Étiquette : البترول

  • عودة حركة الملاحة إلى قناة السويس بعد تعويم سفينة عملاقة

    قالت هيئة “قناة السويس”، إن السفينة التي جنحت في المجرى الملاحي للقناة مساء أمس الأربعاء تم تعويمها بالكامل، مشيرة إلى أن حركة الملاحة تسير بشكل طبيعي.

    وأضافت الهيئة في بيان أن السفينة السنغافورية والمحملة بالنفط، جنحت مساء أمس وكانت قادمة من البرتغال وفي طريقها إلى ميناء ينبع بالسعودية.

    وكشفت وسائل إعلام مصرية أن ناقلة البترول “أفينيتي في” ، يزيد طولها عن 250 مترا، وعرضها عن 54 مترا، جنحت مما أدى إلى توقف حركة الملاحة في القناة بشكل تام، موضحة أن أعمال تعويم السفينة أفضت إلى إعادة فتح حركة الملاحة بالقناة مرة أخرى أمام السفن العابرة.

    وت عتبر قناة السويس أحد أبرز طرق الملاحة البحرية في العالم إذ تمر عبرها 10 بالمائة من التجارة البحرية الدولية.

    وأكدت هيئة القناة أن “المجرى الملاحي “آمن تماما وتمت استعادة حركة السفن في المجرى الملاحي خلال فترة قصيرة”.

    وأوضحت الهيئة أن ه “فور وقوع الحادث، تشك لت مجموعة عمل وتم الدفع بخمس قاطرات وقسم الإنقاذ بالهيئة للتعامل السريع مع الموقف وتعويم السفينة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • نقابي: هناك ارتفاع في سعر الغازوال الصافي في الأسواق الدولية

    أكد الحسين اليماني الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز، أنه حسب متوسط الأسعار في السوق الدولية وبسعر صرف الدرهم بالدولار خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر غشت 2022، فمن المطلوب وحسب تركبة الأثمان التي كان معمول بها قبل تحرير الأسعار من طرف حكومة بنكيران، أن لا يتعدى لتر الغازوال 14,73 درهم، ولتر البنزين 13,59 درهم، ابتداء من فاتح شتنبر 2022، وهي المرة الأخرى التي يتفوق فيها سعر الغازوال على سعر البنزين بأكثر من درهم مغربي.

    وأوضح اليماني في تصريح لموقع “برلمان.كوم”، أنه ورغم الارتفاع الطفيف لسعر لتر النفط الخام من 6,24 درهم الى 6,35 درهم، فإن ثمن لتر الغازوال الصافي انتقل في السوق الدولية من 8,89 درهم إلى 9,85 درهم (+11٪)،  وهو ما يؤكد ارتفاع الأرباح والمضاربات في سوق المواد الصافية، ويبرر الجدوى الاقتصادية والمالية من تكرير البترول، ويظهر مرة أخرى انفصال سوق الغازوال عن سوق النفط الخام.

    وتساءل النقابي في تصريحه قائلا، إنه “بمناسبة تحضير قانون المالية لسنة 2023، فهل ستستمع الحكومة لنداءات الشعب المغربي وتسن بعضا من الإجراءات الكفيلة بالحد من ارتفاع أسعار المحروقات، عبر وضع حد للأرباح الفاحشة للمحروقات بعد تحريرها أو التخفيض من مستوى التضريب، أو إطلاق سراح تكرير البترول بمصفاة المحمدية، أو استرجاع الأرباح الفاحشة المسروقة منذ التحرير أو الزيادة في الأجور، أوتقديم الدعم المباشر من جراء غلاء المعيشة؟”.

    وتابع اليماني “هل تعلم الحكومة بالارتدادات الناجمة عن غلاء أسعار المحروقات وأثرها السلبي على المعيش اليومي للمواطنين، وعلى السلم الاجتماعي في البلاد، في ظل السياق الدولي المحفوف بكل المخاطر واستمرار المواجهة بين روسيا والغرب على الاراضي الأوكرانية واحتمال اشتعال بؤر أخرى”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ملف: « هل المغاربة متديّنون؟ ».. هكذا تحدّث قادة الفكر المغربي

    هذا سؤال خارج العادة والمألوف، لكنّه كفيل بإثارة ما يعتقد الكثيرون أنه مسلّمة لا حاجة لأي نقاش حولها؛ حيث يبدو للوهلة الأولى أن الحديث عن درجة تديّن المغاربة ونمط سلوكهم الديني، مجرّد ترفٍ ثقافي. لكن الواقع أن أسئلة الدين والتديّن بالنسبة للأمة المغربية، هي أسئلة الحاضر والمستقبل. كما أن الإجابات التي تضمنتها محاور الملف، هي إجابات تخصّ طبيعة فهم المغاربة لأنفسهم وللعالم من حولهم.

    لم يعد التديّن نقاشا فرديا، فقد تداخل هذا الموضوع مع أشدّ القضايا حساسية في المنطقة والعالم. وأصبح فهم المجتمعات للدين يحدد مستقبل الأمن القوميّ، وطبيعة العلاقات بين الشعوب والدول والديانات والثقافات.

    إن درجة الانفتاح والتّسامح، أو معدّل الانغلاق والتشدّد، كفيلة بتحديد طبيعة العلاقات بين المغاربة ومحيطهم الإقليمي والعالمي، وكيفية تأثير التديّن المغربي في الثقافة الإنسانية، ومدى مساهمته في بناء الإنسان المتوازن في المنطقة.

    إن استكشاف مجال التديّن المغربي لا يتحقق حتما من خلال طرح الأسئلة البسيطة التقليدية والباردة. فمثل هذه الأسئلة كفيلة بأن تجعل الصورة أكثر ضبابية وعتمة، وبلا ملامح واضحة، بالنسبة للأجيال الحالية. لذلك، يمثل هذا الملف الذي جمع نخبة الفكر المغربي: فضيلة العلامة مصطفى بن حمزة، الدكتور كمال القصير، الدكتور حسن أوريد، الدكتور عبد الله بوصوف، الدكتور سعد الدين العثماني، محاولة جرّيئة وجادّة لفهم تديّن المغاربة. ذلك أن عناصره من خلال الحوارات التي تم إجراؤها، تقدم إجابات لا تقلّ جرأة ووضوحا عن الأسئلة المهمة التي تم طرحها.

    لا يمكن استكشاف التديّن المغربي من خلال مقاربة واحدة. ولهذا السبب، حرص الملف على تنويع المقاربات من خلال تحقيق التنوع في مشارب الشخصيات التي ساهمت بفكرها ووقتها من أجل إنجازه، وتقديم زبدة أفكارها حول هذا الموضوع، الذي يمثّل حياة المغاربة ونمط عيشهم وتفكيرهم اليومي، ورؤيتهم لماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم.

    إن الملف يضمن للقارئ والباحث أن يطلع على إجابات غير تقليدية حول موضوع تديّن المغاربة، وأن يجد نفسه بداخله، معنيا بكل الجزئيات والتفاصيل التي تم النقاش حولها.

    وتشير الصورة النهائية إلى أن تديّن المغاربة، يصنعه المغاربة أنفسهم، ويغذّونه بالماضي والتاريخ والتراث، ثم بالحاضر والمستقبل. والمغاربة في كل ذلك، يسعون إلى الحفاظ على نسخة متفرّدة من فهم الإسلام في العالم العربي والإسلامي، كما شيّدها السلطان والعالم والتاجر والإنسان العادي، منذ قرون. لكنها نفس نسخة التديّن المغربي التي تواجه تحديات عالمية ضخمة في مجال المعرفة والقيم، التي تمارس تأثيرها وضغطها على كثير من عناصره، التي تفتقِد إلى الفاعليّة والجاذبيّة وغياب التّجديد.

    =========

    البعض يُسَمّون « دعاة » لكنهم ليسوا علماء وأداء المجالس العلمية متوسط

    فضيلة العلامة الدكتور مصطفى بن حمزة، أحد كبار علماء الإسلام، وصاحب المؤلفات والمشاركات العلمية الراسخة..

    *في نظركم، هل من اليسير القول إن هناك نموذج تديّن مغربي في المنطقة؟

    هذه المسألة يقف عليها العلماء أو الذين يبحثون في تاريخ التشريع. اختيار المغاربة لمذهب معين دون مذاهب أخرى، هو جزء من الاختيار التديّني، فلماذا لم يكن حنفيا مثلا، أو شافعيا، أو شيعيا، إلى غير ذلك؟ هذا في حد ذاته تميّز واختيار، لأننا توحّدنا على مذهب واحد في الفقه، هو مذهب مالك، وعلى مذهب واحد في العقيدة، هو مذهب الأشعري، وخدمه المغاربة خدمة جليلة، وهكذا.

    هذا طبعا كل ما فيه أنه أغنانا عن الخلاف وعن الاحتراب الذي يوجد في كل مكان. أكثر الجهات في العالم الإسلامي فيها أكثر من مذهب وأكثر من اتجاه، وبعد اختيار المذاهب تبدأ الحروب. نحن نعرف الآن ما يقع بين السنة والشيعة، وهذا كان يمكن أن يكون في بلادنا، وقد حاول الناس في ذلك. ففي زمن الفاطميين، كانت هناك تمدّدات للشيعة. لكن المغاربة حسموا، لأنهم اختاروا الاتحاد والتوافق والإنتاج، بدل أن يدخلوا في صراعات إلى الآن لم تنته. مثلا، في جهات من آسيا؛ كباكستان وأفغانستان، دائما ما نسمع بتحجير المساجد، والحمد لله نحن أعفانا الله من هذا كله، بسبب اختيارنا التديّني.

    والذين يدخلون المغرب ويرون فيه بعض الممارسات، وأقصد هنا الذين لا يقرؤون، أو الذين يدركون الأشياء بعيونهم لا بعقولهم، يقولون إن المغاربة يخالفون، حينما يقرؤون الحزب قراءة جماعية، وينصرفون من هنالك مباشرة إلى أن المغاربة مبتدعة، وهذا غير صحيح.

    المغاربة اختاروا اختيارًا عن علم، والاختيار لم يكن اختيار عموم الناس؛ أي لم يكن يتم في الأسواق، بل كان يتم على مستوى المؤسسات العلمية الوازنة، التي تعرف ما تقول، وفيها كبار العلماء، خصوصا القرويين؛ حيث اختاروا المذهب المالكي من بين كل المذاهب.

    ثم في المذهب المالكي، كانت لهم تفرّدات. المالكية المغاربة خالفوا المذهب المالكي في المشرق، في أكثر من 300 مسألة، وليس في مسألة واحدة. طبعا، هذا أمر لا يراه الناس، لأنه ليس طافحا على السطح، لكنه معروف عند العلماء.

    حينما يبحث الباحثون بجد، يجدون أن هناك تميّزا مغربيّا، ليس هو الدين المغربي؛ فالدّين هو دائمًا الإسلام، وإنما هو اختيارات الناس من الدين الإسلامي، وكله مرتبط بعبقريّة وذكاء. فمثلا، من عاداتنا أن نحتفل بالطفل حين يصوم اليوم الأول، من أجل تشجيعه على الصيام، بالإضافة إلى تقاليدنا في ختم القرآن الكريم، والمشارطة مع الفقيه من أجل تأدية أجرته عبر السنة.

    هذا قد لا يجده الإنسان لو ذهب مثلا غير بعيد. إذن، فالشعوب لها طريقتها في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، وهذا لا يمسّ جوهر الإسلام.

    *سبق وتحدّثم كثيرا عن أهل الاختصاص.. ألا ترون أن ضعف حضور دعاة علماء رسميين في الفضاء الرقمي، مقابل حضور طاغ لدعاة مغاربة غير رسميين ودعاة مشارقة باتوا بمثابة « النجوم »، قد ينتج عنه تسلل لأفكار غريبة على نمط التديّن المغربي؟

     أفكار غريبة أو غير غريبة، كل ذلك إنما يردّه أهل العلم. فإن كان الإنسان عليما بما يتكلم فيه، فإنه يستطيع أن يمنع عن أمته كثيرا من الأشياء الطارئة، التي تزعزع وحدتها واجتماعها على الدين. بعضهم يُسَمّون « دعاة »، لكنهم ليسوا علماء. إذا كان الإنسان داعية، فهو متحدث ككلّ المتحدثين فقط، إنما لغته لغة دينية، ولكن قد لا يقول صوابا، لأنه ليس عالما. لا يكفي أن يكون الإنسان داعية لأن يكون محقّا. وها نحن نرى بعض الدعاة تألقوا ثم انطفئوا، وبعضهم تراجع كقرار، لأنه لم يكن يتحدث علما، وهذا الأمر الذي وقع في تاريخنا الحديث؛ أي أن بعض الناس الذين ليسوا من أهل العلم أفتوا، وقدموا أنفسهم على أنهم أصحاب معرفة، ثم انتهى الأمر إلى أن وقعت اختلالات كبيرة في المجتمع، وهم الآن يتراجعُون في نهاية المطاف.

    العالِم الذي يحترم نفسه قد لا يكون كثير الكلام، لأنه يريد أن يحقق ما يختاره، وهنا يبدو أنه مقلّ فيه. وعلى العموم، بعض المواقع هي مواقع للجدال الذي لا ينتهي ولا يأتي بالشيء الكثير. لا يمكنك أن تجادل إنسانا لتصرفه عما هو فيه، فأولى لك من ذلك أن تعلّم، لأن الجدال لا ينتهي، وكل شخص تجادله لا بدّ أن ينتصر لنفسه، ولا بدّ أن يردّ، ويطول الحديث، وينتهي ربما إلى العبارات غير العلمية وغير اللائقة أخلاقيا. لذلك، يتورّع الكثير من العلماء عن الدخول في الجدالات. أما الآخرون، فإنهم لا يظهرون إلا بالجدال، فإذا تجادلوا ظهروا، لأنه ليس لهم مزية، لا يكتبون في موضوع علمي محرر، أو في باب من أبواب المعرفة مثلا. هم فقط يتحدثون حديثا عاما، ويقولون اليوم كلاما، وينقضونه غدا أو بعد غد. فهذه هي الظاهرة. ولذلك، يبدو أن الذين يتحدثون بلا ضوابط، يجب عليهم أن يرجعوا إلى الوراء قليلا، والذين ربما صمتوا وسكتوا، يجب عليهم أن يجتهدوا في تحقيق معارف، ويحدّثوا بها الناس، بدون الدخول في جدالات، وهذا هو الصواب.

