Étiquette : قانون

  • الدولة الاجتماعية و آفاق المستقبل

    رشيد لزرق*

    الواجب الوطني والمسؤولية يحتمان أن تكون الحكومة الحالية حكومة إنجاز اقتصادي واجتماعي، مستقلة تماما وبعيدة عن منطق التجاذبات والخصومات السياسية، وتتوفر في أعضائها شروط النزاهة والنجاعة والجاهزية.
    ويبقى سؤال: هل تنجح الحكومة الحالية في الخروج من أزمة الاقتصاد الكلي مطروحا إلى حد بعيد. فتقلبات الأسعار الدولية يمكن أن تحدث أزمة اجتماعية وسوف يكون المحدد الأهم على المدى الطويل للنجاح هو مدى قدرة على إصلاح سياسي في ظل منظومة حزبية غارقة في محاباة المقربين والشعبوية المُدمرة. فهذه المشكلة وتلك تطل بوجهها القبيح الآن. إن إجراء الانتخابات في وقتها، وتنفيذها، هي علامة على التقدم الذي تحرزه البلاد. ويجب أن نحيي هذا التقدم ونشيد به، لكن مصاعب الحُكومة ليست إلا في بدايتها.
    لهذا فإن الطريق الآمن الآن هو الوصول للدولة الاجتماعية، التي تتأسس على تحقيق العدلة الاجتماعية، والسؤال الذي يفرض نفسه هو هل الحكومة الحالية قادرة على الوصول لهذه الغاية، التي تمر وجوبا من خلال حوار اجتماعي قوامه تحقيق السلم الاجتماعي يقوم من خلاله بتنزيل الأسس الاجتماعية عبر مقاربة تشاركية تتيح إشراك كل الفاعلين بهدف بناء مجتمع فاعلين ومسؤولين.
    وهذا ما يتطلب من المعارضة تشكيل قطب يساري يحمل بطبيعته الهم الاجتماعي، فتحقيق الدولة الاجتماعية مشروع طويل ومتعدد الأبعاد، يفرض بذل الجهود لتمكين الأفراد وحماية خاصة للفئات الهشة، فجائحة كورونا سلطت الضوء على ضرورة تعزيز الحماية الاجتماعية لجميع المواطنين، وهناك حزمة من الإصلاحات الاجتماعية وضعها جلالة الملك يفرض من الحكومة تنزيلها من خلال سجل المسك الاجتماعي بإطلاق رقم تعريفي واحد لجميع المواطنين سيسمح بتحسين رصد أوجه الضعف لهذا لا مناص من بذل جهود متضافرة لتعزيز الحماية الاجتماعية في ضوء التشخيص الكامل لحالات الضعف في المجال الاجتماعي ونهج سياسة عمومية لمعالجة المسائل المنهجية لعجز الضمان الاجتماعي. تستطيع الحكومة الاعتماد على قانون المسؤولية المجتمعية لمؤسسات الدولة لدفع الشركات نحو تعزيز استثماراتها في الحماية الاجتماعية باستخدام تدابير ملزمة وكذلك طوعية.
    والحكومة ملزمة بحسن تنزيل خطة إنعاش وتخطط لها في أعقاب جائحة كوفيد-19، من الأهمية بمكان أن تأتي المناقشات والتدابير الرامية إلى دعم الشركات بقيود تتسم بالشفافية وترتبط بالقضاء على مواطن الضعف ومعالجة الفساد.
    وكذلك تنمية القدرات الفردية والفرص والإمكانات المتاحة، وتوسيع دائرة الخيارات وتقوية الطاقات، على أساس من المشاركة والحرية والفاعلية، من أجل الوصول إلى تحقيق الرفاهية لأفراد المجتمع، اليوم وغدا، دون أن ترهن في ذلك قدرة الأجيال القادمة على الاستجابة لرغباتها. ولا يتأتى ذلك كله إلا بتحصين السيادة الوطنية عبر توفير الأمن الغذائي والطاقي والصحي وحكومة أخنوش يفترض لبلوغ هذه الغاية والممثلة بالأساس بتوفيق السيادة والعمل على تدعيم المخزون الوطني وفق الرأس المال المتاح، المادي واللامادي بجميع أصنافه؛ المادية (أراض وتجهيزات) والمالية (ادخار وقروض) والطبيعية (مواد طبيعية) والبشرية (تعليم وصحة) والاجتماعية (علاقات اجتماعية). وفق برنامج عمل بنيوي وطويل الأمد ومتعدد الجوانب؛ يشمل الجانب المادي (توفير المواد والسلع والخدمات) والجانب الثقافي (حماية الهويات والتعدد الثقاقي) والجانب السياسي (تقوية السلطة ببعدها المؤسساتي) والجانب الأخلاقي (المعايير والقيم)، وكل ذلك بهدف مواكبة العملية الاقتصادية، حتى لا تؤدي إلى اختلالات اجتماعية، تعوق الاستمرار في النمو وفي تحسين دولة الرفاه.

    *أستاذ جامعي للقانون العام

    إقرأ الخبر من مصدره

  • غياث: الأغلبية اختارت منطق التماسك والعقلنة عوض منطق الارضاءات والبلقنة

    العمق المغربي

    قال محمد غيات، منسق الأغلبية، ورئيس فريق التجمع الوطني بمجلس النواب، إن اتهامات المعارضة للأغلبية الحكومية والبرلمانية بـ”التغول” و”التضييق”، يدخل فقط في سياق الرواج السياسي ولا يرقى إلى اتهامات تستند إلى القانون.

