عزيز مومني
لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية بالمغرب دون تشخيص موضوعي وعميق للمعيقات السوسيو-اقتصادية والثقافية والسياسية التي تؤثر في حياة فئات واسعة من المواطنين، سواء داخل المدن أو القرى أو مختلف الجهات. فالتنمية ليست مجرد أرقام اقتصادية أو مشاريع إسمنتية، بل هي، قبل كل شيء، بناء للإنسان، وتحقيق للكرامة، وتوسيع لفرص العيش الكريم، وترسيخ للوعي والمعرفة والعدالة والحرية والمسؤولية.
ومن أبرز الملاحظات المطروحة داخل الواقع المغربي استمرارُ التفاوتات الاجتماعية والمجالية بشكل واضح. فالأحياء الشعبية في عدد كبير من المدن المغربية ما تزال تعاني من الهشاشة وضعف جودة الخدمات وغياب بعض المرافق الأساسية، ويقطن بها غالبًا الفقراء وأصحاب الدخل المحدود الذين يعيش جزء مهم منهم تحت ضغط اقتصادي ونفسي مستمر.
وفي المقابل، توجد أحياء راقية ومغلقة يعيش فيها الأغنياء والبورجوازيون في ظروف مريحة جدًا، مع ولوج أفضل الخدمات الصحية والتعليمية والترفيهية داخل المغرب وخارجه. وهذه الفوارق الطبقية الحادة تؤثر على التماسك الاجتماعي، وتولد لدى بعض الفئات شعورًا بالإقصاء وفقدان تكافؤ الفرص.
وتشير معطيات رسمية صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط إلى أن معدل البطالة بالمغرب بلغ حوالي 13% خلال سنة 2025، مع تجاوز عدد العاطلين عن العمل 1.6 مليون شخص، كما ترتفع البطالة بشكل أكبر لدى الشباب وحاملي الشهادات العليا.
ورغم صعوبة الظروف، فإن بعض الفقراء وأصحاب الدخل المحدود استطاعوا أن يبنوا ذواتهم بالعلم والقراءة والتكوين العصامي المستمر، وأصبحوا فاعلين داخل مجتمعاتهم المحلية، يؤمنون بأن الرزق بيد الله، ويجتهدون في تطوير مهاراتهم ومواهبهم وقدراتهم الفكرية والمعرفية. وهذا يدل على أن الإنسان يمكنه، رغم الإكراهات، أن يحافظ على كرامته وتوازنه النفسي عندما يمتلك الوعي والقيم والطموح.
كما يُلاحظ ضعف البنية الثقافية في عدد من المدن المغربية، من خلال غياب مكتبات متخصصة وفضاءات ثقافية جيدة، حيث تتركز أغلب المكتبات المهمة ودور النشر والأنشطة الفكرية في المدن الكبرى مثل الرباط والدار البيضاء. إضافة إلى ضعف فضاءات الترفيه والحدائق العمومية والمرافق الثقافية والرياضية في مدن كثيرة، وهو ما ينعكس سلبًا على جودة الحياة وعلى التوازن النفسي والاجتماعي للسكان.
ومن بين التحديات الكبرى كذلك أزمة التشغيل، خاصة في مدن مثل خريبكة وعدد من المدن المتوسطة والصغرى، حيث يواجه الشباب والطلبة وأصحاب الشهادات العليا صعوبات كبيرة في الولوج إلى سوق الشغل، مما يساهم في انتشار الإحباط والهشاشة الاجتماعية والهجرة الداخلية والخارجية.
كما أن الهدر المدرسي يمثل خطرًا حقيقيًا على المجتمع، لأن آلاف التلاميذ الذين يغادرون الدراسة مبكرًا يجد بعضهم نفسه عرضة للفراغ والانحراف وتعاطي المخدرات والعنف والشغب، في ظل غياب التأطير والتكوين وفرص الإدماج.
لذلك فإن إصلاح التعليم ومحاربة الهدر المدرسي لا ينبغي أن يكونا مجرد شعارات، بل مشروعًا وطنيًا استراتيجيًا طويل المدى. وقد حذرت عدة تقارير وطنية ودراسات أكاديمية من خطورة الظاهرة وآثارها الاجتماعية و
الاقتصادية على المدى البعيد.
