Étiquette : 2002

  • الغائب الذي لا يغيب: قراءة في رمزية البرغوثي السياسية

    حسن العاصي

    في لحظة خاطفة، ظهر مروان البرغوثي علناً من زنزانته في سجن “غانوت”، بعد أكثر من عقدين من العزلة السياسية والجسدية. لم يكن ظهوره مجرد مشهد إنساني مؤلم، بل كان حدثاً سياسياً بامتياز، أعاد ترتيب أوراق السلطة الفلسطينية، وأيقظ سؤالاً مؤجلاً: من هو الوريث الحقيقي للشرعية النضالية؟
    في زمن تتآكل فيه الشرعيات السياسية وتُعاد صياغة مفاهيم القيادة الوطنية، يبرز مروان البرغوثي كحالة استثنائية: سجينٌ منذ أكثر من عقدين، لكنه لا يزال حاضراً في الوعي الجمعي الفلسطيني كرمز للمقاومة، ومشروع قيادة مؤجلة. فهل يمكن للشرعية أن تُصاغ من خلف القضبان؟ وهل تمثل رمزية البرغوثي تحدياً بنيوياً لمعادلات السلطة الفلسطينية الراهنة؟

    ظهور في مواجهة الجلاد
    ظهر الأسير الفلسطيني القائد مروان البرغوثي في أول توثيق بصري له منذ أكثر من عقد من الزمن، حيث كان معزولاً في زنزانة انفرادية منذ سنوات. وفي أول ظهور علني لمروان البرغوثي في فيديو تم تصويره يوم الخميس 14 أغسطس 2025، عندما اقتحم وزير الأمن القومي الإسرائيلي “إيتمار بن غفير” زنزانته في سجن “غانوت” وتم تصويره في مشهد استعراضي، حيث قام الوزير الإسرائيلي بتهديد البرغوثي الأسير الفلسطيني الشهير والقيادي السابق في حركة فتح، الذي ظهر عجوزاً وهزيلاً وشاحب الوجه، يرتدي قميصاً داخلياً أبيض، يكاد يكون من الصعب التعرف عليه ما أثار قلقاً كبيراً على حالته الصحية. وقد هدد الوزير الإسرائيلي البرغوثي بأن “إسرائيل ستبيد كل من يعارضها”. وظهر بن غفير وهو يقول للبرغوثي: “من يعبث بشعب إسرائيل، من يقتل أطفالنا، من يقتل نساءنا، سنبيده. لن تهزمنا”.
    أثار نشر الفيديو موجة من الإدانات، حيث وصفت السلطة الفلسطينية المشهد بأنه “إرهاب نفسي ومعنوي”. فيما زوجة الأسير فدوى البرغوثي قالت: مؤسسات الأسرى حذّرت من إعدام صامت أو تصفية سياسية. وصرح “قاسم البرغوثي” نجل الأسير بأن عائلته تخشى على حياة والده الأسير، خاصة بعد هذا التسجيل الأخير.

    من السجن إلى الساحة: ولادة الرمز
    ولد مروان البرغوثي عام 1958 في قرية كوبر قرب رام الله، وانخرط في العمل السياسي مبكرًا، حيث انضم إلى حركة فتح وهو في الخامسة عشرة من عمره. اعتُقل لأول مرة وهو في سن الثامنة عشرة، ثم نُفي إلى الأردن بعد أن أصبح أحد أبرز مؤسسي “الشبيبة الفتحاوية”، الذراع الطلابية والتنظيمية للحركة خلال الانتفاضة الأولى. بعد اتفاق أوسلو، عاد إلى الأراضي الفلسطينية عام 1994، وانتُخب عضواً في المجلس التشريعي الفلسطيني، وأصبح من أبرز الأصوات النقدية داخل حركة فتح، خاصة تجاه الفساد والتنسيق الأمني.
    اعتُقل البرغوثي عام 2002 خلال الانتفاضة الثانية، وحُكم عليه بخمس مؤبدات بتهمة “التحريض على القتل”، رغم نفيه المشاركة المباشرة في أي عمليات مسلحة. منذ ذلك الحين، يقبع في زنزانة انفرادية، لكنه لم يتوقف عن الكتابة والتأثير. رسائله من السجن، ومواقفه السياسية، ومشاركته في الإضرابات الجماعية للأسرى، جعلته أقرب إلى “ضمير وطني” يتجاوز الانقسامات الفصائلية.
    لم تكن تجربة البرغوثي في السجن مجرد عقوبة جسدية، بل تحوّلت إلى منصة رمزية أعادت تعريف العلاقة بين النضال والشرعية. فالرجل الذي اعتُقل عام 2002 وحُكم عليه بخمس مؤبدات، لم يتوارَ عن المشهد السياسي، بل كتب، خاطب، ووجّه رسائل من زنزانته، جعلته أقرب إلى “ضمير وطني” يتجاوز الانقسامات الفصائلية.
    رمزيته لا تنبع فقط من سجنه، بل من مسيرته الطويلة: من تأسيس “الشبيبة الفتحاوية”، إلى دوره في الانتفاضتين، وصولاً إلى مواقفه النقدية من اتفاق أوسلو. هذه المسيرة جعلته أقرب إلى وجدان الشارع الفلسطيني من كثير من القيادات المتنفذة.

    الشرعية البديلة: بين المؤسسة والرمز
    في السياق الفلسطيني، تتوزع الشرعية بين ثلاث مستويات: شرعية الثورة، شرعية المؤسسة، وشرعية الشعب. البرغوثي، وإن غُيّب جسدياً، استطاع أن يحتكر الشرعية الشعبية، في مقابل تآكل شرعية المؤسسة الرسمية. استطلاعات الرأي المتكررة تؤكد أنه المرشح الأوفر حظاً لخلافة محمود عباس، رغم وجوده في السجن. هذا التناقض يكشف عن أزمة بنيوية في النظام السياسي الفلسطيني: فالرجل الأكثر قبولاً شعبياً ممنوع من الفعل السياسي، بينما تُدار السلطة من قبل قيادات فقدت الكثير من رصيدها الجماهيري.
    يقول البرغوثي في كتابه “ألف يوم في زنزانة العزل” “إن أي جنحة أو خطأ ارتكبه المناضل في حياته لا يساوي شيئاً بالمقارنة مع خيانة شعبه، وارتباطه بعدوه لخدمته وإلحاق الأذى والضرر بأبناء شعبه.” هذا الاقتباس يوضح فلسفة البرغوثي الأخلاقية في فهم النضال، حيث يُعلي من قيمة الالتزام الوطني على أي حساب شخصي، مما يفسر شعبيته رغم غيابه الجسدي. البرغوثي لا يمثل فقط بديلاً سياسياً، بل يمثل نموذجاً أخلاقياً للقيادة، في زمن تتراجع فيه القيم الثورية لصالح الحسابات الفئوية والامتيازات الشخصية. رمزيته تتجاوز التنظيم، فهي نابعة من تاريخه النضالي، واستقلاليته الفكرية، وقدرته على مخاطبة مختلف الأطياف الفلسطينية بلغة جامعة.

    الظهور الأخير: لحظة كشف سياسي
    في أغسطس 2025، ظهر البرغوثي علناً لأول مرة منذ سنوات، خلال اقتحام زنزانته من قبل وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، الذي صوّره في مشهد استفزازي أثار إدانات واسعة. بدا البرغوثي هزيلاً، شاحب الوجه، لكنه ثابت النظرة، وكأن ظهوره كان رسالة صامتة تقول: “أنا هنا، رغم كل شيء”.
    قالت عنه وسائل الإعلام “ما إن يتجلى البرغوثي من وراء القضبان كالضّرغام المنتصب حتى يرفع شعار النصر والحرية”. هذا التصوير الرمزي للبرغوثي كـ”ضرغام منتصب” يعكس كيف تحوّل ظهوره إلى لحظة استنهاض للوعي الوطني، لا مجرد مشهد إنساني.
    هذا المشهد، رغم قسوته، كان لحظة كشف سياسي: فقد أعاد البرغوثي إلى الواجهة، وأربك حسابات السلطة، وذكّر الجميع بأن الشرعية لا تُمنح، بل تُكتسب. ردود الفعل الفلسطينية تراوحت بين الاحتفاء الرمزي والتجاهل الرسمي، ما يعكس ارتباكاً في التعامل مع رمزيته: هل يُحتفى به كرمز؟ أم يُخشى من تحوّله إلى بديل؟
    السلطة الفلسطينية، التي تعاني من أزمة شرعية داخلية وخارجية، لم تُصدر موقفاً واضحاً، وكأنها تخشى أن يتحول البرغوثي إلى نقطة ارتكاز جديدة في المشهد السياسي. أما الفصائل، فقد اكتفت بإدانة التصرف الإسرائيلي، دون أن تطرح البرغوثي كخيار سياسي جاد، ما يكشف عن هشاشة الرؤية الاستراتيجية لدى الجميع.

    البرغوثي كمعادلة وطنية
    ما يجعل البرغوثي حالة فريدة هو قدرته على الجمع بين المقاومة والمؤسسة، وبين فتح وحماس، وبين النضال والمصالحة. فهو الوحيد تقريباً الذي يحظى بقبول نسبي من مختلف الأطراف، ما يجعله جسراً محتملاً في مرحلة ما بعد الانقسام. لكن هذه المعادلة تصطدم بجدار السجن، وبحسابات إقليمية ودولية لا ترى فيه خياراً مريحاً. فإسرائيل تعتبره “خطاً أحمر”، والغرب يفضّل قيادات أكثر قابلية للتطويع. حتى داخل حركة فتح، هناك من يرى في البرغوثي تهديداً للتركيبة القائمة، خاصة أنه لا ينتمي إلى الدائرة الضيقة للسلطة، ولا يخضع لمنطق المحاصصة. في رسائله، دعا البرغوثي مراراً إلى مؤتمر وطني شامل، وإلى إعادة بناء منظمة التحرير على أسس ديمقراطية، وإلى إنهاء التنسيق الأمني، دون أن ينزلق إلى خطاب شعبوي أو إقصائي.
    “على المناضل أن يتعامل باستهتار وسخرية مع كل هذه التهديدات، فكل شيء يمكن التسامح معه مهما كان، إلا التورط في التعامل مع العدو.” — مروان البرغوثي، ألف يوم في زنزانة العزل
    هذا الموقف يوضح كيف يضع البرغوثي خطًا أخلاقيًا واضحًا بين النضال الحقيقي والانتهازية السياسية، مما يعزز رمزيته كقائد مبدئي.

    رمزية تتجاوز الجغرافيا
    رمزية البرغوثي لا تقتصر على الداخل الفلسطيني، بل تمتد إلى العالم العربي، حيث يُنظر إليه كامتداد لرموز مثل نيلسون مانديلا، أو أحمد بن بلة، أو حتى مهاتير محمد في تجربته الإصلاحية. في زمن تراجعت فيه القضية الفلسطينية عن أولويات الأنظمة، يظل البرغوثي تذكيراً بأن النضال لم ينتهِ، وأن القيادة لا تُقاس بالموقع، بل بالقدرة على تمثيل وجدان الناس.
    قال عنه أرييل شارون “يؤسفني إلقاء القبض عليه حيّاً، كنت أُفضّل أن يكون رماداً في جرّة.” هذا يكشف عن مدى التهديد الرمزي الذي يمثله البرغوثي للمنظومة الإسرائيلية، حتى أكثر من التهديد العسكري.
    كتابه “ألف يوم في زنزانة العزل الانفرادي” ليس مجرد سرد ذاتي، بل هو وثيقة سياسية وفكرية، تعكس وعياً عميقاً بالمرحلة، وتطرح أسئلة جوهرية حول معنى الحرية، والهوية، والمقاومة. هذا النص، إلى جانب رسائله الأخرى، يُدرّس اليوم في بعض الجامعات كمادة تحليلية في العلوم السياسية.

    الشرعية المؤجلة
    مروان البرغوثي ليس مجرد سجين سياسي، بل هو رمز لشرعية مؤجلة، تنتظر لحظة انفراج تاريخي. ظهوره الأخير لم يكن مجرد مشهد إنساني، بل كان تذكيراً بأن القيادة لا تُقاس بالموقع، بل بالقدرة على تمثيل وجدان الناس. وفي زمن الانقسام والتآكل، يظل البرغوثي شاهداً على أزمة القيادة الفلسطينية، واحتمالاً لم يُحسم بعد.
    إن قراءة رمزية البرغوثي ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة سياسية، لفهم كيف يمكن للشرعية أن تُعاد صياغتها من الهامش، وكيف يمكن للسجن أن يتحول إلى منبر، وللصمت أن يصبح خطاباً. وبين من يسعى لتوريث السلطة، ومن يُحاصر في زنزانة، يظل البرغوثي أقرب إلى نبض الناس، وأبعد ما يكون عن حسابات السلطة.