    وأضاف غيات، في حوار مع جريدة “العمق”، أن المواطن المغربي منح هذه الأغلبية 5 ملايين صوت، مضيفا أن رئيس الحكومة عزيز أخنوش، خلال تشكيله للحكومة اختار منطق التماسك والعقلنة عوض منطق الارضاءات والبلقنة التي عانى منها المغرب لعشرات السنين.

    فيما يلي الحوار الكامل:

    س: وجهت المعارضة سهام النقد خلال الندوة التي نظمتها بمناسبة اختتام الدورة الخريفية لمجلس النواب نحو الحكومة معتبرة أن هناك “تغول” من الأغلبية و”تضييق” على المعارضة، ما تعليقكم على هذا؟

    من الناحية العامة لابد أن أنبه إلى أن الدستور هو الضابط لعمل المؤسسات والمحدد لمناط تدخلها، أما بالنسبة لقواعد العمل داخل المؤسسة التشريعية فالنظام الداخلي للمجلس واضح في تحديد مجالات عمل الأغلبية والمعارضة، بخصوص الاتهامات التي ذكرتم فهي تدخل فقط في سياق الرواج السياسي ولا ترقى إلى اتهامات تستند على القانون.

    فما معنى ” تغول الأغلبية”؟ إنها أغلبية منحها الناخب 5 مليون صوت لكي تكون أغلبية وتحكم وتقدم الحصيلة للشعب الذي صوت عليها وليس للمعارضة التي يجب عليها العمل والقرب من المواطن لكي تنال ثقة المواطن في الانتخابات المقبلة، هذه هي قواعد الديمقراطية كما هو متعارف عليها عالميا وعلينا احترامها حتى نعطي المثل الأفضل للرأي العام.

    س: يعني هذا أن بعض الأحزاب في المعارضة تحاول الضغط من أجل الانضمام إلى الأغلبية؟

    المعارضة تقوم بعملها والأغلبية تقوم بدورها، والمواطن هو الذي رسم المشهد السياسي عندما منح الأحزاب الثلاث الأولى الصدارة في كل الاقتراعات، فهل يعقل أن يكون رئيس الحكومة ضد توجهات الناخب ويشكل الحكومة من ستة أحزاب كما كان يحصل حتى يرضي الجميع. الفصل 47 من الدستور واضح والأغلبية منسجمة ودليل انسجامها هو ميثاق الأغلبية الذي وقعه زعماء الأحزاب بعد شهرين من تشكيل الحكومة.

    ويجب أن نحيي رئيس الحكومة على جرأته في سياق تشكيل الحكومة عندما اختار منطق التماسك والعقلنة عوض منطق الارضاءات والبلقنة التي عانى منها المغرب لعشرات السنين. بلادنا بعد كورنا تحتاج لحكومة قوية ومقلصة ومنسجمة، وأغلبية مسؤولة ومبادرة ومساندة، ومن أراد مساءلة الحصيلة فعليه بالوقت، وعلى الأقل في منتصف الولاية التشريعية وليس بعد أربع أشهر من عمل الحكومة والبرلمان، فعن أي تقييم للحصيلة يتكلمون ؟؟

    س: تتهم المعارضة الحكومة بأنها لا تشركها في إصدار المراسيم وأن هناك إقصاء لها بخصوص مقترحات مشاريع القوانين الني فاقت 80 حسب قولها، كيف تردون على هذا؟

    ليس من اختصاصي الرد عوض الحكومة فلها ناطق رسمي مخول له قانونيا ذلك، غير انه من باب مسؤوليتي كمنسق لفرق الأغلبية أرى أن فرق المعارضة، إما أنها تتجاهل القانون وتُلقي الكلام على عواهنه أو أنها تحتاج إلى توضيحات في هذا الباب. مراسيم القوانين هي اختصاص حصري للسلطة التنظيمية أي الحكومة طبقًا لمقتضيات الفصل 90 من الدستور فكيف ستستشير المعارضة في ذلك؟ وتخيل أن المعارضة تقترح مشاريع قوانين تنظيمية وهذا اختصاص حصري للحكومة كقوانين الجماعات المحلية.

    الحكومة تعمل وفق رؤية منسجمة، وأولية اليوم لبناء ركائز الدولة الاجتماعية التي هي مطلب كل المغاربة وملكا وحكومة وشعبا، وهذا ما يفسر التركيز على هذا الورش وإصدار أكثر 15 مرسوم لكي يتمكن 11 مليون مغربي من ولوج خدمات الحماية الاجتماعية، هذا هو الورش الذي لا يحتاج الى تأخير او مزايدة بل هو مكسب جماعي وجب الحرص الأمثل على تنزيله.

    س: مجموعة العدالة والتنمية قالت إن هناك توجها للحكومة لقتل السياسة عبر سحب قوانين بعينها وفق مقاربة انتقائية، خصوصا مشروع قانون الجنائي ومشروع قانون الملك البحري، كيف تعلقون على هذا الجدل؟

    ها أنت قلتها، إنه جدل وجعجعة بلا طحين كما يقول العرب ـ والذي قتل السياسة هو الذي ملأ الدنيا وشغل الناس بشعبوية عطلت المسيرة التنموية للبلاد خدمة لمصالح أيديولوجية، كانت نتيجتها عجز اجتماعي مزمن، والغريب أن وزيرهم في العدل هو صاحب مشروع تعديل القانون الجنائي وكانت له أغلبية برلمانية مريحة وظل لولاية كاملة، فلماذا لم يستطع المصادقة على المشروع؟

    لنكن صرحاء ليس من اختصاص الحكومة الحالية معالجة نقائص الحكومة السابقة، وزير العدل عبد اللطيف وهبي تملك الجرأة الكاملة في سحب المشروع قصد التجويد وإعادة فتح نقاش عمومي حوله خصوصا في المواد الخلافية التي تعكس تطلعات المجتمع المغربي وهذا دوره السياسي ومسؤوليته الحكومية لأننا لسنا أمام قانون عادي، أصحاب هذه المزيدات لم يستسيغوا أن الشعب أجاب عنهم في اقتراع 8 شتنبر، وهنا نحن نذكر لعل الذكرى تنفع المؤمنين.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الرئيس التونسي يعلن عن حل المجلس الأعلى للقضاء

    أعلن الرئيس التونسي قيس سعيد عن حل المجلس الأعلى للقضاء متهما إياه بالولاءات .

