Étiquette : 2012

  • البوليساريو في سوريا.. حين تتحول الحركات الانفصالية إلى أوراق في لعبة إقليمية.

    مصطفى عنترة

    لم يعد الحديث عن العلاقة بين جبهة البوليساريو وحزب الله اللبناني مجرد مزاعم سياسية أو رواية مغربية تواجه بالتشكيك، بل أصبح اليوم موضوعا موثقا بالأدلة والشهادات. المقال الأخير للصحفية والباحثة الهولندية رينا نيتيس، Rena Netjes
    المنشور في DAWN MENA، أعاد فتح هذا الملف الذي ظل مسكوتا عنه لسنوات، كاشفا من خلال معطيات دقيقة أن حضور البوليساريو في الساحة السورية لم يكن أسطورة ولا دعاية سياسية، وإنما واقع تؤكده وثائق أمنية وصور نادرة وشهادات خبراء وباحثين. واقع يلقي بظلاله الثقيلة على النقاش حول العدالة الانتقالية في سوريا، ويضع المنطقة أمام مشهد جديد لتشابك الأزمات والحروب بالوكالة.

    منذ عام 2018، حين قررت الرباط قطع علاقاتها مع إيران متهمة طهران وحزب الله بتقديم دعم عسكري مباشر للبوليساريو، ظل الجدل قائما. آنذاك، اعتبر البعض أن الموقف المغربي يدخل في إطار توتر سياسي إقليمي أكثر مما يعكس معطيات ميدانية ملموسة. غير أن ما كشفه تقرير نيتجيس يغير المعادلة بالكامل: وثائق سورية تعود إلى 2012 تؤكد وجود 120 مقاتلا من جبهة البوليساريو مدمجين ضمن وحدات الجيش السوري، فيما عززت صور بثتها قناة “دويتشه فيله” هذه الرواية. إلى جانب ذلك، أثبتت شهادات باحثين سوريين أن التدريب العسكري جرى في معسكرات حزب الله بجنوب لبنان قبل نقل بعض العناصر إلى سوريا.

    هكذا، يصبح من الصعب إنكار العلاقة أو اختزالها في “رواية مغربية”. ما بين الأدلة الصحفية، والوثائق الأمنية، والتقارير الدولية، تتشكل صورة أوضح لشبكة علاقات أوسع بكثير مما كان يتصور، وتكشف عن مدى تداخل أجندات إيران وحلفائها في المنطقة.

    ولفهم خلفية وجود البوليساريو في سوريا، لا بد من العودة إلى التحالفات الإقليمية التي رسمت ملامح الحرب. فالجزائر، التي كانت من أوائل المدافعين عن نظام الأسد، رأت في ذلك امتدادا لاستراتيجيتها التقليدية المعادية للمغرب. أما إيران، فقد استغلت الصراع السوري لبناء “الجسر البري” الذي يربطها بالبحر الأبيض المتوسط، واضعة حزب الله في قلب هذا المشروع. في هذه المعادلة، لم يكن إدماج البوليساريو خيارا عابرا، بل تحصيل حاصل. فالنظام السوري، الذي اعتاد استخدام الحركات الانفصالية كورقة ضغط على خصومه – من دعم حزب العمال الكردستاني ضد تركيا، إلى مساندة الحوثيين ضد السعودية – وجد في استقبال البوليساريو امتدادا لهذه السياسة، ووفاء لتحالفاته مع إيران والجزائر.

    لكن ما يجعل مقال رينا نيتيس ذا أهمية مضاعفة هو أنه لا يكتفي بتتبع العلاقات السياسية والعسكرية، بل يربط هذه الظاهرة مباشرة بمسار العدالة الانتقالية في سوريا. فبعد ما يقارب أربعة عشر عاما من الحرب، ورغم سقوط النظام السابق، ما زالت البلاد غارقة في ملفات معقدة تتعلق بالمحاسبة والمصالحة. وجود المقاتلين الأجانب – سواء من حزب الله، أو الميليشيات الأفغانية والباكستانية، أو البوليساريو – يطرح سؤالا جوهريا: كيف يمكن لسوريا أن تبدأ صفحة جديدة ما لم تحاسب الأطراف التي تورطت في جرائم ضد المدنيين؟ وكيف يمكن الحديث عن مصالحة وطنية حقيقية إذا تم تجاهل هؤلاء الفاعلين العابرين للحدود؟

    إن العدالة الانتقالية ليست ترفا سياسيا ولا رفاهية نظرية، بل هي شرط أساسي لبناء مستقبل ديمقراطي مستقر. تجاهل ملف المقاتلين الأجانب يجعل العدالة ناقصة، وربما وهمية. فالمئات من مقاتلي البوليساريو اعتقلوا بالفعل، لكن غياب المحاكمات الشفافة والتوثيق الرسمي يعيد إلى الأذهان كابوس الإفلات من العقاب، ويقوض فرص مصالحة جادة.
    من زاوية مغربية، يكتسي المقال أهمية استراتيجية؛ إذ يعزز موقف الرباط الذي طالما شدد على أن البوليساريو ليست حركة تحرر وطني كما تدعي، وإنما كيان عسكري يستمد قوته من شبكات مسلحة مدعومة من إيران. أما في السياق الإقليمي الأوسع، فإن القصة تكشف عن تشابك مذهل بين جبهات متباعدة جغرافيا: من جنوب لبنان إلى الصحراء، مرورا بسوريا. كلها ساحات تتقاطع فيها استراتيجيات طهران وحلفائها، في ما يشبه شبكة واحدة عابرة للحدود.

    إن ما تكشفه الوثائق والشهادات حول وجود مقاتلي جبهة البوليساريو في سوريا ليس مجرد تفصيل عابر في حرب إقليمية معقدة، بل هو دليل إضافي على أن هذه الحركة لم تكن يوما مشروعا للتحرر أو خيارا شعبيا مستقلا، بل أداة في أيدي قوى خارجية تستعملها كورقة ضغط في لعبة النفوذ. والمغرب، وهو يواجه منذ عقود هذا النزاع المفتعل حول وحدته الترابية، يجد اليوم في هذه المعطيات فرصة تاريخية لتعزيز موقفه على الساحة الدولية.

    فالدبلوماسية المغربية التي نجحت في توسيع دائرة الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، قادرة على توظيف هذه الأدلة لإبراز حقيقة البوليساريو أمام المجتمع الدولي: كيان مسلح عابر للحدود، منخرط في أجندات إيران وحلفائها، ولا يمت بصلة إلى قيم التحرر الوطني أو بناء الدولة. من هنا، تصبح مسؤولية الرباط أكبر في فضح هذه الشبكات، ليس فقط دفاعا عن وحدتها الترابية، بل أيضا حماية لاستقرار المنطقة برمتها.

    إن معركة المغرب ليست معركة حدودية ضيقة، بل صراع من أجل الشرعية والسيادة والاستقرار. ومثلما أثبتت التجارب أن الحركات الانفصالية سرعان ما تتحول إلى أدوات للفوضى، فإن رهان المغرب اليوم هو أن يقدم للعالم نموذجا مضادا: دولة موحدة، مستقرة، تنخرط في التنمية والتعاون الإقليمي، وتقطع الطريق على المشاريع التي لا تجلب إلا الانقسام والعنف.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المغرب ضمن أبرز موردي مشتقات الحليب في إفريقيا وأوروبا

    شهد سوق الزبدة ومنتجات الألبان بالمغرب نموا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، حيث وصل حجم السوق في 2024 إلى مستويات قياسية مقارنة بالعام السابق، بحسب بيانات منصة “IndexBox” المتخصصة في تحليل الأسواق. وأظهر تقرير المنصة أن قيمة الإنتاج ارتفعت بشكل كبير، مع توسع مرن في الإنتاج خلال الفترة من 2012 إلى 2024، وسجل الإنتاج ذروته في […]

    ظهرت المقالة المغرب ضمن أبرز موردي مشتقات الحليب في إفريقيا وأوروبا أولاً على Bladna24.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • تقرير: مقاتلون من “البوليساريو” متورطون في جرائم حرب بسوريا بدعم إيراني-جزائري

    العمق المغربي

    كشف تحقيق صحفي نشرته مجلة “MENA DAWN” الهولندية عن تورط مقاتلين من جبهة “البوليساريو” في الصراع السوري، حيث قاتلوا إلى جانب قوات نظام الأسد، وتلقوا تدريبات وأسلحة من إيران وحزب الله اللبناني، بدعم من الجزائر.

    وجود موثق وتدريب عسكري

    أكدت صحفية وباحثة هولندية، رينا نيتجيس، في تحقيقها المنشور بتاريخ 14 غشت 2025، أن شبكة الوكلاء الإيرانيين في سوريا شملت جبهة “البوليساريو”، مشيرة إلى تقارير حديثة، من بينها مقال في “واشنطن بوست”، تؤكد وجود مئات المقاتلين من الجبهة تلقوا تداريب في إيران، محتجزين لدى قوات الأمن السورية الجديدة.

    كما عرضت قناة “دويتشه فيله العربية” صورا نادرة لمقاتلي “البوليساريو” في سوريا، وكشفت وثيقة استخباراتية سورية يعود تاريخها إلى عام 2012 عن وجود 120 مقاتلا من الجبهة ضمن وحدات الجيش السوري. وأكدت الوثيقة، التي أكد خبراء سوريون أصالتها، وجود اتصالات بين قادة الجبهة وحزب الله في بيروت في يناير 2011.

    ووفقا لباحثين سوريين، تلقى مقاتلو “البوليساريو” تدريبا عسكريا من حزب الله في معسكرات بجنوب لبنان، في إطار خطة إيرانية لإنشاء ممر بري يربطها بالبحر الأبيض المتوسط.

    اعتقالات واعترافات بجرائم حرب

    أفاد التقرير بأن العديد من مقاتلي “البوليساريو” فروا إلى لبنان بعد انهيار نظام الأسد، بينما تم اعتقال مجموعات أخرى. وأكدت مصادر متعددة في إدلب أن السلطات السورية اعتقلت ما بين 58 و70 مقاتلا من الجبهة وعددا من الجنود الجزائريين جنوب حلب في ديسمبر الماضي.