    *بحديثنا عن استغلال الفورة الرقمية، هناك من ينتقد غياب دور المؤسسات الدينية الرسمية في هذا الباب، وعدم تقديمها دعاة علماء يحضرون بقوة على الساحة.. ما رأيكم؟

    الثورة الرقمية ليست كلها ثورة علمية، هي ثورة مناقشات وتيارات ومحاكاة. وفي بعض المرات، لا يكون العلماء مستعدّين للدخول في هذه الأشياء، للدفاع عن قضية من القضايا، التي يتبناها طيف ربما من أطياف المجتمع. ودخولك واستغراقك الحديث معهم، هو في الحقيقة لا يعود على الأمة بكبير فائدة، وإنما يحدث حزازات.

    دعينا نقول إن البرامج الحوارية في بعض القنوات الكبيرة انتهت كلها إلى الإخفاق، لأنها كانت تحرّض الأشخاص، وتقود نزاعات، وينتهي الأمر في بعض المرات، بالسب والشتم والضرب، وهو ما لم يخدم المعرفة، وإنما كان انتصارا للنفس والهوى والتيّار.

    تعرفون أن هناك الآن برامج حوارية صاخبة ومعروفة، لكن لم يجد لها الناس فائدة، إلا أنها أصبحت تنشر الخلاف والصراع.

    *هناك من يرى أن الدولة تحتكر المجال الديني، في ظل غياب احتواء تيارات دينية وفكرية أخرى، عن طريق تنظيم نقاشات ومناظرات معها؛ ما يجعلها تظهر بصورة المتمردة دينيا « الجذابة »، وتدعي الاضطهادية والمظلومية لنشر أفكارها.. ما رأيكم؟

    هذا كان موجودا وسيظل باقيا. للعلماء الآن مجالس على مستوى المغرب كله. وكل مجلس له نشاطه العلمي، ويعقد ندوات ومحاضرات. هذا يراه القاصي والداني، ولا أحد يستطيع أن يقول غير ذلك.

    هناك من لا يُريد الدخول في هذه النقاشات أصلا، بل يريد أن تكون له ذاتيّته وكيانه، ويريد أن يتفرد على أساس أنه هو الذي يمثّل الإسلام، وأن غيره لا يفهمه، وليس مأمونًا عليه أصلا.

    *مثل من؟

    هناك تيارات ترى أن لها مشروعها وفهمها للدين. ماذا يوجد في العالم إلّا التيارات؟ الآن، التيارات كثيرة، الأديان كثيرة. الآن، كل يومين ينشأ دينٌ جديدٌ في العالم. هذه مسألة لا تخص المسلمين فقط، بل هم أقل الناس توزعا في هذا.

    هناك تيّارات كثيرة ترفض الدخول في النقاش، حتى لا تكون محسوبة على هذه الجهة، أو تعتبر رسمية، لو نسقت أو انسجمت. بعضهم يختار هذا الاختيار، ويبقى فيه إلى أن يضعف ويتلاشى، ثم ينتهي أمره.

    أنا أقول إن العلماء يجب أن يقوموا بواجبهم، بغير النظر إلى هؤلاء؛ لأنهم ليسوا في مسابقة مع المجتمع، بل ما يجب عليهم هو خدمة هذا المجتمع. بالمقابل، على المجتمع أن يُقبِل على العلم. الإقبال على العلم ضعيفٌ إلى حدّ صحيح، وهو ليس وظيفة العلماء، الإقبال هو وظيفة الأمّة.

    *في رأيكم، ما السبب الذي يجعلنا حاليا نرى ضربا كبيرا في التصوّف، أحد رموز الهوية الدينية المغربية؟

    التصوّف مثله مثل كل التيارات، يجب أن يكون محكوما بحضور العلماء. التصوّف قدّم رسالة مهمة جدا في باب الجهاد في المغرب، وحرر كثيرا من المناطق، وخدم المعرفة في بلادنا، وفي الجزائر، وفي ليبيا حيث الزاوية السنوسية، إلخ. هذا شيء لا يمكن أن ينكره أحد، أو يغالط فيه. أمّا بخصوص الممارسات، فهناك ممارسات مختلفة. هناك تصوّف يقوم على العلم والمعرفة والالتزام بأحكام الشّريعة الإسلامية، ومن هذا الباب تصوّف الشيخ أحمد زروق، الذي كان لا يفصل بينه وبين الشريعة، والذي له كتاب اسمه « قواعد التصوّف » يجمع فيه بينهما.

    لا يمكن للتصوّف أن يخطّ لنفسه طريقا خاصا، وليس بديلا أو قسيما للشريعة. الشّريعة هي الأصل، والذي يتعاطى التصوّف ينظر إلى نفسه وإلى فعله بميزانها. فبقدر ما يزن فعله بالشريعة، يقلّ حوله الخلاف.

    في التاريخ القديم كان هذا موجودا. كانت هناك مدارس في التصوف؛ كالتصوف الفلسفي، ووحدة الوجود، وهذا تحدث فيه الناس قديما، وقالوا إنه ليس صوابا. ولكن التصوّف الذي كان معروفا ويحضره العلماء، كان في الغالب مأمونا ومفيدا، وكان عمليّا.

    *إلى أي مدى ترون أن التصوّف قادر على تأطير المغاربة؟

    المغاربة لا يؤطّرهم الآن إلا أن يتفقوا على أن يكون للدّين مكانٌ في حياتهم. لكن حينما يقوم تيّار ينبذُ الدين أصلا بتصوّفه وبغير تصوّفه، فهذه معضلة أخرى. حينما يوجد من يريد أن يجهز على أحكام الشريعة الإسلامية، وهي الحد القاسم المشترك الذي يتفق عليه المغاربة، لا يجب أن يُسمح له بذلك؛ لأنه حينما يريد أن ينقضها، يكون قد نقض المجتمع. المجتمع ليس له ما يجمعه إلا هذه العقيدة والشريعة. ولذلك، فالضرب فيها هو تفكيك أو بداية في تفكيك المجتمع.

    *هل التصوف نخبويّ، كما يعتبره البعض؟

    بل أرى أن كثيرا من العامة منخرطون في التصوّف، وليسوا كلهم نخب. كما أن هناك بعض الأشخاص الذين لهم اختيارات من نخب مثقفة، وهم أقل من ذلك بكثير.

    *ما تعليقكم على المنحى الديني الذي تكلم به أمير المؤمنين الملك محمد السادس، في خطاب العرش الأخير، خاصة حينما قال: « لن أحل ما حرم الله ولن أحرم ما أحل الله »؟ وما مدى تأثيره في الشأن الديني المغربي؟

    حينما نتحدث عن الثّوابت، فهذِه هي الثوابت؛ لأنه أولا، عند كل المسلمين، لا يمكن لأحد أن يحلّ أو يحرّم اشتهاءًا، والدين والأديان السابقة ما أفسدها إلا تدخل البشر فيها بالتحليل والتحريم.

    حينما يتحدث بهذا أمير المؤمنين، فهناك أصول أو أسس. الأصل الأول هو فهمنا أن الدين هو وضع إلهي، وليس وضعا بشريا. هناك حكم عقلي، وحكم شرعي، وحكم عادي. الحكم العادي مرجعه العادة والتجربة، والحكم العقلي مرجعه قواعد العقل، وهي قواعد مستقلة، والحكم الشرعي يتأسس على الكتاب والسنة. فلذلك، حينما تريد أن تتحدث للناس عن حكم تقول إنه شرعي، ولكن تنقض الكتاب والسنة، فمعناه أنك تكون قد اضطربت. لو قال لي شخص إنني أريد هذا على أساس أنه فلسفة شخصية، أسمع منه. لكن أن تقول لي هذا حكم شرعي، لا بد أن تمر إليه عبر المسالك التي يُمرّ منها إلى الحكم الشرعي، وهي الكتاب والسنة، ثم باقي المصادر التي يستند إليها العلماء بالاتفاق. ليس عندنا رأي في الفقه قائم على التشهي أو الاختيار. ما وقع على التشهي والاختيار كله لا قيمة له. هذا التأسيس الأول.

    التأسيس الثاني هو أن أمير المؤمنين يتحدث من موقع إمارة المؤمنين، التي من واجباتها حماية الدين. لذلك، الملك يعطي اطمئنانا على أنه يلتزِم بما يُمليه منصب إمارة المؤمنين.

    المسألة الثالثة هو أن الملك، حسب المادة 41 من الدستور، يرأس المجلس العلمي الأعلى، وترفع إليه قضايا الفتوى العامة، ويحيلها على المجلس بعد ذلك. هذا هو الجانب التنظيمي. أما حينما نفتح باب الفوضى، ويتكلم كل بما يشاء، فيجب على الإنسان أن ينتظر، سيسمع شيئا كثيرا.

    ما الذي يفيد الناس؟ إنه الأمنُ في حياتهم الدينية. قد يفتي المجلس العلمي بشيء لا يُقبل به، لكنه يضمن الوحدة. حينما يقوم في كل منطقة متحدّث، وينادي بشيء ويحلّ ويحرّم.. هذا وقع، والناس ملّوا منه. نحن لا يعجبنا أن تكون هناك هذه الفوضى. لقد جمعنا أمرنا على هذا. الفقه كما هو معروف، هو فقه ظني، ولكن الأساسي هو الإبقاء على تجمع الناس ووحدتهم. هذا هو المُراد.

    لذلك، حينما يعود أمير المؤمنين إلى هذا، ويقول لن أحلّ حراما وأحرّم حلالا، فهو يُعيد هنا حديثا نبويا، وهذا كله جميل. لماذا؟ نحن لا نتحدث عن الأشخاص، لأن هناك من لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب ولا في رمضان. هناك من لا يقبل شيئا، ونحن لا يمكن أن نضحي بأمّة من أجل آراء يقولها أناس، ثم يتراجعون عنها غدا. لذلك، نقول لا بد من التعقّل، والمغرب في هذا الباب هو رمز للاستمرار والاستقرار. ليس لدينا حروب دينية، أو خلافات، إلّا لمن يريد أن يُحدثها.

    في بعض الجهات، كانت أربعة منابر وأربعة محارب. هذه الأمور لم تكن في تاريخنا. كنّا دائما نصلي وراء إمام واحد، ونجتمع في صف واحد. الوحدة هنا أهمّ من كل شيء. ما الذي فعل الذين خالفوا؟ نرى الآن الدماء في كل المناطق وفي كل المناسبات الدينية. بسبب ماذا؟ بسبب الاختلاف، بسبب أن كل واحد يكفّر الغير، وأنه يرى أنه يسعى إلى الدين، وكذا.

    وضعية المغرب وضعية يجب أن يحافظ عليها. إذا كنا نريد الحفاظ على وجودنا وعلى أمننا وعلى اقتصادنا، يجب أن نعطي الناس الاطمئنان بأننا آمنون فقط.

    *إلى أيّ مدى حققت المجالس العلمية الأهداف التي جاءت من أجلها؟

    إلى حدّ متوسّط، وطبعا لا بد لها من مزيد دعم ومراجعة في عملها وبرامجها.

    *في نظركم، أين يكمن الخلل فضيلة العلامة؟

    في المغاربة كلّهم. المغاربة كلهم لهم جزء من المسؤولية والتقصير. والواجب أن يكون الاهتمام بالشأن المجتمعي والديني أكبر.

    =========

    المؤسسات الدينية مطالبة بتكثيف حضورها في أقاليمنا الجنوبية والإسلاميون تركوا فراغا أيديولوجيا لم تستثمره الدولة حتى اللحظة

    د. كمال القصير، مفكر وكاتب مغربي من الجيل الجديد، مررتم بتحولات فكرية كما هو واضح من كتاباتكم، وتعملون على وضع نظرية جديدة في التاريخ والاجتماع، أطلقتم عليها « قانون الفراغ »..

    *كيف ترون تصنيف المغاربة ضمن الشعوب الأكثر تديّنا؟

    أحبّ أن أصف التديّن المغربي الحالي بأنه مثل « الماء الذي يجري في الجسم، لكنه لا ينفد إلى الخلايا ». لكن إذا أخذنا بعين الاعتبار عنصر « الشعور الديني »، وهو مختلف عن التديّن، فإننا سنجد أن المغاربة من بين أكثر الشعوب امتلاكا للشعور الديني وتفاعلا مع قضايا الهوية. لكن معيار الأقل تديّنا والأكثر تديّنا بين الشعوب يعتبر مقياسا نسبيا جدا، لا يمكن الاعتماد عليه.

    درجة تديّن المغاربة قد تكون مرتفعة في لحظات معينة، مثلما هو الحال في شهر رمضان؛ حيث يصبح أداء الشعائر هو الأولوية في برنامج المغاربة، ثم تنخفض درجة الالتزام في فترات زمنية أخرى، يصبح فيها المغاربة أكثر إقبالا على المتعة.

    *هل يمكن فعلا الحديث عن وجود نسخة تديّن مغربي في المنطقة؟

    بالتأكيد هناك نسخة تديّن مغربي مختلفة في عناصرها عن نماذج التديّن في العالم العربي والإسلامي. والحقيقة أن ما يساهم في اختلافها هو إمارة المؤمنين، التي تدبّر توازن العلاقة بين الدين والسياسة والمجتمع، بشكل مختلف عن عموم ما تعرفه المنطقة. إمارة المؤمنين المكون الأكثر فاعلية وتوفيرا للانضباط من بين مكونات التديّن المغربي الأساسية؛ مثل المذهب المالكيّ والأشعريّة، وعناصر أخرى أقل تأثيرا في الواقع الحالي؛ مثل التصوّف، مع أهميته في صناعة الوعي الديني في تاريخ المغرب.

    لكن هنالك عنصر آخر أكثر أهمية في التديّن المغربي لا يتحدث عنه المثقفون، وهو المغاربة أنفسهم. المغاربة على مرّ التاريخ، أغنياء وفقراء، حكاما ومحكومين، نخبا وأناسا عاديين، هم الذين صنعوا نموذجهم الخاص من خلال رؤيتهم للإسلام. نعم، بوعي أو من دون وعي، كان التاجر والعالم والسلطان والمعتكف في الزاوية يصنعون هذا النموذج الذي نشاهد آثاره اليوم. لكن علينا أن ننتبه إلى أن ضعف مكونات التديّن المغربي؛ مثل المذهب المالكيّ والأشعريّة، يخرج النسخة المغربية من حالة الخصوصية التي تميزها في المنطقة، ليصبح تديّن المغاربة عاما مفتقدا لميزة التفرد، مثلما حدث في السبعينات والثمانينات، عندما تسربت كثير من الأيديولوجيات نحو المغرب، وأضعفت الاعتناق الجماهيري للمذهبية.

