإغفال المتعمد لممارسات الحكامة الداخلية لجبهة البوليساريو، وتحديدا حظر المجتمع المدني المستقل وغياب الإحصاء إلى خلق ثقب أسود للمساءلة يمنح الحركة ورعاتها فعليا إعفاء من معايير حقوق الإنسان الدولية؟

    تؤكد الوثيقة بصورة قاطعة أن ما يجري في مخيمات تندوف يشكل ثقبا أسود للمساءلة الحقوقية، وذلك استنادا إلى شهادات نشطاء المجتمع المدني الصحراوي المقدمة أمام مجلس حقوق الإنسان، والتي تكشف بصورة متواترة أن البوليساريو تقمع كل معارضة بشكل ممنهج، وتحظر الأحزاب السياسية، وتفرض قيودا صارمة على حرية التعبير، وتضايق المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والمدونين. ويرى التحالف أن منظمة العفو الدولية تعتمد في هذا السياق معيارا مزدوجا صريحا، إذ توثق بدقة مزاعم تطبيق قيود مفروضة على المجتمع المدني في الأقاليم الجنوبية المغربية، بينما تقصي القيود المماثلة في فضاء البوليساريو من إطارها التحليلي كليا.

    وتشكل فجوة الإحصاء السكاني القاعدةَ الهيكلية لهذا الثقب الأسود للمساءلة، إذ تلتزم الجزائر قانونيا بموجب اتفاقية وضع اللاجئين وبروتكولها الملحق بالتعاون مع المفوضية السامية لتيسير عمليات الإحصاء، غير أنها تتهرب من هذه المسؤولية منذ أكثر من ثلاثة عقود، رافضة السماح للمفوضية بإحصاء سكان المخيمات رغم قرارات مجلس الأمن المتعددة.

    وليست هذه فجوة تقنية عارضة، بل هي خيار سياسي متعمد تترتب عليه عواقب حقوقية جسيمة، إذ يحول دون توجيه المساعدات بصورة سليمة، ويعسر كشف الاحتيال وتسجيل الحقوق الفردية وحمايتها، فتصنع الدولة الحاضنة للمخيمات والبوليساريو بذلك حصانتها الخاصة من المساءلة.

    تتشكل بنية الثقب الأسود للمساءلة في مخيمات تندوف من تظافر ثلاث آليات بنيوية متكاملة ومتعاضدة؛ أولها غياب الإحصاء الذي يجرد المنظومة الحقوقية من خط أساس موثوق للتحقق من الادعاءات، وثانيها القيود الصارمة على المجتمع المدني المستقل التي تحول دون التوثيق الداخلي، وثالثها صعوبة الوصول الخارجي التي تجعل الرقابة الدولية متقطعة ورهينة لإرادة الأمر الواقع. وتفضي هذه الغيابات مجتمعة إلى تحصين ممارسات الدولة الحاضنة والبوليساريو من كل مساءلة فعلية، في مشهد استثنائي لا نظير له في الممارسة الحقوقية الدولية.

    وينوه التحالف إلى أن إغفال حظر المعارضة وعرقلة الإحصاء لا يمثل مجرد فجوة معلوماتية عارضة، بل هو فراغ ذو تبعات سياسية عميقة يمنح جبهة البوليساريو وراعيها الجزائري إعفاء فعليا من المعايير الحقوقية الكونية المطبقة إقليميا. ويتحول هذا الإغفال بذلك إلى ميزة بنيوية تكرس توزيعا غير متكافئ للمسؤولية والمساءلة الدولية، مما يفرز واقعا حقوقيا شاذا تخضع فيه جهات بعينها لمعايير أكثر صرامة في حين تتمتع جهات أخرى بحصانة فعلية من الرقابة الدولية، وهو ما يقوض مبدأ عالمية حقوق الإنسان وتطبيقه المتماثل على الجميع.

    هل يكرس التقرير عن غير قصد تراتبية للضحايا الصحراويين، حيث يحظى المتضررون والمقدمين لمزاعم انتهاكات في الصحراء المغربية بظهور دولي ومرافعة قانونية، بينما يختزل المقتولون أو المختفون داخل المخيمات التي تديرها الجزائر في مجرد إحصائية إنسانية تتعلق بالأمن الغذائي؟

    يكرس تقرير منظمة العفو الدولية في سياق الصحراء تراتبية للضحايا ذات تبعات أخلاقية بالغة الخطورة، إذ تحدد من تجعل معاناتهم مرئية للمجتمع الدولي ومن تبقيهم طي الكتمان. فمن يتمكن من التواصل مع المنظمة عبر قنوات مباشرة أو شبكات وسيطة بادعاءات انتهاكات في الأقاليم الجنوبية المغربية، يستفيد من منظومة حقوقية متكاملة، تذكر أسماؤهم فرديا، وتصنَف حالاتهم ضمن فئات قانونية دقيقة كالاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي والتعذيب، ويصبحون موضوع تحركات عاجلة رسمية ومرافعة قانونية واهتمام مؤسساتي مستدام، بصرف النظر عن التحقق الموضوعي من صحة الادعاءات.