    وأشارت المصادر إلى أن بعض المعتقلين اعترفوا خلال التحقيقات بارتكابهم جرائم حرب ضد المدنيين السوريين، كما أقروا بارتباطهم بالحرس الثوري الإيراني والمخابرات الإيرانية والجزائرية.

    رفض جزائري

    وفي فبراير، قام وزير الخارجية الجزائري بزيارة إلى دمشق لطلب الإفراج عن المعتقلين، إلا أن الرئيس السوري المؤقت، أحمد الشرع، رفض الطلب، وأكد أنهم سيحالون إلى المحاكمة.

    ومن جهتها، نفت “النانة لبات الرشيد”، مستشارة زعيم جبهة “البوليساريو”، هذه الاتهامات، واعتبرتها “أكاذيب ودعاية مغربية”. إلا أن التحقيق أشار إلى أن مكتب الجبهة في دمشق قد أُغلق مؤخرا، وأن المزاعم المغربية السابقة حول دعم إيراني-جزائري للبوليساريو قد أثبتتها الوقائع.

    ويُعد وجود “البوليساريو” في سوريا مثالا واضحا على التدخلات الأجنبية في البلاد، ويطرح تحديات كبيرة أمام لجنة العدالة الانتقالية السورية، التي تسعى لمحاسبة المتورطين في جرائم الحرب، بمن فيهم الميليشيات الأجنبية التي قاتلت على الأراضي السورية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الصحافي والإعلامي علي حسن في ذمة الله

    العلم – الرباط

    توفي الإثنين بالرباط، الصحافي ومقدم البرنامج التلفزيوني « سينما الخميس »، علي حسن، بحسب ما علم لدى أقارب الراحل.

    وكان الفقيد شخصية بارزة في التلفزيون والسينما المغربية، كما قدم برامج إذاعية مغربية، وأخرى مخصصة لنشر الثقافة والمعرفة السينمائية.

    وبدأ الراحل علي حسن مسيرته المهنية في الإذاعة والتلفزة المغربية (الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة) سنة 1964، حيث شغل عدة مناصب، من بينها، مقدم الأخبار التلفزيونية والإذاعية ما بين 1969 و1987، ومنتج ومقدم برنامج « سينما الخميس » من 1991 إلى 2003، ثم برنامج « نادي السينما » من 2003 إلى 2014. كما تولى تنشيط البرنامج الإذاعي « Entr’Acte » بين 1970 و1980، ثم بين 1981 و1987، وأيضا من 1989 إلى 2015.

    وساهم الراحل أيضا كصحافي في إطلاق إذاعة ميدي1 من سنة 1980 إلى 1981 ، وكمكلف بالدراسات في شركة « أونا » (أومنيوم شمال إفريقيا) بين 1987 و1989، في إطار تأسيس القناة التلفزيونية الثانية « دوزيم ».

    وشارك كممثل في عدة أفلام مغربية طويلة، من بينها « ابن السبيل » لمحمد عبد الرحمن التازي، و »أفغانستان لماذا؟ » لعبد الله المصباحي، و « الحاج مختار الصولدي » لمصطفى الدرقاوي، و « الأحرار » لإسماعيل فروخي، إضافة إلى عمله في فيلمين قصيرين للمخرج الفرنسي-الجزائري محمود الزموري.

    كما قام بدبلجة العديد من المسلسلات والأفلام إلى اللغة الفرنسية، وقام بالتعليق على أفلام وثائقية، منها على الخصوص مجلة الأنباء المصورة من إنتاج المركز السينمائي المغربي خلال الفترة من 1973 إلى 1982.

    كما شغل الراحل منصب مستشار لدى وزير الاتصال خلال الفترة من 1998 إلى 2000، و ترأس لجنة تحكيم الصحافة في مهرجان السينما الفرنكوفونية بآسفي سنة 2004، وكان عضوا في لجنة دعم الإنتاج السينمائي الوطني خلال الفترة من 2012 إلى 2014، وعضو لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الطويلة في مهرجان السينما المغاربية بالجزائر العاصمة سنة 2013.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • قوة ناعمة .. كيف حولت السينما الأمريكية تاريخ العالم إلى ملكية خاصة؟

    عبدالله الساورة‎

    منذ نشأتها قدّمت السينما الأمريكية نفسها بوصفها النافذة الكبرى على العالم، ولم تكتفِ بتوثيق الواقع، بل صنعته، وصنعت أبطاله وأشراره، وحدوده وحدوده الممزقة، ومظالِمه ومُخَلّصيه، وأحزانه وشعائره. وظهرت هوليود كصوتٍ ينطق بالحقيقة، أو كما أرادت أن يُرى، لكنها سرعان ما تجاوزت الفنون لتصبح منظومة خطاب شامل، يجمع بين السياسة والاقتصاد والعسكرة والثقافة والفكر والتقنية والجماليات، وحتى الميتافيزيقا، وأعادت قراءة العالم من منظورها، طارحة مجموعة من الأسئلة: من يملك الحق في رواية التاريخ؟ ومن يتحكم في الذاكرة الجمعية لكوكبٍ بأكمله؟ وهل يستطيع شعب واحد أن يعيد تشكيل الماضي كما يشاء، ويختار ما يرويه وما يُسقطه، وما يُضخّمه وما يُخفيه، ليصوغ بذلك وعي أجيال لا تنتمي إليه؟ وإن كانت الكاميرا سلاحًا، فهل صارت هوليود جيشًا؟.

    السينما الأمريكية.. بنية خطاب إمبراطوري

    ما هي هوليود؟ إنها أكثر من صناعة ترفيه، إنها مؤسسة خطاب، إنها ترسانة بروباغندا. من رحم الرأسمالية المتوحشة ولدت هذه القوة الناعمة، ولم يكن تأسيسها حدثًا بريئًا أو محايدًا، فقد جرى دعمها، في لحظات مفصلية، من قبل مؤسسات الدولة، البنتاغون، وكالة الاستخبارات، البيت الأبيض، وتم توظيفها كأداة ترويج لقيم أمريكية يتم تصديرها خارج الحدود، وتُقدّم على أنها كونية، بل واجبة.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    وهي لم تكتفِ بصناعة الحلم الأمريكي، بل أعادت إنتاج أحلام البشرية والتاريخ العالمي كافة وفق رؤيتها. وكانت القصة الكبرى دائمًا هي نفسها: أمريكا تنقذ العالم؛ من الغزاة، من النازيين، من الشيوعيين، من الإرهابين، من الكوارث الطبيعية، من الفقر، من الجهل، ومن نفسها. ووسط هذا كله تُختزل شعوب الأرض إلى خلفية رمادية يتحرك أمامها البطل الأبيض، الوسيم، المنكسر قليلًا، لكن المنتصر في النهاية. ونجد في قول توم هانكس في فيلم Saving Private Ryan “إنقاذ الجندي رايان” (1998) للمخرج ستيفن سبيلبرغ: “آمل أن يكون هذا الرجل يستحق ذلك، عليه أن يعود إلى المنزل، ويكتشف علاجًا لمرض ما، أو يخترع مصباحًا يدوم لفترة أطول”. لكن هذا “الرايان” هو نفسه رمز لفردية أميركية تُعلّمنا أن حياة جندي واحد تستحق أن يموت من أجله جيش، لأن هذا الجندي هو مستقبل الأمة، أو كما توهم الأمة نفسها.

    البنية البصرية.. احتكار الذاكرة بالضوء

    لا تحكي هوليود فقط، فهي تصوّر. ولا تكتفي الكاميرا بنقل الحدث، بل تصيغه ضمن منظومة رؤية شاملة. الزوايا، الألوان، الموسيقى، المؤثرات البصرية، كلها أدوات تُستخدم من أجل إنتاج معنى واحد يُدفع للمُشاهد دون أن يشعر. ولا يظهر مشهد سقوط برلين إلا عبر أعين الجندي الأمريكي، والنصر في نورماندي يُنسب لمن نزل من السفن لا لمن قاوم قبلهم، والهولوكوست يُذكر، بينما المجازر في فيتنام أو العراق تُحوّل إلى دراما عن الجنود العائدين بعقد نفسية، لا عن الضحايا الممزقة أجسادهم. وفي فيلم American Sniper، “القناص الأمريكي”، (2014)، للمخرج كلينت إيستوود، يردد البطل كريس كايل: “أنا مستعد للقاء خالقي والإجابة عن كل طلقة أطلقتها”، لكن لا أحد يسأل: من يجيب عن أولئك الذين لم يُمنحوا فرصة الإجابة، والذين كانوا مجرد أهداف في منظار القناص الأمريكي؟.

    الايديولوجيا المتخفية في الدراما وسرديات الاستحواذ.. تحويل العالم إلى ديكور

    تطرح السينما الأمريكية نفسها كوسيط محايد، لكنها محمّلة بشحنات أيديولوجية كثيفة من الرأسمالية، الفردية، النزعة الإنسانية المتعالية، تفوق العرق الأبيض، الهوس بالبطولة، تقديس المؤسسة العسكرية، كلها قيم تُمرّر تحت عباءة القصة الجذابة. ونجد في فيلم Gladiator “المصارع” (2000)، للمخرج ريدلي سكوت، نوعا من التبرير حيث يقول ماكسيموس: “ما نفعله في حياتنا يتردد صداه في الأبدية”. لكن هوليود لم تكن تريد للصرخة أن تصدر من بطل إفريقي أو شرقي، بل دائمًا من ذلك الرجل الذي يشبه قيصرًا جديدًا، قادمًا من أمريكا لا من روما. ويعاد اختراع التاريخ ليكون مرآة تُرى فيها الذات الأمريكية، وتُنسى فيها وجوه الآخرين وتاريخهم.

    وكم مرة شاهدنا الفراعنة في صورة مشوّهة؟ وكم مرة تحوّلت الحضارة الصينية إلى خلفية لأكشن صاخب؟ وكيف يظهر العرب؟ غالبًا إما إرهابيين أو أثرياء أغبياء أو غارقين في الصحراء والجهل. وتُختزل إفريقيا إلى مرضى، جياع، أو شعوب بحاجة إلى من “ينقذها”. وتُستدعى أوربا حين يُراد الإعلاء من شأن الحليف الغربي، أما أمريكا اللاتينية فدائمًا هي موقع للجريمة والمخدرات والعنف…

    ونرى شخصية روبن ويليامز في فيلم Dead Poets Society “حلقة الشعراء المفقودين” (1989)، للمخرج بيتر وير، وهو يصعد فوق الطاولة ويردد: “بغض النظر عمّا يقوله لك الآخرون فإن الكلمات والأفكار قادرة على تغيير العالم”. لكن هوليود لا تترك فرصة للكلمات الأخرى، ولا للأفكار التي لا تنبع من قلب مؤسستها، فهي تخلق الواقع وتمنح الشرعية لمن يحكي القصة، أما من لا يملك الكاميرا فيُحذف من الرواية.