    البرغوثي بين الأسطورة والواقع
    منذ اعتقاله عام 2002، تحوّل البرغوثي إلى رمز مركزي للمقاومة الفلسطينية، ليس فقط بسبب سجنه، بل بسبب قدرته على البقاء فاعلاً سياسياً رغم العزلة. كتاباته، رسائله، ومواقفه من داخل الزنزانة، جعلته أشبه بضمير وطني يتجاوز الانقسامات الفصائلية.
    لكن هذه الرمزية لم تكن دائماً محل إجماع. فداخل حركة فتح، ظل البرغوثي يمثل تياراً شعبياً متمرداً على البيروقراطية السياسية، وخصماً ضمنياً لنهج التنسيق الأمني والتفاوض العبثي. وفي أوساط السلطة، يُنظر إليه كورقة خطرة قد تعيد تشكيل المشهد خارج السيطرة.

    ظهور البرغوثي: لحظة سياسية أم استفزاز أمني؟
    عندما اقتحم إيتمار بن غفير زنزانة البرغوثي وصوّره، لم يكن الهدف فقط إذلاله، بل إعادة تعريف العدو في الوعي الإسرائيلي: ليس من يحمل السلاح، بل من يحمل الشرعية الشعبية. هذا المشهد، رغم قسوته، أعاد البرغوثي إلى الواجهة، وأحيا رمزيته في الشارع الفلسطيني.
    ردود الفعل الفلسطينية، من السلطة إلى الفصائل، كشفت عن ارتباك سياسي: هل يُحتفى بالبرغوثي كرمز؟ أم يُخشى من تحوّله إلى بديل؟ فبين التصريحات العاطفية والتجاهل الرسمي، بدا أن ظهوره أربك معادلة الوراثة السياسية داخل فتح، وأعاد طرح السؤال: من يملك الشرعية الأخلاقية لقيادة المرحلة القادمة؟

    البرغوثي كمعادلة بديلة
    في ظل تراجع شعبية السلطة، وانسداد أفق التسوية، يبرز البرغوثي كـ “معادلة بديلة” تجمع بين النضال والمصالحة. فهو الوحيد تقريبًا الذي يحظى بقبول نسبي من فتح وحماس، ويمثل جسرًا محتملًا بين المقاومة والمؤسسات.

    لكن هذه المعادلة تصطدم بجدار السجن، وبحسابات إقليمية ودولية لا ترى في البرغوثي خيارًا مريحًا. فإسرائيل تعتبره “خطًا أحمر”، والغرب يفضّل “قيادات قابلة للتطويع”. وهنا تكمن المفارقة: كلما تعاظمت رمزيته، تعمّقت عزلته.
    أهداف نشر الفيديو من الجانب الإسرائيلي
    نشر الفيديو الذي ظهر فيه وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير وهو يهدد مروان البرغوثي داخل زنزانته لم يكن مجرد استفزاز فردي، بل يحمل أهدافاً سياسية وأمنية متعددة في السياق الإسرائيلي والفلسطيني.
    ـ إضعاف الرمزية السياسية للبرغوثي
    يُعتبر مروان البرغوثي رمزاً وطنياً فلسطينياً يحظى بشعبية واسعة، حتى من داخل السجن. وتصويره في حالة ضعف جسدي وهزال، مع تهديد مباشر، يهدف إلى كسر صورته البطولية أمام جمهوره الفلسطيني والعربي. فقد قال بن غفير في الفيديو: “لن تنتصروا علينا، من يمس شعب إسرائيل سنمحوه.”
    ـ رسالة ردع للفلسطينيين
    الفيديو يحمل رسالة موجهة إلى الأسرى والفصائل الفلسطينية بأن القيادات التاريخية ليست بمنأى عن الإهانة أو التصفية. يُستخدم كأداة نفسية في الحرب المعنوية، خاصة في ظل تصاعد التوتر في الضفة وغزة.

    ـ تعزيز شعبية بن غفير داخلياً
    يسعى بن غفير لترسيخ صورته كـ “رجل الأمن القوي” أمام الجمهور الإسرائيلي اليميني. واقتحام زنزانة البرغوثي ونشر الفيديو يُعد استعراضاً سياسياً يخدم طموحاته داخل الحكومة الإسرائيلية.
    ردود الفعل الفلسطينية تكشف الأثر العكسي

    السلطة الفلسطينية وصفت المشهد بأنه “إرهاب دولة منظم” و”قمة الإرهاب النفسي والمعنوي والجسدي”. وقالت زوجته فدوى البرغوثي قالت إنها لم تتعرف على ملامحه، مما أثار موجة تعاطف واسعة. وطالت مؤسسات الأسرى بتدخل دولي لحماية البرغوثي، معتبرة أن الفيديو قد يُمهّد لـ “إعدام صامت”.
    رغم أن الهدف كان تقويض رمزية البرغوثي، إلا أن النتيجة كانت عكسية. فقد أعاد الفيديو البرغوثي إلى الواجهة السياسية والإعلامية. أثار نقاشاً واسعاً حول شرعية القيادة الفلسطينية، وطرح اسمه مجددًا كرمز بديل.

    البرغوثي كمرآة للضعف الإسرائيلي
    لم يكن اقتحام الزنزانة فعلًا أمنياً، بل كان استعراضاً سياسياً يخدم طموحات بن غفير داخل اليمين الإسرائيلي. فالرجل الذي يسعى لترسيخ صورته كـ “رجل الأمن القوي”، اختار أن يواجه جسداً ضعيفاً في زنزانة، لا جيشًا ولا مقاومة. وهذا يكشف عن هشاشة القوة حين تُستخدم ضد الرموز، لا ضد الوقائع.

    في المقابل، فإن اختيار البرغوثي تحديداً يعكس إدراكاً إسرائيلياً بأن الشرعية الفلسطينية الحقيقية لا تزال كامنة في رموز مثل البرغوثي، لا في القيادات الرسمية التي فقدت الكثير من رصيدها الشعبي.
    الظهور النادر للبرغوثي يعيد طرح سؤال مؤجل: من يملك الشرعية لقيادة المرحلة القادمة؟ في ظل انسداد الأفق السياسي، وتآكل الثقة الشعبية، يبرز البرغوثي كمعادلة وطنية بديلة، تجمع بين النضال والمصالحة، وبين فتح وحماس، وبين المقاومة والمؤسسة.

    لكن هذه المعادلة تصطدم بجدار السجن، وبحسابات إقليمية ودولية لا ترى فيه خياراً مريحاً. فإسرائيل تعتبره “خطًا أحمر”، والغرب يفضّل قيادات أكثر قابلية للتطويع. حتى داخل حركة فتح، هناك من يرى في البرغوثي تهديداً لتركيبة السلطة القائمة.

    إن الفيديو الذي أراد أن يُضعف البرغوثي، أعاد إحياءه. والتهديد الذي أراد أن يُسكت صوته، أعاد فتح النقاش حول شرعية القيادة الفلسطينية. وبين من يسعى لتوريث السلطة، ومن يُحاصر في زنزانة، يظل البرغوثي أقرب إلى نبض الناس، وأبعد ما يكون عن حسابات السلطة.

    تلخيص الوثائقي: حياة مروان البرغوثي
    من أبرز الوثائقيات التي تناولت سيرته:
    “سيادة الأسير” من الشرق الوثائقية: يعرض شهادات من عائلته وخبراء فلسطينيين وإسرائيليين، ويعيد تقديم شخصيته من الطفولة حتى قيادته السياسية.
    “من الطفولة إلى ساحات النضال” من قناة العربية: يوثق مسيرته من قرية كوبر إلى تأسيس “الشبيبة الفتحاوية”، ثم نفيه إلى الأردن، وعودته بعد اتفاق أوسلو.
    تقرير قناة الغد عن تهديد بن غفير: يوثق لحظة ظهوره العلني النادرة في زنزانته، ويكشف عن حالته الصحية والرمزية المتجددة.
    محطات رئيسية:
    1958: ولد البرغوثي في قرية كوبر قرب رام الله.
    1973: انضم لحركة فتح وهو في سن 15 عاماً.
    1987: أسس “الشبيبة الفتحاوية” خلال الانتفاضة الأولى.
    1994: عاد من المنفى بعد اتفاق أوسلو.
    2002: اعتقلته إسرائيل وحُكم عليه بخمس مؤبدات.
    2025: ظهر علناً لأول مرة منذ سنوات، في مشهد أثار ضجة سياسية.

    تحليل رمزيته السياسية في السياق الفلسطيني المعاصر
    رمز المقاومة والكرامة الوطنية
    يُلقب بـ”مانديلا فلسطين”، نظرًا لصموده الطويل خلف القضبان. يمثل الوجه الشعبي للمقاومة، بعيدًا عن الامتيازات السياسية أو الفصائلية. كتابه “ألف يوم في زنزانة العزل الانفرادي” أصبح مرجعًا نضالياً وفكرياً.
    جسر بين الفصائل الفلسطينية
    رغم انتمائه لحركة فتح، يحظى بتقدير واسع من حماس والفصائل الأخرى. دعا مراراً إلى مؤتمر وطني شامل لإنهاء الانقسام، مؤكداً على الشراكة لا الإقصاء.
    شعبية غير متراجعة
    استطلاعات الرأي تشير إلى أنه المرشح الأبرز لخلافة محمود عباس. يحظى بدعم شعبي واسع، خاصة بين الشباب والطبقات الفقيرة.
    رمزية تتجاوز السجن. وجوده في السجن لم يمنع تأثيره السياسي، بل عزّز من رمزيته كالغائب الحاضر.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • إبراز البعد الشامل للرعاية الاجتماعية التي يوليها جلالته لنزلاء المؤسسات السجنية

    أبرز المنسق العام لمؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، عبد الواحد جمالي الإدريسي، أن المؤسسة، التي أحدثها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، أتت لتستكمل البعد الشامل للرعاية الاجتماعية التي يوليها جلالته لنزلاء المؤسسات السجنية، ضمن رؤية شمولية تستحضر البعد الاجتماعي في مجال العدالة لإدماج ناجع لهذه الفئة من المواطنين.

    وأشار السيد جمالي الإدريسي، في حوار مع وكالة المغرب العربي للأنباء على هامش حفل توزيع معدات خاصة بمشاريع مدرة للدخل لفائدة نزلاء مؤسسات سجنية سابقين بالدار البيضاء، أن “المؤسسة جاءت لتساعد المفرج عنهم من الفضاءات السجينة على الولوج إلى الخدمات الميسرة لعملية إدماجهم في النسيج السوسيو- اقتصادي، إذ تفضل صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بفكره المنير والمتقدم وحسه الإنساني العالي، بعيد زيارته لسجن عكاشة في يناير 2001، ضمن اهتمامه بهذه الفئة، بتأسيس المؤسسة شهر فبراير سنة 2002”.

    وأوضح أنه “بعد أن وضع جلالته الأساس لبناء الحجر شكل افتتاح السنة القضائية لعام 2003 مناسبة لإعادة صياغة تصورات ومعالم التفكير في المجال، ببسط التوجهات الملكية الرشيدة والاستراتيجية الفعالة التي ينبغي أن يسير عليها كل الفاعلين والقائمين على نفاذ وإعمال القوانين، وكذا مختلف مكونات المجتمع، خاصة فعاليات المجتمع المدني المرتبطة بالموضوع”، مبرزا أن كلمة جلالة الملك بالمناسبة حملت توجيهات واضحة تهم استراتيجية العمل في مجال العدالة وكذا طبيعة ومهام المؤسسة في هذا المجال بشكل عام، ثم فلسفة ومفهوم العقوبة وإعادة إدماج فئة نزيلات ونزلاء المؤسسات السجنية”.

    وأبرز أن “هذه الاستراتيجية سلطت الضوء على مفهوم “الرعاية” الذي يرتكز على مبادئ التضامن، والتآزر، والتكافل، والتآخي، ومد يد العون بين مختلف مكونات المجتمع، باعتبار أن من يدخل اليوم مجتمع السجن المحدود في المكان والزمان هو خارج بشكل أكيد غدا إلى حضن مجتمع رحب يسع الجميع”.

    ومن هذا المنطلق، يؤكد المسؤول، تم إحداث هذه المؤسسة للاهتمام والمواكبة وتسليط الضوء على فئة نزلاء المؤسسات السجنية لتسهيل عملية إدماجهم داخل المجتمع، من جهة، وكذا المساهمة في توعية وتحسيس مختلف الفاعلين وباقي مكونات المجتمع للالتفات لهذه الفئة باعتبارهم مواطنين ينعمون بكل الحقوق المتاحة لنظرائهم من أبناء هذا الوطن، من جهة أخرى.