وفي السياق نفسه، أدى الانتشار الواسع للأنترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي إلى تحولات كبيرة داخل المجتمع المغربي. فرغم فوائد التكنولوجيا والمعرفة الرقمية، فإن الإدمان على الأنترنيت، وضعف احترام التخصص، وانتشار الخطاب السطحي والتوترات الرقمية، أصبحت تحديات ثقافية وتربوية حقيقية تحتاج إلى وعي جماعي وإلى تعزيز التربية الإعلامية والرقمية.
ومن الملاحظ أيضًا غياب التخطيط الشخصي والمجتمعي لدى جزء من الساكنة، وضعف ثقافة المبادرة والانضباط وتحمل المسؤولية. فالتنمية لا تصنعها الدولة وحدها، بل تحتاج كذلك إلى مواطن واعٍ ومنتج ومنظم، يسعى إلى تطوير ذاته، والبحث عن مصادر دخل مشروعة، والمساهمة في الإصلاح والبناء والعمل التطوعي وخدمة الصالح العام.
وفي المقابل، فإن المغرب يمتلك إمكانات بشرية مهمة، خصوصًا من المتعلمين والفاعلين وأصحاب الشهادات العليا والكفاءات المحلية التي ينبغي إشراكها بشكل فعلي في المشاريع والبرامج التنموية المحلية والإقليمية والوطنية. فالتنمية الحديثة تقوم على تعبئة الكفاءات، والاستماع إلى الأفكار الجادة، وربط المسؤولية بالكفاءة والاستحقاق.
كما أن احترام الحريات العامة وحقوق الإنسان وحرية التعبير يشكل عنصرًا أساسيًا في بناء مجتمع متوازن ومستقر وقادر على الإبداع والإنتاج. فالمجتمعات التي تشجع التفكير الحر والنقاش المسؤول والمشاركة المدنية تكون أكثر قدرة على التطور والتجديد.
ولا يمكن إغفال أهمية القيم والأخلاق والتدين الصحيح في بناء الإنسان والمجتمع، لأن التدين المتوازن يغرس في الإنسان الصبر والانضباط والإيجابية والعمل والإحسان واحترام الآخرين وتحمل المسؤولية، ويُبعده عن كثير من الآفات والانحرافات السلوكية.
ومن الضروري أيضًا دعم ثقافة التطوع والعمل الجمعوي الجاد، وتشجيع الأحزاب السياسية وشبيباتها وجمعيات المجتمع المدني على تنظيم ندوات وورشات تكوينية وتثقيفية داخل الأحياء والمؤسسات والفضاءات الثقافية، بما يساهم في نشر الوعي والمعرفة وروح المبادرة والمواطنة الفاعلة.
وتشير معطيات رسمية حديثة إلى أن عدد سكان المغرب بلغ حوالي 36.8 مليون نسمة وفق تقارير إحصائية وطنية حديثة، وهو ما يفرض تحديات كبيرة مرتبطة بالتشغيل والتعليم والصحة والسكن والبنيات التحتية والخدمات العمومية،كما أفادت تقارير رسمية بأن حوالي 4.75 ملايين شخص بالمغرب يعيشون في وضعية هشاشة اقتصادية أو معرضون للفقر، وهو ما يعكس حجم التحديات الاجتماعية المطروحة أمام السياسات العمومية والتنموية.
إن المشاكل التي تعيشها المدن والقرى والجهات بالمغرب ليست مستحيلة الحل، لكنها تحتاج إلى إرادة جماعية، وعدالة اجتماعية ومجالية، وحكامة جيدة، واستثمار في الإنسان، واحترام للكفاءة، ونشر للوعي والمعرفة، وترسيخ لقيم المسؤولية والاحترام والانضباط والعمل والإبداع.
فعندما ينتشر الوعي الحقيقي، وتتوسع فرص التعليم والتكوين والعمل، ويتم إشراك الكفاءات والطاقات الحية في التنمية، يمكن للمغرب أن يحقق تقدمًا أسرع وأكثر توازنًا وإنصافًا، وأن يبني مجتمعًا متماسكًا يحفظ كرامة الإنسان ويمنحه فرص العيش الكريم والمشاركة الفعالة في بناء الوطن.
إقرأ الخبر من مصدره