Étiquette : سؤال

  • شقير: غياب المغرب عن جلسة إدانة روسيا « متبصر » وزيارة شيرمان قد تحمل ضغوطات أمريكية

    أكد المحلل السياسي، محمد شقير، أنّ « غياب المغرب عن جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي أدين فيها الغزو الروسي لأوكرانيا، أول أمس الأربعاء، قرار متزن ومتبصر »، مشيرا إلى أنه « كان متوقعا جدا من الدبلوماسية المغربية المبنية على عدم استخدام القوة في تسوية النزاعات ».

    وأضاف شقير في تصريح لموقع « تيليكيل عربي »، أن « الدبلوماسية المغربية فضلت عدم التموقع في ظل حرب لا ناقة للمغرب فيها ولا جمل، حرب ذات أبعاد إقليمية ودولية، وليست ثنائية فقط، وتحكمها مصالح جيوستراتيجية، تتحدد في تنافس كل من الولايات المتحدة وروسيا ».

    وتابع أن « هناك علاقات تجمع المغرب بالطرفين. لذلك، كان عدم انحيازه لأحدهما أسلم موقف. فهو حليف استراتيجي بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية. بالمقابل، تجمعه بروسيا مصالح اقتصادية، سواء فيما يتعلق بتزويدها له بالقمح، أو تزويده لها بمجموعة من الحمضيات ».

    أما بالنسبة للسبب الثاني وراء تريث المغرب، حسب شقير فهو أن « الحرب في بدايتها. لذلك، فهو ينتظر إلى أن يتمكن من استجلاء التطورات، وتظهر النتائج، على الأقل، على المدى المتوسط، ثم بعد ذلك، لكل حادث حديث ».

    وفيما يخص السبب الثالث، يضيف المحلل السياسي فهو « ارتكاز دبلوماسية المغرب على تنويع الشركاء، حتى تتمتع بهامش حرية التحرك. وهذا ما لاحظنا سابقا في موقفه من مجموعة من الأزمات والتطاحنات؛ كالأزمة الخليجية مثلا ».

    وتابع: « المغرب يحاول أن يتعامل مع الجميع وفق المصالح المشتركة. لذلك، يتفادى التموقع الذي دائما ما تكون له فاتورة يجب أن تُدفع. فهو يتعامل مع الصين على الصعيد الاقتصادي، رغم تحالفه مع أمريكا استراتيجيا، كما تجمعه مصالح مع روسيا رغم تنافسها مع هذه الأخيرة. يكفي أن نرى موقفه على المستوى الخليجي؛ حيث تعامل مع قطر، رغم العلاقات الاستراتيجية التي كانت تجمعه بكل من السعودية والإمارات ».

    من جهة أخرى، أوضح شقير في تصريحه لـ »تيلكيل عربي » أن « المغرب كان حكيما باختياره عدم المشاركة، بدل المشاركة والامتناع عن التصويت، كما فعل البعض »، مضيفا أن « الامتناع عن التصويت في حد ذاته تورّطٌ. فحتى وإن لم تصوت بنعم أو لا، إلا أنك عبرت عن رأيك ».

    وعما إذا كان الغياب عن التصويت سيغضب بعض الأطراف التي كانت تنتظر موقفا آخر من طرف المغرب؛ كالولايات المتحدة الأمريكية مثلا، أكد شقير أن « الدول في تعاملها مع بعضها البعض، دائما ما تسجل كل المواقف ».

    وحول ما إذا كان المغرب سيتعرض لضغوطات أو محاولة استفسار، كحليف، حتى ينضم أو يساند الموقف الأمريكي، خاصة في ظل الزيارة المنتظرة لويندي شيرمان، نائبة وزير الخارجية الأمريكي، للمغرب، يومي 08 و09 مارس الجاري، خاصة في هذا الوقت، وبهذا الشكل، قال شقير إن « موضوع الضغوطات وارد جدا »، مستدركا: « لكن العملية ليست أوتوماتيكية، بل فيها أخذ ورد. قد تتفهم أمريكا أنه من حق المغرب عدم التموقع الذي قد يضر بالقضية الوطنية ».