    وأوضح أن الاستفادة من مختلف الخدمات المقدمة من طرف المؤسسة مفتوحة أمام كل النزلاء الذين يتم الإفراج عنهم، مبرزا أن عمل المؤسسة يبدأ مع النزيل منذ بدء العقوبة السجنية بتنسيق وتعاون مع المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الادماج، ويتواصل خلال مرحلة ما بعد الإفراج، و”قد يشمل أيضا في بعض الحالات أسرة السجين، إذ تفقد بعض الأسر معيلها الوحيد نتيجة العقوبة السالبة للحرية، وبالتالي تسعى المؤسسة بمعية شركائها إلى الاهتمام ومواكبة ودعم هذه الأسر قدر المستطاع”.

    وفي هذا السياق، أبرز أهمية “البعد الاجتماعي الذي كان شبه مغيب في معظم التشريعات والقوانين السابقة، حيث كانت م ح ارب العدالة في الغالب مجالا لتفعيل التشريع الجنائي من منظور قانوني بحث، في حين أصبحنا اليوم، بفضل توجيهات صاحب الجلالة، نلمس بوضوح هذا البعد في نظام العدالة في التشريعات كما في الممارسات”.

    وأوضح أن “البعد الاجتماعي، وفق منظور جلالة الملك، لا يهم فقط نظام العدالة وإنما يتسع لمجالها ككل، مما يمكن من التعامل مع الجريمة وقاية وعلاجا ثم رعاية وادماجا، وبذلك فإن البعد الاجتماعي هو مساو لباقي الأبعاد الاخرى وليس حكرا على القائمين على نظام العدالة الجنائية فقط بل يتسع للجميع ويستدعي مشاركة كافة مكونات المجتمع باعتبار أن الجريمة تمس الجميع، بشكل أو بآخر”.

    وهكذا، يضيف السيد جمالي الإدريسي، فإن مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، جاءت لتنهض بالبعد الاجتماعي من خلال البرنامج الإدماجي الذي يسهر عليه جلالته، وتضرب المثل الأعلى في المجال سعيا إلى أنسنة الفضاء السجني الذي يحرص عليه القطاع الوصي بكل جدية وفعالية، مضيفا أن الرؤية السائدة اليوم تتمثل في اعتبار أن العقوبة السالبة للحرية لا يمكن أن تجرد النزيل من صفة المواطنة أو تمس بكرامته الإنسانية، ما يعني أن السجون لم تعد مكانا للعقاب الذي يروم الإيلام والانتقام، وإنما أصبحت مجالا لإنفاذ العقوبة التي يعد جوهرها، فضلا عن تحييد الخطورة، التأهيل والتعليم وإعادة الإدماج.

    وبذلك أضحى الفضاء السجني، حسب المسؤول، محطة جديدة للنزيل، للتصالح خلالها مع الذات والعمل على الإقلاع عن السلوكيات الضارة التي كانت سببا في سلب حريته، من جهة، ومن جهة أخرى، هي فرصة جديدة للتعلم والانخراط سواء في البرامج ذات الصلة بتطوير المهارات وصقل القدرات أو في التعليم بكل مستوياته، بدءا من محاربة الأمية وانتهاء بالتعليم الجامعي الذي توفره المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج بشراكة مع عدد من الجامعات التي امتد بعضها جغرافيا إلى الفضاء السجني.

    وأشار إلى أن البرامج الإدماجية التي لا تهم فقط مجالي التأهيل والتعليم، بل تشمل أيضا الخدمات الصحية والترفيهية والتواصل مع العالم الخارجي، تشكل جسرا موصولا بين النزيل والنسيج المجتمعي المتضامن، بمواكبة وتتبع من مختلف المتدخلين في المجال تتقدمهم المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، ومؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء التي لا ينحصر عملها داخل أسوار الفضاء السجني بل يمتد إلى خارجه، من أجل مواكبة النزيل حال الإفراج عنه سعيا لاسترجاع مكانته داخل النسيج السوسيو-اقتصادي بشكل يحفظ كرامته الإنسانية.

    وأبرز أن عملية مواكبة إعادة إدماج المفرج عنه، والتي تعد عملية ذات طابع إنساني بحث، تدخل ضمن نظام الرعاية اللاحقة التي تقدمها المؤسسة، باعتبارها استثمارا في الوقاية من العود إلى الجريمة، من خلال مقاربة شمولية وتشاركية تشمل الاشتغال على مختلف المستويات، سواء المستوى السلوكي أو النفسي أو الصحي أو التأهيل المهني أو التعليم وغيرها، وهي عملية عرضانية تتقاطع فيها مجموعة من الخدمات والقطاعات وتتطلب تدخل مختلف الفاعلين.

    وأضاف أن الرعاية اللاحقة تشمل أيضا الإدماج الاقتصادي، والذي يهم على الخصوص، الاستفادة من ورشات تكوينية ومهنية بالإضافة إلى مشاريع مدرة للدخل، موضحا في هذا السياق أن الاستفادة من هذه المشاريع رهين باستيفاء عدد من المعايير التي أوجبتها شروط الاستفادة من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وأخرى وضعتها المؤسسة، منها شرط الهشاشة، وعامل السن ومدى القدرة على الانخراط في سوق الشغل، بالإضافة إلى ضرورة الانخراط داخل الفضاء السجني في أحد البرامج التأهيلية.

    وشدد في المقابل، على كون عمل المؤسسة يدخل في إطار “الأعمال الإنسانية التطوعية، ليس جبرا عن الاعتقال ولا تعويضا لفترة العقوبة السالبة للحرية والتي هي رد فعل مجتمعي ضد مرتكب الجريمة، وبالتالي فالرعاية اللاحقة لا تعتبر حقا لطالبها ولا هي واجبة على المطلوبة منه، وإلا أصبحت عقوبة إضافية أو تدبيرا وقائيا إذا ألزمنا بها كل المفرج عنهم من الفضاء السجني”، موضحا أنه “من كانت لديه الرغبة والحاجة بعد الإفراج إلى هذه الخدمات، ذات الصلة بتيسير إدماجه يمكنه الالتحاق بأحد المراكز 13 التابعة للمؤسسة والتي تغطي كامل تراب المملكة”.

    من جهة أخرى، أبرز أن الاستثمار في المفرج عنهم بعد قضاء مدة العقوبة هو استثمار في الوقاية من العود إلى الجريمة وفي محاصرة مشاتلها وفي خفض منسوب حقينة السجن وبالتالي تلطيف كلفة العقوبات السالبة للحرية، ثم هي كذلك استثمار في القدرات وفي القوة الإنتاجية، مشيرا إلى أنه اليوم يزيد عدد نزلاء المؤسسات السجنية عن 100 ألف نزيل، بكلفة إجمالية تثقل كاهل الدولة، والرهان الأهم اليوم هو حسن استثمارها بعد الإفراج.

    وفي معرض تطرقه للطموحات والمشاريع المستقبلية للمؤسسة، أبرز أن “طموحنا وهدفنا الأسمى يتجلى في إشاعة ثقافة وقيم التضامن والتآزر وفق الشعار الذي تحمله المؤسسة “إعادة إدماج السجناء مسؤوليتنا جميعا””، معربا عن أمله في هذا السياق أن “ترتقي المقاولات والمؤسسات إلى هذا الفهم لتعلم أنه من خلال إدماجها لنزيل المؤسسة السجنية غير الضار، الغير المهدد للقيم، المتصالح مع نفسه ومع المجتمع، الحامل للمهارات والكفاءات، تساهم في الوقاية من الجريمة وفي مراجعة بعض التشريعات خاصة ما تعلق منها بالادماج الارتفاقي”.

    وخلص إلى أن قصص النجاح العديدة لمجموعة من النزلاء السابقين الذين استطاعوا إعادة بناء حياتهم، والاندماج بنجاح وفعالية في النسيج السوسيو-اقتصادي، تعد دليلا ملموسا على تميز تجربة المؤسسة التي ترتكز على رؤية مولوية سامية متفردة في محيطها الإقليمي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الإدريسي: مؤسسة محمد السادس تجسد الرؤية الملكية لأنسنة الفضاء السجني

    أكد المنسق العام لمؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، عبد الواحد جمالي الإدريسي، أن المؤسسة، التي أحدثها الملك محمد السادس، أتت لتستكمل البعد الشامل للرعاية الاجتماعية التي يوليها لنزلاء المؤسسات السجنية، ضمن رؤية شمولية تستحضر البعد الاجتماعي في مجال العدالة لإدماج ناجع لهذه الفئة من المواطنين.

    وأشار جمالي الإدريسي، في حوار مع وكالة المغرب العربي للأنباء على هامش حفل توزيع معدات خاصة بمشاريع مدرة للدخل لفائدة نزلاء مؤسسات سجنية سابقين بالدار البيضاء، أن “المؤسسة جاءت لتساعد المفرج عنهم من الفضاءات السجينة على الولوج إلى الخدمات الميسرة لعملية إدماجهم في النسيج السوسيو- اقتصادي، إذ تفضل الملك محمد السادس، بفكره المنير والمتقدم وحسه الإنساني العالي، بعيد زيارته لسجن عكاشة في يناير 2001، ضمن اهتمامه بهذه الفئة، بتأسيس المؤسسة شهر فبراير سنة 2002”.

    وأوضح أنه “بعد أن وضع الملك الأساس لبناء الحجر شكل افتتاح السنة القضائية لعام 2003 مناسبة لإعادة صياغة تصورات ومعالم التفكير في المجال، ببسط التوجهات الملكية الرشيدة والاستراتيجية الفعالة التي ينبغي أن يسير عليها كل الفاعلين والقائمين على نفاذ وإعمال القوانين، وكذا مختلف مكونات المجتمع، خاصة فعاليات المجتمع المدني المرتبطة بالموضوع”، مبرزا أن كلمة الملك بالمناسبة حملت توجيهات واضحة تهم استراتيجية العمل في مجال العدالة وكذا طبيعة ومهام المؤسسة في هذا المجال بشكل عام، ثم فلسفة ومفهوم العقوبة وإعادة إدماج فئة نزيلات ونزلاء المؤسسات السجنية”.

    وأبرز أن “هذه الاستراتيجية سلطت الضوء على مفهوم “الرعاية” الذي يرتكز على مبادئ التضامن، والتآزر، والتكافل، والتآخي، ومد يد العون بين مختلف مكونات المجتمع، باعتبار أن من يدخل اليوم مجتمع السجن المحدود في المكان والزمان هو خارج بشكل أكيد غدا إلى حضن مجتمع رحب يسع الجميع”.

    ومن هذا المنطلق، يؤكد المسؤول، تم إحداث هذه المؤسسة للاهتمام والمواكبة وتسليط الضوء على فئة نزلاء المؤسسات السجنية لتسهيل عملية إدماجهم داخل المجتمع، من جهة، وكذا المساهمة في توعية وتحسيس مختلف الفاعلين وباقي مكونات المجتمع للالتفات لهذه الفئة باعتبارهم مواطنين ينعمون بكل الحقوق المتاحة لنظرائهم من أبناء هذا الوطن، من جهة أخرى.

    وأوضح أن الاستفادة من مختلف الخدمات المقدمة من طرف المؤسسة مفتوحة أمام كل النزلاء الذين يتم الإفراج عنهم، مبرزا أن عمل المؤسسة يبدأ مع النزيل منذ بدء العقوبة السجنية بتنسيق وتعاون مع المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الادماج، ويتواصل خلال مرحلة ما بعد الإفراج، و”قد يشمل أيضا في بعض الحالات أسرة السجين، إذ تفقد بعض الأسر معيلها الوحيد نتيجة العقوبة السالبة للحرية، وبالتالي تسعى المؤسسة بمعية شركائها إلى الاهتمام ومواكبة ودعم هذه الأسر قدر المستطاع”.

    وفي هذا السياق، أبرز أهمية “البعد الاجتماعي الذي كان شبه مغيب في معظم التشريعات والقوانين السابقة، حيث كانت محارب العدالة في الغالب مجالا لتفعيل التشريع الجنائي من منظور قانوني بحث، في حين أصبحنا اليوم، بفضل توجيهات الملك، نلمس بوضوح هذا البعد في نظام العدالة في التشريعات كما في الممارسات”.

    وأوضح أن “البعد الاجتماعي، وفق منظور الملك، لا يهم فقط نظام العدالة وإنما يتسع لمجالها ككل، مما يمكن من التعامل مع الجريمة وقاية وعلاجا ثم رعاية وادماجا، وبذلك فإن البعد الاجتماعي هو مساو لباقي الأبعاد الأخرى وليس حكرا على القائمين على نظام العدالة الجنائية فقط بل يتسع للجميع ويستدعي مشاركة كافة مكونات المجتمع باعتبار أن الجريمة تمس الجميع، بشكل أو بآخر”.