    المغرب بلد متعدد المشارب من الناحية التاريخية والاجتماعية والثقافية، وهذا الأمر يفرض هندسة ثوابت التديّن المغربي، وفقا لمعطى التعدّد. نسخة التديّن المغربي قد ساهم فيها أهل الشمال والشرق والغرب، وأهل الجنوب والصحراء، وأجدني بمناسبة الحديث عن أقاليمنا الجنوبية، مضطرا للتنبيه إلى أهمية أن تنبثق لدينا رموز علمية فقهية وطنية صحراوية؛ لأن هذا الأمر أساسي في تصوّر مفهوم الوطن، ولا ينبغي أن يحدث فراغ في هذا المجال، وهذا يفرض على المؤسسات الدينية أن تكون أكثر نشاطا في الجنوب. لقد كانت الصحراء منذ قرون تصنع الرموز العلمية، ومن مصنفات وكتب علماء الصحراء، كان يستفيد باقي المغرب.

    *هل يمكن ربط « الازدواجية » التي يعيشها المغاربة، بالمؤسسات السياسية، وخاصة الرسمية منها، التي تستمد شرعيتها من الدين، وفي نفس الوقت تتبنى الحداثة والانفتاح الليبرالي؟

    ما يسميه البعض ازدواجية يرجع في الحقيقة إلى وجود حدّ أعلى للتدين وحدّ وسط وحدّ أدنى يعيش بداخله الناس، صعودا ونزولا. ويرتكب الكثيرون خطأ باعتقاد أن اختلاف درجات التديّن يعبر عن نوع من الازدواجية. والحقيقة أن صعود درجة التديّن وهبوطها مسألة معروفة في التاريخ.

    عندما تفكر المؤسسات الرسمية في وضع نموذج لهندسة الوعي المغربي، فإنها تبني رؤية قومية تستحضر عناصر التاريخ والهوية والواقع ومقتضياته، وهو ما يؤثّر، بلا شك، على طبيعة تديّن المغاربة. والكثير من المغاربة يحاولون أن يجدوا خلطة وصيغة تجمع بين الالتزام والانفتاح في آن واحد: إرضاء حدّ أدنى من متطلبات الدين ومسايرة مقتضيات سلطة العرف الاجتماعي، في نفس الوقت.

    المغاربة لا يعيشون في قرية معزولة، وهم يعيشون حالة انفتاح هائلة. العرس المغربي الذي يستدعي حفظة القرآن في اليوم الأول، ثم يستدعي مجموعة غنائية في اليوم التالي، موقف وجواب اجتماعي عن الحداثة والأصالة. العادات واللباس المغربي فيه أيضا صيغة الجمع بين رموز المحافظة والانفتاح معا. في كلّ بيت، هناك جلّابة مغربية. والحقيقة أن المغاربة متفوقون في الحفاظ على الأشكال والرموز المحافظة في المنطقة، رغم أنهم أكثر الشعوب قربا من حدود العالم الغربي.

    المحافظة على الطقوس والتقاليد السياسية والاجتماعية تبدأ من أعلى هرم الدولة وتصل إلى أصغر بيت في المغرب. يكفي أن نرى أمير المؤمنين ودرجة محافظته على اللباس التقليدي المغربي، لنفهم درجة انتشاره بين المغاربة، وتذكيرهم في كل حين، أن هذا الأمر جزء من التاريخ والوعي المغربي لا ينبغي التنازل عنه. إن هذا السلوك بالغ الأهمية من الناحية الاجتماعية. وقد رأينا مثلا في دولة المماليك أن أحد سلاطينها قرّر أن يحلق رأسه بعد أن رأى قادة البلاد والناس يقلّدون المغول في إطالة الشعر، فأعادهم بسلوكه إلى خطّ التّوازن.

    *هل تغيرت الطريقة التي يعيش بها المغاربة معتقداتهم الدينية في الحياة اليومية؟

    بالتأكيد لا، يمكنك أن تسأل المواطن العادي في الشارع والسوق والمقهى والمنزل والفضاءات العامة، بل حتى في الجامعات، هل أنت مالكيّ المذهب، أو أشعريّ، أو صوفيّ؟ الكثيرون لن يفهموا عم تتحدث. لكن في القرن الماضي، كان بإمكانك أن تسأل تاجرا في فاس أو مراكش عن المذهب المالكي، ليجيبك بشكل عادي.

    الأسلوب الذي يمارس من خلاله المغاربة تدينهم ليس نمطا ثابتا في التاريخ. الانفتاح والتسامح الديني كان يختلف من مرحلة إلى أخرى. في بعض الفترات التاريخية، تجد المغاربة أكثر انفتاحا على أصحاب الديانات الأخرى. وفي مراحل أخرى، تجد المغاربة أقل انفتاحا تجاه الآخر. والأمر نفسه ينطبق على الالتزام الديني. ففي زمن المرابطين مثلا، كان زعيمهم الروحي، عبد الله بن ياسين، يضرب من يتأخر عن الركعة الأولى في صلاة الجماعة في المسجد عشر ضربات. ربما يُنظر إلى هذا الفعل الآن، سخريّة، على أنه نوع من « الداعشية ». لكن التاريخ طبعا لا نتعامل معه بالقوالب الجاهزة. بإمكانك أن تجد في مراحل أخرى، كثافة وحرصا من جانب المغاربة على تحفيظ أولادهم القرآن بأعداد هائلة، ثم يتراجع مستوى هذا التقليد في مراحل أخرى؛ مثل الوقت الحالي. طريقة عيش المغاربة للدين تتغير صعودا ونزولا، بحسب نوعية التعليم وطبيعة الوعي المنتشر في المجتمع.

    *كيف تنظرون إلى الثوابت الدينية المغربية وتأثيرها في تديّن المغاربة؟

    الثوابت قبل أن تتحول إلى ثوابت، كانت في البداية عبارة عن اختيارات للمغاربة، في لحظة تاريخية معينة. وعندما برهنت تلك الاختيارات على قدرتها وفاعليتها الدينية والاجتماعية والسياسية، أصبحت ثوابت للأمة المغربية. ولكي يتحول اختيار معين إلى مذهب كامل، فإن العملية تكون معقّدة، وتحتاج إلى وقت. والمذهب لا يستحقّ أن يسمى مذهبا، حتى يذهب به وإليه الناس. لكن الثوابت نفسها تحتاج دائما إلى عملية تجديد للحفاظ على فاعليتها، حتى لا تعود في لحظة انتكاسة، إلى مجرد اختيار لبعض المجموعات، وتفقد صيغتها الشمولية السابقة، خاصة في ظل ارتفاع أسهم مفهوم الحريات الخاصة والعامة.

    بالتأكيد، فإن إمارة المؤمنين تجدّد نفسها باستمرار، لكن باقي الثوابت المذهبية الأخرى في حاجة إلى فاعلية أكثر، لتستمر في كونها ثوابت في سلوك المغاربة. فما معنى أن نعتبر مذهبا أو فكرة من الثوابت، إذا لم تكن جزءا أساسيا من السلوك الجمعي؟

    لنكن أكثر صراحة، عندما نتحدث عن أفكار ومفاهيم المغاربة حول قضايا الإنسان والله والكون، فالأمر صادم بدرجة كبيرة. لابد أن نستوعب أنه ليس من السهل وضع الناس ضمن إطار واحد في عالم منفتح ومتعدد، يسيطر فيه مفهوم التفاهة، ويعرف سيولة فكرية ما بعد حداثية، ونزوعا نحو تجاوز البنى الثقافية. وهذا ما يستدعي ضرورة تطوير المذهبية.

    حضور الأشعريّة في التصور الجمعي للمغاربة شديد المحدودية. وسوف نلاحظ أن غالب ما يسأل عنه المغاربة من الفتاوى والاستفسارات، عند الحاجة والضرورة، يتعلق ببعض الجوانب الفقهية، ممّا له اتصال بالحدث اليومي ومشكلاته.

    وإذا أردنا معرفة حالة الإطار الأشعريّ الحالي، ينبغي أن ننظر في حجم أسئلة الناس واستفساراتهم التي تتعلق بقضايا العقيدة والكون والإنسان. وهنا قد تكون النتيجة صادمة. فذلك النوع من الأسئلة لا يخطر إلا على بال قلة قليلة. المشكلة كبيرة من هذه الناحية، ذلك أن أسئلة الناس وطلبهم للفتاوى حول قضايا القيم والاعتقاد والإنسان والكون تكاد تكون الحلقة الأضعف.

    *ما رأيك في ظاهرة التديّن الاستعراضيّ في عصر ثورة تكنولوجيا الاتصال؛ كالتّباهي بالعمرة والحج؟

    لو كانت الهواتف المحمولة وما يتصل بها من برامج وتقنيات، متاحة قبل عشرة قرون، لربما رأينا مشاهد من الاستعراض لا تختلف عما نراه اليوم. الفارق أنها موجودة بين أيدينا الآن، وتمارس تأثيرها علينا.

    إن أهم عناصر فلسفة الاتصال الآن مؤسّسة على مفهوم « نظام التّفاهة » الذي ليس تافها. وبمعنى أوضح؛ فإن المتعة التي تتيحها أدوات التواصل أصبحت تؤثر في طقوس التديّن. لكن هناك أمر غاية في الأهمية لا ينتبه إليه الكثيرون، وهو أن كثيرا من ممارسات الناس تتحول مع الوقت إلى عُرف. التقاط الصور في أماكن العبادة المقدسة لم يعد فقط خيارا نقوم به أو لا نقوم به، بل انتقل إلى درجة « العادة والعرف ». لم يكن هذا الأمر عُرفا سابقا، لكنه أصبح كذلك الآن. والعرف طبيعته الانتشار والاستقرار.

    ولنكون أكثر صراحة، فإن الاستعراض لا يقتصر على الناس العاديين، فحتى كثير من الوعّاظ الدينيين هم ضحيّة « نظام التّفاهة ». لذلك، تجد الكثيرين حريصين على تحقيق أعلى قدر من المشاهدة والمتابعة على اليوتيوب مثلا، ويعشقون زر « Like ».

    *كيف تقيمون وضعية المذهب المالكيّ والأشعريّة والصوفيّة في الواقع المغربي، ومدى تأثيرهم الحالي؟

    يخطئ من يرى أن تحديد طبيعة ودرجة التديّن المغربي، تتم فقط بناء على الإجابة على أسئلة؛ مثل كونك مواطنا مالكيّا، أو مواطنا أشعريّا، أو صوفيّا؟ إنها أسئلة هامّة. لكنها ليست كافية أو حاسمة.

    الأسئلة الجديدة المحددة للتديّن أصبحت من قبيل: ما مدى حضور القيم المادية في سلوك الأفراد والمجموعات؟ وما درجة محافظة الناس على خصوصياتهم الفكرية والاجتماعية ضمن عالم متحوّل؟ وإلى أيّ حدّ يتمتع الأفراد بوعي، ولو بسيط، بالتاريخ؟ وإلى أي حدّ تلتزم في حياتك اليومية بتعاليم المذهب المالكيّ؟

    عندما تشاهد فيلما سينمائيا من أفلام الخيال العلمي، هل لديك أفكار تعكس رؤيتك العقدية للآراء العلمية التي قد تكون شاهدتها أول مرة، تخص نشأة الكون أو نهايته؟ هذه أسئلة تساعد على تحديد وضعية التديّن ومستقبله.

    تحولات التديّن المغربي يتلخّص جانب منها، في أشعريّة بلا تجديد، وتصوّف من غير فاعلية، ومذهبية فقهية من غير اعتناق جماهيري. إن كثيرا من عناصر التديّن الأساسية لا يمكنها حاليا منافسة ما يطرحه العالم من نظريات وآراء حول الإنسان والكون.

    سوف يستمر ابتعاد التديّن الشعبي عن الإطارات العامة المنضبطة بقيود المذهب اعتقادا وفقها. ويساهم في هذا الاتجاه صعود نجم مفهوم الحريات الفردية، وتطبيقاتها السياسية والاجتماعية. سوف يستمر اختفاء كلمات عديدة كانت تعكس الوعي الديني المغربي. لقد تراجع حضور كلمات من الاستعمال اليومي. ولنقوم بقياس الحضور الاجتماعي للمصطلحات والمفاهيم الدينية، علينا أن ننظر إلى تفاصيل الوعي اليومية. سوف يستمر انحسار الكلمات الخاصة بالتصوّف. ويجب علينا أن نطرح سؤال: ما مدى وعي الصوفيّ الحالي نفسه بواقعية كلمات؛ مثل: الكرامات، المشاهدات، القطب، الفيض، الولاية؟ إنها كلمات تواصل اختفاءها.

    سوف تستمر طبقة الوعّاظ في النمو على حساب العلماء المتخصصين، وتتجه إلى أن ترث الوضع الاعتباري لطبقة العلماء المفتين، دون أن ترث قيمتهم الاجتهادية والمعرفية. يبدو أن هذه الطبقة تكتسب مساحات أكبر، كل يوم، من خلال الإعلام. إلا أنها مع مرور الوقت، سوف تميل إلى معالجة القضايا النفسية بشكل أكبر، بسبب أزمات المسلمين الروحية المتنامية.

    سوف يواصل الخطاب الديني الرسمي عدم استثمار الفراغ الأيديولوجي الذي تركه الإسلام السياسي، بسبب ضعف جاذبيته، وبشكل أكبر، بسبب الفشل في اختيار الشخصيات ذات الجاذبية. وفي هذا المقام، أتمنى من صاحب المقام، أمير المؤمنين، أن يأمر بتوسيع تركيبة المجلس العلمي الأعلى لتستوعب المفكرين الشباب، تحقيقا لمزيد من الجاذبية والتواصل للخطاب الديني مع عموم المغاربة في الداخل والخارج.

    *هل مازال بالإمكان القول إن المغرب « بلد الأولياء »؟

    هذا السؤال قد يبدو للبعض أنه بسيط، لكنه مهمّ جدا. ولا بد من التنبيه إلى أن التاريخ يخبرنا أن المغاربة كانوا يرون في سلاطينهم وملوكهم أنهم من أولياء الله. وأذكر أن الناس كانوا يتبركون بماء وضوء ولباس السلطان أبا محمد المريني، ويرجون ببركته تسهيل وضع الحوامل أطفالهن. ومازال الناس يذكرون سيدي محمد بن عبد الله السلطان العلوي الصالح، وغيره كثير. إن إمارة المؤمنين مبدئيا راعية للأولياء، وهي مختلطة بمعنى الولاية لله، والاتصال من حيث النسب بنبيه محمد صلّى الله عليه وسلّم.

    هذه المنطقة لم تكن فقط بلدا للأولياء، بل منتجا ومصدرا لهم إلى المشرق بكلّ ما ملكوه من تأثير ديني واجتماعي هائل. لقد كان الأولياء يمثلون القوّة النّاعمة للمغرب، ومازالوا كذلك حتى اللحظة، ومازال الخطاب الديني المغربي يستثمر في الأولياء السابقين؛ مثل التيجاني، ويستفيد منهم في بناء الأمن القومي وامتداداته في إفريقيا.