    وأكد الرئيس التونسي في كلمة متلفزة ، مساء أمس، أنه اتخذ هذا القرار من أجل وضع حد ل”الوضع المزري” الذي يعرفه القضاء.

    وأوضح أن المناصب باتت “تباع بالمجلس، بل ويتم وضع الحركة القضائية من قبله، بناء على الولاءات وليس على أساس القانون”.

    وبعد أن أكد أن “غالبية القضاة يشعرون بالمسؤولية الثقيلة الملقاة على عاتقهم، مسؤولية تنفيذ القانون”، قال إن هناك ” من هو متواطؤ، وبالحجة والبرهان .. مع عدد من المجرمين.. وهؤلاء لن نتركهم يعبثون”.

    وشدد على العمل ” على وضع مرسوم مؤقت للمجلس الأعلى للقضاء.. فليعتبر هذا المجلس نفسه في عداد الماضي من هذه اللحظة”.

    وفي معرض تطرقه لقضية شكري بلعيد، الذي تحل ذكراه اليوم الأحد، اعتبر الرئيس قيس سعيد “أن القضية بقيت لسنوات عديدة في رفوف المحاكم، ووقع التلاعب بها من قبل عدد من القضاة الذين لا مكان لهم في قصور العدالة إلا كمتهمين”.

    وقال “من حق التونسيين التظاهر ومعرفة الحقيقة ومن حقهم أيضا أن يكون لهم قضاء عادل”.

    وتشهد تونس، التي تمر بفترة اضطراب قوية، منذ مدة مواجهة بين المجلس الأعلى للقضاء والرئيس قيس سعيد

    فمنذ 25 يوليوز 2021 ، تاريخ دخول الإجراءات الاستثنائية بالبلاد حيز التنفيذ ، كانت منظومة العدالة هدفا لانتقادات لاذعة من قبل الرئيس قيس سعيد ، الذي ينتقد، وبشدة، بط ء المنظومة، لا سيما فيما يتعلق بالانتهاكات الخطيرة المسجلة في تقارير محكمة المحاسبة خلال انتخابات 2014 و 2018 و 2019 حول قانون الانتخابات.

    ويقاوم المجلس الأعلى للقضاء، المؤسسة الدستورية “الضامنة ، في إطار صلاحياتها ، لسير العدالة واستقلال السلطة القضائية، وفقا لأحكام الدستور والاتفاقيات الدولية المصادق عليها”، كما يرفض الامتثال للتوجيهات.

    وفي هذا السياق جدد رئيس المجلس يوسف بوزاخر التأكيد على أن التصريحات “اللاذعة” للرئاسة تعتبر تدخلا ومحاولة للنيل من استقلالية المؤسسة .

    وفي ظل هذا المناخ المتوتر، حيث الجدل مستمر على أشده حول اختلال المنظومة القضائية وحول الفصل بين السلطات، لا يفوت الرئيس قيس سعيد أي فرصة لمهاجمة القضاء لعجزه عن تحقيق العدالة للمتقاضين، الى درجة أن أصدر في 19 يناير الماضي مرسوما رئاسيا يضع في به حدا للمنح والامتيازات المخولة لأعضاء المجلس.

    وعاد النقاش يحتد من جديد حول استقلالية القضاء عندما أعلنت وزيرة العدل ، ليلى جفال ، في أكتوبر الماضي، عن إعداد مشروع قانون يتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء .

    وأمام هذا الوضع المعقد، عبرت عدد من جمعيات المجتمع المدني عن مخاوفها بخصوص تدهور الحريات في البلاد، حيث تذهب الى أن الرئيس قيس سعيد أفرغ منذ 25 يوليوز 2021 ، وبالتدريج، العديد من المؤسسات الوطنية من جوهرها.

    وبالموازاة، صعد المجلس الأعلى للقضاء من لهجته خلال جمعه العام في يناير الماضي برفضه “مراجعة وإصلاح المنظومة القضائية بواسطة المراسيم الرئاسية في إطار التدابير الاستثنائية المتعلقة حصرا بمجابهة خطر داهم”، داعيا في ذات الوقت القضاة إلى “التمسك باستقلاليتهم”.

    ويرى المجلس أن جميع قراراته وأعماله تم اتخاذها طبق أحكام الدستور والقانون الأساسي المتعلق به.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • هادي معزوز يكتب: الدار البيضاء.. تلك المدينة التي لا تطاق !!!

     هادي معزوز

    أملك من الصور القديمة والناذرة للدار البيضاء ما لا يعد ولا يحصى، أحب جمعها وإضافتها إلى مجموعتي بكل عناية، أفتخر بأجملها وأنذرها، أتأملها صورة صورة ثم أنغمس فيها، أخرج من حاضري وأعود إلى سنوات نهاية القرن التاسع عشر إلى سبعينيات القرن الماضي مرورا بأبرز الأحداث التي شهدتها، لعل أهمها بحث أهاليها عن تاريخهم المنسي وإثبات أن لمدينة آنفا امتداد في الماضي وأنها ليست مدينة لقيطة كما يدعي البعض.