    في المقابل، تخضع معاناة سكان مخيمات تندوف لنحو تحليلي مغاير كليا، إذ تتحول وحدة التحليل من الفرد إلى التجمعات السكانية الإحصائية، فيتحول الأطفال إلى نسب مئوية على مقياس سوء التغذية، والنساء إلى أرقام في مسوح فقر الدم، فيما يذوب الجاني المحدد في لغة نقص التمويل والحرمان الهيكلي والطوارئ الإنسانية. ويحرم ضحايا الانتهاكات داخل المخيمات بذلك من العنصر الجوهري الذي يمنح المرافعة الحقوقية الدولية قوتها وفاعليتها، وهو الشخصية القانونية الفردية في سردية انتهاك الحقوق.

    يستند التحالف إلى قاعدة بيانات موثقة وآخذة في الاتساع لإثبات أن ما يجري في تندوف ليس تجريدات إحصائية، بل انتهاكات فردية موثقة تستوفي بكل المقاييس عتبة التحرك الحقوقي الدولي، إذ وثق أكثر من 130 حالة اختفاء قسري في مراكز احتجاز سرية تديرها مليشيات البوليساريو، وأكد مقتل أكثر من 21 شابا على يد القوات الجزائرية في محيط المخيمات، فضلا عن إفادات مفصلة لمعتقلين سابقين تصف حالات تعذيب نفسي وجسدي وتهديدات بالقتل، قدمت أمام مجلس حقوق الإنسان واللجنة الرابعة للأمم المتحدة. وهذه حالات من النوع الذي يستوجب في أي فصل يتعلق بالمغرب إطلاق تحرك عاجل وتسمية سجناء رأي.

    ويكشف التحالف عن غياب بنية تحتية مؤسساتية للتوثيق الداخلي في مخيمات تندوف، إذ تعمل المنظمة الوحيدة الناشطة في المجال الحقوقي بالمخيمات على ترويج الادعاءات المتعلقة بالأقاليم الجنوبية المغربية حصرا، دون أن تعنى برصد الانتهاكات داخل المخيمات. ويترتب على هذا الغياب المؤسساتي انقطاع في تدفق التوثيق الذي يغذي حملات المرافعة الدولية، مما يعمق الهوة بين فئتين من الضحايا، إحداها مرئية وقابلة للتقاضي، والأخرى مستوعبة في إحصائيات إنسانية لا أسماء فيها ولا مطالب.

    وقد خلصنا في هذا الصدد، إلى أن هذا الواقع لا يعد مجرد عدم تماثل تحليلي، بل هو شكل من أشكال التجريد البنيوي من الإنسانية يعمل كإعفاء سياسي ممنهج، فمعاناة فئة من الصحراويين مرئية أخلاقيا وقابلة للتحرك قانونيا، في حين تظهر معاناة فئة أخرى بوصفها ظرفا إنسانيا مؤسفا يستدعي سخاء المانحين لا مساءلة الجناة. وما يفاقم الطابع الأخلاقي لهذه التراتبية أن العواقب ليست تحليلية فحسب، بل تحدد في نهاية المطاف من تمنحه المنظومة الحقوقية الدولية الاعتراف والإنصاف، ومن تحرمه منهما.

    لماذا أغفل التوثيق المقدم من تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية الذي يقوده صحراويون ويعمل في شمال إفريقيا من التقرير، بينما تم الاستشهاد بكثافة بتوثيق المنظمات غير الحكومية التي تتخذ من أوروبا مقرا لها وتركز على الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية؟ هل هناك انحياز جغرافي أو إيديولوجي في تحديد أصوات المجتمع المدني التي تعتبرها المنظمة موثوقة؟

    تكشف أنماط الاستشهاد في تقارير منظمة العفو الدولية المتعلقة بالمغرب وأقاليمه الجنوبية عن انحياز في اختيار المصادر يتبع الاصطفاف الإيديولوجي أكثر مما يتبع جودة الأدلة ونزاهة التوثيق، إذ تعتمد المنظمة بشكل مفرط على منظمات محلية متحيزة لجبهة البوليساريو، توثق حصريا ما تراه انتهاكات في الجانب المغربي بما يتوافق مع توجهها السياسي المناصر للحركة الانفصالية. ويحظى هذا التأطير بدعم دبلوماسي جزائري وجنوب إفريقي استثنائي يعمل على تكريس هذه السردية دوليا، في حين تقصى المنظمات التي توثق انتهاكات داخل مخيمات تندوف من دائرة الاعتماد المؤسساتي رغم استيفائها لشروط المصداقية والنزاهة والاستقلالية.