    من ينتج المعنى؟ ومن يملك المستقبل؟ .. صناعة الجماليات بوصفها أداة استعمارية

    صنعت السينما الأمريكية من التاريخ مادة خاما تُعالجها وفق حاجاتها النفسية والسياسية، ففي أفلامها عن الحرب العالمية الثانية تُقدّم أمريكا كمنقذ وحيد، وتُغيب دور شعوب كاملة. وحتى فيلم مثل Schindler’s List “لائحة شندلر”، (1993) للمخرج ستيفن سبيلبرغ، لا ينجو من ثقل التأويل الأمريكي، إذ يُقدم البطل كمخلّص فردي، لا كجزء من حراك جماعي أو مقاومة عضوية.

    ويُصوّر المخرج بن أفليك في فيلم Argo”أرغو” (2012) إنقاذ الرهائن من إيران كإنجاز مخابراتي أمريكي خالص، بينما يُهمّش تمامًا دور الكنديين، وتُشوّه صورة إيران بكاملها. ولا تعكس الأفلام الواقع، فهي تعيد إنتاجه ضمن قالب يخدم السردية المركزية: أمريكا محور العالم، مركز الخير، المُتضرر دائمًا، والبطل أبدًا.

    وتحمل صناعة الجمال في هوليود وظيفة أساسية. وتُؤلف الموسيقى التصويرية كي تحرّك مشاعر بعينها، وتُختار الألوان كي تمنح انطباعًا دون وعي؛ حتى الإضاءة تُصمم لترسّخ معاني محددة. ويظل العدو دائمًا في الظل، البطل في النور. وتظهر الصحراء العربية داكنة، خانقة، بينما شوارع نيويورك مغمورة بالضوء، حتى في أكثر لحظات الخراب.

    ولا يُستخدم المكان كمجرد موقع تصوير، بل كرمز. ويتحول العالم بأسره إلى خشبة مسرح يؤدي عليها الأمريكي روايته الخاصة، بينما الآخر يُسحب إلى الخلف، يُطمس، أو يُعاد تشكيله.

    البطولة المصنوعة.. كيف تنتج هوليود رموزها

    من خلال مشاهداتي ومتابعتي المتواصلة لسنوات طويلة أتتبع فيها تطور السينما الأمريكية وتحولاتها وتقلباتها من الأبيض والأسود حتى التقنية الرقمية والذكاء الاصطناعي، ومن الخطاب الكلاسيكي إلى التفكيك ما بعد الحداثي وما بعد الحقيقة، أجدني دائمًا أعود إلى سؤال مركزي من هو البطل في هوليود؟ ولماذا يبدو أكبر من الحياة في كل مرة يظهر فيها على الشاشة؟.

    ولا يتبع تشكيل البطل في السينما الأمريكية الصدفة ولا يأتي نتيجة توجيه فني معزول، بل ينبع من منظومة سردية كبرى تتشابك فيها الأيديولوجيا والسياسة والاقتصاد؛ وتتحول إلى سرديات كونية تسعى إلى ترسيخ رؤية الولايات المتحدة الأمريكية عن ذاتها وعن الآخر وعن العالم كمسرح دائم للحسم والصراع والخلاص.

    ويمتلك البطل الهوليودي جسدًا صلبًا لكنه غالبًا محطَّم داخليًا يحمل ماضيا معذبًا، لكنه لا يتوقف أمامه طويلًا، ينظر دائمًا نحو الأفق يهرب من الحب لكنه ينقذ العالم؛ ولا يسعى إلى البطولة لكنها تفرض نفسها عليه، لا يتكلم كثيرًا لكنه دائمًا محور الحدث، وإن تكلم جاء صوته عميقًا مشبعًا بالحكمة أو بالثأر أو بالإيمان بشيء ما أكبر من الجميع.

    ويظهر جون رامبو كوحش كاسر في فيلم First Blood “الدم الأول” (1982) للمخرج تيد كوتشيف، حيث يعبر عن هذه القوة التي يملكها بقوله: “كنت أستطيع قتلهم جميعًا، كنت أستطيع قتلك في المدينة، أنت القانون، لكن هنا أنا هو القانون”. وتكشف هذه العبارة ليس فقط تمرد الجندي العائد من الحرب، وإنما إعادة تموضع السلطة في يد الفرد الخارج عن النظام الذي يصبح من خلال آلامه رمزًا لمظلومية الدولة وبطلاً في آن واحد.

    فقد خلق البطل بوصفه مُخلّصًا دائمًا للمجتمع. ويُظهر البعد الرمزي لهذه السينما البطل الأمريكي لا يخوض معاركه دفاعًا عن الذات فقط بل عن قيم يُراد تعميمها: الحرية والديمقراطية والنظام العائلي والعدالة الفردية وحتى السوق المفتوح، إذ كثيرًا ما يظهر وكأنه ضامنٌ للنظام العالمي ذاته.

    ورغم ما يبدو من انفصال بين أفلام الحرب وأفلام الأبطال الخارقين وأفلام الأكشن والدراما إلا أن ما يوحدها هو هذا البطل الذي يتحرك داخل البنية النفسية نفسها. وهذه البنية ترى العالم تهديدًا دائمًا للفرد وتمنحه مهمة استثنائية لحمايته ثم تكافئه بنوع من الاعتراف الرمزي أو الخسارة النبيلة.

    وفي فيلم The Dark Knight “الفارس الأسود”، (2008) للمخرج كريستوفر نولان، يقول بروس واين في حوار عميق مع ألفريد: “أحيانًا الحقيقة لا تكفي، أحيانًا يستحق الناس أكثر، أحيانًا يستحق الناس أن يُكافأ إيمانهم”. ولا يبحث البطل هنا عن انتصار شخصي بل يتحمل عبء الخديعة النبيلة من أجل بقاء النظام الأخلاقي. وهنا تتجلى الأبعاد الفلسفية العميقة التي تُغلّف الشخصية من الخارج بالظلمة لكنها تمنحها نورًا داخليًا يُرى فقط عند الذروة.

    جسد للبيع.. البطل الأمريكي كسلعة ثقافية بين السوق والرمز

    تشكيل البطل في السينما الأمريكية لا ينفصل عن السياق الاقتصادي الذي يحتضنه، فهوليود جزء من منظومة رأسمالية لا تنتج الأفلام فقط، بل تنتج رموزًا تُستهلك ثقافيًا وتُباع وتُسوق وتُحول إلى ماركات تجارية، حيث يلبس البطل الحذاء المناسب والسلاح المناسب والسيارة المناسبة، وتتحول سماته إلى علامات تجارية تدور داخل السوق العالمية ويعاد استنساخها في كل القارات.

    كما يتجلى البعد النفسي لشخصية البطل في الأزمات الداخلية التي يحملها معه دائمًا: جراح طفولة، اغتيال أحبة، شعور بالذنب، أو مأساة شخصية، أو فقدان المعنى، أو مشاعر غارقة في التقصير، وكلها تُستخدم لإضفاء إنسانية مخففة تخفف من سلطوية الشخصية وتحولها إلى كائن يتألم مثلك لكنه يتصرف عكسك، أي هو امتداد رغبتك المكبوتة في التصرف والانتصار والبقاء.

    ويُلاحظ أيضًا كيف تُمنح البطولة دائمًا لمعانا تُظهر أمريكا بصورة الوطن الأخلاقي الذي يحمي العالم من الخراب ويعاقب الخارجين عن القانون الدولي، أو يبرر العنف بوصفه ضرورة عليا حتى في أكثر المواقف إخلالًا بالشرعية مثلما فعل البطل في Man on Fire “رجل مشتعل”، (2004) للمخرج توني سكوت، حين قال دينزل واشنطن مجسدا شخصية كريسي: “الغفران بينَهم وبين الله، مهمتي فقط أن أُرتب اللقاء”. وينزاح القانون هنا لصالح الانتقام تحت غطاء أخلاقي يمنح للبطل تفوقًا أخلاقيًا مطلقًا.

    وتنحاز هذه السينما الأمريكية اجتماعيًا إلى رؤية الطبقة الوسطى وهي تحاول دائمًا تمثيل البطل بوصفه فردًا عاديًا من خلفية متوسطة أو فقيرة، يصعد بفعل الإرادة والمحنة والخطر والعمل المستمر ليتحول إلى صوت الأغلبية الصامتة. ويحمل البطل هنا تطلعات الناس البسطاء وتطلعات الطبقة المتوسطة ومخاوفها، ويحارب من أجل أطفالهم وعائلاتهم كما في فيلم Independence Day “يوم الاستقلال” (1996) للمخرج رولاند إيميريش، حيث يتحول رئيس الدولة نفسه إلى مقاتل مرددا قولته الشهيرة: “أنا طيار مقاتل، مكاني في السماء”. وتصبح القيادة هنا فعل مشاركة لا موقع سلطة مجردة، وتتحول السياسة إلى تجسيد ميداني للبطولة الرمزية.

    وأظهر التحول الكبير في تمثيل البطولة خلال العقود الأخيرة تعقيدًا أكبر مع تصاعد الحروب الحديثة وتفكك الحدود الأخلاقية وتزايد التوتر بين الداخل والخارج. وقد أصبحت البطولة مرتبطة بالتضحية دون مكافأة كما فيThe Hurt Locker “مستودع الألم” (2008) للمخرج كاثرين بيغلو، حيث تنفصل الشخصية عن المجتمع تمامًا وتجد معنى حياتها في الخطر نفسه.

    ويقول الجندي: “تحب اللعب بتلك الأشياء، تحبها أكثر من زوجتك”. وتعكس هذه العبارة انزياح المعنى من الأسرة إلى الحرب ومن العلاقة الإنسانية إلى العلاقة مع الموت المتكرر.