    عندما أهيم وأسيح في صوري، أتحول إلى جزء من ماضي المدينة، أعيشه لحظة بلحظة، أتأمل بناياتها الشامخة بجمالية قل مثيلها اليوم، أشعر بأني في متحف مفتوح يطل على كل الجهات.. أتوقف حيث يتوقف الجميع بأدب عند ممر الراجلين، ثم أسير بأنفة حينما يحين موعد ذلك. قد أصطدم بأحدهم فأقول له بكياسة: “سمحلي أسيدي” يرد علي بابتسامة لطيفة ثم يذهب كل في حال سبيله. أتوقف برهة باحثا عن سيارة أجرة تقلني إلى مكان لا أعرفه، تتوقف واحدة أمامي فأندلف فيها لأجدني أمام سائق أنيق بشوش ومهيب، يرتدي بذلة بربطة عنق ويضع عطرا فواحا أخاذا.. ينظر إلي من المرآة ثم يقول لي مرحبا: فين إن شاء الله؟ أصمت هنيهة ثم أرد عليه: “فين ما بغيتي.”

    يبتسم مرة أخرى ويقول: “الأخ ماشي من هنا على ما كنظن.” أشعر بخجل كبير ثم أرد: “طبعا، ولكن حبيت نتعرف على أهم بلايص المدينة.” يسترق مرة أخرى نظرة مرحبة عبر مرآة السيارة الداخلية ثم يجيبني: “غادي ندوزوا نهار كامل وحنا نلفوا وندورو، كل بلاصة تنسيك في آخرى.” تبدو الحماسة على سائق سيارة الأجرة كبيرة جدا وهو يعرّفني على أهم البنايات، رأيت فيه اعتزازا منقطع النظير بالمدينة التي ينتمي إليها، ثم يفاجئني بعدئذ بزخارة المعلومات التي يتوفر عليها، لدرجة خلته من خلالها مرشدا سياحيا محبا لوظيفته وليس سائق عربة أجرة..

    ثم سار يلف الشوارع والأزقة دون أن يسرع أو يخترق قانون السير، يحدثني عن هذه البناية وتاريخ تلك المؤسسة، يقص علي طرائفا رافقت تشييد هذه المعلمة، ويعطي رأيه حول مكان هذه الحديقة أو الساحة، لكن ما فاجأني فيه أكثر هو معرفته الكبيرة لأسماء الشوارع والأزقة خلال عهد الحماية وأسماءها اليوم: “هذا أسيدي شارع الجيش الملكي، كان أسمو بولفار دو لا ريبيبليك، ولي غادي معاه شارع محمد الخامس، كان أسمو بولفار دو لا كار، دابا غادي نمشيو لبلاص محمد الخامس وكان سميتها شحال هادي بلاص ليوطي، على شارع الحسن الثاني، لي كان أسمو بولفار دي جينرال داماد..” كنت أعرف كل هذه المعلومات وأكثر، لكني تظاهرت بعدم معرفتها، وتظاهرت أيضا أني لست ابن المستقبل.
    فجأة نظر السائق إلى ساعته، أبطأ السير وقال لي منشرحا: “هذا وقت الاستراحة ديالي، كي خصني نشرب قهوة وندخن شويا، داك الشي علاش كندعوك تشرب معايا قهوة في كافي دو فرانس، وعلى حسابي بما أنك ضيف عندنا.” لما جلسنا كنت أتأمل أولئك الناس الذين يسيرون جنب الرصيف، رجال وشبان يرتدون بدلا أنيقة وأحذية ملمعة، إما يحملون حقائبهم أو يتأبطون جرائدهم الورقية، وفتيات أو سيدات بالميني جيب وتسريحة الشعر على إيقاع زمن الستينيات والسبعينيات، نساء بالنقاب المغربي الذي يمنح وقارا واحتراما قل نظيره اليوم، وتلاميذ متوجهون للمدارس باللباس الرسمي.

    لم أعثر ولو على عنوان للتحرش، أو عيون متربصة، أو متطرف يتحدث عن اللباس المحتشم للفتيات، لم تزر أنفي رائحة البول، ولا عثرت على كتابات جدارية تمنع البول جنب الحائط وتلعن صاحب هذا الفعل الشنيع بأقبح النعوت. بل وجدت مراحيض عمومية أنيقة ونظيفة، ومرافق ترفيهية، وحدائق غناء وجدت للترويح على النفس، أو سرقة قبلة لطيفة بمبعد عن الناس باسم التوقير والتقدير.. كانت دور السينما مملوءة بأناس ترى في تقاسيمهم حبهم للفن السابع، وعندما يخرجون من الدار المظلمة يناقشون الفيلم من الناحية الأدبية والتقنية أيضا.. كانت سينما فوكس لا تزال شامخة تحرس الدار البيضاء من لصوص الفن ومجرميه، وكان المسرح الكبير المقابل لبنك المغرب، بمعماره الأنيق لايزال مبتسما مادحا لما جاد به الزمن من شخصيات تعرف ماذا يعني أن تكون تابعا لأب الفنون.. ثم نهضنا مرة أخرى متوجهين إلى منطقة المعاريف وبعدها كورنيش عين الذئاب، مدينة الدار البيضاء تبدو هادئة جدا، فارغة من ثقافة الزحف الاسمنتي على حساب الأراضي والحدائق الغناء الجميلة والأشجار كذلك. لكن ما أثارني أكثر هو تلك الفيلات التي كانت تنتشر في كل مكان، لتتحول بعدئذ وبسبب الزمن الغادر إلى عمارات شاهقة فضيعة لا عنوان لها.