    وهكذا، يضيف جمالي الإدريسي، فإن مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، جاءت لتنهض بالبعد الاجتماعي من خلال البرنامج الإدماجي الذي يسهر عليه جلالته، وتضرب المثل الأعلى في المجال سعيا إلى أنسنة الفضاء السجني الذي يحرص عليه القطاع الوصي بكل جدية وفعالية، مضيفا أن الرؤية السائدة اليوم تتمثل في اعتبار أن العقوبة السالبة للحرية لا يمكن أن تجرد النزيل من صفة المواطنة أو تمس بكرامته الإنسانية، ما يعني أن السجون لم تعد مكانا للعقاب الذي يروم الإيلام والانتقام، وإنما أصبحت مجالا لإنفاذ العقوبة التي يعد جوهرها، فضلا عن تحييد الخطورة، التأهيل والتعليم وإعادة الإدماج.

    وبذلك أضحى الفضاء السجني، حسب المسؤول، محطة جديدة للنزيل، للتصالح خلالها مع الذات والعمل على الإقلاع عن السلوكيات الضارة التي كانت سببا في سلب حريته، من جهة، ومن جهة أخرى، هي فرصة جديدة للتعلم والانخراط سواء في البرامج ذات الصلة بتطوير المهارات وصقل القدرات أو في التعليم بكل مستوياته، بدءا من محاربة الأمية وانتهاء بالتعليم الجامعي الذي توفره المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج بشراكة مع عدد من الجامعات التي امتد بعضها جغرافيا إلى الفضاء السجني.

    وأشار إلى أن البرامج الإدماجية التي لا تهم فقط مجالي التأهيل والتعليم، بل تشمل أيضا الخدمات الصحية والترفيهية والتواصل مع العالم الخارجي، تشكل جسرا موصولا بين النزيل والنسيج المجتمعي المتضامن، بمواكبة وتتبع من مختلف المتدخلين في المجال تتقدمهم المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، ومؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء التي لا ينحصر عملها داخل أسوار الفضاء السجني بل يمتد إلى خارجه، من أجل مواكبة النزيل حال الإفراج عنه سعيا لاسترجاع مكانته داخل النسيج السوسيو-اقتصادي بشكل يحفظ كرامته الإنسانية.

    وأبرز أن عملية مواكبة إعادة إدماج المفرج عنه، والتي تعد عملية ذات طابع إنساني بحث، تدخل ضمن نظام الرعاية اللاحقة التي تقدمها المؤسسة، باعتبارها استثمارا في الوقاية من العود إلى الجريمة، من خلال مقاربة شمولية وتشاركية تشمل الاشتغال على مختلف المستويات، سواء المستوى السلوكي أو النفسي أو الصحي أو التأهيل المهني أو التعليم وغيرها، وهي عملية عرضانية تتقاطع فيها مجموعة من الخدمات والقطاعات وتتطلب تدخل مختلف الفاعلين.

    وأضاف أن الرعاية اللاحقة تشمل أيضا الإدماج الاقتصادي، والذي يهم على الخصوص، الاستفادة من ورشات تكوينية ومهنية بالإضافة إلى مشاريع مدرة للدخل، موضحا في هذا السياق أن الاستفادة من هذه المشاريع رهين باستيفاء عدد من المعايير التي أوجبتها شروط الاستفادة من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وأخرى وضعتها المؤسسة، منها شرط الهشاشة، وعامل السن ومدى القدرة على الانخراط في سوق الشغل، بالإضافة إلى ضرورة الانخراط داخل الفضاء السجني في أحد البرامج التأهيلية.

    وشدد في المقابل، على كون عمل المؤسسة يدخل في إطار “الأعمال الإنسانية التطوعية، ليس جبرا عن الاعتقال ولا تعويضا لفترة العقوبة السالبة للحرية والتي هي رد فعل مجتمعي ضد مرتكب الجريمة، وبالتالي فالرعاية اللاحقة لا تعتبر حقا لطالبها ولا هي واجبة على المطلوبة منه، وإلا أصبحت عقوبة إضافية أو تدبيرا وقائيا إذا ألزمنا بها كل المفرج عنهم من الفضاء السجني”، موضحا أنه “من كانت لديه الرغبة والحاجة بعد الإفراج إلى هذه الخدمات، ذات الصلة بتيسير إدماجه يمكنه الالتحاق بأحد المراكز 13 التابعة للمؤسسة والتي تغطي كامل تراب المملكة”.

    من جهة أخرى، أبرز أن الاستثمار في المفرج عنهم بعد قضاء مدة العقوبة هو استثمار في الوقاية من العود إلى الجريمة وفي محاصرة مشاتلها وفي خفض منسوب حقينة السجن وبالتالي تلطيف كلفة العقوبات السالبة للحرية، ثم هي كذلك استثمار في القدرات وفي القوة الإنتاجية، مشيرا إلى أنه اليوم يزيد عدد نزلاء المؤسسات السجنية عن 100 ألف نزيل، بكلفة إجمالية تثقل كاهل الدولة، والرهان الأهم اليوم هو حسن استثمارها بعد الإفراج.

    وفي معرض تطرقه للطموحات والمشاريع المستقبلية للمؤسسة، أبرز أن “طموحنا وهدفنا الأسمى يتجلى في إشاعة ثقافة وقيم التضامن والتآزر وفق الشعار الذي تحمله المؤسسة “إعادة إدماج السجناء مسؤوليتنا جميعا””، معربا عن أمله في هذا السياق أن “ترتقي المقاولات والمؤسسات إلى هذا الفهم لتعلم أنه من خلال إدماجها لنزيل المؤسسة السجنية غير الضار، الغير المهدد للقيم، المتصالح مع نفسه ومع المجتمع، الحامل للمهارات والكفاءات، تساهم في الوقاية من الجريمة وفي مراجعة بعض التشريعات خاصة ما تعلق منها بالادماج الارتفاقي”.

    وخلص إلى أن قصص النجاح العديدة لمجموعة من النزلاء السابقين الذين استطاعوا إعادة بناء حياتهم، والاندماج بنجاح وفعالية في النسيج السوسيو-اقتصادي، تعد دليلا ملموسا على تميز تجربة المؤسسة التي ترتكز على رؤية مولوية سامية متفردة في محيطها الإقليمي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • وزير الأمن القومي الاسرائيلي يهدد مروان البرغوثي داخل زنزانته

    وزير الأمن القومي الاسرائيلي يهدد مروان البرغوثي داخل زنزانته

    نشر وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، أحد أبرز شخصيات اليمين المتطرف في حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، مقطع فيديو الجمعة يظهره وهو يهدد داخل زنزانة، القيادي في حركة فتح مروان البرغوثي المسجون منذ العام 2002.

    وظهر بن غفير في الفيديو الذي نشر على حسابه على منصة إكس، واقفا الى جانب شخصين أحدهما حارس سجن، وهم يحيطون بالبرغوثي داخل زنزانته.

    وقال بن غفير “لن تنتصروا علينا. كل من يؤذي شعب إسرائيل، كل من يقتل الأطفال، كل من يقتل النساء (…) سنمحوه”. وحين حاول البرغوثي التحدث،…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • « بن غفير » يقتحم زنزانة البرغوثي ويهدده بشكل مباشر

    اقتحم وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، قسم العزل الانفرادي في سجن « غانوت » وهدد القيادي الفلسطيني المعتقل مروان البرغوثي في زنزانته.

    في مقطع الفيديو الذي تم تداوله، ظهر بن غفير وهو يتحدث إلى البرغوثي، عضو اللجنة المركزية لحركة « فتح »، قائلاً: « لن تنتصروا، ومن يستهدف شعب إسرائيل ويقتل أبناءنا ونساءنا، سنمحيه. يجب أن تعرفوا هذا ».

    التهديد الذي وجهه بن غفير دفع وزارة الخارجية الفلسطينية إلى تحميل الحكومة الإسرائيلية المسؤولية الكاملة عن حياة البرغوثي وجميع الأسرى الفلسطينيين. وقالت الوزارة إن تصرف بن غفير يعد « استفزازاً غير مسبوق » ويمثل « إرهاب دولة منظم ».

    من جانبه، وصف نائب الرئيس الفلسطيني، حسن الشيخ، ما وقع بأنه « قمة الإرهاب النفسي والمعنوي والجسدي »، داعياً إلى تدخل فوري من المنظمات الدولية لحماية الأسرى الفلسطينيين.

    يذكر أن إسرائيل كانت قد اعتقلت مروان البرغوثي في عام 2002، وحكمت عليه بالسجن المؤبد بتهمة المسؤولية عن عمليات نفذتها مجموعات محسوبة على حركة « فتح »، والتي أسفرت عن مقتل وإصابة إسرائيليين.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الوزير الإسرائيلي بن غفير يهدد الأسير مروان البرغوثي في زنزانته

    أظهر مقطع فيديو اقتحام وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير لقسم العزل الانفرادي في سجن “غانوت”، وتهديده القيادي الفلسطيني المعتقل مروان البرغوثي في زنزانته.

    وفي الفيديو، يقول بن غفير للبرغوثي، عضو اللجنة المركزية لحركة “فتح”: “لن تنتصروا ومن يستهدف شعب إسرائيل ومن يقتل أبناءنا ونساءنا سوف نمحوه. يجب أن تعرفوا هذا”.

    وحمّلت الخارجية الفلسطينية الحكومة الإسرائيلية المسؤولية عن حياة البرغوثي والأسرى كافة بعد اقتحام بن غفير لزنزانته.

    وقالت الخارجية الفلسطينية، إن تهديد بن غفير للبرغوثي في زنزانته “استفزاز غير مسبوق وإرهاب دولة منظم”.

    ووصف نائب الرئيس الفلسطيني حسن الشيخ تهديد بن غفير للبرغوثي في سجنه، بأنه “قمة الإرهاب النفسي والمعنوي والجسدي”.

    وأضاف الشيخ أن “تهديد بن غفير للبرغوثي في زنزانته يتطلب التدخل الفوري للمنظمات والمؤسسات الدولية لحمايتهم”.

    جدير بالذكر أن إسرائيل اعتقلت البرغوثي في عام 2002، وحكمت عليه بالسجن مدى الحياة، باعتباره وفقا لها مسؤولا عن عمليات مجموعات تابعة أو محسوبة على “فتح”، أسفرت عن مقتل وإصابة إسرائيليين.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مهرجان شواطئ اتصالات المغرب.. حفل الداودي يسجل رقما قياسيا

    العمق المغربي

    تواصل فعاليات مهرجان شواطئ اتصالات المغرب، أحد أبرز المهرجانات الصيفية في المملكة، إشعال أجواء الصيف في ست مدن ساحلية تشمل المضيق، طنجة، الحسيمة، مرتيل، السعيدية، والناظور، منذ انطلاقته يوم 15 يوليوز 2025.

    وشهد المهرجان لحظة تاريخية مع سهرة نجم الأغنية الشعبية عبد الله الداودي، الذي تمكن من جمع 250 ألف متفرج، ليحقق بذلك رقما قياسيا في عدد الحضور ويمنح الجمهور لحظات مليئة بالحماس والفرح.

    وعاش الجمهور كذلك أجواء صيفية مميزة مع مجموعة من الفنانين الذين أمتعوا الحاضرين، من بينهم فرقة “اش كاين”، مهدي فاضلي، سعيد الصنهاجي، وMocci، إلى جانب أسماء أخرى لاقت استحسان الجماهير.

    ولا تزال جولة المهرجان مستمرة حتى 21 غشت الجاري، حيث ينتظر أن تستقبل مدينة طنجة نجم الراب مسلم، بينما ستحتضن الحسيمة حفلات مميزة تجمع بين البوب المغربي والشعبي مع الستاتي، عصام كمال، والشابة ماريا.

    أما في المضيق، فمن المرتقب تنظيم عروض غنائية حية يشارك فيها حاتم عمور، سلمى رشيد، إيهاب أمير، مهدي فاضلي، عبد العالي أنور، وبدر أوعبي، لتختتم فعاليات المهرجان بأجواء فنية راقية ومتنوع.

    واعتبرت مجموعة اتصالات المغرب، أن المهرجان أصبح حدثا ثقافيا ومحطة بارزة يجمع منذ انطلاقه عام 2002 ملايين المتفرجين حول حفلات موسيقية مجانية تنبض بأنغام أبرز الفنانين المغاربة والعرب والدوليين، في أجواء احتفالية مفتوحة أمام جميع شرائح المجتمع.

    وأوضح بلاغ صادر عن المجموعة توصلت جريدة “العمق” بنسخة منه، أن برنامج هذه الدورة يتضمن 113 حفلا موسيقيا في مختلف المدن المستضيفة، يشارك فيها فنانون مغاربة من مختلف الألوان الموسيقية إلى جانب فنانين عرب ومجموعات فلكلورية، مقدمين باقة متنوعة تشمل المواهب الجديدة، الهيب هوب، الراب، الفيوجن، الأغنية المغربية العصرية والشعبية، الموسيقى الشرقية، الراي والركادة.

    وأكد البلاغ أن المهرجان لا يقتصر على الجانب الفني فقط، بل يتعداه ليشكل رافعة اجتماعية واقتصادية تسهم في إدماج فئات واسعة من المجتمع وتعزيز جاذبية المدن الساحلية على المستويين السياحي والاقتصادي، وذلك بفضل طابعه المجاني الذي يضمن حضوراً واسعاً ومتنوعا.