    وأضاف: « يكفي أن نستحضر امتناع روسيا عن التصويت على مشروع قرار تبناه مجلس الأمن الدولي، يوم 29 أكتوبر 2021، والذي يقضي بتمديد مهمة بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية « المينورسو » عاما إضافيا، وذلك بعد أن كان من المتوقع أن ترفض ».

    أما بخصوص السؤال الذي يطرح نفسه بشدة، وهو إلى أي مدى، يعتبر المغرب حليفا لأمريكا في هذه الحرب، أوضح شقير: « هذا سؤال جيد، فربما لأمريكا حلفاء آخرون تهتم بموقفهم أكثر من موقف المغرب، كونهم أقرب من مجال الصراع الروسي الأوكراني ».

    إقرأ الخبر من مصدره

  • فتنة الجبهة والشاعر والمحامي والرئيس السابق!

    برلمان.كوم – بقلم: سيدي الرشيد

    منذ أن خسرت جبهة البوليساريو العام الماضي رهانها على إغلاق معبر الكركرات، بدأت تخوض حرب دعاية إعلامية مكثفة، تسعى إلى جر موريتانيا نحو مستنقع صراع إقليمي لطالما كانت تقف منه موقف حياد إيجابي، تساهم في أي مسار يقود للحل، وتبتعد عن أي تأجيج للصراع، وهو الموقف الذي جدده رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، وعضَّ عليه بالنواجذ.

    لقد كانت موريتانيا منذ البداية واعية بصعوبات الوضع الإقليمي، ومخاطر اللعب بالنار ومحاولة جر المنطقة إلى صراع مسلح ليس من مصلحة أي طرف، وهي التي تقود عربة مجموعة دول الساحل الخمس، وتدرك التحدي الأمني في شبه المنطقة، وبالتالي نجد أن الدبلوماسية الموريتانية عبرت عن موقفها الرافض لأي تأجيج وشحن، منذ أن أغلقت البوليساريو معبر الكركرات.

    الحكمة التي تمتع بها الرئيس الموريتاني كانت واضحة، فرفض الانجراف وراء استفزازات البوليساريو وأنصارها، وظلت الدبلوماسية الموريتانية متمسكة بموقف الحياد الإيجابي، الذي ينطلق من مصالح موريتانيا، مع تفكير عميق في ما يجلب المنفعة ويدفع الضرر عن المواطن الموريتاني، إنها دبلوماسية المصلحة الوطنية قبل كل شيء، بعيدًا عن العواطف الإيديولوجية والنزعات القومية أو القبلية التي عفا عليها الزمن.

    هذه الدبلوماسية المتقدمة، وهذا الموقف الموريتاني الوطني، لم يعجب البوليساريو، التي تتعامل مع موريتانيا وكأنها حديقتها الخلفية، انطلاقًا من أوهام قديمة، فبدأت البوليساريو تحاول إحداث شرخ بين موريتانيا والمغرب، وكأنها بذلك لا تقبل أي موقف موريتاني قائم على المصالح الوطنية، وتريد للموريتانيين أن يعادوا من تعاديه وأن يصالحوا من تصالحه.. وصاية لا تجد ما يبررها على أرض الواقع !

    لقد آن للبوليساريو أن تفهم أن موريتانيا دولة مستقلة، سيادتها كاملة غير منقوصة، تقيم علاقات أخوية مع كل من المغرب والجزائر، وترسم ملامح دبلوماسيتها وفق ما تمليه مصلحتها الخاصة، وليس حسب أهواء أي جهة خارجية مهما كانت.

    ولكن الجبهة لم تفهم ذلك أبدًا، واستمرت في محاولتها للتأثير على الموقف الموريتاني من الصحراء، مستخدمة خلاياها النائمة من شعراء ومدونين ومتعاطفين، فظهرت كتابات تسيء إلى المغرب مكتوبة بأسماء موريتانية، تحاول أن تحدث الشرخ بين البلدين، وأن تدفع موريتانيا إلى التورط في صراع ظلت تكرر أنه لا يعنيها منه إلا ما يخدم الصلح والسلم واستقرار المنطقة.