    ويواجه تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، رغم قيادته من قبل صحراويين وتقديمه عشرات التقارير أمام مجلس حقوق الإنسان وهيئات المعاهدات والإجراءات الخاصة، رفضا مؤسساتيا ممنهجا يتجلى في تجاهل مساهماته واختزال ما يرصده من انتهاكات جسيمة في الجوانب الإنسانية البحتة. ويستند هذا الرفض إلى شك مسبق ومغرض مفاده أن توثيق التحالف يخدم مصالح المملكة المغربية، وهو منطق معيب لأن عمل منظمات المجتمع المدني الجادة لا يفقد قيمته الموضوعية لمجرد أن دولة ما توظفه دبلوماسيا، ويرتكب من يعتمده خطأ فادحا يحرم الضحايا من حقهم في الاعتراف والإنصاف.

    يفرز هذا الواقع معضلة هيكلية عميقة تمس الصحراويين الذين يسلطون الضوء على فظاعات قيادة البوليساريو، إذ لا تعامل أصواتهم بوصفها إسهامات مجتمع مدني مشروعة، بل ينظر إليهم إما كمنشقين أو أدوات في خدمة جهات معادية لتنظيم البوليساريو وللدولة الحاضنة للمخيمات. ويتمثل الجذر العميق لهذه الإشكالية في توصيف البوليساريو بوصفه الصوت الوحيد المعبر عن الصحراويين، وهو موقف سياسي مسبق يجعل من الصعب منهجيا التعامل مع المعارضة الداخلية له بوصفها تعبيرا مشروعا عن إرادة شريحة من الصحراويين.

    يرى تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، أن إقصاء خطابه الحقوقي من أدبيات منظمة العفو الدولية لا يعكس نتيجة تحريات معمقة تقيم صدق عمله، بل هو نتيجة طبيعية لموقف مسبق من طبيعة النزاع. وتتجلى خطورة هذا التوجه في أن المنظمة تعامل غياب المعارضة المنظمة داخل المخيمات تأكيدا للشرعية بدلا من اعتباره دليلا على القمع، متبنية بذلك تأطير سلطة الأمر الواقع والجزائر بوصفها دولة مضيفة محايدة، في تجاهل صريح لنقاط الظل الكثيرة التي تستدعي مجهودا تحقيقيا وتوثيقيا جادا.

    وتخلص القراءة النقدية للتقرير إلى أن الانحياز في اختيار مصادر المجتمع المدني ديدن راسخ لدى منظمة العفو الدولية يعمل على المستويين الجغرافي والإيديولوجي، وتترتب عليه عواقب مباشرة على ما يدخل في السجل الإثباتي وما يقصى منه. ويدعو التحالف المنظمة إلى تطبيق معايير مصداقية موحدة تشمل الاعتماد الأممي الرسمي وشهادات العيان المباشرة والتحقق المتقاطع، مع الإفصاح الصريح عن معايير اختيار المصادر، بمعزل عما إذا كان التوثيق الناتج مريحا أو مزعجا للسردية السياسية لأي طرف من أطراف النزاع، لأن النزاهة الحقوقية الحقيقية لا تنحاز إلى سردية على حساب أخرى.

    من خلال عدم الإبلاغ عن الانتهاكات ذات الطابع الأمني في تندوف، هل تعطي منظمة العفو الدولية الأولوية للحفاظ على علاقتها الدبلوماسية المتبقية مع الجزائر العاصمة على حساب تفويضها بتقديم تقييم شامل ومحايد لحقوق الإنسان بمخيمات تندوف بغض النظر عن هوية الجاني؟

    يواجه العمل الحقوقي الدولي معضلة حرجة تتعلق بمدى تأثير إمكانية الوصول الميداني على عمق ومستوى المساءلة التي تفرضها المنظمات على الدول، وفي الحالة الجزائرية، يظهر تباين هيكلي صارخ في أداء منظمة العفو الدولية. فبينما تستثمر المنظمة وجودها القانوني وفرعها المسجل في العاصمة الجزائر لانتقاد قمع الحريات الداخلية، كما حدث في موقفها من إغلاق جمعية “عائلات المفقودين” (SOS Disappeared) في مارس 2026، نجدها تتبنى صمتا لافتا وتأطيرا قاصرا تجاه دور الجزائر كدولة مضيفة ومدير فعلي لمخيمات تندوف.