    وتُكرّس السينما الأمريكية ببعدها الثقافي البطل بوصفه حاملًا للهوية الوطنية والرمزية الجماعية، وامتدادًا تاريخيًا لأساطير الغرب الأمريكي والكشافة الأوائل وتضاريس الحدود المفتوحة وهي تمثل عمقًا ايديولوجيًا يسكن أغلب السرديات، حيث البطل يُعيد دائمًا تأسيس الأمة من خلال فعله الفردي ويُعيد تعريف الانتماء الأمريكي كل مرة على طريقته.

    ويتحول البطل سياسيًا إلى امتداد مباشر للسياسات الخارجية الأمريكية، مجسدا التدخل في الشرق الأوسط وفي إفريقيا وفي أمريكا الجنوبية وغيرها… دون سياقات معقدة، بل عبر حبكات تبسيطية تجعل من كل الآخر تهديدًا ومن الذات ضرورة للحسم والبقاء.

    وتحمل شخصية البطل كذلك بُعدًا رمزيًا يُضفي على السينما الأمريكية طابعًا دينيًا أحيانًا يتلبّس فيه البطل دور المخلّص المتألم الذي يحمل خطايا العالم ويصلب في معركة ما، ثم يعود للحياة متحولًا إلى رمز كما في The Matrix Revolutions “الثورات المصفوفة” (2003) من إخراج الأخوين واتشوسكي، حين يختار البطل نيو الموت لينقذ البشرية فيقول: “كل شيء له بداية، له نهاية”. ويُعيد البطل هنا تفعيل الأسطورة الميتافيزيقية في إطار سيبراني ورقمي معاصر.

    من خلال هذه الرحلة الطويلة التي خضتها ناقدًا ومتابعًا وباحثًا مازلت أرى في السينما الأمريكية مرآةً مشروخة لوعيها عن ذاتها، مرآة لا تعكس الحقيقة بقدر ما تبتكرها بطريقتها وتُعيد صياغتها وتُصدّرها لمن يشاهد البطل الأمريكي؛ هو أمريكا كما تتخيل نفسها وكما تريد للعالم أن يراها في شخصية رجل وحيد، غالبًا أبيض، غالبًا مكسور داخليًا، غالبًا منتصر خارجيًا، يحل مشاكل العالم دون أن يسأل أحد رأيه.

    ويُقدَّم البطل دائمًا بوصفه الصوت النهائي للحقيقة والتاريخ والديناميات الاجتماعية والنفسية التي تتحرك فيه دون عشوائية، وإنما على قدر محسوب بكل دقة لضمان أكبر قدر من التأثير والتعميم والتكرار.

    والسؤال: لمن نترك التاريخ؟ هل نملك حق الاعتراض؟ وهل تستطيع الشعوب أن تسترد رواياتها؟.

    هل الكاميرا أداة تحرر أم قيدٌ جديد؟ وماذا يحدث عندما تتحول الذاكرة الجمعية للبشرية إلى سيناريو مكتوب في استوديو في لوس أنجلوس؟ ومن يكتب التاريخ في زمن الصورة؟ ومن يصدّقه؟.

    وهل نملك ترف الصمت بينما العالم يُعاد تأثيثه وفق معايير لا تشبهنا؟.

    في فيلم “المصفوفة”The Matrix (1999) من إخراج الأخوين واتشوسكي، يقول مورفيوس: “المصفوفة موجودة في كل مكان، إنها تحيط بنا من كل جانب حتى الآن، في هذه الغرفة ذاتها”، وهو تعبير عن الفكرة الجوهرية للسينما الأمريكية، أن العالم الذي نظنه حقيقيا قد يكون مجرد وهم محكم، تم تصميمه بعناية لتهدئة وعينا، فيما الحقيقية مغيبة خلف ستار من الصور والرموز والأسرار والألاعيب والخدع المحكمة…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الدولة داخل الدولة… علة الجزائر

    طالع السعود الأطلسي

    الكاتب الفرنسي، من أصل جزائري، بوعلام صانصال، بَعث من داخل سجنه في الحراش بالجزائر رسالة تحدِّي لسجَّانه واصفا حكم الجزائر بأنه “ليس دولة، إنه مَفْرَمَة (آلة تقطيع)”… وأنه يتحداه بقوة مبادئه وبقوة تشبته بالحياة وبالأمل…

    الكاتب السجين أجمل القول في طبيعة دولة بلاده، لِما سبق له وأن فصَّل فيه، لسنوات من الكتب والمقالات. وزاد على ذلك بأنها ليست وحسب “آلة تقطيع” في التدبير الداخلي السياسي للبلاد، بل هي أصلا تُدير بلدًا جزءٌ من جغرافيته مُقتَطعٌ من الأرض المغربية… وهي حقيقة تاريخية، أعلنها أوّلا الرئيس الفرنسي شارل دوغول… وأكدها باحثون فرنسيون، اسْتَقرَؤوها من وَثائقِ الاستعمار الفرنسي للجزائر… وكان الملك محمد الخامس في مُفاوضات استقلال المغرب رفض المُطالبة باسترجاع تلك الأراضي إلى أصلها المغربي، مُرجئًا أمرَها إلى بحثها مع الدولة الجزائرية المستقلة… في سياق علاقات أخوية مَعها، كان واثقا من إمكانيتها بعد انتصار الكفاح الجزائري، الَّذي قدم له المغرب، ملكا وأحزابا وطنية كل المساندة الفعلية والسياسية والمعنوية…

    “الدولة المَفْرَمَة” أوّل ما فعلته قطعت أوْصال الأخُوَّة مع المغرب، باستفزاز حرب الرِّمال سنة 1963، وبعدها سَعَتْ، ومنذ نصف قرن، إلى اقتطاع أقاليمه الصحراوية منه برعاية ورمٍ انفصالي، تُواصل عبره عداءها للمغرب، في مُحاولة فاشلة لتقزيمه تُرابيا وقطْع امتداده الجغرافي مع إفريقيا…
    القيادة الجزائرية انشغلت بعدائها للمغرب… كان لها استراتيجيتها الأساس في تدبير حكمها للجزائر… استفحلت فيها “فوبيا المغرب”… حتى أنها كانت تراه في كلِّ سياساتها، الخارجية والداخلية على السواء، منافسا شرسا لها بدرجة عدوّ… استفردت جبهة التحرير بالسلطة… أبعدت كل المكونات الأخرى للصف الوطني التحرري، وفرضت نفسها حزبا حاكما، مُغلِقًا أمام الحساسيات الشعبية فضاءات المشاركة السياسية ومُتنفسات التعبير الديمقراطية… إلى أن صَحت “يوما” على الغضب الشعبي وهو ينفجر في فضاءات الشأن العام، محمولا في حركة إسلامية، وقد ترهَّل الحزب الحاكم (جبهة التحرير) وخَبا لمعانُه السلطوي… فانساقت البلاد إلى عشرية دموية سوداء، ولم تخرج منها إلاّ إلى تعدُّدية واهنة، بمكونات أغلبها مُصطنع، هشة الارتباطات الشعبية، كما كشفت ذلك نتائج الانتخابات المجالسية والرئاسية… تعددية لا تُخفي هيمنة “العصابة”، كما يقولون في الجزائر، أو الدولة العميقة، على دواليب التدبير السياسي والأمني للبلاد… دولة مستترة خلف كوْمة شعارات تحدي عدوان مفترض يحيق بالبلاد، مصدره، بالتلميح للمغرب مرات وبالتوضيح مِرارًا. وتوغلت الدولة الجزائرية في بنيات “اللادولة”… استشرت فيها سلطوية الجيش وقد تعرَّت من لُفافتها المدنية التي صاحبتها منذ رئاسة بن بلة وإلى مُنتصف العهدة الثانية من رئاسة بوتفليقة… بالموت أو بالانعزال، الموت الطبيعي أو الاغتيالات المبيّتة (أبرزها حالة الرئيس محمد بوضياف)، بالانسحاب الطوعي، أو العزل القسري، فقدت دولة الجزائر العديد من رجال السياسة الأكفاء، مثل عبد الحميد مهري، سيد أحمد غُزالي، محمد بوضياف، علي كافي، الأخضر الإبراهيمي، والطالب الإبراهيمي، مولود حمروش، عبد العزيز بلخادم، واللائحة طويلة… لتخرج، للعلن، الطبيعة العسكرية للنظام مع السيطرة الواضحة على الحياة السياسية لرئيس أركان الجيش الراحل أحمد قايد صالح منذ سبتمبر 2013 وإلى وفاته في دجنبر 2019، وتستمر، مع خلفه السعيد شنقريحة، الوجه الرسمي للدولة العسكرية الكامنة في أروقة الدولة، والمكونة من الراحل الجنرال خالد نزار، الجنرال توفيق (مدين)، الجنرال جبار مهنا وقد انضاف إليهما الجنرال محمد قايدي والجنرال عبد القادر وعرابي… وكلهم، سابقا أو حاليا جنرالات أجهزة الاستخبارات والأمن…

    وجود هذه البنية في نظام الجزائر تُضعف بنياتها الأخرى مثل الرئاسة والحكومة والمؤسسات المنتخبة… بل تُفقد الدولة تعريفها باعتبارها “العقل” العام الجامع، المعبِّر والذائد عن إرادة الشعب بكل حساسياته وفئاته…فتكون “دولة” متعددة الطوابق والأجنحة، تحركها مصالح مكوناتها وليس المصلحة العامة… وتسود فيها أدوات القوة العسكرية والأمنية… ويحقُّ، بعدها، لبوعلام صانصال أن يقول، وهو الباحث والمجرِّب، بأنها “مَفْرَمَة”… آلة تقطيع لخارجها ولداخلها…

    العداء للمغرب يُلائم الهيمنة العسكرية على نظام الجزائر… يحقق للجنرالات دوام انتفاعهم من حكم الجزائر… حتى وقد باعد ذلك بينهم وبين شعبهم وأعجزهم عن خدمة المصلحة العامة… وأبقى النظام في حالة سوء تغذية شعبية… يُحاول اليومَ علاجها “بقانون التعبئة العامة”، لِكبح آليات الحياة السياسية الديمقراطية لفائدة ولاء مطلق لقيادة، بزعم أنها ترفع تحديات أخطار محدقة بالبلاد… والحقيقة أنها قيادة لا تعمل سوى على تمديد عمر نظام حُكم فقد صلاحياته واستنفذ فائدته، قبل حوالي عشرين سنة… وهو ما أفصح عنه الراحل عبد الحميد مهري، في حينه، وقد كان من أعمدة النظام حتى وفاته سنة 2012… وله تصريح مسجل بذلك، في فيديو منتشر هذه الأيام…