    فجأة أفقت من استيهامي البليد هذا، انقشعت صورة الحاضر أمامي، واختفت معها صورة ماضي الدار البيضاء الزاهي، تبخر سائق سيارة الأجرة الأنيق والمثقف، انهارت تلك البنايات الجميلة لصالح أخرى تحولت شرفاتها بسبب “الألمنيوم” إلى مظاهر بشعة تثير الغثيان. روائح البول في كل مكان، الراجلون يعبرون الشوارع والأزقة بطريقة مائلة وليس من ممر الراجلين.. السائقون لا يفرقون بين اللونين الأحمر والأخضر، زعيق سياراتهم لا ينقطع بتاتا كأنه جزء من حركات شهيقهم وزفيرهم، أزبال مرمية هنا وهناك، ضجيج غريب تعجز اللغة على وصفه، وزحام شديد يذكرنا بأفلام نهاية العالم.. القبح في كل مكان: كلمات نابية.. أشخاص يمشون دون أناقة.. نساء يرتدين لباسا دخيلا على ثقافتنا.. تنمر وتحرش في كل مكان.. وسماء باتت زرقتها الصافية في خبر كان، والسبب هذا التلوث الذي بات جزءا لا يتجزأ من المدينة.. أشغال في كل مكان، وفوضى في كل الأمكنة.. انهارت بناية سينما فوكس، اختفى المسرح البلدي.. فندق لنكولن تحول إلى يباب يأسف على مجد الزمن الماضي.. شارع محمد الخامس يبدو كأنه استفاق من حالة غزو الأعادي الكاسحة.. باتت مدينة الدار البيضاء اليوم غير قادرة على استيعاب كل ما يحدث بعربات “التربرتور” التي لها أسبقية المرور أكثر من سيارات الإسعاف.. وعربات أخرى يجرها الدواب ويمتطيها أناس مكتوب على وجوههم: “ممنوع الكلام مع السائق وإلا..” والفراشات التي تنبت في كل مكان، تنبث أكثر من الفطر.. استسلمت وانفجرت، لم تعد تبكي اليوم لأنها ماتت وانتهت.. مدينة الدار البيضاء أصبحت مقرفة جدا، بل جحيمية إن أسعفني اللسان.. مدينة الدار البيضاء لا تحتاج عمدة وراءها تاريخ أسود، أو رجال شرطة ينظمون السير تحت شمس لافحة، أو منتخبون يتاجرون في صفقاتها أمام مرأى الجميع بداية من وزارة الداخلية إلى أبسط مواطن، أو تكنوقراط لا يهمهم منها سوى الربح.. مدينتنا في حاجة إلى سكان يغيرون عليها، إلى سكان يعتزون بالانتماء إليها، وإلى سياسة حقيقية وصادقة.. إلى اللقاء.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • هل بدأت المخابرات الألمانية تفقد مصداقيتها ؟

    الجميع يتذكر كيف ساعدت المخابرات المغربية نظيرتها الألمانية سنة 2016 على تفادي هجوم إرهابي خطير، بعد تحذيرها مرتين بمخطط سينفذه المتطرف التونسي أنيس العامري فوق ترابها، المرة الأولى كانت في التاسع 19 شتنبر 2016 والثانية في 11 أكتوبر 2016، عبر البريد الالكرتوني.

    وكان من الممكن تفادي وقوع هذا العمل الإرهابي الذي أدى إلى مقتل 12 شخصا في برلين، لو أن السلطات الألمانية أخذت على محمل الجد بتحذيرات المخابرات المغربية التي رصدت أنيس العامري، منذ إيقافه في إيطاليا، والحكم عليه بالسجن بعد عزمه الالتحاق بمناطق الصراع في سوريا والعراق، ثم بعد استقراره بطريقة غير شرعية، بمدينة دورتموند الألمانية لمدة 14 شهرا.

    تهاون واستهتار المخابرات الألمانية في التعامل مع هذا التحذير، تسرب إلى الصحافة الدولية، ما تسبب لها في إحراج كبير أمام المواطنين الألمان، تعرضت على إثره لموجة انتقادات لاذعة.

    الكل كان يعتقد أن هذه الواقعة الأليمة ستدفع السلطات الألمانية إلى تطوير التعاون الأمني مع المغرب، لما راكمته أجهزته الاستخباراتية من خبرة متميزة في مواجهة خطر الإرهاب، لكن العكس هو الذي حصل.

    عنجهية ألمانيا –حسب وصف بعض الخبراء الأمنيين- دفعتها إلى عدم تقبل مساعدة المغرب لها، فلم تجد ردا آخر يحفظ ماء وجهها (من وجهة نظرها)، غير الإساءة ومحاولة النيل من المؤسسة الأمنية المغربية التي أضحت محط إشادة دولية.

    وفي هذا الصدد، تواطأت المخابرات الألمانية مع المتطرف والمعتقل السابق على خلفية الإرهاب محمد حاجب، الذي يحتمي ببرلين للتحريض ضد المملكة ومؤسساتها، والأخطر من ذلك، كانت تسرب له كل المعلومات التي تتلقاها من المخابرات المغربية، بل وصل الأمر بالمخابرات الألمانية إلى إبلاغه بعدم السفر في نفس التوقيت الذي وضع فيه المغرب مذكرة دولية ضده لدى “الأنتربول”.