    برزت في هذه الحرب الدعائية أسماء معروفة بسوابقها، مثل الشاعر عبد الله ولد بونا الذي حولته الصحف الموالية لجبهة البوليساريو من شاعر متوسط المستوى إلى «باحث استراتيجي»، وهو الذي لم يرتد أي جامعة، ولم يقدم أي بحث، ولا خبرة لديه تمكنه من فهم المعادلات الجيوسياسية في أي منطقة من العالم، وإنما عُرف في موريتانيا باستغلال الشعر للخوض في أعراض الناس، وابتزاز السياسيين ورجال الأعمال، مقابل مكاسب مادية آنية.

    ولد بونا الذي ينظّر للعلاقات الدولية ويحاول تفكيك تعقيداتها، سبق أن اختطفه الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبد العزيز، ووضعه في أحد معتقلاته السرية بنواكشوط، فخرج بعد أيام يمدحه بقصائد عصماء لم تكن لتنسي الموريتانيين قصائد الهجاء التي دبجها فيه وهو خارج البلاد، إلا أن شيئًا ما حدث في المعتقل حوله إلى خاتم في أصبع ولد عبد العزيز يأتمر بأمره وينتهي بنهيه.. فهل تلقى الأوامر من سيده ليدق الإسفين بين نواكشوط والرباط، خدمة لمصالح البوليساريو وسعيا نحو إشعال الفتنة في المنطقة، حين اقترب عرض ملف الفساد على القضاء الموريتاني.. سؤال يطرح نفسه، خاصة وأن محاولات الزج بموريتانيا في هذا الصراع، وإفساد علاقاتها بجيرانها، أمرٌ تكرر كثيرًا كلما حدث أي تطور في ملف فساد العشرية الأخيرة !!

    وجه آخر من وجوه الحرب التي تخوضها البوليساريو للتأثير على الموقف الموريتاني من قضية الصحراء، هو المحامي تقي الله ولد أيده، ذلك المحامي الذي يقدم نفسه على أنه موريتاني، وبرز اسمه أول مرة للرأي العام المحلي كعضو في لجنة الدفاع عن الرئيس السابق، وهو العائد قبل سنوات من كندا التي يحمل جنسيتها، بعد أن وصل إليها قبل عقود شابا نشطا في صفوف جبهة البوليساريو، وأحد مقاتليها المخلصين !

    استفاد ولد أيده من الحق في ازدواجية الجنسية خلال حكم الرئيس السابق، ليظهر معه في العديد من الصور في بيته بنواكشوط، حين كان ولد عبد العزيز يرفض المثول أمام لجنة التحقيق البرلمانية، حينها كان ولد أيده يسخر صفحته على الفيسبوك للدفاع عن ولد عبد العزيز، والهجوم على العدلة والبرلمان الموريتانيين، وظلت منشوراته اليومية تسخرُ من الدولة الموريتانية، وتدافع عن جبهة البوليساريو.

    اليوم يحاول ولد أيده أن يؤثر على الموقف الموريتاني من قضية الصحراء، وذلك من خلال النفخ في نار الخلاف الوهمي بين نواكشوط والرباط، لمصلحة جبهة البوليساريو التي يبدو أنه ما يزال وفيا لقادتها الذين أشرفوا سبعينيات القرن الماضي على تدريبه عسكريا وفكريا، وجندوه وهو لم يبلغ سن الرشد بعد، فكان أحد ضحايا تجنيدها للأطفال.

    أسماء عديدة أخرى جرى تجنيدها من أجل إيهام الرأي العام الموريتاني بأن هنالك خلافًا بين نواكشوط والرباط، بل إن صحيفة جزائرية تحمل اسم (Algerie Patriotique) كسرت كل القواعد حين نسبت إلى مسؤول موريتاني «وهمي» تصريحات خطيرة تحاول، بشكل واضح وصريح، أن تلحق الضرر بالعلاقات بين موريتانيا والمغرب.

    حين تقول هذه الصحيفة على لسان المسؤول الوهمي، إن الموريتانيين لا يرحبون بزيارة العاهل المغربي الملك محمد السادس لبلدهم، فهي تتجاهل أنه تبادل مع الرئيس الموريتاني دعوات الزيارة، وأن كلاهما وافق، وتركا تنسيق مواعيد الزيارات ليتم عبر القنوات الدبلوماسية المعهودة، وتتجاهل أن العاهل المغربي كان أول زعيم في العالم يهنئ محمد ولد الشيخ الغزواني بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية، وكان أول من هنأ الموريتانيين بمناسبة تحقيق التناوب الديمقراطي على السلطة.