    إصرار القيادة الجزائرية على عداء المغرب أوقعها خارجيا في حالة تشنج وتوتر ونفور مع أوسع أطراف علاقاتها الخارجية… أقحمت المغرب في تلك العلاقات، بل به تقيس درجة المس بما تعتبره أمنها القومي… من جهة المساندة للحق الوحدوي المغربي… حساسية مرضية من نجاحات ديبلوماسية مغربية، حققت له اقتناعا دوليا بمقترحه السلمي لحل النزاع حول الصحراء المغربية، عبّرت عنه أزيد من 130 دولة، وضمنها دول حاملة الفيتو في مجلس الأمن ودول وازنة في كل القارات… واقع جعل الخارجية الجزائرية أكبر مُنتج في العالم لبيانات الأسف والتعبير عن الخيبة من الانحيازات الدولية لجهة المغرب… بل أضحت مُدمنة على سحب السفراء، وإعادتهم بدون مقابل… فضلا عن استفزازها لأزمات حادّة مع دول الساحل الإفريقية ومع فرنسا وأزماتها الصامتة مع دول عربية وإفريقية وأوروبية أخرى… في علاقات الجزائر الخارجية “دولة آلة التقطيع” تتحرك في كل الاتجاهات…
    تتحسس قيادة الجزائر من كل دولة تعلن إقرارها بالحق الوطني المغربي وتدعم مقترحه بحل الحكم الذاتي ضمن السيادة المغربية للنزاع حول الصحراء المغربية… تغضب، وتقرأ في ذلك “طعنا في كرامة” الجزائر… انتقاصا منها واستصغارا لها وتفضيلا للمغرب على حسابها… إلا مع الإدارة الأمريكية… تلقت اعترافها بالسيادة المغربية على الأقاليم الصحراوية صعقة أخرستها… وكلما حاولت ملاطفة الإدارة الأمريكية وإغراءها ردت عليها بتأكيد موقفها… زمجرة ترامب أرعبتها، ففوضت أمره لله…

    بماذا يواجه النظام الجزائري هذا الوضع؟ … يواجهه بالرفع من سرعة آلية الدِّعاية الاستخباراتية ضد المغرب… يريد المغربَ على مقاسه ويتمنى له نفس عجزه ونفس خيبات فشله… والمغرب لا يُبالي، يواصل حركيته الديبلوماسية بنفس الحماس ويُثابر في تطوير أوضاعه الداخلية بنفس الثقة وبنفس اليقظة المزاوِجة بين الاجتهاد وبين التقويم المستمر…
    في الإعلام الجزائري الرسمي، وفي “نفّاثات” الذباب الإلكتروني الجزائري، النشاط محموم من خيال تآمري ضد المغرب… المغرب في ذلك الخيال ليس سوى مؤامرات ودسائس وأطماع وقمع وفقر وانحلال وفساد أخلاقي ومالي وتقاتُل بين المؤسسات والأجهزة… ذلك الخيال في ذلك الإعلام يتوَهّم أن المغرب مُجرد كومات قش، يوجِّه لها نيران حقده علها تلتهمها… وهو، في الواقع، لا يفعل سوى نسخ نظام الجزائر وسحب حالته على المغرب… وما هي إلا “فَبْرَكات” دعائية استخباراتية، مناعة المغرب وقوّة مؤسساته تستعصي عليها… تنتج فقاعات، تنفجر قبل أن تصل إلى هدفها وتعود عليها بخيبات فشل أخرى…

    وها هي تلتقط الجواب على حملتها من واقع المغرب وعلى الهواء مباشرة… المغرب القوي بالالتحام الحار والبادي في كل فضاءات الحياة بين الشعب المغربي والملك محمد السادس… إحياء لعيديْن وطنييْن، هما ثورة الملك والشعب لغشت 1953 وعيد الشباب… عيد يستحضر التاريخ الكفاحي للشعب المغربي وانتصاراته التي أثمرها التفاعل بين إرادتي القوى الشعبية والمؤسسة الملكية… وعيد للتأكيد على تجدُّد ذلك التفاعل بين إرادتين رفعا لتحديات الحاضر لربح المستقبل…
    تلك الحملة ضد المغرب، كانت هي جواب النظام الجزائري على نداء الملك محمد السادس للحوار والتفاهم… النداء الملكي المغربي يفتح المسار إلى المستقبل ويصدر عن ملك قوي بالتحام شعبه معه وبفعالية دولته ومناعة كيانه… نظام الجزائر يريد للمغرب غير ذلك… يصوره، ضعيفا ويريده عدوا… ولا تهم مصلحة الجزائر… مصلحة الجنرالات أولى… ولا مصلحة لها في مستقبل لا ترى نفسها فيه…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الدولة داخل الدولة… علة الجزائر.

    الكاتب الفرنسي، من أصل جزائري، بوعلام صانصال، بَعث من داخل سجنه في الحراش بالجزائر رسالة تحدِّي لسجَّانه واصفا حكم الجزائر بأنه “ليس دولة، إنه مَفْرَمَة (آلة تقطيع)”… وأنه يتحداه بقوة مبادئه وبقوة تشبته بالحياة وبالأمل…

    الكاتب السجين أجمل القول في طبيعة دولة بلاده، لِما سبق له وأن فصَّل فيه، لسنوات من الكتب والمقالات. وزاد على ذلك بأنها ليست وحسب “آلة تقطيع” في التدبير الداخلي السياسي للبلاد، بل هي أصلا تُدير بلدًا جزءٌ من جغرافيته مُقتَطعٌ من الأرض المغربية… وهي حقيقة تاريخية، أعلنها أوّلا الرئيس الفرنسي شارل دوغول… وأكدها باحثون فرنسيون، اسْتَقرَؤوها من وَثائقِ الاستعمار الفرنسي للجزائر… وكان الملك محمد الخامس في مُفاوضات استقلال المغرب رفض المُطالبة باسترجاع تلك الأراضي إلى أصلها المغربي، مُرجئًا أمرَها إلى بحثها مع الدولة الجزائرية المستقلة… في سياق علاقات أخوية مَعها، كان واثقا من إمكانيتها بعد انتصار الكفاح الجزائري، الَّذي قدم له المغرب، ملكا وأحزابا وطنية كل المساندة الفعلية والسياسية والمعنوية…

    “الدولة المَفْرَمَة” أوّل ما فعلتهقطعت أوْصال الأخُوَّة مع المغرب، باستفزاز حرب الرِّمال سنة 1963، وبعدها سَعَتْ، ومنذ نصف قرن، إلى اقتطاع أقاليمه الصحراوية منه برعاية ورمٍ انفصالي، تُواصل عبره عداءها للمغرب، في مُحاولة فاشلة لتقزيمه تُرابيا وقطْع امتداده الجغرافي مع إفريقيا…

    القيادة الجزائرية انشغلت بعدائها للمغرب… كان لها استراتيجيتها الأساس في تدبير حكمها للجزائر… استفحلت فيها “فوبيا المغرب”… حتى أنها كانت تراه في كلِّ سياساتها، الخارجية والداخلية على السواء، منافسا شرسا لها بدرجة عدوّ… استفردت جبهة التحرير بالسلطة… أبعدت كل المكونات الأخرى للصف الوطني التحرري، وفرضت نفسها حزبا حاكما، مُغلِقًا أمام الحساسيات الشعبية فضاءات المشاركة السياسية ومُتنفسات التعبير الديمقراطية… إلى أن صَحت “يوما” على الغضب الشعبي وهو ينفجر في فضاءات الشأن العام، محمولا في حركة إسلامية، وقد ترهَّل الحزب الحاكم (جبهة التحرير) وخَبا لمعانُه السلطوي… فانساقت البلاد إلى عشرية دموية سوداء، ولم تخرج منها إلاّ إلى تعدُّدية واهنة، بمكونات أغلبها مُصطنع، هشة الارتباطات الشعبية، كما كشفت ذلك نتائج الانتخابات المجالسية والرئاسية… تعددية لا تُخفي هيمنة “العصابة”، كما يقولون في الجزائر، أو الدولة العميقة، على دواليب التدبير السياسي والأمني للبلاد… دولة مستترة خلف كوْمة شعارات تحدي عدوان مفترض يحيق بالبلاد، مصدره، بالتلميح للمغرب مرات وبالتوضيح مِرارًا. وتوغلت الدولة الجزائرية في بنيات “اللادولة”… استشرت فيها سلطوية الجيش وقد تعرَّت من لُفافتها المدنية التي صاحبتها منذ رئاسة بن بلة وإلى مُنتصف العهدة الثانية من رئاسة بوتفليقة… بالموت أو بالانعزال، الموت الطبيعي أو الاغتيالات المبيّتة (أبرزها حالة الرئيس محمد بوضياف)،بالانسحاب الطوعي، أو العزل القسري، فقدت دولة الجزائر العديد من رجال السياسة الأكفاء، مثل عبد الحميد مهري، سيد أحمد غُزالي، محمد بوضياف، علي كافي، الأخضر الإبراهيمي، والطالب الإبراهيمي، مولود حمروش، عبد العزيز بلخادم، واللائحة طويلة…لتخرج، للعلن، الطبيعة العسكرية للنظام مع  السيطرة الواضحة على الحياة السياسية لرئيس أركان الجيش الراحل أحمد قايد صالح منذ سبتمبر 2013 وإلى وفاته في دجنبر 2019، وتستمر، مع خلفه السعيد شنقريحة، الوجه الرسمي للدولة العسكرية الكامنة في أروقة الدولة، والمكونة من الراحل الجنرال خالد نزار، الجنرال توفيق (مدين)، الجنرال جبار مهنا وقد انضاف إليهما الجنرال محمد قايدي والجنرال عبد القادر وعرابي… وكلهم، سابقا أو حاليا جنرالات أجهزة الاستخبارات والأمن…