    وأشار البلاغ إلى أن دورة 2025 ستستفيد من تجهيزات ومنصات حديثة ذات بنى تحتية متطورة تلتزم بأعلى المعايير الدولية، مما يجعل تجربة الحضور متميزة ومواكبة لأكبر المهرجانات العالمية.

    وتواصل اتصالات المغرب على مدى 21 سنة التزامها بدعم الثقافة، الشباب، وإبراز التراث الموسيقي المغربي، مؤكدة على أهمية المهرجان كحدث ثقافي واجتماعي يعزز الروابط بين الناس ويحتفي بالصيف وأنغام الموسيقى على الشواطئ المغربية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • إلغاء “إنزال الحسيمة” ورفع السرية عن وثائق الصحراء.. مؤشرات على تقارب إسباني متزايد مع الرباط

    زنقة 20 / الرباط

    قبل أشهر و في أواخر مارس ، أعلنت وزيرة الدفاع الإسبانية، مارغاريتا روبليس، عن إلغاء جميع الأنشطة المقررة للاحتفال بالذكرى المئوية لإنزال الحسيمة، الذي يصادف يوم 8 شتنبر 2025.

    ويُعد هذا الإنزال أول عملية إنزال برمائي مشترك ناجحة في التاريخ العسكري الإسباني، نُفذت خلال حرب الريف بين سنتي 1920 و1927.

    القرار وفق وسائل إعلام إسبانية يأتي في إطار حرص الحكومة الإسبانية على تجنب أي خطوات قد تُفسر على أنها استفزاز للمغرب، خاصة في ظل التقارب الثنائي المتنامي بين البلدين.

    واعتبرت تقارير إسبانية ، أن هذه الخطوة تعكس رغبة مدريد في تعزيز العلاقات مع الرباط، لا سيما بشأن الملفات التاريخية ذات الحساسية، وعلى رأسها قضية الصحراء.

    وفي سياق متصل، تستعد الحكومة الإسبانية للمصادقة على قانون جديد يُحدث تحولاً جذريًا في تدبير أسرار الدولة.

    وذكرت صحيفة إلباييس، أن المشروع المرتقب سيعوض قانون الأسرار الرسمية لسنة 1968، الذي يعود إلى عهد نظام الجنرال فرانكو.

    ويهدف الإصلاح إلى رفع السرية تلقائيًا عن الوثائق المصنفة التي مضى عليها أكثر من 45 سنة، باستثناء تلك التي قد يشكل الكشف عنها تهديدًا استثنائيًا للأمن القومي.

    وتشير التقديرات إلى أن العملية ستشمل آلاف الوثائق، من بينها ملفات تتعلق بالانسحاب من الصحراء المغربية، والمسيرة الخضراء، والتحركات الدبلوماسية خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي بإسبانيا.

    وفي مؤشر آخر على تحسن العلاقات الثنائية، شهدت الأسابيع الماضية إزالة العلم الإسباني من فوق صخرتي البر والبحر المقابلتين لساحل الحسيمة، وهو ما فسّره متابعون بالسماح للمصطافين بالسباحة والقفز من فوق الصخرة، في خطوة تُعد الأولى من نوعها منذ منع ذلك سنة 2002.

    ورغم تأكيد وزارة الدفاع الإسبانية في بلاغ رسمي، صدر قبل أيام، عدم سحب أي “رمز وطني” من الصخور المذكورة، وعدم وجود أي تغيير في وضعيتها، إلا أن مراقبين ربطوا هذا التوضيح برد فعل سياسي يهدف إلى تهدئة المعارضة، خاصة حزب فوكس اليميني المتطرف، الذي أثار جدلًا سياسيًا بإرساله سؤالًا برلمانيًا يطالب الحكومة بتقديم توضيحات حول الموضوع، والجهة التي أمرت بإزالة الأعلام إن تم ذلك فعلًا، وما إذا كانت هناك نية لإعادة رفعها.

    ويُنظر إلى هذه المؤشرات مجتمعة باعتبارها جزءًا من تحوّل استراتيجي في الموقف الإسباني، يعكس اعتراف مدريد المتزايد بمقترح الحكم الذاتي الذي تقدمه الرباط لحل نزاع الصحراء، وهو المقترح الذي بات يحظى بدعم أوروبي متزايد، في وقت كانت فيه إسبانيا في السابق تُتهم بفتح المجال أمام نشاط جبهة البوليساريو على أراضيها.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • سينما حسن بنجلون .. دفاتر اعتراف بين مساحات الظل والذاكرة والمساءلة


    عبد الله الساورة

    كيف يمكن للسينما أن تكون أداة للبوح بما يُخفيه المجتمع خلف واجهاته الصامتة؟ وكيف تصبح الصورة وسيلة لمساءلة التاريخ والجسد والهوية والذاكرة؟ وأين يقف المخرج من حقل الالتزام حين تختلط الذكرى بالجراح؟ تلك بعض من الأسئلة التي تطرحها سينما حسن بنجلون، المخرج المغربي الذي حوّل الشاشة إلى دفتر اعتراف، واللغة البصرية إلى صرخة وجود. ولا تجد في أفلامه حضورا للزيف أو التزيين؛ بل واقع يئنّ تحت وطأة القهر والنسيان، وشخصيات تواجه مصائرها بأسئلة لا أجوبة لها. من بين تلك الشخصيات، نسمع في فيلم “المطمورة” صوت البطلة يقول: “صوت أبي ظل عالقا في الجدران، وأنا ما زلت أبحث عنه بين العيون التي لا تتكلم”. إنه صوت جيل بأكمله يحمل آثار القمع والإقصاء والتهميش، جيل يبحث عن ذاكرة وعن وطن داخلي مفقود. وفي هذه السينما، لا وجود للسكينة، بل نيران القلق مستمر والدهشة أمام ما لم يُقال بعد. والسؤال كيف يراهن المخرج على الإنسان أمام جراح ذاكرة مثخنة بالجراح وقسوة السلطة؟

    النبش في مساحات الظل والتاريخ

    تُعد سينما حسن بنجلون واحدة من التجارب المغربية المميزة التي حاولت، عبر أكثر من ثلاثة عقود، أن تلامس تعقيدات الذات المغربية المعاصرة؛ من خلال استحضار الماضي، مساءلة السلطة، وتحليل البنية الاجتماعية في ضوء تحولات الواقع. إنها سينما تنتمي إلى حقل ما يمكن تسميته بـ”السينما النقدية الاجتماعية”، والتي تتقاطع في لحظات كثيرة مع السينما السياسية؛ ولكنها تظل أكثر التصاقا بالبعد الإنساني، بلغة واقعية أحيانا وشاعرية أحيانا أخرى، مما يجعلها قريبة من نبض الناس وهمومهم اليومية. وقد راكم بنجلون تجربة خاصة تجمع بين التأمل في الذاكرة واستحضار الأحداث المفصلية في تاريخ المغرب، وبين مساءلة العلاقات الاجتماعية والدور الذي تؤديه القيم السائدة في صناعة التواطؤ أو المقاومة.

    وقد أطلق حسن بنجلون، منذ فيلمه “عرس الآخرين” سنة 1990، أولى بوادر مشروعه السينمائي، حيث جسد معاناة امرأة في مجتمع تقليدي يُعلي من شأن الجماعة على حساب الفرد، ومن خلال قصة زواج قسري بين رجل متزوج وامرأة شابة. ويعكس هذا الفيلم نزوع المخرج إلى مساءلة العلاقات العائلية من خلال منظور المرأة، ويطرح سؤالا جوهريا حول حرية الاختيار داخل البنى الاجتماعية المقيدة في المجتمع. وواصل، لاحقا، في فيلم “ياريت” أو “زمن أغنية” سنة 1993، تفكيك البنية المحافظة للمجتمع المغربي، مركزا هذه المرة على علاقة الفن بالسلطة، من خلال حكاية مغنية تحاول التعبير عن ذاتها في بيئة لا تتقبل صوت المرأة. وظل موضوع الحرية الشخصية حاضرا بقوة في سينما بنجلون، باعتباره مرآة لمجتمع يتحكم في الجسد الأنثوي ويمنح الشرعية دائما لصوت السلطة الأبوية.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    ويمكن تصنيف سينما بنجلون أنها تنتمي إلى ما يمكن وصفه بتيار السينما الواقعية ذات الطابع الاجتماعي؛ ولكنها لا تكتفي فقط بالتشخيص، بل تنفتح على خلفيات تاريخية وسياسية تضيء السياقات التي تشكلت فيها هذه المعاناة. وقد اختار المخرج، في فيلمه “محاكمة امرأة” سنة 2002، أن يعري النظام القضائي من خلال قصة امرأة تُحاكم على خلفية أخلاقية، ليطرح السؤال حول العدالة والتمييز القائم على النوع. ويُمكن اعتبار هذا الفيلم بيانا سينمائيا ضد التواطؤ المؤسسي مع منطق الإذلال والتحكم والهيمنة، حيث تعبر إحدى شخصيات الفيلم: “القانون لا يعرف العدل، بل يعرف من كتبه”. وهنا تبرز إحدى الأطروحات الأساسية لسينما بنجلون، وهي أن القانون والعدالة ليسا دائما مترادفين، وأن المرأة تبقى في الهامش حين يتعلق الأمر بحقها في السرد والدفاع.

    وتتسم سينما بنجلون بإحساس عميق بالتاريخ، سواء عبر إعادة تمثيله أو مساءلته. ويعيد في فيلم “ولد الدرب”، (1993)، إنتاج لحظة من طفولة شخصيات في أزقة مغربية ضيقة، حيث تشكل الصداقات والهويات تحت ضغط الفقر والتقاليد. ويتناول في فيلم “الغرفة السوداء” أو “درب مولاي الشريف”(2004)، والذي يعد من أبرز أفلامه وأكثرها جرأة، قضايا الاعتقال السياسي والتعذيب خلال سنوات الرصاص. ويستدعي المخرج في هذا الفيلم فظاعات السجون السرية دون التورط في الخطابة، بل عبر مشاهد صادمة بلغة بصرية مقتضبة تقطع مع البهرجة السينمائية وتراهن على الصمت والرمز. ولم يكن الليل في “في الغرفة السوداء، (2004)، فقط خارج النافذة، بل كان الليل داخلي أيضا “، يقول أحد المعتقلين، في لحظة تلخص فلسفة الفيلم في ربط القمع الخارجي بالقمع الداخلي، أي بالرضوخ والتكيف النفسي مع العنف.

    السينما الذاكرة والسؤال

    تندرج هذه السينما كذلك ضمن ما يُعرف بـ”سينما الذاكرة”، لكنها ليست ذاكرة رومانسية بل ذاكرة مقاومة، توظف الماضي لكشف الحاضر وتفكيك بنياته. وقد تناول المخرج، في فيلمه “فاين ماشي يا موشي؟”، قضية هجرة اليهود المغاربة في لحظة ما بعد الاستقلال، متسائلا عن التعايش وعن صناعة الهويات الوطنية. ولم يكن هدف الفيلم فقط التأريخ لهذه الهجرة، بل مساءلة الخطابات التي دُفعت بها، ودور الدولة والمجتمع في صنع القطيعة. ويتحدث الفيلم عن قرية مغربية يعيش فيها اليهود والمسلمون في سلام، قبل أن تدخل السياسة وتقطع وشائج القربى. وفي أحد المشاهد تقول شخصية: “لم يكن لنا علم بإسرائيل، كنا نعرف فقط جيراننا الذين صاروا فجأة غرباء”. وتلخص هذه الجملة استعاريا قدرة الفيلم على تفكيك سردية التعايش، ليس لنفيها بل لإبراز هشاشتها أمام جبروت الدولة والسلطة الدينية والسياسية.

    ويسلط بنجلون، في فيلم “المطمورة”، الضوء على جرائم دفن المعارضين السياسيين في السر، في سردية سينمائية قائمة على اكتشاف الماضي من خلال أثره في الحاضر. وينتمي الفيلم إلى سينما الحقيقة، حيث يتم ربط حكاية شخصية بجريمة سياسية غير موثقة رسميا. ويعود المخرج إلى النبش في مساحات الظل والتاريخ غير المكتوب، ويجعل من السينما وسيلة لإعادة الاعتبار للضحايا، عبر سرديات مضادة. ولا يبحث الفيلم عن إدانة مباشرة؛ بل يخلق شروط التساؤل، ويضع المتفرج في موقع الفاعل الأخلاقي. وفي هذا السياق، تقول إحدى الشخصيات: “أكثر القبور ضجيجا، تلك التي لا أسماء فوقها”، في إشارة رمزية إلى المنسيين في سردية الوطن.