    وحين تتحدث الصحيفة في موضوعها «الملفق» على الحكومة الموريتانية، عن ما يمكن أن يقدمه المغرب لموريتانيا، فهي تتجاهل أن العلاقات بين البلدين هي علاقة أخوية قائمة على الندية، كأي علاقات بين بلدين شقيقين وجارين، فموريتانيا لم تعد تلك الدولة التي تنتظر من يدعمها أو يعطيها، وإنما تبحث عن علاقات مبنية على ربح الطرفين وتحقيق مصالح الشعوب، نفس المنطق الذي تتحرك وفقه المغرب في علاقاتها مع بقية بلدان العالم، والأرقام وحدها هي التي يمكنها أن تكشف ما يمكن أن يقدمه المغرب لموريتانيا، وما يمكن أن تقدمه موريتانيا للمغرب.

    للحديث بلغة الأرقام يمكننا أن نبدأ من معبر الكركرات، حيث عبرت سنة 2019 منه بضائع بحجم 70 مليار طن، بنسبة نمو تجاوزت 300 في المائة مقارنة مع حجم البضائع الذي مر خلال سنة 2018، وهو ما يعني أن المعبر أصبح واحدًا من المعابر الأكثر نشاطًا في القارة الأفريقية، ولا يخفى أن معبرًا مثل هذا يعود بالنفع الاقتصادي الكبير على البلدين، حتى أنه أصبح ذا طابع استراتيجي، أي ضرر يلحق به يهدد الأمن القومي للبلدين، ويهدد الأمن الاقتصادي لكثير من بلدان غرب أفريقيا.

    هذا بالإضافة إلى أن مئات رجال الأعمال الموريتانيين والمغاربة الذين تقوم أعمالهم على معبر الكركرات، ويساهمون في إنعاش اقتصاد البلدين، ويعيلون آلاف الأسر ويوفرون عشرات آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، وهكذا أصبح الكركرات أكثر من مجرد معبر حدودي، وإنما نقطة التقاء لمصالح بلدين جارين وشقيقين، وهمزة وصل بين شعبين ما يجمعهما أكثر بكثير مما يفرقهما.

    من جهة أخرى فإن الأرقام الصادرة عن المكتب الوطني للإحصاء تشير إلى أن المغرب هو أكبر مستثمر أفريقي في موريتانيا، حيث الاستثمارات المغربية قطاعات الاتصالات، البنوك، مواد البناء، الصيد والخدمات اللوجستية.

    كما أن المغرب يعد أكبر مورد أفريقي نحو السوق الموريتانية، ويهيمن وحده على نسبة 50 في المائة من البضائع الأفريقية التي تدخل أسواق موريتانيا، بما حجمه 660 ألف طن من البضائع المغربية المتنوعة، 13 في المائة فقط منها منتجات فلاحية، رغم التركيز الإعلامي الكبير عليها وحدها، في حين أن النسبة الأكبر من صادرات المغرب نحو موريتانيا هي أدوية ومعدات طبية، مستلزمات التغليف والكرتون، البلاستيك، المولدات الكهربائية، قطع الغيار والزيوت الصناعية والأسمدة والمواد الكيماوي.

    كل هذا يعكس حجم التبادل التجاري بين البلدين، وهو تبادل يقوم على مبدأ الربح المتبادل، كأي عملية بيع وشراء.

    ينضاف إلى ذلك أن المغرب أصبح منافسًا قويا على مستوى الاستثمارات في دول أفريقيا جنوب الصحراء، حيث ارتفع حجم تبادله التجاري مع هذه الدول بنسبة 20 في المائة، خلال السنوات العشر الماضية، ليتجاوز 5 مليارات دولار سنة 2018، وموريتانيا هي الجسر الذي تمر عبره نسبة كبيرة من هذا التبادل التجاري، بحكم موقعها الاستراتيجي الذي يعود عليها بعائدات اقتصادية كبيرة، ومكانة سياسية وجيو استراتيجية لا تقدر بثمن.