    إن هذا التباين يكشف عن خيار منهجي يعامل تدهور أوضاع الصحراويين كواقع مادي معزول، بدلا من كونه نتيجة مباشرة لقرارات سياسية صادرة عن سلطة أمر واقع، مما يؤدي إلى قطع العلاقة السببية التي تقتضي إسناد المسؤولية القانونية للدولة الجزائرية عن الانتهاكات المرتكبة فوق إقليمها السيادي.

    وتخضع علاقة منظمة العفو الدولية بالجزائر لما يمكن وصفه بالحافز العكسي الذي يفرض كلفة مؤسساتية باهظة مقابل الحفاظ على تفويض الوصول، فخلافا للحالة المغربية التي تبنت فيها المنظمة نبرة نقدية حادة منذ اختلال علاقتها بالبلد في 2015، نجدها في السياق الجزائري تضطر لمعايرة نقدها ليتناسب مع سقف تحمل السلطات خشية سحب ترخيصها العملياتي. ويظهر هذا الجنوح نحو المهادنة المؤسساتية في استبدال الإطار الحقوقي القائم على المساءلة بإطار إنساني قائم على الندرة عند معالجة ملف تندوف، رغم إدراك المنظمة للبنية القانونية والأمنية المتشددة التي تفرضها الجزائر منذ عام 2024 لتقييد المجتمع المدني وحجب المواقع الإلكترونية، فالتوظيف الانتقائي للأدوات المنهجية يمنح الجزائر إعفاء غير معلن من معايير القانون الدولي، ويحول دون توثيق دورها السيادي في إدارة المخيمات بذات الصرامة المطبقة في عواصم أخرى.

    إن جوهر تفويض المنظمات الحقوقية، وفي مقدمتها منظمة العفو الدولية، يرتكز على مبادئ الكونية وعدم الانتقائية، وهو اختبار لا تكمن قيمته في التطبيق حيث يكون الأمر سهلا بلا كلفة، بل حيث يكون مكلفا ومحفوفا بالمخاطر الدبلوماسية. وتشير الأدلة المتوفرة إلى أن منظمة العفو قد آثرت الحفاظ على علاقتها الوظيفية مع الجزائر على حساب التزامها بتقديم تقييم محايد وشامل للوضع الحقوقي لكافة الصحراويين، بغض النظر عن هوية الجاني.

    فالتقييم النزيه يقتضي بالضرورة الكف عن معاملة الجزائر كمجرد خلفية إنسانية، والانتقال نحو إخضاعها لإطار المساءلة بصفة المدير المشترك للمخيمات، وربط القمع الممنهج للفضاء المدني الجزائري ببيئة الحكامة المأزومة التي تحيط بتندوف، وهو مسار يتطلب شجاعة أدبية لقبول الكلفة الدبلوماسية للتحليل القانوني الرصين وفاء لقدسية الحقوق والحريات.

    كيف يمكن لمجلس الأمن الدولي اتخاذ قرارات مدروسة بشأن المراجعة الاستراتيجية لبعثة المينورسو عندما تقدم المراجع العالمية – مثل التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية – خارطة غير متماثلة لواقع حقوق الإنسان في المنطقة؟

    يمثل الربط بين الإخفاق المنهجي في تقارير المجتمع المدني وبين إعاقة عملية صنع القرار الدولي في أروقة مجلس الأمن انشغالا جوهريا يتجاوز الجوانب الإجرائية الشكلية، فبناء على المسار الطويل لمكونات تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية في رصد وتوثيق الحقائق، نؤكد أن استقصاء حالة الحقوق والحريات يعد ركيزة موضوعية لتوجيه السياسات الدولية وتفعيل آليات المساءلة ومكافحة الإفلات من العقاب. فغياب التوثيق النزيه المستند إلى المعايير الأممية يحول المنظمات الدولية، وفي مقدمتها منظمة العفو الدولية، من مراجع مرشدة إلى مصادر تساهم في تغييب الأبعاد الحقوقية العميقة للنزاع، مما يضطر آليات الأمم المتحدة للاعتماد على بيانات تفتقر للموضوعية والشمولية المطلوبة لفهم تعقيدات الميدان بتجرد ومهنية.

    ونخلص من واقع ممارستنا الحقوقية إلى أن أي تشويه منهجي في هذه التقارير ينعكس بصورة آلية على جودة المداولات في مجلس الأمن والجمعية العامة ولجان المعاهدات وإجراءات مجلس حقوق الإنسان الخاصة. فعندما يختزل تقرير منظمة العفو الدولية مأساة سوء التغذية في مخيمات تندوف في نقص التمويل، متجاهلا قرارات الهيمنة السياسية وقمع الحريات التي ترهن مستقبل الصحراويين في المخيمات، فإنه يقدم مادة مضللة للنظام المعلوماتي الأممي. فهذا التأطير الانتقائي، الذي يصنف المغرب كجاني رئيسي ويعامل سلوك البوليساريو الانتهاكي كهامش إنساني، يساهم في بناء تصورات دبلوماسية مغلوطة تفتقر للصدقية عند مناقشة ولايات البعثات الأممية والمسارات السياسية المرتبطة بها.