    والحقيقة أن الأولياء والصالحين لا يقدمّون لنا البركة والدعاء المستجاب فقط، بل يقدمون لنا الأمن القومي للأمة المغربية. ما قدّمه الأولياء للمغرب لم يقدّم مثله المثقفون، وهذا أمر لابد أن نعترف به. لا يوجد مثقّف يربط المغاربة بعمقهم الإفريقي. لكن بالمقابل، مازال ولي الله التيجاني يربطنا بإفريقيا، سياسيا ودينيا وثقافيا واجتماعيا.

    الأولياء المغاربة كانوا جزءا أساسيا من صناعة السياسة في تاريخ أمتنا، ومنحها الكثير من الشرعية. السياسة المغربية الآن، في رأيي، في أمسّ الحاجة إلى وجود الأولياء. لكنّ ولادة الأولياء في المجتمع عملية معقّدة لا تتوفر كثير من عناصرها الآن.

    الأولياء رغم عدم وضوح موقعهم في المشهد، عنصر أساسي في توازن الوعي المغربي، حتى الآن. وبالمناسبة، يجب أن نعيد تصحيح فهم من هو الوليّ؟ الولي ليس شخصا قابعا في زاوية أو جبل فقط؛ فشيخ الإسلام، بلعربي العلوي، من الأولياء، وعبد الله كنون كذلك، وعلال الفاسي.

    =========

    الخطاب الديني الرسمي مُحافِظ يفتقد إلى الجاذبيّة والمغرب حقّق نضجا في التمايز بين السياسة والدين

    الدكتور حسن أوريد، المؤرخ والناطق الرسمي باسم القصر الملكي سابقا، وأحد أكبر المثقفين المغاربة المعاصرين..

    *ما هو تقييمكم لمدى نجاح السياسة الدينية المغربية؟

    تقييم السياسة الدينية المغربية ليسَ بالأمر السّهل. لكن هناك محطات يبدو فيها أنها استطاعت أن توفّق بين مقتضيين؛ مقتضى الارتباط بالتاريخ والتقاليد، ومقتضى مواكبة الحداثة والتطورات الدولية، أو حسب تعبير لوزير الأوقاف: « الدّين حداثة سابقة، والحداثة نوع من التقديس المحيّن ».

    هناك محطات عدّة يبدو فيها أن هذه التجربة نجحت، سواء فيما يخص مدونة الأسرة، أو فيما يخص ملفات متعددة، أو حتى فيما يخص حرية المعتقد في حدود، ثم كذلك مع هيئات أساسية، سواء فيما يخص إعادة النظر في المجلس الأعلى للعلماء، أو المجالس العلمية الإقليمية، أو حتى في مؤسسات جديدة؛ مثل معهد تكوين الأئمة.

    إذن، لحدود الساعة، يمكن أن تعتبر التجربة المغربية سابقة وفريدة من نوعها. طبعا ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار طبيعة المغرب؛ فهو ليس دولة علمانية، والسلطة السياسية تستمدّ شرعيّتها من التّاريخ ومن الدّين. لذلك، هناك سقف لا يمكن تجاوزه عمليا فيما يخص التجربة المغربية، وهو الأمر الذي يظهر جليّا، سواء فيما يخص قضية الإرث التي تثار الآن، أو فيما يخص حرية المعتقد.

    *كيف تنظرون إلى التطورات التي يعرفها الحقل الديني المغربي؟

    ما يميز التجربة المغربية هو وجود وعي عام وشامل، ظهر جليّا بالأخص بعد أحداث 16 ماي المأساوية؛ حيث حدث حينها تمايز ما بين الدين والدولة من جهة، والدين والسياسة من جهة أخرى.

    عمليا، لا يمكن، في السياق المغربي، التمييز بين الدين والدولة؛ لأن الدولة المغربية، بالنظر إلى خصوصيتها، لا يمكن أن تنسلخ عن الجانب الديني. ولكن هناك وعي لدى الدولة، أو حتى داخل الحقل السياسي، بضرورة التمايز بين الحقل السياسي والحقل الديني، وهذا ما أعتقد أنه موضوع يكتنفه نوع من التّوافق.

    أظنّ أن المغرب بلغ نوعا من النّضج الذي أفضى إلى التمايز ما بين السياسة وما بين الدين.

    *هل يمكن اعتبار أن هناك « سوقا دينية » في المغرب؟

    سوق دينية أو بضاعة دينية، أنا شخصيا، لا أحب هذه الكلمات المستمدة من السياق الميركنتيلي؛ إذ لكل مجال خصوصياته ومفاهيمه.

    طبعا أنا أفهم أن هناك شيئا يسمى بـ »التديّن »، وهو موضوع لا يدخل في دائرة اختصاصي. ما يهمّني وما اشتغلت عليه، هو توظيف الدين في السياسة، ويمكن أن ألخصه في جملة واحدة: هناك مدّ متواصل ومسترسِل نحو نوع من الدنيوية، أو ما يسميه البعض بـ »العلمانية مع وقف التنفيذ ».

    *كيف ترون تنامي حضور رموز خطاب الوعظ الديني خارج الإطار الرسمي، أمام تواضع أداء المؤسسات الدينية في الترويج لمرجعية ومكانة مؤسّسة إمارة المؤمنين؟ وهل يعتبر هذا الحضور القوي تشويشا على أدائها؟

    أظن أنه ينبغي التمييز بين الوعظ وبين الدعوة والخطاب الديني. ويبدو لي أن كل ما يدخل في الوعظ والإرشاد يقع في دائرة الدولة، من خلال مؤسساتها، إما في المساجد، أو خطبة الجمعة، أو المجالس الإقليمية، أو المجلس الأعلى.

    وأظن موضوعيا أن هذه المجالس عرفت نوعا من « البيريسترويكا » أو « إعادة الهيكلة »، وتتوفر على عناصر جيدة من حيث التكوين، ومن حيث فهم قضايا المجتمع. كما أن هناك مؤسسات انكبت على قضايا آنية؛ مثل الرابطة المحمدية للعلماء، التي تقوم بجهد جبار. لذلك، أظن أنه عمليا وموضوعيا، وعلى خلاف ما يُعتقد، التجربة المغربية الرسمية واكبت هذه التطورات من خلال مؤسسات وعناصر كفؤة، إنّما تشتغل تحت سقف معين لا يُمكن تجاوزه. طبعا في الجانب الآخر، هناك خطاب دينيّ سياسيّ، يدخل إما في دائرة الإسلام السياسي، أو أحيانا ربما في دائرة التطرف.

    هذا الخطاب الديني السياسي حاضر إعلاميا، ولكن ليس بالضرورة أنه مؤثر مجتمعيا، وهذا في اعتقادي شيء أساسي، وكمثال على ذلك، الظاهرة السلفية محدودة التأثير.

    طبعا الخطاب المتطرّف يحظى بالاهتمام، لأن له مضاعفات تمسّ الأمن بالأساس. ولكن موضوعيا، ينبغي الإقرار بأن المؤسسات الرسمية، سواء من خلال هيئات جديدة ومستحدثة ومحيّنة، استطاعت مواكبة التطورات الدورية، بشهادة الكثير من المتابعين والمراقبين.

    *لكن هناك مؤاخذات على الحضور الباهت والمتواضع للمؤسسات الدينية الرسمية رقميا، مقابل حضور قويّ للحركات الإسلامية!

    الخطاب الرسمي في أي دولة ليس له جاذبية، ثم إن الخطاب الرسمي يقع دائما في دائرة قوانين معينة ودائرة مرجعيات؛ مما يحدّ مجال الحريات. هذا واقع.

    لا أستطيع التحدث عن كل المؤسسات. لكن يمكنني الحديث مثلا عن الرابطة المحمدية للعلماء، على الأقل في الفترة التي اشتغلت عليها، والتي تقوم بعمل جبار فيما يخص قضايا آنية؛ منها تفكيك خطاب التطرف، إنما لا تحظى بمتابعة إعلامية.

    كما أستطيع التحدث عن مجلس الجالية المغربية بالخارج الذي يواكب بدوره التطورات، ويُسترشد به فيما يخص التأطير الديني، أو حتى قضايا ذات مضاعفات أمنية، كما حدث في الهجوم الإرهابي ببرشلونة، سنة 2017؛ حيث اضطلع بدور تشاوري مع السلطات الإسبانية. إنما كما قلت لك، الخطاب الرسميّ عادة لا يحظى بجاذبيّة.

    *ما الذي يجعله يفتقد إلى هذه الجاذبيّة؟

    لأنه خطاب مُحافِظ بالأساس.

    *ما المؤثر الأكبر على تديّن المغاربة، توجيه عقل الدولة أم توجيه عقل الأيديولوجية؟

    الدولة يمكن أن تستند على أيديولوجية كذلك. نحن نعيش في عالم لا يمكن أن تقوم فيه أيدولوجية واحدة أو شمولية، هذا غير وارد.

    قد تكون للدولة مرجعية عقدية أو سياسية، وهذا مشروع. ولكن شريطة ألا تكون هذه المرجعية هي الوحيدة التي تنمّط المجتمع. طبعا الحداثة هي أن نأخذ بالاختلاف في كل أوجه التوجه السياسي، وبالاختلاف الثقافي، ونأخذ كذلك بالحرية.

    والمرجعية الدينية، إن كانت، قد لا تنطبق بالضرورة مع هذه المقتضيات، لا من حيث احترام الاختلاف، إلا في حدود معينة، أو الحرية، لأن الحرية المقيدة، ليست حرية. لذلك، من المفروض أن تكون الحقول الخارجة عن الدولة، أكثر جرأة، لأنها أكثر حريّة.

    *بخصوص الأمن الروحي، هناك من يؤاخذون على المؤسسات الدينية الرسمية إصرارها على الاشتغال بمنطق ما يسمى بـ »الجزر المؤسساتية المعزولة ».. ما رأيكم؟

    ينبغي أن أكون بداخل البنية لكي أصدر حكما. كما أنني لا أشتغل على ما ينبغي أن يكون، بل على ما هو كائن. أنا خارج مرجعية الدولة. هذه المرجعية في الحقل الديني التي تقوم على تحديث الإسلام، وما يهمني أنا هو تحديث المغاربة.

    ما يمكنني قوله بهذا الخصوص هو إن جهد الدولة بالأساس، هو جهد من أجل الالتئام مع التطورات. فهو دائم جهد بَعديّ، وليس جهدا استباقيّا. لذلك، هو متأخّر عن تطور المجتمع. وكمثال على ذلك، إصدار المجلس العلمي الأعلى فتوى « قتل المرتد »، قبل أن يتراجع عن ذلك. لا يمكن عمليا قبول الحكم بالإعدام على شخص « مرتدّ ». هذا غير مطابِق لا للعصر، ولا لتوجّهات الدولة. وهذا دليل على تأخر المؤسسات الرسمية عن دينامية المجتمع.

    =========

    الفضاءات التي يعيش فيها مغاربة الخارج سوق دينية مفتوحة ونموذج التدين المغربي مستفز لأعدائه

    الدكتور عبد الله بوصوف، المؤرخ المغربي والأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج..

    *هل مازالت إشكالية الدين والتديّن على رأس مشاكل المغاربة بالخارج؟

    نعم، مازالت هذه الإشكالية قائمة؛ لعدة اعتبارات، على رأسها أن الإشكال الكبير عبر العالم الآن، هو مشكل التديّن، الذي خلق مجموعة من التشجنات الهوياتية والدينية، ما يجعل من حماية وتحصين مغاربة الخارج يبقى على رأس الأولويات. لدينا 5 ملايين مغربي، ينتشرون في 50 دولة تقريبا؛ بمعنى أنها جالية معولمة. وبطبيعة الحال، ستكون مستهدفة من طرف تيارات دينية لا صلة لها بنموذج التديّن المغربي، والتي أحصيها في أكثر من عشرة تيارات؛ كإيران وحزب الله والإخوان المسلمين والسلفيين وحزب التحرير، إلى غير ذلك من المنافسين، بالإضافة إلى استهدافها من طرف تيارات سياسية تستعمل الدين كغطاء.

    *ما الذي يجعل نموذج التديّن المغربي مستهدفا بدرجة كبيرة في الخارج؟

    لأنه يقطع الطريق على تجّار الدين، ويقف بصلابة ومتانة في وجه التطرف والكراهية والإرهاب. ونذكر هنا كيف كان الملك محمد السادس، الحاكم الوحيد في العالم، الذي قال كأمير للمؤمنين، بكل وضوح وشفافية وروح مسؤولية، بعد ذبح القس الكاثوليكي، جاك هامل، داخل كنيسة في نورماندي الفرنسية، عام 2016، على يد إرهابيين، إن من يقوم بهذه الأعمال ليس بمسلم.

    كل هذا جعل من نموذج التديّن المغربي نموذجا مستفزا لأعدائه، وعقبة لهم؛ كونه استطاع الحفاظ على استقرار ديني للبلاد، وجعله يحظى بإشادة دولية، من قامات فكرية وعلمية ودينية كبيرة. وأذكر هنا « وثيقة مراكش » حول وضعية الأقليات الدينية في بلاد المسلمين، والتي باتت من الأدبيات.

    *ما هي أبرز التحديات التي تواجه تديّن مغاربة العالم حاليا؟

    الفضاءات التي يعيشون فيها باتت بمثابة سوق دينيّة كبيرة مفتوحة لكل من هبّ ودبّ، عكس التأطير الديني داخل المغرب. في الخارج، هناك أئمة ليسوا بأئمة، لكنهم نصّبوا أنفسهم كذلك، بالإضافة إلى تيارات دينية تم التضييق عليها في بلدان عربية، استطاعت الآن أن تلجأ إلى أوروبا، وتبدأ الاشتغال داخل صفوف الجالية من أجل الاستقطاب، ومن أجل أن تتقوى.

    ولحماية مغاربة العالم، يجب أن نبلور نموذج التديّن المغربي إلى نموذج تديّن يمكن تطبيقه في جغرافية غير جغرافية المغرب؛ بحيث يكون متناسبا في القرن الـ21، مع حقوق الإنسان، والمساواة بين الرجل والمرأة، والحريات بصفة عامة، والتعددية، والتنوع. وأنا مقتنع بأنه يتوفر على كل هذا. نموذج التديّن المغربي بات الآن قابلًا لأن يطبق في أماكن أخرى، ليس بتفاصيله الفقهية، وإنما برُوحه.