    ويستمر المخرج في الاشتغال على قضية النسيان والذاكرة في فيلم “المنسيون” (2010)؛ وهو ما يعكس رؤية بنجلون للسينما باعتبارها عملية استعادة للمنفي والمقصي. ويرسم الفيلم صورة لمجموعة من المغاربة الذين حوصروا في فيتنام بعد حرب الهند الصينية، وهو موضوع نادر التناول في السينما المغربية. وقد اشتغل المخرج على صدمة الهوية، وضياع الانتماء، والخذلان السياسي. ويظهر في الفيلم أن الفرد يُنسى حين لا يُكتب تاريخه، بل ويُقتل مرتين: مرة في الجبهة ومرة في الذاكرة. أما فيلم “القمر الأحمر”، فقد اختار فيه بنجلون التوقف عند سيرة فنان ملتزم هو عبد السلام عامر، ليقدم تأملا في مصير الفن في بلد لا يعترف بجماله. وتقول شخصية: “في البلاد التي تُحاكم فيها الألحان، يصبح الصمت أغنية أخيرة”.

    وتُظهر سينما بنجلون حساسية مفرطة تجاه البعد الإنساني للسياسة، إذ لا تعنيه السلطة في بعدها المؤسسي فحسب؛ بل في أثرها النفسي والمعنوي على الكائن. ويرصد المخرج، في فيلم “اختيار أسماء”، مأساة امرأة في صراعها بين خيارين: الخضوع للقيود الاجتماعية أو إعلان الذات مهما كان الثمن. ويلتقي هذا الفيلم مع أطروحات المخرج السابقة حول حرية المرأة؛ لكنه هذه المرة أكثر تركيزا على سؤال الهوية. وتتأسس سينما بنجلون دائما على التساؤل دون رغبة في الجواب: من نحن حين نُجبر على أن نكون غير ما نحن عليه؟ وهي في ذلك تستنطق التفاصيل والإيماءات والصمت، كما لو أن الإجابة كامنة في ما لا يُقال أكثر مما يُقال.

    ويُعد فيلم “من أجل القضية” من أبرز أعمال بنجلون في العقد الأخير، من حيث تركيبته الدرامية والتقنية، إذ يحكي عن شاب فلسطيني وموسيقية مغربية يمنعان من عبور الحدود بين بلدين مغاربيين بسبب أزمة سياسية، ليجدا نفسيهما محاصرين معلقين في منطقة عازلة. ويوسع المخرج من خلال هذا الفيلم نطاق اهتمامه، ويفتح النقاش حول الحدود والهوية والعنف السياسي. ولا يظهر العدو بشكل مباشر، بل يتجسد في البيروقراطية والجهل والخوف من الآخر. ويُدين الفيلم النظام الحدودي العربي، ويكشف هشاشة التضامن الخطابي حين يوضع على المحك. ويقول البطل: “حين تُمنع من الدخول إلى وطن لا تعرفه، وتُمنع من الخروج من وطن لا يحبك، ويصبح العالم بأكمله سجنا”. إنها سينما الحدود، لكن أيضا سينما المهاجر والمنفي والمحروم من حق التنقل، وهي أطروحة سياسية عميقة تفكك الانتماء إلى الأرض من خلال سؤال الجغرافيا والسيادة.

    ولا تمثل سينما حسن بنجلون ترفا سرديا ولا مجرد إنتاج بصري لمآسي الماضي؛ بل هي أداة نقد ومقاومة وكتابة بديلة. وتشتغل على مفهوم “الذاكرة كفعل مقاومة”، وتبحث عن الإنسان في تشظياته، وفي صراعه مع السلطة ومع القبيلة ومع الدولة ومع الذات. إنها سينما تأملية، ذات طابع واقعي، تنتمي إلى خط مخرجات ومخرجين اختاروا أن يعبروا عن قضايا المجتمع من زاوية المهمشين والمقصيين؛ لكنها لا تسقط في المباشرة، بل تصوغ خطابها بلغة شاعرية أحيانا، ووثائقية أحيانا أخرى، درامية في الغالب، دون أن تتخلى عن بعدها الأخلاقي والقيمي.

    وتندرج سينما حسن بنجلون بهذه الخصوصية والنفس الكفاحي، ضمن ما يُمكن تسميته بـ”سينما الضمير”، أي السينما التي تُذكر بما ينبغي ألا ننساه، وتحفر في ما تم دفنه، وتراهن على ذاكرة بصرية تعيد الاعتبار للمسكوت عنه. وتقدم أفلامه شهادات، لكنها أيضا أسئلة مفتوحة لا تقدم أجوبة جاهزة. وتشكل أفلامه بين “الغرفة السوداء” و”من أجل القضية” وبين “محاكمة امرأة” و”فاين ماشي يا موشي؟” خريطة سينمائية لوعي مغربي يرفض النسيان، ويؤمن أن السينما يمكن أن تكون منصة للعدالة الرمزية، حين تغيب العدالة الفعلية.

    الرهان على الإنسان

    لا يمثل البطل في سينما حسن بنجلون كائنا خارقا ولا نموذجا أسطوريا مكتملا، ولا موطنا مكتمل المواطنة؛ بل هو شخصية هشّة، مترددة، محطّمة أحيانا، مقاومة أحيانا أخرى. ويحمل هذا البطل عبء التاريخ والواقع، وغالبا ما يُطرح ككائن مأزوم وبطل إشكالي، في مواجهة سلطة ما، سواء كانت سلطة المجتمع أو السلطة السياسية أو حتى سلطة الذاكرة والذنب. وفي هذا السياق، يتجاوز مفهوم البطل في سينما بنجلون الأدوار التقليدية ليصبح أداة لفهم المجتمع من الداخل، مرآة لتناقضاته، وصدى لانكساراته التي لا تنتهي. ويحاول البطل هنا كشخص النجاة في واقع مأزوم، ويختبر الهزيمة والأمل في آن واحد، وهو في أغلب الأحيان ينهزم دون أن يفقد كرامته، أو ينتصر بشكل رمزي فقط.

    ويتجلى البطل في فيلم “الغرفة السوداء” أو فيلم “درب مولاي الشريف”، (2004) في شخصية المعتقل السياسي الذي يعيش في الظل لعقود من الزمن. ولا يحمل هذا البطل صفة القيادة ولا يتحدث باسم إيديولوجيا صاخبة، بل هو ضحية صامتة، يختزن الألم دون أن يفقد صوته الداخلي. ولا يمكن لشخصية مثل هذه أن تقود الثورة لكنها تكشف الوجه الحقيقي للسلطة، تقول إحدى الشخصيات في الفيلم: “يوجد في الخارج ضوء كثير، لكن هنا في الداخل لا يوجد سوى صدى الخطوات، وصدى العذاب”. وتلخص هذه العبارة معاناة البطل في هذه السينما: وجود محاصر بجدران السلطة وبصمت وترقب المجتمع. ولا يمثل البطل هنا من يقاتل فحسب، بل من يصمد في وجه قبح السلطة.

    وتواجه البطلة / امرأة في فيلم “محاكمة امرأة” (2002)، سلطة ثلاثية الأبعاد: القانون، المجتمع، والأسرة. ولا تقدم الشخصية نفسها كضحية فقط، بل تطرح خطابا نقديا حول مفهوم العدالة والمساواة. ولا تعتبر هذه المرأة بطلة ملحمية، بل شخصية تبحث عن العدالة في نظام لا يعترف بها، حين تقول في المحكمة: “أن تكوني امرأة في هذا البلد، يعني أن تقبلي بالحكم عليك قبل أن يُسمع صوتك”، فهي لا تدافع فقط عن نفسها، بل تُدين بنية متجذرة في العقل الجمعي. وتجسّد شخصية كهذه كيف يتحول الفرد في سينما بنجلون إلى شاهد ومتهم في الوقت نفسه، ضحية يطلب الاعتراف، وفاعل يُنتج المعنى.

    ويظهر البطل اليهودي المغربي في فيلم “فاين ماشي يا موشي؟ “(2007)، كشخصية ممزقة بين الانتماء الديني والانتماء الثقافي، بين ذكريات الطفولة وخطابات الهجرة. ولا يُقدَّم البطل هنا كضحية للواقع السياسي فقط، بل كمنفي داخليا، كذات لا تجد مكانها في وطن صار يرفضها تدريجيا. تتجول الشخصية في الزمان أكثر مما تتجول في المكان، وتسائل الشخصية مفهوم الوطن والانتماء، حين تردد إحدى الشخصيات: “نحن لا نرحل، نحن نُرحّل”، وتتضح المأساة، ويبرز البطل ككائن يتحرك بفعل القسر لا بفعل الاختيار. ويتحول البطل هنا إلى رمز لزمن قُتل فيه التعايش، ويصبح موضع تساؤل حول من يُعتبر مغربيا ومن يُقصى من الوطن بدعاوي وخلفيات متعددة.

    ويقدم فيلم “المطمورة” (2009) نموذجا آخر للبطل، وهذه المرة من خلال شخصية الباحث في التاريخ، الذي يكتشف حفرة جماعية لضحايا سنوات الرصاص. ولا يكون البطل هنا هو الضحية فقط، بل من يُصرّ على نبش الذاكرة. ويتحول الباحث إلى رمز للمثقف القلق، الذي لا يكتفي بالمشاهدة، بل يطرح الأسئلة ويفتح الجراح. ولا يحلّ هذا البطل المشكل، لكنه يرفض دفنه. وقال البطل في مشهد مؤثر: “إذا كانت الحقيقة مدفونة، فالعدالة صارت ترابا”، ويعبر هذا التصريح عن الحس الأخلاقي العالي الذي تتميز به شخصيات بنجلون. ولا يبحث هؤلاء الأبطال عن النصر بل عن المعنى، وهم واعون بأن الحقيقة أحيانا تؤلم أكثر من الصمت.

    ويُستدعى في فيلم “القمر الأحمر” (2013) الفنان عبد السلام عامر كبطل يواجه ليس فقط المرض والعمى، بل تجاهل الدولة والجحود الاجتماعي. إنه بطل ثقافي، يرمز إلى إبداع يُنتج في الهامش، ولا يتم الاعتراف به إلا بعد الفقدان. ولا يعتبر هذا البطل صاخبا ولا ثوريا؛ بل شاعر موسيقي تنخره الهشاشة، ويمنحه الإبداع مبررا للاستمرار. ويقول في لحظة حزن: “لا أرى الناس؛ لكنني أسمعهم وهم يبتعدون عني”، وتحمل هذه العبارة أبعادا رمزية عن العزلة والجحود التي يعيشها المثقف في مجتمع يعلي من شأن السياسة وينسى قيم الجمال والنقد. ويتحول هذا البطل إلى ضحية للفقدان مرتين؛ فقدان البصر، وفقدان الاعتراف والتهميش.

    ويعيد فيلم “المنسيون”، (2010)، تشكيل البطل من خلال مجموعة من الجنود المغاربة الذين تم التخلي عنهم بعد حرب الهند الصينية. ولا يملك هؤلاء الجنود حتى ترف الذاكرة، إنهم منفيون من التاريخ، بلا وطن، بلا هوية. ويصبح البطل هنا منسيا بشكل مضاعف؛ أولا لأنه لا يُذكر، وثانيا لأنه لا يُراد له أن يُذكر. ويعكس الفيلم هشاشة الروابط بين الدولة والمواطن، ويجعل من البطل تجسيدا للخذلان الوطني. وفي مشهد صامت، يجلس أحدهم على حجر ويقول: “لقد قاتلنا من أجل علم لم نكن نراه”، ويبرز هنا التناقض بين التضحية وعدم الاعتراف، ويصبح البطل علامة على قسوة السلطة وجحود الوطن.

    ونجد في فيلم “اختيار أسماء”، (2016)، بطلة متمردة تحاول شق طريقها وسط حقل مليء بالألغام الاجتماعية. إنها امرأة تعاني من العنف الرمزي وتبحث عن هوية خارج ما يُراد لها أن تكونه. وتردد: “اسمي ليس لي، أعطوني إياه لكي أكون غيري”، وتلخص هذه الجملة قلق الذات النسوية في مواجهة نماذج مفروضة سلفا. ويحاول البطل هنا كائن استعادة اسمه وروايته، وهي محاولة رمزية لاستعادة الحق في أن يكون المرء ما يشاء. وتنتمي شخصية مثل أسماء إلى جيل جديد من الأبطال في سينما بنجلون، يتمردون على الذاكرة المفروضة، وينحتون هويتهم من الألم لا من الإملاء وسياسة الفرض.