    كانت تلك لغة الأرقام، التي لن تنتهي قبل ذكر آلاف الطلاب الموريتانيين في المغرب، وآلاف المغاربة العاملين في موريتانيا، وآلاف الموريتانيين الذين يتلقون العلاج سنويا في المغرب، ورحلات شبه يومية بين البلدين، تعكس الارتباط الوثيق بين الشعبين، ارتباط لا يمكن أن تؤثر عليه أي دعاية سياسية يعيش أصحابها سجناء في الماضي وخلافاته، ويرفضون الانفتاح على المستقبل المشرق المتصالح مع ذاته، حيث يبحث كل عن مصلحته دون أن يلحق الضرر بالآخرين، وفق مقاربات تضمن الربح للجميع، وتحقق السلم والأمن والرفاه.

    الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن مواقف صاحبها ولا تلزم موقع برلمان.كوم

    إقرأ الخبر من مصدره

  • التنظيمات والأحزاب: العجز في فهم الذات وفهم الآخر

    برلمان.كوم – محمد الخمسي*

    عند رصد ومسح قاموس المفردات المتداولة في البنية السياسية والدينية ” بالعالم العربي “، يكتشف المهتم بهيمنة بشكل عام لأربعة تفسيرات للأحداث التاريخية لدى هذه التنظيمات، سواء كانت هذه الأخيرة جماعة وهيئات سياسية معترف بها، أو جماعات ومنظمات ممنوعة قانونا متسامح في وجودها واقعا وممارسة (يجب الفصل بين الوجود القانوني والتسامح الوجودي وهي خاصية في البيئة السياسية العربية interdit mais toléré)، أو أحزاب سياسية ضمن نسق الدولة، فعند كل انتكاسة أو اصطدام سواء داخل الدولة الوطنية من خلال صراع سياسي قد يصل حدود الدم أو الاعتقال أو التخريب والتفجير، أو في علاقتها اي هذه التنظيمات مع السياق الإقليمي أو الدولي سواء بمواجهات مسلحة أو تنظيم مظاهرات واحتجاجات تتفاوت شعاراتها وسقفها ، في هذه الظروف تظهر هذه التفسيرات والمبررات و تدور رحى معانيها بمقولات ملخصة مفادها :
    1- تعرضت وتتعرض تجربتنا و مشروعنا لمؤامرة دولية ونلاحظ التعبير بصيغة الماضي والمستقبل، وهو استشهاد يصدر من القيادات والزعامات للقواعد، مما يجعل غشاوة على عقول هذه القواعد وتمنع من التساؤل والفهم والنقد والسؤال
    2-ياتي المبرر الثاني، مسلطا الضوء على الذات في مقولة متعلقة بها اي بهذه الذات وهي، لم نرتقي بالشكل المطلوب للمعركة دون التساؤل عن ضرورة هذه المعركة أو طبيعتها أو مدخلاتها أو مخرجاتها أو نتائجها وعواقبها وينصب الجهد على التفسر، و هنا تركز التنظيمات الدينية في خطابها لقواعدها على ضعف الإيمان ولا يرتاح لهم بال حتى تسمع هذه القيادة نفد’ ويفسر عند التنظيمات الحزبية بضعف النضال أو ضعف الانخراط، وهكذا تذهب القواعد في الغرق والطقوس إلى حد العنف لتتزود وتجدد هذا الإيمان، الذي يأخذ طابع الأساطير عن الإيمان في السيرة التي عسكرتها كتابة بعض التنظيمات واستغلتها بشكل تكاد لا تتصور المجتمع المسلم الا في زي عسكري، حتى ولكأنك حين تقراهذه السيرة يختلط عليك الأمر هل انت امام رسول الوحي صلى الله عليه وسلم؟ ام أمام قائد عسكري طموحه ومشروعه بناء امبراطورية!؟ ويتم تغيب بناء مجتمع مدني انساني مبني على الرحمة والعدل والحرية؟ بل عند بعض الجماعات تعتبر ان اية السيف نسخت اكثر من ثلاثمئة اية حول العيش المشترك، أو تجد في الضفة الاخرى البطولات في عالم النضال والصراع إلى درجة أن الصورة الرمزية تصل حد التقديس لرجال عرفوا بتاريخهم الدموي مثل لينين وستالين وماو وليس القدوة والتقدير ، فقد عمر ضريح لينين زمنا طويلا قبل أن تعصف به قوة التاريخ وتزيل وهما عمر طويلا.
    3- أما المبرر الثالث مما يستعمل ويعتمد داخل هذه الانساق، فينحو باللوم على المجتمع، ويأخذ في الغالب تعبيرات منها، لازالت الأمة غافلة! وكان النسق الذي ينتمون إليه لا تشمله هذه الغفلة!، في لغة من يعتمد المرجعية الدينية، أو لازالت الجماهير دون مستوى الصراع في لغة التنظيمات السياسية بتوجه يساري وكان الجماهير عبر التاريخ لم تكن سوى أدوات الحسم بين دوائر ضيقة، أو لازال المجتمع متخلفا في التعبيرات لدى الأحزاب الليبرالية، فهي تعتبر من عارض منطقها الذي يعتمد على الوفرة والتنافس على تركيز الثروة هو اهم فكرة في التاريخ. المهم أن الفكرة المعبر عنها تتركز حول:
    ليس لدينا مجتمع مشروعنا!!
    4 -يمثل هذا المبرر مستوى عاما وهلاميا ، فيأخذ مقولات جاهزة منها على سبيل المثال:
    هذا الدين ينقصه الرجال في لغة التنظيمات الدينية، و يحتاج إلى النخب في لغة الأحزاب.