    *ما هي أبرز الطرق التي يتم من خلالها استهداف تديّن مغاربة الخارج، حسبما رصدتم؟

    التيارات التكفيريّة الهدّامة تعتمد بالأساس على وسائل التواصل الاجتماعي، لاستقطاب عناصر جديدة، والتي تنشط فيها جدا للأسف، وخاصة بلغات غير اللغة العربية، مقابل ضعف الحضور الرقمي لخطابنا الديني الرسمي، وهذا ما ندعو إلى تداركه، بتطوير هذا الخطاب، من خلال جعله قابلا للرقمنة، بلغات متعددة، وبلغة بسيطة. المغرب مثلا لا ينتج خطابا حول التدين باللغات الهولندية والألمانية والإيطالية. فقط هناك خطاب باللغتين الإسبانية والفرنسية، لكنه يبقى غير كاف، رغم أن المغاربة يتواجدون بكثرة في هذه البلدان الأوروبية.

    المغاربة بطبعهم لديهم عاطِفة دينيّة؛ حيث ورثوا عن آبائهم تدينا وسطيّا سلسا خاليًا من أي تشنّج، ولا يؤدي إلى صراع مع الحياة، بل يستوعبها في كل مناحيها. فبالتالي، حينما يعيشون بعيدا عن المغرب، يسعون إلى الحصول على المعلومة الدونية. لكن ليس لهم التكوين الكافي من أجل التفريق بين الغث والسمين في هذا الباب. وهنا يأتي دورنا نحن لإمدادهم بالمعرفة الأساسية.

    بطبيعة الحال، وزارة الأوقاف مطالبة بتطوير معارفها وإنتاجاتها. كما أن الجامعة المغربية مدعوة أيضا للانخراط، من خلال تشجيع الإنتاج فيما يتعلق بالإسلام والتديّن المغربي، باللغات الأوروبية خاصة، وكذلك لدخول العالم الرقمي، بالإضافة إلى العلماء المدعوين بدورهم إلى المشاركة. وأعتقد هنا أن المجلس العلمي الأعلى يلعب دورا مهما جدا، من خلال إصدار مجموعة من الفتاوي المهمة التي يمكن أن تساعد المغاربة، حتى على الاندماج، وتقدم لهم إجابات على الأسئلة المطروحة. وأستحضر هنا فتوى « المصالح المرسلة »، بطلب من أمير المؤمنين. فتوى جميلة جدا؛ حيث أفتى المجلس بأن الدولة في الإسلام دولة مدنية، ولم تكن أبدا دولة دينية.

    أعتقد أن الصراع اليوم قائم حول هذا الأمر. فإذا كان لدينا فتوى بهذا الحجم، يمكن أن نقدمها كحلّ للعالم. لكن ما حصل هو أننا لم نسوّق لها كما يجب. نفس الخطأ حدث حينما أمر الملك محمد السادس بتعيين المرأة كعدل. ما حصل هو ثورة في العالم الإسلامي. لكن للأسف، لم يتم الترويج لذلك أيضا. هناك أيضا تراجع المجلس العلمي الأعلى عن الفتوى الخاصة بـ »قتل المرتد »؛ حيث قال فقط إن من غيّر الدين من أجل الدين، فلا شيء عليه، إن لم يكن مرتبطا بالخيانة العظمى.

    *هل يلقى مغاربة العالم بباقي القارات، نفس الاهتمام الذي تحظى به الجالية المغربية بأوروبا؟

    حينما نتحدث كثيرا عن أوروبا؛ فهذا لأنها تحتضن أكثر من 80 في المائة من الجالية المغربية، فيما تعيش 10 في المائة منهم على أراضي أمريكا وكندا. لذلك، فمن الطبيعي أنّ الإشكالات المطروحة بهذه القارة أكبر بكثير من تلك المطروحة في الأمريكيتين، أو في الدول العربية، أو الإفريقية، أو الآسيوية. كما أن الاستقطاب الحقيقي يتمّ، لحدود الساعة، فوق الأراضي الأوروبية. لكن هذا لا يعني إقصاء باقي الجاليات. جميع مغاربة الخارج يملكون الحق في التأطير، والاستفادة من المجهودات التي تقوم بها الدولة ضمن السياسات العمومية الموجهة لهم.

    وحتّى على المستوى السياسي، فاللغط الكبير الذي تابعناه مؤخرا كان بفرنسا، بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية؛ حيث كانت الجالية الإسلامية مستهدفة من طرف مجموعة من القوى؛ مثل المتطرف إيريك زيمور. لقد تم تحميل هذه الجالية كل مشاكل البلد ببساطة. لكنّها أثبتت أنها جديرة بالثقة، لأنها هي من أنقذَت وجه فرنسا. كما ساهمت في إنقاذ فكر الجمهورية والعلمانية أيضا، بوقوفها في وجه الفكر المتطرف، وساهمت في انتخاب الرئيس إيمانويل ماكرون.

    *ما هو الدور الذي يلعبه المجلس في عملية ترشيد الممارسة الدينية في أوروبا؟

    نحن مؤسسة استشارية واستشرافية تنتج الأفكار، وترصد الاختلالات، وتحاول فهم ما يقع عبر الإنصات. وهذا ما قام به المجلس منذ عام 2008؛ حيث نظّم أربعة مؤتمرات مهمة، وأصدر أربعة كتب حول الإسلام في أوروبا. وكان السؤال الأول هو: « إلى أي مدى الأنظمة القانونية الأوروبية مرنة من أجل استيعاب الإسلام كوافد جديد، باعتبار أن كل التشريعات الأوروبية تمت قبل وجوده؟ ». والجواب كان أنه ليس هناك تعارض بين الإسلام والعلمانية أو الديمقراطية؛ إذ يمكن له أن يعيش ضمن الإطار القانوني المتوفر الآن في أوروبا.

    ربما كان النقص الذي لاحظناه في بعض البلدان، هو غياب الرغبة السياسية. لذلك، نجد أن هناك عراقيل كبيرة من أجل بناء المساجد، أو من أجل الحصول على مجموعة من الحقوق، فيما يتعلق بالتأطير الديني في المؤسسات الدينية، على الرغم من أن القانون يكفُل هذه الحقوق.

    أما السؤال الثاني، فكان: « الإسلام في أوروبا دائما، أيّ نموذج؟ »؛ حيث يعيش المسلمون الآن في أوروبا باعتبارهم أقلية، بعد أن كانوا يعيشون كأغلبية في بلدانهم. فهل لدى الإسلام تلك القدرة على إحداث نوع من التأقلمات مع الوضع الجديد، والإجابة على الأسئلة الجديدة المطروحة في تلك الدول؟

    والجواب كان أنه لدى الإسلام قدرة كبيرة على التأقلم. لكن الإشكال يتمثل في غياب الكفاءات العلمية القادرة على إحداث هذا التأقلم. ولهذا، قمنا عام 2011؛ أي قبل هجمات باريس 2015، بلقاء ثالث اقترحنا فيه تكوين الأئمة التي ستمارس عملها في تلك الدول، تكوينا مزدوجا في الإسلام الكلاسيكي والعلوم الإنسانية، مع تدريس الظاهرة الدينية، من خلال تقديم مجموعة من المعارف حول الأديان، ليس من الناحية العقيدية، وإنما من الجانب المعرفي العلمي، حتى نستطيع أن نرسخ التعارف بيننا كمسلمين وبين معتنقي الأديان الأخرى؛ إذ لاحظنَا أنّ ما كان ينقصُنا هو قلة معرفة الآخر بنا وقلة معرفتنا به. وأستحضر هنا قولا للمنظر الفلسطيني، إدوارد سعيد، الذي يعتبر أن الصّدام الحاصل هو صدام الجهالات، وليس صدام الحضارات.

    وبعد ذلك، كان المؤتمر الرابع حول ظاهرة « الإسلاموفوبيا »؛ حيث استطعنا دراستها، وأصدرنا بهذا الخصوص كتابا، باللغتين العربية والفرنسية، مع الاشتغال على ترجمته بلغات أخرى حاليا.

    وبطبيعة الحال، قمنا في هذه الندوات الدولية الكبرى، بالإنصات إلى جميع الفاعلين الدينيين: الفاعلين المغاربة من المغرب، والفاعلين الدينيين من دول الإقامة، خاصة الأكاديميين، والأديان الأخرى، والسلطات المحلية في تلك البلدان. أشركنا الجميع في عملية الإنصات؛ لأن الطريقة التي يمكن أن نحلّ بها هذه المعضلة المجتمعية أو نتغلب عليها، هو النّهج التشاركيّ.

    المجلس أيضا كان من بين المدافعين عن ضرورة إنشاء معهد لتكوين الأئمة فوق التراب الأوروبي، والذي يمكن أن يخلق معه كل من معهد محمد السادس وجامعة القرويين، شراكةً علميّةً.

    كل هذه الأفكار كنا من السباقين إلى طرحها قبل أحداث 2015 الإرهابية. لكن التفاعل معها مازال لم يتحقق بالشكل الذي كنا نريده. نتمنى أن نستمر في التفكير، وإنتاج المعرفة، ومحاولة ترشيد الممارسة الدينية؛ لأننا نعتقد أن ممارسة الإسلام ممكنة في أوروبا؛ حيث لا يوجد تعارض بين الإسلام وبين الأنظمة أو المبادئ الأوروبية الكبيرة، خاصة العلمانية. كما نتمنى أن يكون الإسلام كغيره من الأديان؛ بمعنى أن تكون لنا حقوق وعلينا واجبات كغيرنا، وألا نشكل ثقلا على المجتمع.

    *ما رأيكم في التباين الحاصل بين ما يكفله القانون في هذه البلدان وما يتضمنه خطابها السياسي من تطرف بخصوص التخلي عن القناعات الدينية من أجل الاندماج؟

    هذا ما يجعلنا ندعو إلى العمل المشترك والمسؤولية المشتركة، أن القانون لا يطالب أحدا بالتّخلي عن قناعاته الدينية، في حين يتضمّن الخطاب السياسي تعنّتا وتطرّفا. المشكل الأساسي يكمُن في انعِدام الرّغبة السياسية، وليس في قانون البلد؛ حيث يحاول السياسي تجاوز هذا القانون أو خرقه. لذلك، ندعو المسلمين، بمن فيهم المغاربة، بالالتزام بالقانون، وأن تكون ممارستهم الدينية في إطاره. وأظنّ كباحث ومتابع وممارس عشت في أوروبا، أنه ليس هناك ما يتعارض مع كوني مسلما في مجتمع أوروبي.

    كما ندعو الطرف الآخر؛ أي المجتمع الغربي، إلى تطوير ثقافته ومعرفته عن الإسلام والمسلمين، خاصة بعد الذي بتنا نشاهده على مجموعة من القنوات التي تفتح الباب أمام من يتحدثون عن ديننا، دُون أن يكونوا عارفين به.

    فرنسا مثلا، لطالما كانت بلد المستشرقين الكبار؛ على رأسهم لويس ماسينيون، وجاك بيركودنيز ماسون، اللذان عملا على ترجمة القرآن. لكن الجامعة الفرنسية اليوم لم تعد تنتج مثل هؤلاء المتخصصين الكبار. بالمقابل، تحوّل بعض الصحفيين، أو بعض السياسيين، أو بعض المهتمين بالعلوم السياسية، إلى متخصصين جاهلين بالإسلام، بدل المتمرسين في معرفته، الذين لم نكن نواجه مثل هذه المشاكل معهم.

    هناك أيضا مدينة ليدن الهولندية التي كانت حضنًا للمعرفة الدينية؛ حيث أنتجت الكثير من الكتب الدينية، على رأسها الموسوعة الأكاديمية « دائرة المعارف الإسلامية »، التي تُعنَى بكل ما يتّصل بالحضارة الإسلامية، سواء من الناحية الدينية أو الثقافية أو العلمية أو الأدبية أو السياسية أو الجغرافية، على امتداد العصور، بما في ذلك العصر السابق للإسلام. مثل هذا مثلا لا يمكن مقارنته بآراء السياسي الهولندي المتطرف، خيرت فيلدرز.

    الآن، هناك شرخ إبستمولوجي مكون من عنصرين؛ عنصر يخصنا نحن كمسلمين، باعتبارنا قليلي معرفة بالمجتمع الغربي، وخاصة السيرورة التاريخية للعلاقة الدينية بالمجتمع، لفهم التطورات التي حصلت، بالإضافة إلى نقص في معرفتنا الدينية؛ حيث فَرض نمط تديّن معين نفسه؛ كالوهّابية، التي تروج لفكرة أنها النموذج الوحيد. في حين أن هناك تنوعا كبيرا في المجال؛ إذ لدينا قرابة عشرة مذاهب وأكثر في بعض الأحيان. كما أنه في المذهب المالكيّ أصول متعددة تقارب 16 أصلا، تمكّن من بناء منظومة دينية تتوافق مع العصر. في حين تتميز العقيدة الأشعريّة بعدم التكفير والعقلانية، وهي العناصر التي أعتقد أنها مطلوبة اليوم، عالميا، وأوروبيا خاصة. في حين يتميز المذهب المالكيّ بالمرونة، ويأخذ بعين الاعتبار الآخر ولا يُقصيه، بل يستوعبه؛ كأن نتحدث عن شرع من قبلنا، وعن العرف. أما التصوّف، فيهذّب السلوك، ودائما ما أُعرّفه بأنه « منطقة واصلة وفاصلة »؛ بمعنى أنه منطقة يمكن أن نلتقي فيها، تماما كالمناطق المنزوعة السّلاح.

    بالمقابل، يجب على الطرف الأوروبي أن يتعرف علينا حقيقة، ولا يكتفي بتصوره على المسلمين أو ببعض الشذرات من الإسلام. كما يجب عليه أن يرجع إلى أصوله المعرفية؛ لأن الجامعات الأوروبية، والجامعة الفرنسية بالدرجة الأولى، أنتجت معارف إسلامية كبيرة، للأسف لا تستعمل اليوم. وربما الآن هناك توجه إلى إحياء الشُعب الإسلامولوجية في الدراسات الإسلامية بالجامعات الفرنسية.

    *كيف تقيمون الآن تأثير المذهب المالكيّ والعقيدة الأشعريّة والتصوّف على مغاربة العالم؟

    هذا التأثير موجود بالتأكيد. الآن مثلا، مجموعة من الشباب يقبلون على التصوّف. قراءة القرآن الكريم في المساجد المغربية بأوروبا حسب المذهب المالكي موجودة. الالتزام بالعقيدة الأشعريّة موجود. ربما كانت الغلبة، في بعض الفترات، كما قلت، لفكر معيّن. لكن كانت هناك أيضا مسؤولية أوروبية ساهمت في انتشار هذا المذهب المعين، لأغراض اقتصادية وسياسية؛ حيث تم فسح المجال لإقامة مساجد لدول لم تكن لها جالية في البلدان الأوروبية، فين حين كان يتم التضييق على المغرب هناك. الآن، المساجد الكبيرة الموجودة في أوروبا تنتمي لدولة ليس لها ولا مواطن واحد فوق التراب الأوروبي، وإنما كان ذلك في إطار من الترضِيات السياسيّة.