    إن اضطلاعنا بمسؤولية القراءة النقدية لتقارير المنظمات الدولية ينبع من ضرورة فحص سلوك هذه الهيئات ومدى احترام تقييماتها لشروط النزاهة والحياد المعرفي، لاسيما في ظل تفاوت المعايير المعتمدة لاستقاء البيانات وفحص دقتها المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة المرتكبة من جميع الأطراف.

    وتتسم النتائج العملية لهذا الخلل المنهجي بعدم تماثل صارخ، حيث يؤدي تضخيم الانتهاكات في الأقاليم الجنوبية للمغرب مقابل إدراج فظاعات المخيمات ضمن الظروف الإنسانية الهيكلية إلى تكريس استنتاجات زائفة تزعم أن فجوة الحماية تقتصر على الجانب المغربي وحده. إن هذا النهج يخدم بوضوح الأجندات السياسية للجزائر والبوليساريو عبر تحويل معاناة السكان من قضية مساءلة سياسية وقانونية إلى مجرد معضلة إنسانية تستجدي سخاء المانحين.

    ولكي تتمكن الآليات الأممية من تبني توصيات تعكس الوضع الحقوقي الفعلي للصحراويين بمخيمات تندوف، يتحتم توفير ركائز إثباتية متطابقة ومنهجية رصد موحدة تستخدم أطرا تحليلية متساوية في كلا الجانبين، مع الرفع الفوري للمنع الذي تفرضه الجزائر على إجراء إحصاء سكاني موثوق للمخيمات، وتمكين شهادات المجتمع المدني الصحراوي المستقل من وزن متساو في المداولات، فتقرير منظمة العفو الدولية، بصفته معيارا عالميا رئيسيا، لا يجوز أن يسقط في فخ إساءة الإسناد أو التهميش الممنهج للضحايا، فمثل هذا الإخفاق يتجاوز القصور الأكاديمي ليتحول إلى مساهمة فعلية في تضليل مراكز صنع القرار المسؤول عن السلم والأمن الدوليين، إذ لا يمكن بلوغ قرارات مستنيرة ما لم تستند المراجع الحقوقية العالمية إلى توثيق محايد، شامل جغرافيا، ومتحلل من الهوية السياسية للجناة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مشهد الصراع الإقليمي في مواجهة مفتوحة.. إلى أين تتجه بوصلة التصعيد ضد إيران وحلفائها؟

    عبد المالك أهلال

    في ظل تصاعد حدة التوتر في الشرق الأوسط، تتجه الأنظار إلى مسار المواجهة المتنامية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة اخرى، في سياق إقليمي يتسم بتشابك التحالفات وتعدد بؤر التوتر.

    فمع اتساع رقعة العمليات العسكرية وتزايد المؤشرات على انخراط أطراف إقليمية في الصراع، يطرح مراقبون تساؤلات متزايدة حول حدود هذه المواجهة واحتمالات تحولها من صراع محدود إلى مواجهة أوسع قد تعيد رسم ملامح التوازنات في المنطقة.

    وتزداد هذه التساؤلات حدة مع ما يوصف بالمشاركة القوية لحلفاء طهران في المنطقة، وعلى رأسهم حزب الله في لبنان، إلى جانب فصائل مسلحة أخرى مرتبطة بمحور إيران.

    هذا الانخراط، الذي يتجاوز حدود الدعم السياسي إلى أدوار ميدانية مباشرة، يعيد طرح إشكالية ميزان الردع الإقليمي وقدرته على كبح الانزلاق نحو حرب شاملة، في وقت تتزايد فيه الضغوط العسكرية والاقتصادية على مختلف الأطراف.

    وفي خضم هذه التطورات المتسارعة، تتباين تقديرات الخبراء بشأن مآلات المواجهة المحتملة، بين من يرى أن التصعيد قد يظل محكوما بسقوف استراتيجية تمنع تحوله إلى حرب إقليمية مفتوحة، وبين من يرجح أن تداخل الجبهات وانخراط حلفاء إيران قد يدفع الصراع نحو مرحلة أكثر اتساعا وتعقيدا.

    وفي هذا السياق، يقدم الخبير في الأمن القومي الأمريكي والعلاقات الدولية، زايد صافي، ورئيس مركز الدراسات الأنثروستراتيجية في لبنان، العميد نضال زهوي، قراءتهما لمستقبل هذه المواجهة وتداعياتها المحتملة على توازنات المنطقة.