    وجود هذه البنية في نظام الجزائر تُضعف بنياتها الأخرى مثل الرئاسة والحكومة والمؤسسات المنتخبة… بل تُفقد الدولة تعريفها باعتبارها “العقل” العام الجامع، المعبِّر والذائد عن إرادة الشعب بكل حساسياته وفئاته…فتكون “دولة” متعددة الطوابق والأجنحة، تحركها مصالح مكوناتها وليس المصلحة العامة… وتسود فيها أدوات القوة العسكرية والأمنية… ويحقُّ، بعدها، لبوعلام صانصال أن يقول، وهو الباحث والمجرِّب، بأنها “مَفْرَمَة”… آلة تقطيع لخارجها ولداخلها…

    العداء للمغرب يُلائم الهيمنة العسكرية على نظام الجزائر… يحقق للجنرالات دوام انتفاعهم من حكم الجزائر…حتى وقد باعد ذلك بينهم وبين شعبهم وأعجزهم عن خدمة المصلحة العامة… وأبقى النظام في حالة سوء تغذية شعبية… يُحاول اليومَ علاجها “بقانون التعبئة العامة”، لِكبح آليات الحياة السياسية الديمقراطية لفائدة ولاء مطلق لقيادة، بزعم أنها ترفع تحديات أخطار محدقة بالبلاد… والحقيقة أنها قيادة لا تعمل سوى على تمديد عمر نظام حُكم فقد صلاحياته واستنفذ فائدته، قبل حوالي عشرين سنة… وهو ما أفصح عنه الراحل عبد الحميد مهري، في حينه، وقد كان من أعمدة النظام حتى وفاته سنة 2012… وله تصريح مسجل بذلك، في فيديو منتشر هذه الأيام…

    إصرار القيادة الجزائرية على عداء المغرب أوقعها خارجيا في حالة تشنج وتوتر ونفور مع أوسع أطراف علاقاتها الخارجية… أقحمت المغرب في تلك العلاقات، بل به تقيس درجة المس بما تعتبره أمنها القومي… من جهة المساندة للحق الوحدوي المغربي… حساسية مرضية من نجاحات ديبلوماسية مغربية، حققت له اقتناعا دوليا بمقترحه السلمي لحل النزاع حول الصحراء المغربية، عبّرت عنه أزيد من 130 دولة، وضمنها دول حاملة الفيتو في مجلس الأمن ودول وازنة في كل القارات… واقع جعل الخارجية الجزائرية أكبر مُنتج في العالم لبيانات الأسف والتعبير عن الخيبة من الانحيازات الدولية لجهة المغرب… بل أضحت مُدمنة على سحب السفراء، وإعادتهم بدون مقابل… فضلا عن استفزازها لأزمات حادّة مع دول الساحل الإفريقية ومع فرنسا وأزماتها الصامتة مع دول عربية وإفريقية وأوروبية أخرى… في علاقات الجزائر الخارجية “دولة آلة التقطيع” تتحرك في كل الاتجاهات…

    تتحسس قيادة الجزائر من كل دولة تعلن إقرارها بالحق الوطني المغربي وتدعم مقترحه بحل الحكم الذاتي ضمن السيادة المغربية للنزاع حول الصحراء المغربية… تغضب، وتقرأ في ذلك “طعنا في كرامة” الجزائر… انتقاصا منها واستصغارا لها وتفضيلا للمغرب على حسابها… إلا مع الإدارة الأمريكية… تلقت اعترافها بالسيادة المغربية على الأقاليم الصحراوية صعقة أخرستها… وكلما حاولت ملاطفة الإدارة الأمريكية وإغراءها ردت عليها بتأكيد موقفها… زمجرة ترامب أرعبتها، ففوضت أمره لله…

    بماذا يواجه النظام الجزائري هذا الوضع؟ …يواجهه بالرفع من سرعة آلية الدِّعاية الاستخباراتية ضد المغرب… يريد المغربَ على مقاسه ويتمنى له نفس عجزه ونفس خيبات فشله… والمغرب لا يُبالي، يواصل حركيته الديبلوماسية بنفس الحماس ويُثابر في تطوير أوضاعه الداخلية بنفس الثقة وبنفس اليقظة المزاوِجة بين الاجتهاد وبين التقويم المستمر…

    في الإعلام الجزائري الرسمي، وفي “نفّاثات” الذباب الإلكتروني الجزائري، النشاط محموم من خيال تآمري ضد المغرب… المغرب في ذلك الخيال ليس سوى مؤامرات ودسائس وأطماع وقمع وفقر وانحلال وفساد أخلاقي ومالي وتقاتُل بين المؤسسات والأجهزة… ذلك الخيال في ذلك الإعلام يتوَهّم أن المغرب مُجرد كومات قش، يوجِّه لها نيران حقده علهاتلتهمها… وهو، في الواقع، لا يفعل سوى نسخ نظام الجزائر وسحب حالته على المغرب… وما هي إلا “فَبْرَكات” دعائية استخباراتية، مناعة المغرب وقوّة مؤسساته تستعصي عليها…تنتج فقاعات، تنفجر قبل أن تصل إلى هدفها وتعود عليها بخيبات فشل أخرى…

    وها هي تلتقط الجواب على حملتها من واقع المغرب وعلى الهواء مباشرة… المغرب القوي بالالتحام الحار والبادي في كل فضاءات الحياة بين الشعب المغربي والملك محمد السادس… إحياء لعيديْن وطنييْن، هما ثورة الملك والشعب لغشت 1953 وعيد الشباب… عيد يستحضر التاريخ الكفاحي للشعب المغربي وانتصاراته التي أثمرها التفاعل بين إرادتي القوى الشعبية والمؤسسة الملكية… وعيد للتأكيد على تجدُّد ذلك التفاعل بين إرادتين رفعا لتحديات الحاضر لربح المستقبل… تلك الحملة ضد المغرب، كانت هي جواب النظام الجزائري على نداء الملك محمد السادس للحوار والتفاهم… النداء الملكي المغربي يفتح المسار إلى المستقبل ويصدر عن ملك قوي بالتحام شعبه معه وبفعالية دولته ومناعة كيانه… نظام الجزائر يريد للمغرب غير ذلك… يصوره، ضعيفا ويريده عدوا… ولا تهم مصلحة الجزائر… مصلحة الجنرالات أولى… ولا مصلحة لها في مستقبل لا ترى نفسها فيه…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • وفاة الصحافي علي حسن أحد الوجوه البارزة في التلفزيون والسينما المغربية

    توفي اليوم الإثنين بالرباط، الصحافي ومقدم البرنامج التلفزيوني “سينما الخميس”، علي حسن، بحسب ما علم لدى أقارب الراحل.

    وكان الفقيد شخصية بارزة في التلفزيون والسينما المغربية، كما قدم برامج إذاعية مغربية، وأخرى مخصصة لنشر الثقافة والمعرفة السينمائية.

    وبدأ الراحل علي حسن مسيرته المهنية في الإذاعة والتلفزة المغربية (الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة) سنة 1964، حيث شغل عدة مناصب، من بينها، مقدم الأخبار التلفزيونية والإذاعية ما بين 1969 و1987، ومنتج ومقدم برنامج “سينما الخميس” من 1991 إلى 2003، ثم برنامج “نادي السينما” من 2003 إلى 2014. كما تولى تنشيط البرنامج الإذاعي “Entr’Acte” بين 1970 و1980، ثم بين 1981 و1987، وأيضا من 1989 إلى 2015.

    وساهم الراحل أيضا كصحافي في إطلاق إذاعة ميدي1 من سنة 1980 إلى 1981 ، وكمكلف بالدراسات في شركة “أونا” (أومنيوم شمال إفريقيا) بين 1987 و1989، في إطار تأسيس القناة التلفزيونية الثانية “دوزيم”.

    وشارك كممثل في عدة أفلام مغربية طويلة، من بينها “ابن السبيل” لمحمد عبد الرحمن التازي، و”أفغانستان لماذا؟” لعبد الله المصباحي، و “الحاج مختار الصولدي” لمصطفى الدرقاوي، و “الأحرار” لإسماعيل فروخي، إضافة إلى عمله في فيلمين قصيرين للمخرج الفرنسي-الجزائري محمود الزموري.

    كما قام بدبلجة العديد من المسلسلات والأفلام إلى اللغة الفرنسية، وقام بالتعليق على أفلام وثائقية، منها على الخصوص مجلة الأنباء المصورة من إنتاج المركز السينمائي المغربي خلال الفترة من 1973 إلى 1982.

    كما شغل الراحل منصب مستشار لدى وزير الاتصال خلال الفترة من 1998 إلى 2000، و ترأس لجنة تحكيم الصحافة في مهرجان السينما الفرنكوفونية بآسفي سنة 2004، وكان عضوا في لجنة دعم الإنتاج السينمائي الوطني خلال الفترة من 2012 إلى 2014، وعضو لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الطويلة في مهرجان السينما المغاربية بالجزائر العاصمة سنة 2013.

    ظهرت المقالة وفاة الصحافي علي حسن أحد الوجوه البارزة في التلفزيون والسينما المغربية أولاً على طنجة24 | صحيفة تتجدد على مدار الساعة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • رحيل علي حسن مقدم « سينما الخميس »


    هسبريس – وائل بورشاشن

    نعى صحافيون ونقاد سينمائيون الفقيد علي حسن، الذي عرف بتقديمه برنامج “سينما الخميس” التلفزيوني، وبرامج مغربية أخرى إذاعية مهتمة بتعميم الذائقة والمعرفة السينمائيّتَين.

    وأكّد الرحيل المختار أيت عمر، رئيس “الجامعة الوطنية للأندية السينمائية” بين سنوات 1983 و1991، وكاتبها العام قبل ذلك.