    *مثلا؟

    مثلا، المركز الإسلامي ببروكسيل قُدّم كهدية من الملك البلجيكي إلى الملك السعودي، سنة 1974، بعد أزمة البترول سنة 1973؛ حيث كان ترضية، ولم يأخذ بعين الاعتبار، الواقع الحقيقي للجاليات. الواقع الحقيقي كان هو « المسلمون المغاربة ».

    وبدل أن تكون هناك مرافقة للمسلم المغربي حتى يستطيع أن يجد ذاته في مرجعيته الروحية المغربية، حصل العكس؛ حيث تم إدخال مرجعية روحية أخرى عليه، مرجعية روحية غريبة عنه, وبطبيعة الحال، وقعت اصطدامات.

    مثلا في الحرب الباردة، ساهمت الدول الأوروبية في « أفغنة الإسلام » في أوروبا. أنا الآن أتحدّث بكلّ مسؤوليّة. لقد تم استعمال الإسلام من أجل مواجهة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، وتم الزّجّ بمجموعة من الشباب. أذكر أن من يسمّون بـ »المجاهدين الأفغان » كانوا يُنعتون على صفحات الجرائد الفرنسية، بـ »les combattants de la liberté »، وكان رؤساء الفصائل الجهادية يُستقبلون في فرنسا كما يستقبل رؤساء الدول. وحتى في أمريكا، هذا المصطلح نطق به الرئيس الأمريكي السابق، رونالد ريغان، آنذاك، والذي استقبل أحد كبار قوات الجهاد، برهان الدين رباني، في البيت الأبيض.

    الخميني أيضا صناعة غربية. أذكّر بأنه قبل ذهابه إلى إيران، مكث بفرنسا 112 يوما، وأجرى 140 حوارا صحفيا، وإلى جانبه كبار المثقفين الفرنسين؛ أمثال ميشال فوكو، وجون بول سارتر، وسيمون دوبوفوار، وكانوا من مؤيدي الثورة الإيرانية ضدا في حزب « تواد » الإيراني الشيوعي، خوفا من انضمام إيران إلى أفغانستان، في إطار المعسكر الشرقي. أدلجة التديّن ساهمت فيها أيضا الدول الغربية. إذن، لها مسؤوليّة.

    *بالحديث عن أدلجة التديّن، هل يمكن اعتبار أنه يتم استغلال المسلمين في الحرب الروسية الأوكرانية حاليا؟

    أكيد يتم ذلك، للأسف الشديد. عندما نلاحظ وجود ما يسمى بـ »المرتزقة »، أو حتى بين المسلمين الذين يعيشون في أوكرانيا وروسيا، نجد الآن « المفتي » الذي يتجنّد إلى جانب البلد التي يعيش فيها. نحن نخوض معارك كمسلمين، ولا ندري لماذا نخوضها.

    الكل يعرف الآن أن ما يقع بين البلدين معركة عالمية من أجل تشكيل الأحلاف؛ حيث يسعى المعسكران الغربي والشرقي لفرض هيمنتهما، والإسلام ضحية هذه المعارك السياسية والصراعات الإيديولوجية؛ حيث يُزجّ به في نار الحروب.

    الآن، يجب علينا أن نرفع أيدينا على الأديان بصفة عامة، ونتركها في مكانها، وهو المرافقة الروحية للمؤمنين، والارتقاء بالسلوك الإنساني، ولا شيء غير ذلك. هذا هو الدّين.

    *كيف تقرؤون واقعة سماح أمريكا بأداء صلاة التراويح في ميدان « تايمز سكوير »، لأول مرة؟

    قد نعتبر هذا الأمر استغلالا للصور، بشكل عاطفيّ. بصفة عامة، أنا لست مع إقامة الصلاة في الشوارع؛ لأن الصلوات يجب أن تقام في أماكنها، وهي بيوت الله. وبطبيعة الحال، يجب أن نمكّن المسلمين من التوفر على أماكن إقامة الشعائر الدينية؛ أي مساجدهم. الصلاة ليست استعراضا، بل هي عملية روحية. وحتى في اللغة، فهي تعبر عن الصلة بين العبد وربه. بالنسبة لي، هي أكثر رقيّا مما نقدمه كصورة. وما حدث لا يجب أن يُعتبر استعراضا للقوة.

    *في نظركم، هل الأدوات الحالية المتوفرة لديكم أو لدى المؤسسات الدينية الرسمية، قادرة على حماية الأمن الروحيّ لمغاربة العالم؟

    أظن أنها قادرة على ذلك، نظرا لما نتوفر عليه من ترسانة مهمة من الناحية العلمية والمعرفية، ومن ناحية النّموذج. لكن بشرط أن يكون بين كل الفاعلين، تنسيق وتفكير جماعي، وعمل على تطوير وتحيين ما نقوم به، من أجل أن نرافق التطورات التي تعرفها المجتمعات الغربية بالدرجة الأولى، وننخرط في العالم الرقمي من أجل ضمان أكبر قدر من التحصين لجاليتنا؛ إذ لا يمكن أن تقوم بهذا كلّه مؤسسة بمفردِها.

    =========

    الحديث المطلق عن تراجع « الإسلاميين » مُجازفة ومن الصعب أن يحتكر أي طرف الحديث باسم الدين

    الدكتور سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة المغربية سابقا، وأحد المفكرين المغاربة..

    *كيف تنظرون إلى طبيعة تديّن المغاربة؟

    التديّن لدى المغاربة جزء من كينونتهم الجماعية، والمغاربة بمختلف مشاربهم الفكرية، متديّنون بالطبيعة، رغم ما يمكن تسجيله من ملاحظات. وهذه الميزة هي التي جنّبت المغرب عدة مشاكل وتحديات عاشتها مجتمعات أخرى. لذلك، من الصعب أن يحتكر أيّ طرف الحديث باسم الدين، لأن المغاربة كلهم يشتركون في هذا الانتماء.

    *ما ردّكم على من يرى أن التديّن يتعارض مع الإقبال على الحياة؟

    هذا القول غير صحيح، ولا شيء في الدين يمنع من الإقبال على الحياة، والتمتع بما وهب الله فيها من نعم. ونحن نقرأ في القرآن الكريم: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّـهُ لَكُمْ »، ونقرأ فيه: « قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق »، وآيات أخرى كثيرة تتضمن ترغيبا في الإقبال على الحياة والاستمتاع بها، والإبداع فيها وتنميتها، كل ذلك في إطار مبادئ الدين وأحكامه، وفي إطار الأخلاق. مع العلم أن الأصل في الدّين هو الإباحة والسّماح والتيسير. ويستطيع المسلم أن يستغني بالمساحات الواسعة من الحلال عن الحرام، وبالمجالات الفسيحة المتنوعة للطاعة عن المعصية. لكن كما هو الشأن بالنسبة لجميع الأديان والمذاهب، قد تكون هناك رؤى متشدّدة. لكنها ليست الأساس، ولا الاتجاه العام في الإسلام.

    *هل تديّن مجتمع ما مرتبط بالضّرورة بوجود حركات إسلاميّة فيه؟

    هذا سؤال غير دقيق. فبروز المجتمع المدني أو الحركات المدنية يلبّي، عادة، حاجة مجتمعية. قد تُبلي الحكومات والجهات الرسمية جيدا في العناية بشؤون البيئة، لكن هذا لا يغني عن وجود مجتمع مدني يسهم أيضا في هذا المجال. وكذلك في مجال التديّن، لا شكّ أن هناك الكثير من الجهود الرسمية، لكن هناك أيضا العديد من الجهود الشعبية؛ مثل العلماء، والزوايا، والجمعيات، وغيرها، والحركات الإسلامية – مع الإشارة إلى فضفاضية هذا المصطلح – ليست إلا جزءا من هذه الجهود. وهناك قوانين تنظم العمل المدني والجمعوي، وهي تعمل في إطارها.

    *في رأيكم، هل تراجع حضور الإسلاميين داخل المجتمع المغربي يعني تراجع مظاهر التديّن داخله؟

    « الإسلاميون » – حسب ما أرى – شرائح واسعة في المجتمع، متنوّعة ومتباينة. لذلك، فالحديث عن تراجع حضورهم بهذا الإطلاق، مجازفة. وعلى الرغم من ذلك، فربط تقدّمهم وتراجعهم بتقدّم وتراجع التديّن غير دقيق، ولم يقله أحد.

    *إلى أيّ مدى يمكن أن نعتبر أن المؤسسات الدينية الرسمية قادرة على صيانة الأمن الروحي للمغاربة؟

    المغاربة استطاعوا أن يبدعوا عبر التاريخ أشكالا معتبرة استطاعت أن تصون الأمن الروحي للمغاربة، وهكذا فقد لعبت الزوايا والرباطات دورا مهما في تأطير الجانب الروحي للمغاربة. كما أن مؤسسة إمارة المؤمنين تعتبر الحجر الأساس في تدبير الشأن الديني، وذات دور فعّال في تحصين الأمن الروحي للمغاربة. ومن هنا، فإنّ ما تقوم به المؤسسات الدينية الرسمية مهمّ جدا في هذا المجال.

    *كيف ترون مستقبل التديّن في المغرب؟

    اتّفقت عدة تقارير بحثية على رصد ارتفاع وتزايد في مؤشرات الإقبال على التديّن في المجتمع المغربي، وهذه التقارير شملت مختلف الفئات الاجتماعية، وتكاد تتفق على خلاصة كبرى هي: « استمرار تصاعُد الإقبال على التديّن وسَط المجتمع المغربي ».

    ومن أهم المؤشرات الدّالة في هذا الباب، الإقبال على المنتوج الدعوي في الإعلام، والاطراد الملحوظ في تشييد المساجد، والإقبال على تراويح رمضان، والرغبة الواسعة في الحج والأعداد الكبيرة للمسجلين، وغيرها من المؤشرات التي تدل على تعظيم المغاربة للدّين ولشعائره. لذلك، فأنا متفائل أن المغاربة قد يختلفون في أمورة عدة، لكن مظلّة الدين الواسعة، والحمد لله، تسعنا جميعا وتوحّدنا.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الجزائريون يعانون و كابرانات العار في نعيم بسبب عائدات النفط والغاز..

    تعيش الجارة الشرقية أزمة داخلية حقيقية، على المستوى الاقتصادي و الاجتماعي و السياسي،  أزمة عميقة  يحاول جنرالات العار  تصريفها خارجيا، عبر  الترويج  لسياسة الوهم و الكذب، للشعب الجزائري المغلوب على أمره.

     

    لا يخفى عن الجميع أن دولة الجزائر هي دولة نفطية، هذا يعني أنها تمتلك إحدى الثروات الطبيعية المهمة ( الذهب الأسود) مما قد يساهم في جعلها  شبيهة بالدول العربية النفطية ك “قطر، الإمارات..”، لكن سياسة وعقلية الحرب الباردة وإصرار شيوخ يحكمون وطناً بعقلية  قديمة خارجة عن عجلة التاريخ، وكأن الجارة الشرقية و قيادتها السياسية العسكرية الحاكمة توقفت عندها عقارب الساعة عند زمن ما قبل سقوط جدار برلين.

     

    ولكي لا ننعت في مقالانا هذا اننا نتحامل على الجارة، لابد ان نتحدث بمعطيات  و أرقام  دقيقة لتوضيح ان الجزائر تتمتع بثروة نفطية  وغازية قد ترفع من المستوى المعيشي للشعب الجزائري لكن كان لكابرات العار  رأي آخر.

     

    وقد سجلت  حصة الجزائر من إنتاج النفط يوميًا بموجب اتفاق تحالف أوبك ارتفاعا   إلى 982 ألف برميل يوميًا في فبراير الماضي، بزيادة 10 آلاف برميل يوميًا.

     

    وللاشارة فقط  فإن احتياطيات الجزائر من النفط تبلغ نحو 12.2 مليار برميل، في حين يبلغ إجمالي احتياطيات الغاز الطبيعي المؤكدة نحو 2.3 تريليون متر مكعب.

     

    ارقام مخيفة تدفعها الى طرح العديد من الأسئلة، اين تذهب العائدات البترولية والغازية ؟! وهل يستفيد الشعب الجزائري من هذه العائدات او أنها تدذهب إلى الخزانات والحسابات السرية لكابرانات العار في الخارج؟!!

     

    والشيء الغريب أن القيادة العسكرية الحزائرية، دائما ما تختار توجيه اصابع الاتهام للمغرب،  فاي شي قد يحصل للجزائر  مثل خسارة او اقصاء فريق جزائري لكرة القدم، قد يجعل منه اعلام الكابرانات مؤامرة مغربية على القوة الضاربة، في حين أن المملكة المغربية لا تبادل الجارة الشرقية سوى  الحب و الاحترام والمساندة في جميع الحالات، ويشهد التاريخ أن المغرب دعم وساند في محطات تاريخية  ماديا و عسكريا  الشعب الجزائري في مواجهة الاستعمار الفرنسي.

     

    فممارسات الجزائر اقل ما يمكن وصفها بالرجعية و الغير منطقية في التعامل مع مملكة ضاربة في جذور التاريخ، كما يقول  إخواننا الشاميين   “يا جبل مايهزك ريح”،  لا يستطيع أحد زعزعة استقرار المغرب و الضرب في توابثه بالإشاعة و نشر الكذب و البهتان، ليبقى المغرب يسير في مساره التنموي وترسيخ وتعزيز قيم الديمقراطية وتقوية الجبهة الداخلية عبر خلق مبادرات تدفع بالبلاد والعباد الى الاحسن و الأفضل، في المقابل نرى ان الشعب الجزائري يعاني على جميع الأصعدة مما يدفعنا الى طرح السؤال الى متى سيبقى الجزائريون صامتون في ظل تغول كابرانات أخر الزمن  ومراكمتهم الثروات  على حساب  المواطن البئيس.

    مخلص حاجب-عبّر

    إقرأ الخبر من مصدره

  • العسري ينتقد عبوديّة شاشات التفاهة ويشبه الميتافيرس بالعيش مع الجن

    جريء في تناول المواضيع، ويميل في رواياته وأعماله السينمائية إلى كسر النمطية والانفراد بمعالجة ظواهر جديدة، قد تكون غريبة ولم تطرح من قبل. إنه هشام العسري، ابن مدينة الدارالبيضاء، الذي يزاوج بين الكتابة والإخراج، ويتميز بأسلوب يجده الكثيرون “مثيرا” للجدل.