    وللحقيقة والأمانة فان هذه الافتراضات لا تمثل بمنطق الرياضيات ” عبارة ” ، بحيث نستطيع الحكم عليها بالصواب أو الخطأ، إذ المبررات الأربع يصعب نفيها أو إثباتها منطقيا، لأنها تحتوي على وجود جزء من الحقيقة والنسبية فيها، غير أن هذا العقل الذي انتج هذه المبررات خاصة في الفضاء الإسلامي أو اليساري حكمته وضعيتين:
    الاولى وهي الانغلاق التاريخي الفقهي، بحيث يستشهد بعقل تأويلي، بنى لكل موقف اية وحديثا من قبل في أحداث مشابهة عبر التاريخ، فالتصويت في الانتخابات تسحب عليه أحكام شهادة الزور، فمن صوت للغير سهد الزور، والهزيمة تقرأ ضمن سياق غزوة أحد، والنصر ضمن سياق غزوة بدر، والتردد نفاق ضمن غزوة تبوك وهكذا، فما من حدث الا وفتش في التاريخ على نموذج يقابله، حتى قصة طالوت وجالوت لم تنجو من ذلك، فتستحضر لرفع الهمم داخل التنظيمات، بشكل يقفز على سؤال من يمثل داخل مجتمع مسلم جالوت ومن يمثل طالوت؟؟ بل ذهب بعض الجماعات إلى إسقاط سورة الروم بين أبناء المجتمع الواحد وأوائل سورة القصص
    أما الوضعية الثانية فيمثلها السقف الأيديولوجي الشمولي وهو غير الشامل، فحين يبحث مناضل عن انتاج شروط ثورة اكتوبر 1917 م يمهد لها بعملية غسل دماغ عجيبة تعتمد تلخيص المجتمع الروسي قبل هذه الثورة على تقابل مضاد القيصر والشعب وان الاتحاد السوفياتي سابقا ولد من عدم فلم تكن روسيا باي وجه من الوجوه حتى روسيا التي دحرت نابليون لم توجد، او حين يستعمل حركة ماو يلغي خمسة الف سنة من الحضارة الصينية، فيكون قد نسف كل منطق في التاريخ الذي تحكم قواعدة التحديات المجتمعية التي يعرفها كل مجتمع كتجربته الخاصة.
    لقد غاب عن العقلين معا جملة من الحقائق نعرض بعضها باختصار شديد أهمها :
    1- عدم الوعي بصراع المصالح والنفوذ كثابت بين المجتمعات البشرية، وان التاريخ لا يجد تفسيره الا في اكتشاف هذه التحديات، لقد لخص توينبي هذه التحديات في ثلاثة مستويات تحد قاهر كالذي عرفه شعب الايسكيمو وتحد استرخاء كالتي عرفته الشعوب الإفريقية وتحد خلال كالذي عرفته أوربا، والعالم الإسلامي بشقه الغربي والشرقي، هذه التحديات مرتبطة بمصالح للبقاء والتوسع حتى ولو كانت باسم القيم والعدالة، فإنها سترجح نوعا من المصالح، وسيتم ترجمة قيمها بمنطق المصالح، فقد جاءت أزمنة ارتبك الخليفة المسلم فيها تاريخيا بين “الجزية” التي تملئ خزائن سلطانه، وبين الدخول في الإسلام الذي يزيد من الرعية عددا ويقلل من مداخيل الإمارة. وهكذا فمنطوق الحال يخبرنا أن المصالح اقتضت أحيانا تفضيل وضعية الجزية عن وضعية الدخول في الإسلام.