    ويقول المركز السينمائي المغربي إن الراحل المعروف باسم شهرته “علي حسن” بدأ “مسيرته المهنية عام 1964 في الإذاعة والتلفزة المغربية (الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة حاليا)، حيث شغل عدة مناصب: مقدم الأخبار التلفزيونية والأخبار الإذاعية من 1969 إلى 1987، منتج ومقدم برنامج ‘سينما الخميس’ من 1991 إلى 2003 و’نادي السينما’ من 2003 إلى 2014؛ كما قام بإعداد وتقديم البرنامج السينمائي الإذاعي ‘Entr’Acte’ من 1970 إلى 2015 على فترات متقطعة”.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    ويتابع المركز: “شارك كصحفي من 1980 إلى 1981 في إطلاق راديو ميدي 1، وفي الفترة من سنة 1987 إلى سنة 1989 عمل مسؤولا مكلفا بالدراسات بشركة ‘أونا أومنيوم شمال إفريقيا’ من أجل إحداث القناة التلفزيونية الثانية 2M”.

    كما أن الصحافي المتخصص في السينما “شارك كممثل في عدد من الأفلام السينمائية المغربية، منها ‘ابن السبيل’ لمحمد عبد الرحمان التازي، ‘أفغانستان لماذا؟’ لعبد الله المصباحي، ‘الحاج المختار الصولدي’ لمصطفى الدرقاوي، و’الأحرار’ لإسماعيل فروخي، وفي فيلمين قصيرين للمخرج الفرنسي الجزائري محمود الزموري … كما قام بدبلجة العديد من المسلسلات والأفلام إلى اللغة الفرنسية، وقام بالتعليق على أفلام وثائقية، منها على الخصوص مجلة الأنباء المصورة من إنتاج المركز السينمائي المغربي خلال الفترة من 1973 إلى 1982”.

    وذكر المركز السينمائي المغربي أن الراحل عمل “مستشارا لدى وزير الاتصال خلال الفترة من 1998 إلى 2000، كما ترأس لجنة تحكيم الصحافة في مهرجان السينما الفرانكفونية بآسفي سنة 2004، وعين عضوا في لجنة دعم الإنتاج السينمائي الوطني خلال الفترة من 2012 إلى 2014، وعضو لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الطويلة في مهرجان السينما المغاربية بالجزائر العاصمة سنة 2013”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • سينما الدراجات الهوائية.. نص بصري في مرآة الذات واختزال الأزمات

    عبد الله الساورة

    تتحرك الكاميرا، تنفتح العدسة، وتبدأ الدراجات الهوائية في الظهور من وسيلة نقل، إلى كائن سينمائي له نبضه الخاص. وتتسلل إلى المشهد، تفرض حضورها، وتعيد تشكيل العلاقة بين الجسد والمكان، بين الرغبة والواقع، بين الحلم والقيود. وتتجاوز كونها إطارين وعجلات، لتصبح مرآة تعكس الذات، وتعيد صياغة الحكاية من جديد، مما يطرح الكثير من الأسئلة: كيف يمكن لعجلتين صغيرتين أن تغيّرا مجرى الحكاية؟ وكيف تتحوّل الدراجة الهوائية من مجرد وسيلة نقل إلى شخصية سينمائية لها صوت وظلال؟ وماذا يحدث حين تصبح الدراجة مساحة للتمرد ولحفظ الكرامة وللبحث عن الذات؟ وكيف تتَّخذ على درب الشاشة حضورًا وجوديًا؟ وكيف تصير جسدًا سرديًا وشهادة بصريّة لعالم يُشَكّل، يتأرجح، وينتهي أحيانًا بسقوط باسم الحرية؟ في سينما الدراجات الهوائية تُروى القصص من على مقعد صغير، يرتجف أحيانًا تحت جسد بطل هشّ، ويُقاوم السير في طرق مزدحمة بالحواجز الاجتماعية والنفسية والطبقية. وهذا جوهر هذه الحكاية النقدية…

    الدراجة الهوائية: شخصية سينمائية وبطاقة هوية

    في هذا النوع من السينما، تدور العجلة ومعها الأسئلة الكبرى: من أنا؟ إلى أين أذهب؟ وهل سأصل أصلًا؟ حين يصرخ الطفل سيريل في فيلم “The Kid with a Bike” للمخرجين داردين قائلًا: ” أنا لن أتركها، هي حياتي، هي الشيء الوحيد يشعرني بأني موجود”، وتتجاوز الدراجة هنا دورها كأداة وتصبح دليلًا على أن البطل لا يحتاج سلاحًا ليُحارب، يكفيه فقط أن يُمسك بمقود الدراجة ويواصل التقدّم.

    وتنبض روما ما بعد الحرب في فيلم “سارقو الدراجات” (1948) للمخرج الإيطالي فيتوريو دي سيكا، بالحزن والكرامة، حين يركض الأب والابن خلف دراجة مسروقة، لا بحثًا عن وسيلة، بل عن لقمة العيش. وتتحول الدراجة إلى رمز للكرامة، إلى جسر بين الطفولة والنجاة، إلى أمل هشّ يتكسر في شوارع الخراب بعد الحرب. ويمثل الفيلم قمة الواقعية الإيطالية، وأن أنطونيو صار رمزًا للكفاح البشري ضد الظروف المهشّمة. ولا تتكلم الدراجة الهوائية، لكنها تصرخ في وجه الفقر، وتبكي حين تُسرق، وتنهار حين تُفقد.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    وتتسلل الدراجة إلى بكين الحديثة في “Beijing Bicycle” (دراجة بكين) (2001) للمخرج الصيني وانغ شيا وشواي، حيث الدراجة لم تعد مجرد أداة، فهي بطاقة هوية؛ إذ يتحرك الشاب بها كمن يعلن انتماءه للمدينة، كمن يطالب بمكانه في زحام الحياة. ويمنحها المخرج نبضا كيف يمكن أن تصبح رمزًا للطبقة، للانتماء، للمظهر، وللخداع الاجتماعي. ولا تكتفي الدراجة بأن تكون وسيلة، بل تصير مقياسًا للوجود، ومرآة للانكسار.

    ونتأمل في فيلم “Boy and Bicycle” (الصبي والدراجة) (1965) للمخرج ريدلي سكوت، حيث الدراجة لا تركض، بل تتأمل. وهو أول فيلم لهذا المخرج المخضرم، يحملها الطفل كمن يحمل حلمًا، كمن يختبر العالم من خلال حركة بسيطة. وتتحول الدراجة إلى فضاء للاستبطان، إلى مرآة صامتة لرؤى يومية، إلى بداية صوت سينمائي وُلد في إضاءة أبيض وأسود. ولا تصرخ الدراجة، لكنها تهمس، وتفتح أبوابًا للخيال.

    وفي الفيلم الإيراني “The Cyclist” (سائق الدراجة) (1987)، للمخرج محسن مخملباف، يدور الأب حول نافورة بلا توقف ليحصل على المال لعلاج زوجته الميتة. ويدور حتى يسقط، لكنه لا يتوقف. وتتحول الدراجة إلى مسرح مقاومة، إلى جسد مستنزف يرفض الانكسار. ولا تصرخ الدراجة، لكنها تنطق بالجوع، بالألم، بالحب، بالاستمرار وقمع السلطة.

    ويغلق المشهد بأسئلة محرّكة: كيف يمكن أن تُستخدم الدراجة كشخصية مركزية؟ كيف أن دوران العجلة يُعادل الشعر؟ كيف يصبح المشهد البصري متنفسًا فلسفيًا عن الفقد، عن الرجاء، عن المدينة التي تمشي إلى موتها، عن ذات لا تتساقط؟
    وتتحرك الدراجة بلا كلمة، لكنها تتحدث عن الزمن، عن الحرية، عن الثورة، عن الذات التي لا تريد أن تتنازل.

    الدارجة الهوائية: نص بصري بامتياز

    تصبح الدارجة في فيلم “The Cure” (العلاج) (1995) للمخرج الأمريكي بيتر هورتون أداة للتعافي والمرح والمقاومة. ويتحرك طفل مصاب بالإيدز رفقة رفيق له بها، كمن يرفض الألم، كمن يحوّل الحركة إلى علاج، والضحك إلى دواء. وتُعرض الدراجة كاستعراض لطيف، لكنها تخفي رمزية عميقة عن مقاومة المرض، وكيف أن الجسد حين يتحرك يرفض الانكسار.

    وتصير الدارجة لحظة حب محتجزة في فيلم “Roman Holiday” (عطلة رومانية) (1953) للمخرج ويليام وايلر، حيث رحلة بين شوارع روما، حنين إلى الحرية في مملكة الواجبات حيث لا تتكلم الدراجة هنا، لكنها تنقل الحنين والحب، وتعيد تشكيل العلاقة بين القلب والمدينة، بين الرغبة والواجب.

    وتحلّق الدارجة في مشاهد سوريالية في فيلم “E.T” (1982) للمخرج الكبير ستيفن سبيلبرغ، حين يركب إيليوت الدراجة ويحمل صديقًا فضائيًا، ويعلو بها في السماء تحت القمر. وتتحول الدراجة إلى أفق مقدّس، إلى حلم طيران بديل، إلى لحظة تتجاوز الجاذبية، وتعيد تعريف الممكن. ولا تبقى الدراجة على الأرض، بل تصير حلمًا، وتفتح أبوابًا للخيال الكوني.

    وتندفع الدارجة في “Premium Rush” (الاندفاع الممتاز) (2012) للمخرج ديفيد كويب، حيث دراجة المراسلات في نيويورك تصبح بطلة أكشن، تتحرك بسرعة، تتحدى الزمن، وتعيد تعريف المدينة. ولا تبقى الدراجة وسيلة، بل تصير امتدادًا للعزيمة، للوظيفة، للانتماء الحرفي. وتتهشّم الحدود بين الحركة كأدرينالين والانتماء كهوية، وتصبح الدراجة جسدًا يرفض التوقف.

    وتتسلل الدارجة إلى “Breaking Away” (التحرر) (1979) للمخرج بيتر ييتس، حيث تصير معبرًا للهوية، للصعود الاجتماعي، للخيال الذي يعبر الحدود. ويتحرك الشاب بها كمن يرفض أن يُحبس في طبقته، كمن يحلم بالذات التي يريد أن يكونها. ولا تتكلم الدراجة، لكنها تصرخ بالتحوّل، وتفتح أبوابًا للذات.

    وفي ذاكرة السينما تقرأ العلاقة بين الدراجة والسينما أنهما وُلدتا معًا، كرمزين للمجتمع الحديث، للحركة، للسرعة، للتحوّل. وتُظهر الدراسات أن الدراجة كانت جزءًا من أول فيلم عرض، وأنها منذ البداية كانت مرآة للمدينة، للحداثة، للزمن المتسارع. ولا تتكلم الدراجة، ولكنها تحكي قصة المجتمع، وتعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والمكان.