    في روايته الجديدة “Big Data Djihad”، التي تعد الخامسة في رصيده إلى جنب تسعة كتب أخرى، اختار العسري تناول السعادة المزيفة المنبثقة من عالم الأنترنيت، حيث يرصد واقعا مريرا وصلت إليه البشرية بفعل سيطرة الويب على ذهن إنسان اليوم، الذي وصفه بـ”الزومبي”.

    وفي هذا الحوار مع الكاتب هشام العسري تقرب جريدة “مدار21” قراءها من هذا الإصدار الجديد الذي يتناول موضوعا راهنيا، لاستشفاف ما يدور بين ثنايا صفحاته.

    كيف تزاوج بين عالم الكتابة الروائية والإخراج السينمائي؟ هل هناك ترابط بينهما؟

    بالنسبة لي هناك تجانس بين الكتابة الدرامية وكتابة السيناريو، أو الكتابة الروائية، أو المسرحية، غير أن لكل واحدة خصوصيتها.

    عندما تراودني فكرة حول قصة ما، أحاول فهم السياق الذي سأشتغل فيه إما فيلما أو مسرحية، أو رواية مصورة، أو مكتوبة. ويعد الحدس محركا لتحديد طبيعة أي عمل، والفكرة عموما توضح لي إمكانية التصنيف.

    رواية “Big Data Djihad” إصدارك الجديد، كيف تولدت لديك فكرة كتابتها؟

    تولدت لدي فكرة الرواية انطلاقا مما نعيشه في واقعنا اليوم، إذ أصبح الناس عبيدا لهواتفهم النقالة ولوحاتهم الإلكترونية، يخضعون للألعاب ومواقع التواصل الاجتماعي بشكل خطير، فمن هنا راودتني الفكرة، وحاولت تجسيدها من خلال شخص لغاية ما في نفسه يقرر تدمير الأنترنيت، ويوقف عمله ليفقده قيمته، حيث سيتعامل معها بمنطق توقف ثلاجة عن العمل، ما يؤدي إلى إتلاف الطعام الذي بداخلها.

    والقصة تنطلق بعد الكارثة، لذلك هي تندرج ضمن قصص الخيال العلمي، في محاولة لفهم من هو هذا الشخص، ولماذا قام بهذا الفعل، فإذا استحضرنا واقعة، وهنا أستحضر واقعة توقف فايسبوك عن العمل السنة الماضية لساعات، مما أثر في اقتصاد العديد من المؤسسات والشركات التي تعمل بواسطته، علما أنني بدأت في الكتابة قبل هاته الواقعة، إذ حاولت خلق شخصيات وأحداث، تتسم بنوع من الواقعية لكن في إطار الخيال العلمي، بالإضافة إلى نوع من التهكم على الواقع الذي نعيشه بشكل يومي، والذي أصبح يرتبط بالمظاهر وأهمية الصورة عوض الاستمتاع باللحظة، وكذا تزييف الواقع في مواقع التواصل الاجتماعي.

    ما هي الفكرة المحورية التي تدور حولها القصة وما رسالتها للقراء؟

    الكتاب يتعامل مع فكرة رئيسة، وهي السعادة المزيفة. هناك أشخاص يتظاهرون بأنهم سعداء، من خلال بث صور وفيديوهات لا تنقل الصورة الحقيقة عنهم، والإصرار على التشبث بـ”أشياء لا معنى لها”، وهذا يعود إلى العبثية التي جاءت بها الأنترنيت، إذ جعلت العديد من الناس يعيشون سعادة مزيفة، ويطمحون إلى إثارة انتباه الجميع وإيهامه بأنهم يعيشون حياة مثالية تغمرها الرفاهية. وهذه الممارسة تعيدنا إلى ظاهرة قديمة تتمثل في الأشخاص الذين كانوا يبيعون أغراضهم الشخصية في سبيل اقتناء كبش العيد خوفا من نظرة الجيران، ومع الأسف الأنترنت جاء بالفكرة نفسها، لكنها مصاغة بطريقة أخرى.

    ويمكنني حصر الفكرة في كيفية التعامل مع الأنترنت باعتبارها وسيلة تكنولوجية فيها منفعة وضرر في الوقت ذاته، وإبراز الوجه الآخر لها. أحيانا نجد بعض الأشخاص يختبؤون وراء الشاشة للقيام بأفعال شنيعة مثل البيدوفيليا أو غيرها، أو تساهم في ظهور شخصيات تافهة تطفو على السطح وصفحات لا فائدة منها.

    لماذا وقع الاختيار على هذا العنوان؟ وما دلالاته؟

    دائما ما يكون العنوان مفتاح أي كتاب أكتبه، إذ يحظى بأهمية كبيرة، وأحاول فيه اختزال المعنى الكبير أو الفكرة المهمة للكتاب أو القصة من خلال كلمات محددة، مثل جوع كلبك، والجاهلية، والمروك، فيتم اختيار عناوين مثيرة للجدل، لكنها رمز أو مدخل لعالم ما.

    و”Big Data Djihad” تعني المعلوميات، أي كيف أصبحت قيمتها أعلى من البترول والذهب، وتشكل مصدرا مهما تتهافت عليه الدول والشركات، وتباع بملايين الدولارات للاستخبارات، أو أصحاب الإشهارات، هناك حرب على “داتا”. وكلمة “الجهاد” تعود إلى “الحرب الإسلامية” أو الجهاد في سبيل الدفاع عن الدين أو الوطن، وتعمدت اعتماد التناقض في العنوان.

    كيف ترى علاقة الإنسان اليوم بالأنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي؟

    من الضروري التعامل مع الظواهر التي نعيشها الآن بنوع من الحذر، وأنا لا أقدم حكما جاهزا بشأن أي ظاهرة، وأعتبر أن الأنترنت سيف ذو حدين، قد تنفع وقد تضر، فمثلا هناك من يستعمل جوجل في البحث والقراءة والحصول على المعلومة، في المقابل هناك من يستعمله في مضيعة الوقت. وفي الرواية لا أحاول فرض نهج معين على الجميع أو أطالبهم بالعقلانية، لأن لكل شخص أهدافه.

    ثمة بعض الأشخاص الذين لا يجيدون القراءة والكتابة ويستعملون وسائل التواصل الاجتماعي من خلال اعتماد التسجيلات الصوتية، وأنا أظن هذا الأمر إيجابيا في الانفتاح، وفي المقابل أرى أن هاته الوسائط تشوش على التركيز وتفقده، إذ أصبحنا ملزمين بالتعايش مع أشخاص عقلهم مغيب، وقد نصفهم بـ”الزومبي”، حضور الجسد وغياب العقل.

    هل عالم “Métaverse” سيسلب منا الواقع الحقيقي؟

    بالنسبة لي فكرة الميتافيزيقيا، أي العيش في عالم مختلف، فيه تنوع، تعيدنا إلى المعتقدات والكتب المقدسة مثل العيش مع الجن والإنس، هذه الفكرة كانت حاضرة منذ زمن، وليست وليدة اللحظة، وأجد أن هدف كل شخص من الحياة هو من يحدد ذلك، هناك من يسير على نهج إيجابي وهناك من يتعود على عادات سلبية.

    لكل كاتب طقسه في الكتابة تساعده على الإلهام. هل توجد لدى هشام العسري طقوس كذلك في الكتابة؟

    أحاول الكتابة كل يوم، حيث إنني اعتدت أن أدون أفكاري بشكل متوال، ولو لم يحضرني الإلهام، حتى إن انتهى بها المطاف إلى حاوية الأزبال. وأشبه الكتابة بممارسة الرياضة، إذ يحتاج جسم الإنسان كل يوم إلى الحصول على تدريبات، والأمر نفسه بالنسبة للكتابة.
    والإلهام يعتمد على استخدام الحواس في التعامل مع الأفكار، وكيف تنظر للناس وتتعامل معهم.

    يقال إن الكتابة عمل شاق، ما هي الكتابة بالنسبة لك؟

    الكتابة ليست عملا شاقا، وإنما عمل فرداني، يتطلب العزلة، والابتعاد عن صخب الحياة للتمكن من تفريغ أفكارك بالشكل المطلوب، سواء في سيناريو أو مقال، أو أي شيء يتطلب الكتابة، وهذه عملية تعتمد على التدريب، فأنا يمكنني الكتابة في القطار أو السيارة، لأنني اعتدت على الكتابة، ولكل كاتب طريقته الخاصة.

    هل تشتغل على مشاريع جديدة سواء في الكتابة أو الإخراج؟

    هناك عدة مشاريع مقبلة، لأنني عادة لا أشتغل على موضوع واحد، بل أعمل على تحضير عدد من المشاريع في الوقت نفسه. لدي فيلم “هايش مايش” من بطولة فدوى الطالب، في طور الانتهاء، ومن المقرر أن أقوم بتصوير عمل جديد في شهر مارس المقبل، وأيضا سأنفذ قريبا مشروعا يتعلق بفيلم قصير، الذي انتهيت من كتابته، وأنا بصدد كتابة رواية جديدة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الصومعي: وزارة “بنعلي” لم تُعط مؤشرات لتدبير قوي للإشكال الطاقي بالمغرب

    بالرغم من الانخفاض الطفيف في أسعار المحروقات بالمملكة إلا أنه يبقى “غير مقنع” بالنسبة للمغاربة الذين اكتووا  بأسعار المحروقات التي واصلت ارتفاعها على نحو غير مسبوق، تزامنا مع ارتفاع أسعار المواد الأساسية والغذائية، التي تأثرت هي الأخرى بارتفاع أسعار النفط العالمية، وأزمة الحرب الروسية على أوكرانيا، وهو ما يُسائل حكومة “الكفاءات” حول الإجراءات التي تقوم بها لحماية القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة وأن الوزيرة المسؤولة على القطاع، يفترض أنها خبيرة في مجال الطاقة  غير أنها غيابها “غير المفهوم” عن الساحة وتضارب تصريحاتها ومعطياتها يُساءل الحكومة في الآن ذاته عن الإضافة التي قدّمتها في تدبير القطاع في زمن الأزمات والحروب بعد سنة من عمر الحكومة.

    وفي هذا الحوار الذي أجرته “مدار21″، مع  نجيب الصومعي المحلل الاقتصادي، حاولت تسليط الضوء على الإجراءات التي بادرت إليها الحكومة  في مسألة خفض أسعار المحروقات، ومدى نجاعتها في سياق حرب الطاقة الذي تخوضه الدول.

    هل تعتقد أن حكومة أخنوش خذلت المغاربة في مسألة خفض أسعار المحروقات التي باتت تحرق جيب المواطن ومعيشه اليومي؟

    حقيقة، يجب الفصل بين المحروقات وطريقة استيرادها في المغرب، وكذا الارتباط بالسوق العالمية للمواد الخام، وهنا أذكر أن المغرب أو المقاولات المغربية التي لها حق استيراد المحروقات تستورد المواد المصفاة، بمعني أنها تلتجئ إلى سوق المواد المصفاة وليس إلى سوق النفط الخام بشكل مباشر.

    لكن كيف تفسر انخفاض سعر بيع برميل النفط في السوق الدولية، مقابل استمرار ارتفاع أسعار المحروقات في السوق الوطنية؟

    ما أرغب في توضيحه، هو أن انخفاض البترول الخام في الأسواق الدولية لا يمكن أن يكون له تأثير في المغرب إلا إذا كان له بالأساس تأثير على أسعار سوق المحروقات المصفاة. والنقطة الثانية أن سوق الغازوال والبنزين ما زالت لم تتفاعل بشكل مباشر مع انخفاض سعر البترول الخام في الأسواق العالمية بالنظر لأن سعره لا يزال في حدود 1000 و 1070 دولار في ميناء نوتردام، وبالتالي الانخفاض همّ سوق المحروقات المصفاة وكان نسبي وانعكس على الأسعار بالمغرب بحيث انخفضت بحوالي درهم و60 سنتيما في المعدل منذ ثلاثة أسابيع.

    لذلك فإن الإشكال المطروح اليوم في المغرب، هو الارتباط بالسوق المحروقات المصفاة وليس سوق النفط الخام، لماذا؟ لأن المغرب لا يكرر النفط بالنظر لإشكال المطروح بشأن مصفاة لاسامير.

    الصومعي

    على ذكر تكرير النفط، وبما أنك ربطت بين خفض الأسعار وتكرير النفط،ألا ترى أن الحكومة أخطأت في تقديرها حول عدم تشغيل مصفاة لاسامير؟

    أولا مصفاة لاسامير معروضة أمام القضاء، هذا وضعها، ويوجد مسار قضائي مرتبط بالمصفاة، وبالتالي الحكومة في الحقيقة لا يمكن أن نحمّلها بشكل مباشر خطأ تشغيل مصفاة لاسامير، أو استمرار الإغلاق، فيما ومن جهة أخرى، الحكومة تمتلك بالمقابل إمكانية تأميم المصفاة، ولكن سنواجه إشكال صورة المغرب في التعامل مع الاستثمار.

    طيب، ما هو الحل الذي تعتقده مناسبا؟

    أعتقد أنه يجب فتح نقاش موضوعي حول إمكانية استئناف عمل “لاسامير” والذي سيمكننا من أمرين اثنين، وهما أولا التمكن من الأسعار التفضيلية من الدول البترولية الصديقة والشقيقة والخليج وإفريقيا، وهذا مهم جدا. والنقطة الثانية هو أن السيادة الطاقية ستتعزز بمصفاة وطنية تمتلك قدرات تخزين مهمة، وهذه النقطة يجب التفكير فيها بقوة، وأعتقد المرحلة المقبلة تستدعي إما إعادة تشغيل “لاسامير” أو الاستثمار في مصفاة جديدة يمكن أن تكون بجانب ميناء الناضور المتوسط بالنظر للإمكانيات الطاقية المهمة التي تطرح في خط المحور.

    بحديثك عن الصداقة المغربية مع دول الخليج في مجال النفط، أستحضر هنا أن الوزيرة الوصية على القطاع  ليلى بنعلي، هي خبيرة في مجال الطاقة، واشتغلت في مجال تخطيط الاستراتيجيات “أرامكو” وغيرها، ألا ترى أن خبرة الوزيرة وأجندتها غابت عن تدبير القطاع خصوصا في ظل الأزمة؟

    صراحة، أعتقد أن علاقتنا مع الدول النفطية أكبر من بروفايل الوزيرة بنعلي، ثم إن الأمور تُدبر بمنطق دبلوماسي متقدم وعلاقة صداقة متقدمة وأعتقد أنه الوضع المرتبط بالتزود الطاقي في علاقته بالدول النفطية والإفريقية الشقيقة غير مرتبط ببروفايل الوزيرة وإنما العلاقات الاستراتيجية للوزارة نفسها.