    ونجد في فيلم “من أجل القضية”، (2019)، بطلا فلسطينيا وفنانة موسيقية مغربية في مواجهة عبث الحدود وجمود الدولة. ولا يتجلى البطل هنا فقط في فعله بل في صموده. هما شخصيتان تُحاصران في مساحة عازلة، لكنهما يكتشفان حدود الوطن وحدود الخوف وحدود اللغة. ويقول الشاب الفلسطيني: “أنا من وطن لا أستطيع الوصول إليه، وأنت من وطن لا يراك”. وتلخص هذه المفارقة طبيعة البطل في هذا الفيلم، إنه كائن محروم من الجغرافيا ومخنوق بالرمزية السياسية. ولا تمثل الشخصيتان نماذج للبطولة التقليدية، بل إنهما رمزان لضحايا السياسات والمآزق العربية المعاصرة…

    ويتأسس مفهوم البطل في سينما حسن بنجلون عن ذات تبحث عن المعنى داخل عالم يفتقد للعدالة، شخصية تُختبر الشخصية باستمرار في قناعاتها، وتدفع ثمن صدقها، وتُحاصر بين ما تريده وما يُفرض عليها. إنه بطل لا يصرخ لكنه يواجه، لا يملك سلاحا لكنه يمتلك موقفا، لا يقف على منصة بل في الهوامش. وتعيش شخصيات بنجلون دائما نوعا من التمزق بين الذاكرة والواقع، بين الأمل والخيانة، بين الحلم والنسيان. إنهم أبطال لا يغيرون العالم، لكنهم يكشفون حقيقته، ولا ينتصرون، لكنهم لا يستسلمون أيضا. وهذه هي البطولة الحقيقية في سينما تُراهن على الإنسان لا على البطولة المقولبة والمزيفة.

    سينما الوعي والضمير

    تتشكل سينما المخرج المغربي حسن بنجلون في تفاعل جدلي بين عناصر السرد والخطاب والصورة والجمال والانتماء، لتنتج هوية سينمائية متفردة تنتمي إلى ما يمكن تسميته بسينما الوعي والضمير، وتؤمن هذه السينما بأن للكاميرا وظيفة تتجاوز الترف الجمالي إلى مساءلة الواقع واستنطاق الصمت وتوثيق الذاكرة. وقد حافظ المخرج، منذ بداياته في تسعينيات القرن العشرين وحتى آخر أفلامه، على صوت متماسك، له نبرة سردية فيلميه خاصة، ولغة بصرية متقشفة أحيانا وشاعرية أحيانا أخرى، وخطاب جمالي لا ينفصل عن القيم التي يحملها. ولا تعرف هذه السينما لغة الحياد، بل تنتمي إلى قضايا الإنسان المغربي، وتحمل همّ العدالة والحرية والكرامة، وتشتبك مع الطابوهات السياسية والاجتماعية، دون أن تسقط في المباشرة أو الانفعال الخطابي.

    وتتسم سينما بنجلون في هويتها بالتركيب والتعقيد، وهي قائمة على تشظي الزمن وتعدد وجهات النظر والانزياح عن التسلسل الخطي للأحداث. ولا يبدأ الحكي من نقطة معلومة ولا ينتهي بإغلاق محكم، بل يُترك الفضاء السردي مفتوحا على التأويل، كما لو أن الحكاية لا تُروى من أجل نهايتها، بل من أجل ما تكشفه من وجوه الواقع. وتتداخل في فيلم “الغرفة السوداء”، مثلا، مشاهد الذاكرة مع لحظات العذاب في السجن، ويمتزج الماضي بالحاضر داخل نفسية السجين، بحيث لا يعود الزمن خطا مستقيما؛ بل دوامة من المشاعر والتجارب والارتجافات والقهر. ولا يعتمد المخرج على حبكة تقليدية، بل يبني سرديته على المفارقات والمواقف والانكسارات الصغيرة التي تتحول إلى علامات كبرى. وغالبا ما يكون السارد في أفلامه غائبا أو غير موثوق؛ ما يفتح النص السينمائي على شك فلسفي يتقاطع مع سؤال الحقيقة والذاكرة.

    ونلاحظ في البنية الخطابية لأفلامه وضوحا في الانحياز إلى القضايا العادلة، من دون الوقوع في التقريرية. ولا يمثل خطاب بنجلون الوعظ وتقديم النصائح الدعوية؛ بل على التحليل والتأمل والتفكيك، ويتغلغل في بنيات المجتمع ويكشفها من الداخل عبر شخصيات مأزومة وأحداث محلية لكنها ذات أفق إنساني كوني. ويتحول الخطاب القضائي في فيلم “محاكمة امرأة ” إلى مرايا متعددة تعكس كيف يُستعمل القانون لتكريس الظلم بدل رفعه. وهنا، يكشف بنجلون زيف الحياد القانوني ويطرح سؤالا جذريا حول العدالة. ويتحول الخطاب في فيلم “فاين ماشي يا موشي؟” إلى أداة تفكيك للعلاقات بين الأديان والثقافات داخل المجتمع المغربي ومساءلة مفهوم التعايش والتسامح، متسائلا عن معنى التعايش ومصير من يُقصى من السردية الوطنية. ولا يُقدَّم الخطاب هنا كنص موازٍ للصورة، بل ينبثق منها، ويتوزع عبر الحوارات والإيماءات والصمت، بحيث يصير المتلقي شريكا في إنتاج المعنى لا مجرد متلقٍّ له.

    وتتسم الهوية البصرية في سينما بنجلون بالتقشف والاقتصاد، لكنها ليست فقيرة، بل مشحونة بالدلالات، وتُوظف الضوء والظل والصمت والفراغ لإنتاج تأثيرات جمالية ونفسية. ولا تُستخدم الصورة فقط للتوثيق بل للتأويل، وكثيرا ما نجد الكاميرا ثابتة في مشهد طويل يسمح للمكان بالكلام. وتصبح الصحراء في فيلم “المطمورة” شخصية ثالثة ترافق الأبطال، وتتحول إلى شاهد صامت على الجريمة. وتُستثمر زوايا الإضاءة في فيلم “القمر الأحمر” لتكثيف عتمة الفقد، خصوصا أن البطل كفيف؛ ما يجعل الصورة نفسها تنطوي على مفارقة بصرية بين ما يُرى وما لا يُرى. ويستخدم بنجلون اللون والفضاء والحركة بذكاء، حيث تصبح اللغة البصرية امتدادا للغة الشعورية لشخصياته. ولا يُغرق مشاهده في الزخرفة، بل يمنحها كرامة الفراغ، وجماليات البساطة. وهنا تُجنّد البنية البصرية لإبراز ما لا يُقال، ما يُحسّ فقط، ما يُلمَح ولا يُعلن.

    وتنتمي سينما بنجلون على المستوى الجمالي إلى ما يمكن وصفه بالجماليات الأخلاقية، حيث لا ينفصل الحُسن عن الموقف ولا تنفصل الصورة عن القيمة. ولا تسعى أفلامه إلى إبهار العين بقدر ما تحاول أن تفتح بصيرة المتفرج على ما يُقصى ويُهمَّش. ولا يمثل الجمال هنا زينة بل فعل مقاومة، نوع من إعادة بناء العالم من شظاياه، نوع من منح الكرامة للمنسيين. ولا نجد في فيلم “المنسيون” لقطات بطولية ولا إضاءات سينمائية مبهرة، بل وجوه شاحبة، أماكن منفية، ولقطات تتأمل الخراب كما لو كانت ترثيه. ولا يُقاس الجمال هنا بالبُعد التقني بل بالمفعول الأخلاقي والوجداني للصورة. وتنبع هذه الجمالية من حس إنساني عالٍ، يجعل الفيلم شهادة وأثرا لا مجرد منتج فني.

    ومن جهة أخرى، تنتمي سينما بنجلون إلى حقل سينمائي واضح: سينما الذاكرة، أو سينما الالتزام النقدي، لكنها لا تقف عند الانتماء المدرسي بل تطور خصوصيتها داخل هذا الإطار. وهوية هذه السينما مغربية من حيث اللغة والفضاء والهموم، لكنها تتجاوز الخصوصية المحلية لتلامس قضايا إنسانية كبرى مثل القمع والنفي والخيانة والعدل والهُوية والحرية. ولا يعتبر الانتماء في هذه السينما جغرافيا فقط بل وجدانيا، إنها سينما تنتمي إلى الضحايا أكثر من انتسابها إلى السلطة، وإلى الهمس أكثر من الضجيج، وإلى السؤال أكثر من الجواب. ويختار المخرج شخصيات تنتمي هي الأخرى إلى الهوامش وإلى ثقافة الهامش، وهي نساء محاكمات، فنانون منسيون، معتقلون سابقون، مهاجرون داخليون، ويهود مغاربة يعانون من فقدان وطن كان يوما ما وطنا. ولا يتم هذا الانتماء عبر التباهي به، بل يُفكَّك ويُساءَل في ضوء هشاشته، كما في فيلم “من أجل القضية”، حيث تُطرح الهوية القومية كمعضلة لا كيقين.

    ولا تتأسس هوية سينما بنجلون على قوالب جاهزة بل مشروع إبداعي مفتوح، قيد التشكّل المستمر، يتجدد بتجدد أسئلته، ويتعمق كلما اقترب من الألم الإنساني. وترفض هذه السينما الابتزاز العاطفي لكنها لا تتخلى عن الشعور، وترفض الخطاب التقريري لكنها لا تغيب عن الواقع، ترفض الدوغمائية لكنها لا تتخلى عن المبادئ والقيم. إنها سينما مشتبكة مع زمنها، تحتك بالقضايا الحارقة، وتعالجها بحس فني يجمع بين الصرامة والرحمة. ويعيد بنجلون في سينماه تشكيل صوته دون أن يفقده، ويختبر إمكانيات الصورة في مواجهة الصمت، ويمنح للمنسيين حقا في الظهور، للضحايا حقا في الرواية، وللمتفرج فرصة لاكتشاف ذاته من خلال الآخر.

    هكذا تتشكل الهوية الفيلمية في سينما حسن بنجلون كنسيج متكامل، لا يمكن فصل أحد مكوناتها عن الأخرى، لأنها كلها تتعاون لصياغة سينما لها طابع خاص، صوت مغربي عميق، لا يكتفي بالتمثيل بل يقترح سرديات مضادة لما هو سائد ومألوف، ويخلق من الفيلم مساحة للبوح والمساءلة والتاريخ المضاد والثقافة البديلة. إنها هوية سينمائية تصرّ على أن تظل وفية لكرامة الإنسان، لا تتخلى عن حساسيتها أمام البؤس، ولا عن أناقتها أمام الخراب.

    سينما المساءلة والتعايش مع السؤال

    تشكل سينما المخرج المغربي حسن بنجلون فضاء دلاليا متعدد الأبعاد، تتقاطع داخله مستويات متعددة، ليخرج المتلقي من تجربة المشاهدة وهو مثقل بأسئلة أكثر من الأجوبة. إنها سينما لا تشتغل فقط على ما يُرى، بل على ما يُحسّ ويُكتم، حيث تتحول الشخصيات إلى مرايا لجماعات بأكملها، والمواقف الفردية إلى انعكاس لتوترات بنيوية أعمق. وتتميز هذه السينما بقدرتها على التقاط التفاصيل المعبرة عن لحظات الانهيارات كبرى، وعلى مساءلة الذاكرة دون أن تَسقط في خطابية تعليمية، بل عبر بناء درامي حساس ومتوتر.

    وتكشف سينما بنجلون اجتماعيا عن مفارقات العيش في مجتمع يحاصر الفرد داخل طقوس تقليدية وقيم محافظة. ويشتغل المخرج على نساء مقهورات، ومواطنين على الهامش، وأحياء فقيرة تتحول إلى رموز للاختناق المجتمعي. وفي فيلم “عرس الآخرين”، مثلا، يتم فرض الزواج على فتاة لا تحب، فقط لإرضاء الأعراف والعائلة، وتقول الشخصية: “هم يحتفلون بعرسي، وأنا أدفن نفسي”، وهنا تكثف الجملة اختناق الذات تحت وطأة الجماعة. ويبرز هذا النمط من التناول كيف يتواطأ المجتمع مع أجهزته الرمزية، كالعائلة والدين والذكورة، ضد حرية الفرد وكرامته. وتواجه المرأة في فيلم “ياريت” أو “زمن أغنية” القمع الاجتماعي حين تُمنع من الغناء، فتقول: “صوتي لا يليق بهذه الأرض، هكذا قالوا”، وتكشف بذلك كيف يمكن للمجتمع أن يطرد مبدعيه في لحظة التوتر.