    ويكشف الخبير في الأمن القومي الأمريكي والعلاقات الدولية زايد صافي، في تصريح لجريدة العمق، أن المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران من المتوقع أن تستمر لأسبوعين أو أكثر بقليل.

    ويرجح المحلل إقدام واشنطن على احتلال مجموعة من الجزر الاستراتيجية من خرج إلى جزيرة كيش، مرورا بجزيرة هرمز وأبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى وغيرها.

    وأوضح المتحدث ذاته أن مرحلة ما بعد انتهاء هذه الحرب قد تشهد فرض حظر جوي على بعض المناطق فوق الأراضي الإيرانية، متوقعا تكرار السيناريو السوري في الداخل الإيراني من خلال محاولة بعض الأعراق والأقليات الانفصال والاستقلال بدعم مباشر من الولايات المتحدة وإسرائيل.

    وأكد الخبير ذاته أن حلفاء طهران انخرطوا بالفعل في هذا الصراع، مشيرا إلى أن إيران سلمت إدارة المعارك بالمنطقة لتنظيم حزب الله في لبنان، تزامنا مع قيامها بسحب قوات الحرس الثوري من الأراضي اللبنانية وإعادتها إلى الداخل الإيراني لحاجتها الماسة إليها هناك في ظل التطورات المرتقبة.

    وأضاف صافي في ختام تصريحه للجريدة أنه تم البدء في تفعيل دور الحشد الشعبي الذي يتولى حاليا مهمة توجيه ضربات واستهداف القواعد الأمريكية، إلى جانب قصف الأكراد وتدمير البنية التحتية الكردية بهدف ممارسة المزيد من الضغط عليهم.

    من جانبه، توقع رئيس مركز الدراسات الأنثروستراتيجية في لبنان، العميد نضال زهوي، استعمال الولايات المتحدة الأمريكية للقنبلة النووية في إيران، مرجعا ذلك إلى استنفاد بنك أهداف العدوان وعدم نجاحه بصيغته الحالية، إلى جانب استحالة القيام بتدخل بري داخل الأراضي الإيرانية وضيق الخيارات المتاحة.

    وأكد الخبير الاستراتيجي ذاته أن واشنطن وتل أبيب تسعيان لفرض الاستسلام على جميع الأطراف، مشددا على أنهما لا يمكنهما العودة إلى الوراء أو الانسحاب من المعركة كما حدث في حرب الاثني عشر يوما، وذلك بسبب قدومهما على استحقاقات انتخابية، مما يجعل احتمالية توسع المعركة هي الأقوى، مع تركيز الجانب الإيراني على ممارسة الضغوط الاقتصادية.

    وأوضح المتحدث أن حسابات نظم الردع وتكلفة الحرب سقطت ولم تعد موجودة بالنسبة لإيران وحلفائها، مبرزا أن هؤلاء لم يعد لديهم ما يخسرونه بعدما وقع كل ما كانوا يخشونه، حيث تم استهداف المرشد وضرب طهران التي سجلت أعدادا كبيرة من ضحايا الحرب.

    وأشار زهوي إلى وجود حصار شامل بشتى الطرق القانونية والمالية والعسكرية والاجتماعية يطال كل ما يخص المقاومة في لبنان، مع محاولة محاصرة الحشد في العراق بالطريقة نفسها التي حوصر بها حزب الله، مما وضع هذه الأطراف أمام خيارات ضيقة تنحصر إما في الموت بالقتال والتصدي أو الموت بالخنوع والاستسلام.

    وأضاف العميد اللبناني أن حلفاء إيران وجدوا أنفسهم في المقابل أمام فرصة كبيرة لتغيير الواقع في هذه الحرب بسبب تشتيت الجهد القتالي للكيان الصهيوني، مخلصا في النهاية وانطلاقا من هذه المعطيات إلى أنه لا توجد أي مصلحة لأي طرف من الأطراف في وقف الحرب مهما بلغت حجم المبادرات المطروحة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • هل يؤثر تغيير يوم الاقتراع من الجمعة إلى الأربعاء على نتائج تشريعيات 2026 بالمغرب؟

    عبد المالك أهلال

    صادق مجلس الحكومة، خلال اجتماعه الأسبوعي، على مشروع مرسوم يحدد تاريخ انتخاب أعضاء مجلس النواب، قدمه وزير الداخلية، وذلك في إطار تفعيل مقتضيات القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس.

    ويهم هذا المرسوم تحديد موعد الاقتراع وكذا التواريخ المرتبطة بإيداع التصريحات بالترشيح عبر المنصة الإلكترونية المخصصة لذلك، إضافة إلى ضبط الفترة الرسمية للحملة الانتخابية.