    السلطات الألمانية بهذه التصرفات، تكون قد خرقت واحدة من أهم قواعد الشرف المعمول بها بين أجهزة المخابرات، ناهيك عن تجنيدها لوسائل إعلامها العمومية بشكل غير مسبوق لشن حملات شرسة ضد المغرب ومؤسساته الأمنية، مستعينة بأشخاص ذوي خلفيات مشبوهة المعروفين بمواقفهم العدائية تجاه المملكة المغربية.

    حملات مسعورة وتقارير مضللة استهدفت أجهزة الأمن المغربي وصلت إلى حد تشبيهها بجهاز “شتازي”، واحد من أقذر وأشرس الأجهزة في عهد ألمانيا الشرقية والذي حول حياة الألمان وقتها إلى جحيم مستخدما أساليب تجسس لا تخطر على بال أحد للتحكم في جميع تفاصيل حياتهم ومنعهم من أي محاولة معارضة للدولة.

    ومن كان يعتقد أن هذا الأسلوب القمعي قد صار في حكم العهد البائد بعد سقوط جدار برلين، فهو واهم. كيف ذلك؟

    بعدما أحكمت الاستخبارات الألمانية قبضتها على المواطنين في الداخل عبر إقرار قوانين تمنحها صلاحيات واسعة في الرقابة على أي شخص وبدون مبرر، صادقت ألمانيا في شهر مارس الماضي على قانون جديد، يمنح صلاحيات إضافية للاستخبارات الخارجية « BND » التابع مباشرة لمكتب المستشارة الألمانية أنجيلا مركل.

    صلاحيات أعطت للجهاز سلطة رقابة غير مسبوقة، فأصبح بإمكانه تسجيل كميات هائلة من البيانات تصل إلى 30% من من قدرة الإرسال لجميع شبكات الاتصال العالمية كما صار مسموحا له باختراق حسابات المواطنين على شبكات التواصل الاجتماعي بما فيهم الصحفيين والنشطاء الحقوقيين.

    قانون أثار الكثير من الجدل في الأوساط الإعلامية والحقوقية، معتبرة هذه الممارسة انتهاكا صارخا لحرية الصحافة ولخصوصية المواطنين عموما.

    وقد أعاد هذا الجدل فضيحة تجسس المخابرات على الصحفيين إلى الواجهة من جديد بعدما سبق لمجلة “دير شبيجل” نشر وثائق رسمية كشفت أن وكالة الاستخبارات الخارجية BND كانت تراقب الصحفيين لما يزيد عن 20 عاما وأنها جندت البعض منهم لكي يتجسسوا على زملائهم مقابل مبالغ مالية.

    وفي هذا السياق، فقد اعترف فولكر فوريتش، رئيس وكالة الاستخبارات الألمانية سابقا، في حديث له مع جريدة “برلينر تسايتونغ” ، بأنه استخدم بعض الصحفيين كعملاء لبعض الوقت وأن الهدف من ذلك كان منع نشر أي تقارير مسيئة للوكالة.

    خطورة قانون الاستخبارات الألمانية الجديد دفعت عددا من المنظمات المعنية بشؤون الصحفيين اللجوء إلى القضاء الألماني لمراجعة مقتضياته على النحو الذي لا ينتهك خصوصية الأشخاص وهي المطالب التي لم تتجاوب معها ألمانيا حيث استمر السماح لـ BND بجمع وتحليل ونقل بيانات الصحفيين وجهات اتصالهم دون أي قيود.

    وفي سياق متصل، صادقت الحكومة الألمانية في أكتوبر سنة 2020 على قانون يسمح لأجهزتها الاستخباراتية مراقبة كل المحادثات الجارية على منصات المراسلة بما فيها المشفرة دون أي قيود أن مبررات وذلك عبر استخدام أحد أقوى برامج التجسس.

    كل هذه الصلاحيات التي أعطيت لجهاز BND، بررتها الحكومة الألمانية بذرائع أمنية تتعلق أساسا بالإرهاب. لكن، من سيضمن للألمان أو حتى لغير الألمان، أن المخابرات الألمانية ستستخدم هذه الصلاحيات فقط في مجال مكافحة الإرهاب؟ في الوقت الذي سبق تورطها في التجسس على المواطنين والصحفيين في الداخل والخارج، في انتهاك صارخ للخصوصية ولحرية الصحافة.

    وكيف لعاقل أن يصدق، أن كل هذه القوانين والصلاحيات التي منحتها ألمانيا لمخابراتها، سببها هاجس حماية أمن المواطنين من خطر الإرهاب، في الوقت الذي تحتضن فيه أزيد من 500 مقاتل من تنظيم “داعش” الإرهابي تحت ذريعة طلب اللجوء.

    لكل هذه الأسباب، نتساءل اليوم عما إذا كانت المخابرات الألمانية، من خلال تصرفاتها اللامسؤولة تجاه المواطنين الألمان وتجاه أهم شركائها في المنطقة، قد بدأت تفقد مصداقيتها؟