    وتنتمي سينما بنجلون سياسيا وبوضوح إلى سينما المساءلة، إذ تشتغل على فترات من التاريخ المغربي حيث امتزج القمع بالصمت، والسلطة بالخوف، والذاكرة بالنسيان القسري. ويعتبر فيلم “الغرفة السوداء” عملا سياسيا بامتياز، لا لأنه يصرخ ضد السلطة؛ بل لأنه يفتح جراحا كانت مغلقة عمدا. ويُصور الفيلم حياة معتقل سياسي في سنوات الرصاص، وحين يقول أحد أبطاله: “في الداخل لم نعد نعرف أسماءنا، صرنا أرقاما”، فإنه لا يصف فقط تجربة الاعتقال السياسي، بل يُدين مسارا بأكمله، حيث تصبح الذات قابلة للمحو باسم الدولة والسلطة السياسية. وتُكثف هذه العبارة فقدان الهوية والكرامة في ظل قمع سياسي ممنهج. ويذهب المخرج في فيلم “المطمورة”، كما فعل الطمر، إلى أبعد من ذلك، حين يعرض جريمة دفن المعارضين السياسيين في مقابر جماعية مجهولة، كأنما الوطن نفسه يرفض أبناءه إذا قالوا لا، ويجعل من الجسد السياسي مجرد أثر في تربة مسمومة، حين يقول إحدى الشخصيات: “كل حفرة تحتها وطن مذبوح”، وتُلخص هذه العبارة كيف تُختزل السياسة في العنف الرمزي والجسدي معا.

    ويحتضر الجانب الاقتصادي بقوة في أفلام بنجلون، ليس بوصفه إحصاءات أو فقرا معلنا، بل كعوز مقنّع يُفكك أثر التهميش على الإنسان المغربي. ونجد في فيلم “ولد الدرب” مجموعة من الأطفال يكبرون في حي فقير، حيث الأمل ضيق مثل الزقاق، وحيث المستقبل مرهون بالصمت أو الهروب. ولا تظهر الثروة أو فكرة اقتسامها في هذه السينما، بل يظهر غيابها، ويظهر أثر غيابها على الحلم، على العلاقات، على الأخلاق. ويقول أحد الأطفال في الفيلم: “أريد أن أكون شرطيا فقط لأتمكن من الأكل كل يوم”، وتختصر هذه الجملة العلاقة المأزومة بين الحلم والمؤسسة في مجتمع يختنق اقتصاديا. ويطرح مستويات البعد الاقتصادي في فيلم “فاين ماشي يا موشي؟” كسبب لهجرة اليهود المغاربة، لا فقط في بعده المادي، بل من خلال الإحساس بالخذلان داخل نظام لا يعترف بمواطنتهم الكاملة. وتقول إحدى الشخصيات اليهودية: “غادرنا لأن خبزنا صار هشا أكثر من ذاكرتنا”، وهي إشارة بألم إلى هشاشة الوضع الاقتصادي والمعنوي معا.

    ويُعد البعد النفسي في سينما بنجلون من أكثر الأبعاد تعقيدا ودقة، إذ لا يكتفي المخرج بتصوير الصدمة؛ بل يشتغل على تمثيل وتمثل آثارها المستديمة. ولا تعيش الشخصيات فقط على الألم، بل تحمله معها مثل ندبة وجرح لا تندمل. ونتابع في فيلم “المنسيون ” مغاربة الهند-الصينية، الذين تم نسيانهم في فيتنام بعد الحرب، ومن خلال وجوههم المرهقة ندرك كيف يمكن للنسيان أن يتحول إلى عقاب يومي، حين تقول إحدى الشخصيات: “أحلم بأن أُنسى مثلما نُسيت، لكن دون ألم هذه المرة”، وتبرز هذه الجملة الازدواج النفسي الذي يعيشه من يُقصى من التاريخ والجغرافيا. ويبرز البعد النفسي في فيلم “القمر الأحمر” كأغنية مغربية شهيرة، من خلال شخصية الفنان الكفيف، الذي فقد بصره ولكن لم يفقد حدسه، وتتحول الموسيقى إلى وسيلة للتماسك الداخلي، حين يقول: “أنا لا أرى العالم، لكنني أسمع انهياره”، فإنه يُجسد كيف يمكن للفن أن يكون وسيلة لتجاوز العتمة وقسوة السلطة وتمثلاتها.

    ويربط البعد الرمزي في سينما بنجلون بهذه الأبعاد كلها بشبكة من الإشارات والدلالات والرموز التي تتجاوز الواقعي إلى المجازي والاستعارات. ولا تمثل كل شخصية في أفلامه فقط ما تظهر، بل تمثل طبقة أعمق من المعنى. وتصبح البطلة في فيلم “محاكمة امرأ” رمزا للعدالة المسلوبة، لجسد تُحاكمه الأخلاق ولا تحميه القوانين. ولا تعتبر المحكمة هنا مكانا للحسم، بل مسرحا للعار، والبطلة ليست متهمة فحسب، بل رمز لكينونة أنثوية محاصرة. ويتحول الاسم نفسه في فيلم “اختيار أسماء”، إلى سؤال رمزي، حيث البطلة تحاول أن تعيد تشكيل ذاتها من خلال اختيار اسم جديد، كأنها تقول إن الهوية لا تُفرض بل تُبنى. تقول: “اسمي ليس لي، إنه قيد على روحي”. وهنا، يظهر كيف يُمكن للاسم، كرمز ثقافي، أن يتحول إلى أداة للهيمنة. وتصبح الحدود نفسها في فيلم “من أجل القضية” رمزا للعجز العربي، إذ لا يمكن لشخصين أن يعبرا من دولة إلى أخرى بسبب خلاف سياسي. وتقول الموسيقية المغربية في الفيلم: “نحن محاصرون بين كلمتين، لا يمكننا الغناء بهما ولا الصمت معهما”، وتُبرز بذلك كيف أن الفن نفسه يُختنق داخل الحدود.

    ولا تعتبر سينما حسن بنجلون فقط مرآة للواقع؛ بل عدسة تكشف أعماقه وتحلل طبقاته وتربط بين المستويات المختلفة للوجود الإنساني في المجتمع المغربي والعربي. ولا تتجاور سينما بنجلون، الأبعاد المتعددة ومستوياتها بشكل ميكانيكي، بل تتفاعل في كل لقطة وكل شخصية وكل صمت. وهذا التفاعل هو ما يمنح سينما بنجلون عمقها، وما يجعلها فعلا مقاوما بقدر ما هي شهادة، وما يجعل من شخصياته علامات تتكلم عن زمنها، لكنها لا تنحصر فيه، بل تفتح أبوابا للتفكير والتأمل في الإنسان حين يُحاصر من كل الجهات ولا يبقى له سوى صوته الداخلي يقول في ختام الصمت: أنا هنا، حتى وإن لم تروني…

    تشكل سينما حسن بنجلون مرآة صادقة لوجدان المجتمع المغربي، حيث تنصهر القضايا الإنسانية والاجتماعية مع الحكاية الفردية في نسيج سينمائي لا يسعى إلى إثارة الضجيج بل إلى تفجير الأسئلة. وتتجسد سينماه من “فاين ماشي يا موشي؟” إلى “المنسيون”… كبحث دائم عن الحقيقة المخبأة في الهامش، وعن هوية يصوغها الألم والاختيار والاغتراب. ولا تمثل شخصياته أبطالا خارقين، بل كائنات قلقة، هشّة، تحمل على أكتافها تناقضات التاريخ والجغرافيا، وتصارع من أجل بصيص معنى وسط العتمة. ويتحول الفيلم في أعماله، إلى فضاء للبوح والتفكير والمساءلة، لا ملاذا للهروب أو التنفيس. وهكذا يؤسس بنجلون لنوع من السينما التي لا تُطمئن المشاهد بل تقلقه وتدفعه إلى التأمل في ذاته ومجتمعه. وكما قال أحد أبطال فيلم “من أجل القضية”: “أن تكون إنسانا في هذه الأرض، يعني أن تحمل حقيبة مليئة بالأسئلة، وتسير بها عاريا بين الجدران”. وهذه السينما لا تمنح أجوبة، بل تعلّمنا كيف نعيش مع السؤال.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • شاطئ “أم لبوير” بالداخلة.. جوهرة طبيعية تغري المصطافين من داخل المغرب وخارجه

    شاطئ “أم لبوير”، الواقع شمال مدينة الداخلة، هو واحد من أجمل الشواطئ التي تزخر بها المملكة، يبرز كوجهة مفضلة لكثير من المصطافين من داخل المدينة وخارجها، بل وحتى من خارج المغرب، لما يتميز به من سحر طبيعي ومقومات بيئية تجعل منه ملاذا مثاليا للاستمتاع بالأجواء الصيفية الآسرة.

    ويعد هذا الشاطئ، الحاصل للسنة الثالثة عشرة على التوالي على شارة اللواء الأزرق الممنوحة سنويا من قبل مؤسسة التربية على البيئة، وتبنته في المغرب منذ سنة 2002 مؤسسة محمد السادس لحماية البيئة، نموذجا مثاليا لتوليفة متناغمة تجمع بين جمالية المشهد الطبيعي واحترام المعايير البيئية.

    جمالية هذا الشاطئ تنبع أيضا من نظافة مياهه ونعومة رماله، ونقاء هوائه، فضلا عن الجهود الدؤوبة التي تسهر السلطات المحلية على بذلها من أجل توفير مناخ آمن وشروط السلامة والراحة والاستجمام لزوار جهة الداخلة وادي الذهب.

    ما إن تلامس قدما الزائر رمال “أم لبوير”، ويطلق عينيه في الأفق م د البصر متأملا جمال المكان، حتى يجد نفسه في قلب مشهد بانورامي تتقاطع فيه أشعة الشمس الذهبية مع زرقة الأطلسي. حينها سيستسلم لتلك النسائم البحرية العليلة التي تداعب وجهه، وي رهف السمع لإيقاع الموج، ف يغمره شعور بالسكينة والهدوء.

    وهكذا، يقول رضا وهو مغربي مقيم بفرنسا، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، “كنت موفقا في اختيار الداخلة لقضاء عطلتي الصيفية رفقة عائلتي. الشاطئ ممتاز للغاية، من أجمل ما رأيت في المغرب، نظيف وآمن ومياهه رائعة، أنصح الجميع بزيارته وزيارة مختلف المعالم السياحية التي ت ع ج بها هذه الجهة”.

    أما رقية، التي قدمت من موريتانيا، لزيارة الداخلة فتقول أن جمالية هذا الشاطئ لا تقاوم و تعتبره من بين أجمل الشواطئ الأطلسية”، مضيفة أن “الداخلة مدينة رائعة، وأهلها في غاية الطيبوبة، أدعو جميع أصدقائي في موريتانيا إلى اكتشاف هذا الجمال”.

    بدورها، عبرت بنت المحجوب، وهي أيضا من موريتانيا، عن انبهارها بسحر الداخلة “إنها مدينة سياحية بامتياز، تعشقها النفس من أول زيارة. أجواؤها الصيفية ساحرة، وساكنتها مضيافة وودودة”.

    أما مواطنها مصطفى طه، فاعتبر أن الأجواء في الداخلة “أكثر من رائعة”، معربا عن أمله في أن تتاح له فرص أخرى لزيارتها والاستمتاع مجددا بشواطئها الأخاذة.

    من جانبه، أبرز محمد موحدا، من شباب المدينة، أن شاطئ “أم لبوير” ي عد فضاء مثاليا لممارسة الرياضات البحرية، مثل الكايت سيرف وركوب الأمواج بالألواح الشراعية (ويند سيرف) فضلا عن كونه شاطئا محروسا وآمنا وم قصدا للعديد من الأسر.

    كما يتحول شاطئ “أم لبوير” خلال فصل الصيف إلى فضاء حي للتربية على البيئة والتسلية حيث يستقبل أطفال المخيمات الصيفية والتلاميذ المنحدرين من مختلف مؤسسات التعليمية بجهة الداخلة – وادي الذهب، في إطار برامج تربوية وترفيهية تنظمها جمعيات محلية بتنسيق مع الأطر التربوية والسلطات المعنية.

    وتشمل هذه الأنشطة ورشات بيئية وتحسيسية حول نظافة الشاطئ، ومسابقات رياضية كمباريات كرة القدم للإناث والذكور، بالإضافة إلى الألعاب التربوية التي تخلق جوا من الفرح وتغرس قيم التعاون والانضباط والتآخي بالاضافة إلى تعزيز ثقافة الحفاظ على البيئة في نفوس الناشئة.

    كما يحظى الشاطئ كذلك بمنظومة متكاملة للسلامة والنظافة، حيث تنتشر فرق المنقذين البحريين في كل مكان لتأمين سلامة المصطافين والزوار. وقد ساهمت الحملات التوعوية إلى جانب المجهودات الجماعية، في رفع منسوب الوعي البيئي لدى المواطنين، حيث أصبح أغلب مرتادي الشاطئ يحرصون على وضع النفايات في أماكنها المخصصة لها، بما يعزز من جاذبية الفضاء ويؤكد النضج البيئي لدى ساكنة الجهة وزوارها.

    لا غرو إذن أن يتمكن شاطئ “أم لبوير” من ترسيخ مكانته كإحدى أبرز الوجهات السياحية بجهة الداخلة – وادي الذهب، مجسدا نموذجا متكاملا يجمع بين الاستجمام والتربية البيئية وتنشيط الدينامية السياحية المحلية، وبذلك تتعز ز صورة الداخلة بوصفها ‘لؤلؤة الجنوب المغربي”.

    إقرأ الخبر من مصدره