    ويتبين أن الدراجة في السينما تؤدي أدوارًا متعددة: كأداة كوميدية، كعمل، كرياضة، كاستقلال طفولي، كرمز سياسي، كتحول اجتماعي. وتتحول الدراجة إلى طبقات من إنتاج المعنى، إلى رموز مفتوحة على الهوية، الطبقة، الجندر، الطفولة، وحتى التقدّم التكنولوجي. ولا تبقى الدراجة مجرد آلة، بل تصير نصًا بصريًا، وشخصية سردية.

    وارتبطت هذه السينما بالحركة، وبالجسد، وبالروح التي تتلوى في الإطار. وتتحول الدراجة إلى شخصية صامتة، تخاطب العيون، وتعيد ترتيب معاني الحرية، المقاومة، الهوية. فهي لا تتكلم، لكنها تفكر، وتدور، وتعيد تشكيل الحكاية وهوية الفيلم على المستوى السردي.

    الدراجة الهوائية: مرآة الذات واختزال الأزمات

    أصبحت الدراجة الهوائية أكثر من مجرد وسيلة نقل في الفيلم، فقد تحولت إلى شريك سردي، إلى شخصيّة ثانية تحتضن البطل وترافقه في رحلة تتجاوز الفعل إلى إنتاج المعنى؟ ماذا يعني أن يُبنى فيلم بكامله حول دراجة، حول بحثٍ عنها، أو رغبة في اقتنائها؟ سينما الدراجات الهوائية لا تقدم دراجة كمجرد أداة، فهي مرآة للذات، حاملة لأعباء العالم، مختزلة لجملة أزمات تبدأ من لقمة العيش ولا تنتهي عند حدود الحلم.

    فقد ظهر أنطونيو في الفيلم الإيطالي الشهير “سارقو الدراجات” للمخرج فيتوريو دي سيكا، لا يتحدث إلا بوجهه، بارتباكه، بحركته المنكسرة، بعينَيه التائهتين وسط شوارع روما. ويعمل كمُلصِق إعلانات، وظيفة متواضعة ولكنها شريفة، مشروطة بوجود دراجته. ويخبرنا الفيلم أن الفقر لا يُنتج بطلاً خارقًا، وإنما إنسانًا هشًا يحتاج دراجة هوائية ليعيش. وفي اللحظة التي تُسرق فيها، يفقد أنطونيو ما هو أعمق من وسيلة نقل: يفقد احترامه لنفسه. وتتحول رحلته في البحث عنها إلى مرآة للأزمة الاقتصادية التي عانت منها إيطاليا ما بعد الحرب العالمية الثانية. وحين يسأل طفله الصغير “ماذا سنفعل إن لم نجدها؟”، لا يكون السؤال عن الدراجة فحسب، بل عن معنى الحياة في ظل فقدان أبسط أدوات البقاء وسط الخراب والفقر والبطالة.

    ويمثل أنطونيو نموذجا لشخصية مشروخة تعكس أزمة اجتماعية واقتصادية حقيقية. ما يُميّزه أنه قابل للانكسار. وفي مشهد النهاية حين يُضطر لسرقة دراجة بنفسه، نراه في أكثر لحظاته بؤسًا محاطًا بالناس، منطفئ الكرامة، فيما ابنه الصغير ينظر إليه بعينين تتفكك فيهما صورة الأب. ويُجسّد هذا البطل هشاشة الإنسان أمام شروط اقتصادية قاسية، وتُعيد الدراجة تشكيل بنيته النفسية من الداخل، فتقوده من دور المُعيل إلى رجل مكسور. لا يخسر دراجته فقط، يخسر ذاته.

    وفي سياق مغاير تمامًا، تظهر “واجدة”، الطفلة السعودية في الفيلم الذي يحمل اسمها. ولا تبحث واجدة عن دراجة لتكسب لقمة العيش، فهي تبحث عن تحقيق استقلالها في مجتمع يعتبر الدراجة شيئًا لا يليق بالبنات. حلمها بسيط، فهي تُواجه سلطة الأم والمدرسة والدين والعُرف، وتحاول أن تشق طريقًا نحو الحلم. وتصبح دراجتها استعارة لتحرّر أنثوي هادئ، يمرّ من خلال جهد يومي، واقتناص للفرص، وتعلّم لقواعد اللعبة. تقول واجدة: “سأفوز بالجائزة وسأشتري الدراجة. سأسبق عبد الله، وسأجعله يأكل الغبار”. تتحدث بمرح، لكن في كلماتها احتراق داخلي لطفلة تقاوم من دون ضجيج.

    وتتجلى في هذين النموذجين الأبعاد الاجتماعية بوضوح. فالدراجة هي جزء من الطبقة، من القدرة على التقدم في الحياة، من الحق في التنقّل، من طموح لا يسمح المجتمع أو الاقتصاد بتحقّقه. ولا يحارب البطل في هذه السينما شبحًا خارقًا، فهو يحارب مجتمعا بفقره، وبقدره، ومن مجتمع يتكوّن من ضغوطات متراكمة وقيود مفروضة. وتحمل هذه الشخصيات نبضًا واقعيًا يجعلها أكثر إنسانية.

    وينتقل البُعد السياسي إلى الواجهة حين نستعرض شخصيات مثل الشاب “غوي” في فيلم “دراجة بكين”، الذي يعرض صورة حديثة لصراع طبقي بين أبناء المدينة والقادمين من الريف. يشتغل غوي عامل توصيل في بكين، ويحصل على دراجته من الشركة كوسيلة للعمل، لكنها تسرق منه، تمامًا كما سرقت المدينة أحلامه. ويقودنا الفيلم نحو اشتباك رمزي على الدراجة بينه وبين شاب من طبقة ميسورة، كل منهما يرى فيها شيئًا مختلفًا. أحدهما يرى فيها خبزه اليومي، والآخر يراها رمزًا للهيبة أمام أصدقائه. ويشتبكان في محاولة من يملك الحق في التقدّم، ومن يملك جسده وحريته في فضاء المدينة. وحين يقول غوي: “هي ملكي، اشتغلت لها ولن أتنازل عنها”، يكشف عن موقف سياسي غير معلن: احتجاج ناعم ضد سلطة اجتماعية تهمّشه.

    ويقرر الطفل في الفيلم البلجيكي “The Kid With a Bike” (الفتى والدراجة) (2011) للإخوة داردين أن يُمسك بالدراجة كما لو كانت آخر ما تبقّى له من العالم. والده تخلّى عنه، والمجتمع لا يهتم، وهو يُدرك أن الدراجة تعني أكثر من مجرد حرية: هي شيء يشبه الأم، يشبه الأمان. كلما ركبها، عاد إليه شيء من الحياة. ويُخبر مربّيته ذات يوم: “أنا لا أستطيع أن أنام إذا ما لم أعرف أين دراجتي؟”، وتصير الدراجة هنا الحبل الوحيد الذي يربطه بماضيه، ووسيلته لرفض حاضر بلا جذور. هنا تُعالج السينما البُعد النفسي بعمق. ولا يفهم الطفل ما يحدث حوله، لكن الدراجة تمنحه إحساسًا بالاتّساق، بالقدرة على التحكّم، حتى لو كان العالم كله يتآمر على سلبه هذا الإحساس.

    ولا تتوقف أبعاد البطل عند الاجتماعي والسياسي والنفسي. وتتجلى الرمزية بأعلى درجاتها في لحظات مثل مشهد التحليق الأسطوري في فيلم “E.T”، حيث يركب الصبي دراجته، ويصعد بها إلى السماء، ويحمل الكائن الفضائي معه، ويصنع أحد أكثر المشاهد أيقونية في تاريخ السينما. ولم تعد الدراجة تنتمي هنا إلى الأرض، بل صارت مرآة للخيال، للطفولة التي ترفض الجاذبية، ولصداقة لا تحتاج للكلام. ويتحرر الجسد من المادة، وتنفتح الشاشة على معنى رمزي يكاد يكون دينيًا في إيمانه بالنقاء، بالطفل، وبالحركة التي لا يوقفها سوى القلب.

    ولا يأتي النقد في هذه السينما عبر الخطابة، يأتي من عمق البناء. فالبطل الهش، والدراجة المسروقة، والفتاة التي تُمنع من الشراء، والطفل الذي لا ينام خوفًا على دراجته، كل هذه عناصر تقدم خطابًا نقديًا ضد البنية الاجتماعية التي تعرقل الحلم، ضد السلطة التي تفرض تصوراتها على الجسد، ضد اقتصاد يُصنّف البشر بناءً على ما يملكون في وضع طبقي متمايز. ولا تهاجم السينما هنا علنًا، بل تهمس في أذن المتفرّج: انظر كيف يبدو البطل صغيرًا، ضعيفًا، لكنه لا يتوقف.

    تحمل شخصيات سينما الدراجة الهوائية تناقضًا جوهريًا: جسد يتحرك باستمرار، وعالم يحاول منعه من التقدّم. وتجد البطلة أو البطل طريقه رغمًا عن الضيق، يتنفّس عبر العجلة، يركض في الشارع، ويخترق الحواجز، فقط ليقول للعالم: أنا هنا. وما يجعل هذه الشخصيات استثنائية بكينونتها، فهي تعيش الهشاشة واللاثبات ورغبتها المستميتة في أن تظل واقفة، راكبة، متّجهة نحو أفق ما دون أن تتوقف.

    وحين نعود إلى اللحظة التي تنجح فيها الطفلة “واجدة” في شراء الدراجة، لا نرى مجرد فتاة تدور حول سور منزلها، نرى جملة سينمائية حاسمة تقول دون كلمات: الحلم لا يُشترى، لكنه يُنتزع.

    وتبقى الكلمات التي قالها والد الطفل في فيلم “The Kid With a Bike” دون أن يسمعها ابنه: “أحيانًا، نركب لنبتعد. وأحيانًا، نركب لنقترب مما كنّا عليه”، وهذا هو البطل في سينما الدراجات الهوائية، لا يسير هاربًا من العالم، بل يتجه صوبه.

    إقرأ الخبر من مصدره