    وبحسب ما أعلن عنه الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، فقد تقرر إجراء الانتخابات التشريعية يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026، على أن تنطلق الحملة الانتخابية في 10 شتنبر وتنتهي في 22 شتنبر. غير أن تحديد يوم الأربعاء بدل يوم الجمعة الذي اعتاد عليه المغرب في الاستحقاقات السابقة أثار تساؤلات حول خلفيات هذا الاختيار وتداعياته المحتملة.

    وفي هذا السياق يطرح مراقبون جملة من الأسئلة المرتبطة بدلالات هذا القرار، سواء من زاوية القانون الانتخابي ومدى اندراجه ضمن السلطة التقديرية للحكومة، أو من زاوية الأعراف الانتخابية التي ترسخت في التجارب السابقة. كما يثير الإعلان المبكر عن الموعد نقاشا سياسيا حول رسائله المحتملة وتأثير اختيار يوم وسط الأسبوع على نسبة مشاركة الناخبين في هذا الاستحقاق.

    وتعليقا على الموضوع، اعتبر المحلل السياسي رضوان جخا أن الإعلان المبكر عن موعد الانتخابات التشريعية يندرج في سياق التحضير الجيد لهذه المحطة الرئيسية، بهدف مواكبة استحقاقات تاريخية تنتظر المغرب، أبرزها تنزيل مقترح الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية، واستضافة الحكومة المقبلة للمونديال العالمي.

    وأوضح جخا، في تصريح خص به جريدة “العمق”، أن الكرة الآن في ملعب الأحزاب السياسية التي تواجه تحديا حقيقيا يتمثل في اختيار نخب قادرة على إنجاح هذه الاستحقاقات، مشيرا إلى أن الرهان الأكبر يكمن في نسبة المشاركة التي وصفها بـ”مربط الفرس”.

    وأشار المحلل السياسي إلى أن أكبر تحد يواجه الانتخابات المقبلة هو مدى قدرة الأحزاب على تحفيز المشاركة السياسية لدى الشباب، متسائلا عما إذا كانت ستعيد ترشيح نفس الوجوه السياسية وتعتمد نفس المقاربات، أم ستعتمد تغييرا إيجابيا حقيقيا، خاصة مع إمكانية بروز لوائح مستقلة للشباب.

    وشدد على أن التحضير الجيد يهدف إلى بلوغ أهداف رئيسية، أولها تحقيق نسب تصويت كبيرة تعزز الثقة في المؤسسات السياسية، وثانيها ضمان وجود فاعلين سياسيين بقيمة مضافة وقادرين على مسايرة ومساهمة فعالة في المحطات التاريخية المقبلة.

    وأكد جخا أن هذا التحضير المبكر يأتي استجابة لما أكد عليه الملك محمد السادس في خطاب العرش، مضيفا أن إشراف وزارة الداخلية على هذه المحطة الرئيسية من شأنه أن يساهم بشكل كبير في مرورها في أجواء جيدة تليق بأهميتها القصوى.

    من جهته، أفاد المحلل السياسي بوجمعة بيناهو أن قرار تحديد يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026 موعدا لإجراء الانتخابات التشريعية في المغرب يندرج ضمن الصلاحيات التنظيمية التي تخولها القوانين الانتخابية للحكومة، ولكنه في المقابل قد يفتح نقاشا سياسيا حول الأعراف الانتخابية الراسخة.

    وأوضح بيناهو في تصريح خص به جريدة العمق أن تحديد تاريخ الاقتراع يتم عبر مرسوم حكومي، وهو إجراء يمنح السلطة التنفيذية هامشا من السلطة التقديرية لاختيار اليوم المناسب، مؤكدا أن اختيار يوم الأربعاء لا يشكل من الناحية القانونية أي تعارض مع النصوص المنظمة للعملية الانتخابية.

    وأشار المحلل السياسي ذاته إلى أن هذا الاختيار قد يثير جدلا مرتبطا بما وصفه بـ”الأعراف الانتخابية”، حيث درجت التجربة المغربية في عدد من الاستحقاقات السابقة على تنظيم الاقتراع يوم الجمعة، مما جعل هذا اليوم يرتبط في المخيال الانتخابي العام بموعد التصويت رغم غياب أي نص قانوني يلزم بذلك.

    واعتبر بوجمعة بيناهو أن الإعلان المبكر عن تاريخ الانتخابات يحمل دلالات سياسية وتنظيمية مهمة، إذ يساهم في توفير وضوح أكبر حول الرزنامة الانتخابية المقبلة، كما يمنح الأحزاب والفاعلين السياسيين الوقت الكافي للاستعداد من حيث إعداد البرامج واختيار المرشحين وبناء التحالفات.