    الأمر الثاني، هو عدم اعتماد قانون ثابت بدرجة عالية داخل المجتمعات العربية ، وهو ما يسمى بنتيجة الخيارات والمسؤولية، فتفسير كل هزيمة أو انتكاسة أو اصطدام بمنطق العناصر والعوامل الخارجية، جعل المجتمعات العربيةخاصة والعالم الإسلامي بشكل عام مشلولة الفعل والإرادة الا لماما، بل غرقت في مفهوم القضاء والقدر، ويستوي في هذا الوضع كل العناوين بلغات مختلفة ظاهريا، فهي ثابتة النتيجة، حتى ولو كان ذلك مناقضا لآية غاية في الوضوح
    ” قل هو من عند انفسكم” ويتقلص علم الاجتماع وعلم السياسة داخل الصف اليساري في مقولة مخدرة للعقول وكثيفة التأويل مثل ” أمريكا عدوة الشعوب” فأمريكا الدولة الإمبراطورية التي تلتهم كل شيئ لو وجدت سبيلا لتحقيق ذلك فلن يظهر عدائها، فهيىتنظر لتصرفاتها بمنطق مصالحها ولا تطرح السؤال حول معاداة الشعوب.
    منها تبدو حقيقة أزمة التفكير سواء عند قراءة واستحضار الذات، أو معرفة واستحضار الاخر، وقد رافق هذه الأزمة العجز أيضا في القدرة على النقد ومراجعة الأفكار التأسيسية، مما حال دون الاستفادة من تجارب الأمم والشعوب، وخبراتهم في التفاعل مع الأحداث وقراءتها.
    لقد كان من ثمار الحرب العالمية الثانية أن الشعب الياباني أجاب بكل شجاعة على السؤال التالي:
    لماذا تكرهنا الأمم والشعوب؟
    وكانت الشجاعة والصراحة في الإجابة من بين أسباب عودة اليابان إلى حضيرة الأمم، ليس فقط من باب الصناعة والإنتاج، ولكن من باب نظام القيم ونظام العلاقات مع الجوار.
    أن عدم الوعي بالاختلالات التي أصابت تصورنا حول العالم والذات و عبر الزمن، وعجزنا عن إدراك طبيعة المعارك والوعي بكمية المصالح بين الأمم والشعوب، وشروط الاعداد والمشاركة، جعلنا و يجعلنا ندفع فاتورات بسب جهلنا بحجم ذواتنا وطبيعتها، وجهلنا بالآخر ولدى ما لم نربط علميا بموضوعية للبحث عن أسباب فشلنا، و اعتمادنا في تفسير الفشل بمقولات من مثل القوى الخارجية، وضعف النضال أوضعف الإيمان او بقياس مستوى الجماهير وغياب النخب ، دون معرفة طبيعة الأفكار التي نحمل عن ذواتنا ونسائلها، وطبيعة من نحمله من أحكام وأفكار عن الآخر، الذي أصبح يسكننا عبر الفن والتكنلوجيا في جزء من القيم، مع الوعي بحقيقة ما ترتب عنها وما أنتجته من اختلالات و استحضار المصالح والنفوذ لكل قوى العالم أيا كان معتقدها وقيمها، سنبقى نعيد إنتاج أخطاء الماضي وخارج السرب الحضاري، ولن ننتقل إلى وضع عنوانه: شركاء في الأرض مساهمون في الحضارة.

    * استاذ التعليم العالي بفاس

    الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن مواقف صاحبها ولا تلزم موقع برلمان.كوم

    إقرأ الخبر من مصدره