    إقرأ الخبر من مصدره

  • التنظيمات والأحزاب: العجز في فهم الذات وفهم الآخر

    برلمان.كوم – محمد الخمسي*

    عند رصد ومسح قاموس المفردات المتداولة في البنية السياسية والدينية ” بالعالم العربي “، يكتشف المهتم بهيمنة بشكل عام لأربعة تفسيرات للأحداث التاريخية لدى هذه التنظيمات، سواء كانت هذه الأخيرة جماعة وهيئات سياسية معترف بها، أو جماعات ومنظمات ممنوعة قانونا متسامح في وجودها واقعا وممارسة (يجب الفصل بين الوجود القانوني والتسامح الوجودي وهي خاصية في البيئة السياسية العربية interdit mais toléré)، أو أحزاب سياسية ضمن نسق الدولة، فعند كل انتكاسة أو اصطدام سواء داخل الدولة الوطنية من خلال صراع سياسي قد يصل حدود الدم أو الاعتقال أو التخريب والتفجير، أو في علاقتها اي هذه التنظيمات مع السياق الإقليمي أو الدولي سواء بمواجهات مسلحة أو تنظيم مظاهرات واحتجاجات تتفاوت شعاراتها وسقفها ، في هذه الظروف تظهر هذه التفسيرات والمبررات و تدور رحى معانيها بمقولات ملخصة مفادها :
    1- تعرضت وتتعرض تجربتنا و مشروعنا لمؤامرة دولية ونلاحظ التعبير بصيغة الماضي والمستقبل، وهو استشهاد يصدر من القيادات والزعامات للقواعد، مما يجعل غشاوة على عقول هذه القواعد وتمنع من التساؤل والفهم والنقد والسؤال
    2-ياتي المبرر الثاني، مسلطا الضوء على الذات في مقولة متعلقة بها اي بهذه الذات وهي، لم نرتقي بالشكل المطلوب للمعركة دون التساؤل عن ضرورة هذه المعركة أو طبيعتها أو مدخلاتها أو مخرجاتها أو نتائجها وعواقبها وينصب الجهد على التفسر، و هنا تركز التنظيمات الدينية في خطابها لقواعدها على ضعف الإيمان ولا يرتاح لهم بال حتى تسمع هذه القيادة نفد’ ويفسر عند التنظيمات الحزبية بضعف النضال أو ضعف الانخراط، وهكذا تذهب القواعد في الغرق والطقوس إلى حد العنف لتتزود وتجدد هذا الإيمان، الذي يأخذ طابع الأساطير عن الإيمان في السيرة التي عسكرتها كتابة بعض التنظيمات واستغلتها بشكل تكاد لا تتصور المجتمع المسلم الا في زي عسكري، حتى ولكأنك حين تقراهذه السيرة يختلط عليك الأمر هل انت امام رسول الوحي صلى الله عليه وسلم؟ ام أمام قائد عسكري طموحه ومشروعه بناء امبراطورية!؟ ويتم تغيب بناء مجتمع مدني انساني مبني على الرحمة والعدل والحرية؟ بل عند بعض الجماعات تعتبر ان اية السيف نسخت اكثر من ثلاثمئة اية حول العيش المشترك، أو تجد في الضفة الاخرى البطولات في عالم النضال والصراع إلى درجة أن الصورة الرمزية تصل حد التقديس لرجال عرفوا بتاريخهم الدموي مثل لينين وستالين وماو وليس القدوة والتقدير ، فقد عمر ضريح لينين زمنا طويلا قبل أن تعصف به قوة التاريخ وتزيل وهما عمر طويلا.
    3- أما المبرر الثالث مما يستعمل ويعتمد داخل هذه الانساق، فينحو باللوم على المجتمع، ويأخذ في الغالب تعبيرات منها، لازالت الأمة غافلة! وكان النسق الذي ينتمون إليه لا تشمله هذه الغفلة!، في لغة من يعتمد المرجعية الدينية، أو لازالت الجماهير دون مستوى الصراع في لغة التنظيمات السياسية بتوجه يساري وكان الجماهير عبر التاريخ لم تكن سوى أدوات الحسم بين دوائر ضيقة، أو لازال المجتمع متخلفا في التعبيرات لدى الأحزاب الليبرالية، فهي تعتبر من عارض منطقها الذي يعتمد على الوفرة والتنافس على تركيز الثروة هو اهم فكرة في التاريخ. المهم أن الفكرة المعبر عنها تتركز حول:
    ليس لدينا مجتمع مشروعنا!!
    4 -يمثل هذا المبرر مستوى عاما وهلاميا ، فيأخذ مقولات جاهزة منها على سبيل المثال:
    هذا الدين ينقصه الرجال في لغة التنظيمات الدينية، و يحتاج إلى النخب في لغة الأحزاب.