    وخلص إلى أنه من المبكر الجزم بتأثير اختيار يوم وسط الأسبوع على نسبة المشاركة الانتخابية، لأنها تظل مرتبطة بعوامل أكثر تأثيرا كمدى الثقة في العرض السياسي وقدرة الأحزاب على تعبئة الناخبين، معتبرا أن يوم الاقتراع قد يكون عاملا ثانويا مقارنة بهذه العوامل.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • خبير لـ”العمق”: تحرشات إيران بتركيا وقبرص محاولة انتحار تضعها في مواجهة مباشرة مع “الناتو”

    عبد المالك أهلال

    أعلن الحرس الثوري الإيراني، في تطور عسكري لافت، “السيطرة الكاملة” على مضيق هرمز الذي يحظى بأهمية حيوية قصوى لتجارة النفط العالمية عند مدخل الخليج، وهو الإعلان الذي تزامنت معه إدانة شديدة اللهجة من حلف شمال الأطلسي لإطلاق صاروخ إيراني باتجاه تركيا، وتحذيرات من الاتحاد الأوروبي من تداعيات فورية لحصار المضيق على أسعار الطاقة والأسواق المالية، بينما اتهمت موسكو كلاً من واشنطن وتل أبيب باتخاذ إجراءات ستدخل الشرق الأوسط في حالة من الفوضى الشاملة.

    وامتدت الأزمة جغرافيا وبشكل مفاجئ لتصل إلى لارنكا، حيث أدى اقتراب طائرة مشبوهة إلى استنفار أمني استدعى تدخل طائرات عسكرية يونانية وإغلاق المجال الجوي للمدينة القبرصية مؤقتاً، في وقت سمحت فيه الولايات المتحدة لموظفيها غير الأساسيين بمغادرة الجزيرة لأسباب أمنية، وهو ما يشير إلى تحول التصعيد بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة من صراع إقليمي إلى أزمة عالمية ذات أبعاد عسكرية وطاقية ودبلوماسية قد تعيد تشكيل ميزان القوى.

    وتعليقا على الأحداث، أوضح الخبير في الأمن القومي الأمريكي والعلاقات الدولية، زياد صافي، في تصريح لجريدة “العمق”، أن النظام الإيراني بات يمارس سلوكاً متهوراً يرقى إلى وصف “الانتحار”، وذلك من خلال توسيع دائرة استهدافاته العسكرية لتشمل محاولات ضرب صواريخ عبر الأجواء التركية وتنفيذ هجمات في قبرص، مما يضع طهران في مواجهة مباشرة وخطيرة مع حلف شمال الأطلسي “الناتو” الذي تعد تركيا عضواً فيه، وهو الأمر الذي يهدد بتفعيل بنود الدفاع المشترك للحلف ضد طهران.

    وأشار صافي إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية، ورغم أن أولويتها الاستراتيجية القصوى حالياً تتجه نحو الصين، إلا أنها لا تزال تعتبر مشكلة إيران “أزمة مزمنة” مستمرة منذ عام 1979، حيث تسبب النظام الإيراني في مقتل أكثر من ألف أمريكي وتورط في عمليات خطف مواطنين وممارسة الإرهاب وترهيب الآخرين، مما يجعل الملف الإيراني حاضراً بقوة على طاولة القرار الأمريكي.

    وبين المتحدث ذاته أن أي محاولة من إيران لإغلاق مضيق هرمز تعد بمثابة افتعال لمشاكل مع العالم أجمع وليس مع واشنطن فحسب، لدرجة أن الصين نفسها سبق وأن طلبت من طهران ضمان فتح المضيق، مؤكداً أن الولايات المتحدة ستلجأ بلا تردد إلى فتحه بالقوة العسكرية إذا نفذت إيران تهديداتها، نظراً للأهمية الاستراتيجية القصوى لهذا الممر المائي للتجارة العالمية.

    ولفت الخبير في العلاقات الدولية الانتباه إلى التهور الإيراني في التعامل مع القوى الإقليمية، حيث أدى استهدافها للسعودية في وقت سابق إلى تلقيها تهديدات مباشرة من باكستان التي أخذت في الاعتبار احتمالية الدفاع المشترك، وهو السيناريو ذاته المرشح للتكرار مع الهند التي ستهدد مصالح طهران بشكل مباشر في حال استهداف الإمارات، مما يضيق الخناق الإقليمي والدولي على النظام الإيراني.

    واعتبر صافي في ختام تصريحه لـ”العمق” أن هذه التحركات الإيرانية غير المحسوبة وتوسيع رقعة الضربات لتشمل دولاً أعضاء في الناتو ومناطق نفوذ دولية، تشير إلى أن النظام يدرك قرب سقوطه ويحاول يائساً “تكبير الحجر” لتدويل الأزمة ودفع القوى العالمية للتدخل من أجل وقف الضربات الموجهة إليه، في محاولة أخيرة للنجاة.

    إقرأ الخبر من مصدره