    وللحقيقة والأمانة فان هذه الافتراضات لا تمثل بمنطق الرياضيات ” عبارة ” ، بحيث نستطيع الحكم عليها بالصواب أو الخطأ، إذ المبررات الأربع يصعب نفيها أو إثباتها منطقيا، لأنها تحتوي على وجود جزء من الحقيقة والنسبية فيها، غير أن هذا العقل الذي انتج هذه المبررات خاصة في الفضاء الإسلامي أو اليساري حكمته وضعيتين:
    الاولى وهي الانغلاق التاريخي الفقهي، بحيث يستشهد بعقل تأويلي، بنى لكل موقف اية وحديثا من قبل في أحداث مشابهة عبر التاريخ، فالتصويت في الانتخابات تسحب عليه أحكام شهادة الزور، فمن صوت للغير سهد الزور، والهزيمة تقرأ ضمن سياق غزوة أحد، والنصر ضمن سياق غزوة بدر، والتردد نفاق ضمن غزوة تبوك وهكذا، فما من حدث الا وفتش في التاريخ على نموذج يقابله، حتى قصة طالوت وجالوت لم تنجو من ذلك، فتستحضر لرفع الهمم داخل التنظيمات، بشكل يقفز على سؤال من يمثل داخل مجتمع مسلم جالوت ومن يمثل طالوت؟؟ بل ذهب بعض الجماعات إلى إسقاط سورة الروم بين أبناء المجتمع الواحد وأوائل سورة القصص
    أما الوضعية الثانية فيمثلها السقف الأيديولوجي الشمولي وهو غير الشامل، فحين يبحث مناضل عن انتاج شروط ثورة اكتوبر 1917 م يمهد لها بعملية غسل دماغ عجيبة تعتمد تلخيص المجتمع الروسي قبل هذه الثورة على تقابل مضاد القيصر والشعب وان الاتحاد السوفياتي سابقا ولد من عدم فلم تكن روسيا باي وجه من الوجوه حتى روسيا التي دحرت نابليون لم توجد، او حين يستعمل حركة ماو يلغي خمسة الف سنة من الحضارة الصينية، فيكون قد نسف كل منطق في التاريخ الذي تحكم قواعدة التحديات المجتمعية التي يعرفها كل مجتمع كتجربته الخاصة.
    لقد غاب عن العقلين معا جملة من الحقائق نعرض بعضها باختصار شديد أهمها :
    1- عدم الوعي بصراع المصالح والنفوذ كثابت بين المجتمعات البشرية، وان التاريخ لا يجد تفسيره الا في اكتشاف هذه التحديات، لقد لخص توينبي هذه التحديات في ثلاثة مستويات تحد قاهر كالذي عرفه شعب الايسكيمو وتحد استرخاء كالتي عرفته الشعوب الإفريقية وتحد خلال كالذي عرفته أوربا، والعالم الإسلامي بشقه الغربي والشرقي، هذه التحديات مرتبطة بمصالح للبقاء والتوسع حتى ولو كانت باسم القيم والعدالة، فإنها سترجح نوعا من المصالح، وسيتم ترجمة قيمها بمنطق المصالح، فقد جاءت أزمنة ارتبك الخليفة المسلم فيها تاريخيا بين “الجزية” التي تملئ خزائن سلطانه، وبين الدخول في الإسلام الذي يزيد من الرعية عددا ويقلل من مداخيل الإمارة. وهكذا فمنطوق الحال يخبرنا أن المصالح اقتضت أحيانا تفضيل وضعية الجزية عن وضعية الدخول في الإسلام.
    الأمر الثاني، هو عدم اعتماد قانون ثابت بدرجة عالية داخل المجتمعات العربية ، وهو ما يسمى بنتيجة الخيارات والمسؤولية، فتفسير كل هزيمة أو انتكاسة أو اصطدام بمنطق العناصر والعوامل الخارجية، جعل المجتمعات العربيةخاصة والعالم الإسلامي بشكل عام مشلولة الفعل والإرادة الا لماما، بل غرقت في مفهوم القضاء والقدر، ويستوي في هذا الوضع كل العناوين بلغات مختلفة ظاهريا، فهي ثابتة النتيجة، حتى ولو كان ذلك مناقضا لآية غاية في الوضوح
    ” قل هو من عند انفسكم” ويتقلص علم الاجتماع وعلم السياسة داخل الصف اليساري في مقولة مخدرة للعقول وكثيفة التأويل مثل ” أمريكا عدوة الشعوب” فأمريكا الدولة الإمبراطورية التي تلتهم كل شيئ لو وجدت سبيلا لتحقيق ذلك فلن يظهر عدائها، فهيىتنظر لتصرفاتها بمنطق مصالحها ولا تطرح السؤال حول معاداة الشعوب.
    منها تبدو حقيقة أزمة التفكير سواء عند قراءة واستحضار الذات، أو معرفة واستحضار الاخر، وقد رافق هذه الأزمة العجز أيضا في القدرة على النقد ومراجعة الأفكار التأسيسية، مما حال دون الاستفادة من تجارب الأمم والشعوب، وخبراتهم في التفاعل مع الأحداث وقراءتها.
    لقد كان من ثمار الحرب العالمية الثانية أن الشعب الياباني أجاب بكل شجاعة على السؤال التالي:
    لماذا تكرهنا الأمم والشعوب؟
    وكانت الشجاعة والصراحة في الإجابة من بين أسباب عودة اليابان إلى حضيرة الأمم، ليس فقط من باب الصناعة والإنتاج، ولكن من باب نظام القيم ونظام العلاقات مع الجوار.
    أن عدم الوعي بالاختلالات التي أصابت تصورنا حول العالم والذات و عبر الزمن، وعجزنا عن إدراك طبيعة المعارك والوعي بكمية المصالح بين الأمم والشعوب، وشروط الاعداد والمشاركة، جعلنا و يجعلنا ندفع فاتورات بسب جهلنا بحجم ذواتنا وطبيعتها، وجهلنا بالآخر ولدى ما لم نربط علميا بموضوعية للبحث عن أسباب فشلنا، و اعتمادنا في تفسير الفشل بمقولات من مثل القوى الخارجية، وضعف النضال أوضعف الإيمان او بقياس مستوى الجماهير وغياب النخب ، دون معرفة طبيعة الأفكار التي نحمل عن ذواتنا ونسائلها، وطبيعة من نحمله من أحكام وأفكار عن الآخر، الذي أصبح يسكننا عبر الفن والتكنلوجيا في جزء من القيم، مع الوعي بحقيقة ما ترتب عنها وما أنتجته من اختلالات و استحضار المصالح والنفوذ لكل قوى العالم أيا كان معتقدها وقيمها، سنبقى نعيد إنتاج أخطاء الماضي وخارج السرب الحضاري، ولن ننتقل إلى وضع عنوانه: شركاء في الأرض مساهمون في الحضارة.

    * استاذ التعليم العالي بفاس

    الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن مواقف صاحبها ولا تلزم موقع برلمان.كوم

    إقرأ الخبر من مصدره