    لكن العلاقات الاستراتيجية المرتبطة بالوزارة كما ذكرت لا يُمكن إخراجها عن سياق بروفايل الوزيرة الوصية على القطاع، والتي استقدمتها الحكومة باعتبارها “كفاءة” من مؤسسات دولية في مجال النفط، ويفترض أنها تحظى بالخبرة الكافية لتدبير هذا القطاع، لكن المُلاحظ أنها لم تستثمر علاقاتها وأجندتها إلى حدود اليوم، وبالتالي هذا يدفعنا إلى طرح سؤال ما القيمة المضافة لبنعلي إذن؟ وهل يمكن اعتبار هذا الغياب فشلا ذريعا في تدبير القطاع؟

    صحيح، لكن فكرة العلاقات الاقتصادية غير مرتبطة ببروفايل الوزيرة، ولكن السؤال الذي يُطرح هو نجاعة مخطط الوزارة، الذي هو اليوم لم يُعط مؤشرات قوية لتدبير قوي للإشكال الطاقي.

    وأتفق معك في أنه لاحظنا أيضا أنه كان هناك إشكال تخبط أيضا في تصريحات الوزيرة، فمرة “لاسامير” مهمة ومرة أخرى “لاسامير” غير مهمة وهذا إشكال من الممكن أن يدفعنا لطرح سؤال حول القوة الاستراتيجية في القطاع، لكن ما يمكن تأكيده أن منظومة المحروقات الوطنية والسيادة الطاقية بجملتها محتاجة لتسريع المسار أولا للطاقات المتجددة في أفق الوصول للحياد الكربوني مستقبلا، والنقطة الثانية، تقوية الإمكانات اللوجيستية.

    وهنا أؤكد ضرورة التصفية في بلدنا لنلعب الدور المهم في ضمان تزويد السوق الداخلي عبر خلق القيمة المضافة دوليا، والنقطة الثالثة الرئيسية هو أن منظومة تدبير ملف المحروقات يجب تطويرها مؤسساتيا وحتى مؤسسات الحكامة يجب أن تلعب دورا أكبر في هذا الإطار.

    ألا تعتقد أن المستفيد  الأكبر من الوضع الحالي واستمرار ارتفاع أسعار المحروقات هم من يسمون بـ”لوبيات” المحروقات أي الشركات المستحوذة على القطاع في السوق الوطنية؟

    أولا أؤكد أن الارتفاع في سوق المحروقات تعانيه كل دول العالم بدون استثناء، بدليل أن الارتفاع في جنوب إفريقيا لامس 40 بالمئة، و35 بالمئة بتركيا، وهذا الارتفاع مرتبط بسوق عالمية، سوق المادة الخام والمصفاة، والمصفاة عرف ارتفاعا أكبر لأن مجموعة من دول العالم ذهبت نحو تقوية مخزونها خاصة الدول الأوروبية مباشرة من سوق المحروقات المصفاة، ما جعل الطلب في الأربع أشهر الماضية أكثر من العرض.

    وهناك إشكال شاهدناه جميعا هو أن شركات المحروقات تتفاهم بشكل قبلي على الأسعار، لكن مؤسسات بلدنا تقوم بدورها والمهم هو أنه يجب إعطاء إشارة قوية لكافة الفاعلين لتسير الأمور نحول الحل لأن الوضع مرتبط بحرب جيوسياسية وخلخلة سلاسل التوريد. وهذا أمر دولي واستمرار لتبعات كوفيد19 والتعافي من الجائحة، ومن الأمور التي لم تتكبدها بلادنا هو عدم قدرة مجموعة من الدول على الإنتاج الكافي من الكهرباء، فيما المغرب لديه نجاعة في مجال تقييم الطاقة الكهربائية، ما جعل كونه يوجد تموين عال وطبيعي للمنظومة الاقتصادية للأسر.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • غلطة العمر حوارات جريئة ناطقة بالندم والاعتراف :عزيز العامري (المشرف العام للرجاء الرياضي)

    كيف كانت بدايتك في ملاعب الكرة؟

    بداياتي كانت في فريق عريق اسمه سكك مكناس، له امتداد تاريخي منذ عهد الاستعمار، كنت ألعب ضمن صفوفه حين كان يمارس ببطولة القسم الشرفي، وحين كنت أسافر إلى سيدي قاسم أستغل الفرصة للتدرب مع الاتحاد القاسمي، وكان يشرف عليه المدرب عبد الله السطاتي. لفتت نظر المدرب الذي سألني عن سني فقلت له إنه لا يتجاوز 18 عاما، وقلت له بأني لاعب لنادي سكك مكناس. مباشرة بعد انتهاء الحصة التدريبية، اتصل مباشرة بلحسن الدليمي، رئيس الفريق، وتم تكليف إدريس الكارتي بفتح قناة الحوار مع الفريق السككي الذي كنت أنتمي إليه. وبعد أيام قليلة تم ضمي للفريق القاسمي، وكنت سعيدا بهذه الخطوة التي تحقق من خلالها حلمي. لست الوحيد في العائلة الذي انتقل من سكك مكناس للاتحاد القاسمي، فقد عاش أخي حسن الرحلة نفسها من الفريق السككي لسيدي قاسم.

     

    لكن سرعان ما ستنتقل للجيش الملكي..

    في عام 1976 انتقلت للجيش الملكي وجاورت نجومه الكبار حيث كان أغلبهم يشاركون ضمن المنتخب المغربي، عايشت فترة المدرب كليزو وقضيت تحت إشرافه ثلاث سنوات. كنت أتردد على المدرب الفرنسي في مكتبه ليطلعني على كل ما لديه من جديد في المجال التقني، خاصة وأنه كان يسافر كثيرا ويطلع على تجارب مدارس مختلفة في السويد وفرنسا وإنجلترا. استفدنا في تدريبنا من اجتهاداته، وكنت أطرح عليه الأسئلة حول أساليب التدريب سواء ما يتعلق باللياقة البدنية أو التحمل أو الديمومة، وحين كان يطلب منا الإكثار من شرب الماء كنت أستفسره في كل صغيرة وكبيرة، عندما أكون أعاني من إصابة يمنحني القبعة والعداد ويدعوني لمرافقته مساعدا له في مهمته، ويكلفني بمجموعة من اللاعبين ألقنهم التمارين موازاة مع ما أقوم به، وهذا ما جعلني أحب مهنة التدريب، وأنا عائد إلى سيدي قاسم عام 1979 قال لي كليزو «أفضل أن أراك مدربا في سيدي قاسم أكثر من لاعب».

    رجعت للاتحاد القاسمي بطلب من الدليمي، حيث التمس من إدارة الجيش الملكي إعادتي للفريق القاسمي نظرا للحاجة لخدماتي، ومنذ ذلك الحين ظل يتنبأ لي بمستقبل في مجال التدريب.

     

    هل عدت للاتحاد القاسمي لاعبا أم مدربا؟

    عدت للاتحاد القاسمي مدربا ولاعبا في الوقت نفسه رفقة العربي شباك تحت إشراف الرئيس الحاج لحسن الدليمي. في تلك الفترة أخذت أجتهد وأثابر، وفي سنة 1985 سافرت إلى فرنسا بمبادرة شخصية مني، بعد مراسلة الاتحاد الفرنسي الذي رد علي بالترحيب. التحقت بالمركز الوطني ڤيشي وأديت الواجب المالي للمشاركة في المعسكر التدريبي، وكنت إلى جانب التونسي تميم العربيين الوحيدين وسط المتدربين الأجانب، واشتغلنا في حصص مكثفة مدتها 12 ساعة في اليوم، وعدت إلى بلدي وكل أملي أن أنقل ما تعلمته لفريقي القاسمي.

     

    هل ساهمت سلطة أحمد الدليمي في تألق الاتحاد القاسمي، وهل شعرتم بمظلته وأنتم تخوضون مباريات هامة، خاصة وأن رحيله عجل برحيل الفريق من دائرة الوجاهة؟

    والد الدليمي الحاج لحسن هو الذي ترأس الفريق وساهم في تشغيل عدد من اللاعبين، بتنسيق مع ابنه الجنرال أحمد الدليمي. لقد تم تشغيل خمسين لاعبا في سلك الأمن الوطني وفي مصفاة البترول بسيدي قاسم، لكن بعد مرحلة الدليمي تغيرت الأحوال نحو الأسوأ، كثير من اللاعبين هاجروا وبعضهم ضمنوا مناصب شغل في الأمن، كاللوماري وحديوة. تأسفت كثيرا لوضعية جبيلو وشقيقه بلحمر وبلمامون وناجدي، غالبيتهم هاجروا لإيطاليا وفرنسا حيث أعادوا بناء مستقبلهم، لو استمروا في سيدي قاسم كانوا سيتعذبون.

     

    أفلس الفريق بعد إغلاق صنبور الدعم القادم من مصفاة البترول..

    يجب أن نصحح بعض الأمور، المصفاة أغلقت صنبور الدعم بعد أن تمت خوصصة الشركة حين عانت من ضائقة مالية. المصفاة كانت تقدم منحة قدرها 500 مليون سنويا، وتشغل أربعة لاعبين سنويا. بعد وفاة لحسن الدليمي تخلت الشركة عن الفريق قبل أن يتم دمجها في شركة «لاسامير» بعد عامين. تعذب الفريق مرتين من إغلاق المصفاة ورحيل الدليمي.

     

    هل كان لحسن الدليمي رجلا سلطويا يرعب اللاعبين والحكام كما يقال؟

    كان لحسن الدليمي، والد الجنرال أحمد الدليمي، يصرخ في وجه لاعبيه وينفخ فيهم شحنة من الحماس، ويحولهم إلى انتحاريين يرددون قولته: «الخصم أمامكم والحبس وراءكم، فليس لكم سوى الانتصار أو الاعتقال»، لكنه، بالمقابل، كان يفكر في مستقبلهم المعيشي، يوظفهم ويساعدهم على حل مشاكل أفراد عائلاتهم. اليوم انظر إلى الفريق لقد أضحى «محكورا»، بعد سنوات التألق والعز. الفريق يتوفر على الإمكانيات المادية وفي المدينة سبعة أو ثمانية مدربين بتجارب وقدرات عالية، لكن الاتحاد الذي سمي «حفار القبور» يعاني ويكابد الزمن من أجل البقاء.

     

    وأنت، هل اشتغلت في المصفاة أم الأمن الوطني؟

    لا هذا ولا ذاك، لقد وظفني مسؤولو فريق سكك مكناس وأنا شاب، وفي 1975 غادرت الوظيفة بسبب العمل الشاق حيث كنت أستيقظ في الرابعة صباحا وأتوجه إلى محطة القطار بسيدي قاسم. بعدها انتقلت إلى الجيش الملكي في منتصف السبعينات، وتم تشغيلي في الدرك الملكي إلى غاية 1981، حيث تبينت لي صعوبة الجمع بين التدريب والشغل في مؤسسة أمنية تتطلب الحضور واليقظة. غادرت الوظيفة طوعا والتحقت بمجال التدريب، لأنني كنت أعلم أن انتقالي من فريق إلى آخر سيتطلب ترخيصا من القيادة العليا للدرك الملكي.

     

     

    أشرفت على تدريب مجموعة من الفرق، أنت المدرب الذي درب 12 ناديا..

    دربت 12 فريقا لكن أن تقضي حوالي 40 سنة في مجال التدريب فهذه المدة كفيلة بأن تجعلك قادرا على تدريب 20 فريقا، وليس 12 فريقا فقط. طبعا بدايتي كانت مع فريقي الأم الاتحاد القاسمي قضيت فيه حوالي ست سنوات قبل أن أبحث عن تجارب أخرى مع فرق أخرى.

     

    في مكناس حصل اشتباك بالأيدي مع رئيس «الكوديم»، هل ندمت على هذا التصرف؟

    مع النادي المكناسي كانت لي ذكريات جميلة وأخرى للنسيان، أذكر أننا كنا نحتل الصف الأول بخمسة انتصارات متتالية، ولكنني غادرت الفريق بسبب مشاكل مادية جعلتني أعجل بتقديم استقالتي. أما خلافي مع الرئيس أبو خديجة فيرجع لنهاية مباراة جمعت المغرب التطواني بالنادي المكناسي، كانت ملاسنات بيننا تطورت إلى شتائم، لقد سمح الرئيس لنفسه بالنزول من المنصة إلى أرضية الملعب ليستفزني ولا يحق له ذلك، فوقع ما وقع، هذه نقطة سوداء في ذاكرتي.    

     

    بعد إشرافك على النادي المكناسي غادرت صوب غريمه المغرب الفاسي، لكن الأمور لم تسر وفق ما كنت تعتقد..

    مباشرة بعد استقالتي من «الكوديم» وتحديدا في الأسبوع الموالي، تلقيت عرضا لتدريب المغرب الفاسي وفعلا لبيت الدعوة، لكن الأمور لم تسر في الاتجاه الذي سطرناه. كما خضت تجربة مع أولمبيك آسفي وكان يحتل الصف 13 في القسم الثاني، كان هدف الرئيس أحمد غيبي هو الهروب من المناطق المؤدية للهواة، لكن الفريق احتل الصف الرابع، وفي الموسم الموالي صعدنا للقسم الأول ووصلنا إلى مراحل جد متقدمة من بطولة كأس العرب.  

     

    هناك فريق دربته أسبوعين فقط..

    إنه الاتحاد البيضاوي الذي تعاقدت مع مسيريه قبل بداية الموسم الرياضي، لكني عشت خلافات عميقة بين المسؤولين، وقام المجلس الجماعي بسحب الحافلة من الفريق وكانت تنقل اللاعبين للحصص التدريبية والمباريات الودية التي كنا نخوضها، منعونا من إجراء حصص تدريبية في ملعبنا وانتقلنا لحي مولاي رشيد، فكنت مضطرا للرحيل قبل بدء البطولة. في تلك السنة صعد الفريق للقسم الموالي.  

     

    في تطوان عشت واقعة إضراب جماعي للاعبين، كيف قمت بتدبير هذه الأزمة؟

    تعاقد معي المغرب التطواني عقب خسارته من شباب قصبة تادلة، عرض علي عبد المالك أبرون تدريب الفريق فلم أتردد. قال لي أثناء التعاقد إن الهدف هو الإفلات من النزول، لقد كان الفريق يحتل الصف 14، كان الرئيس قد جلب مجموعة من اللاعبين أو النجوم، لكنهم أضربوا ولم تنفع محاولات ثنيهم عن العصيان. وتحسبا لأي طارئ، وبعد وقوع المشكل مع المكتب المسير ومغادرة اللاعبين التي لم تكن في الحسبان، فكرت مليا وقررت أن لا أصرح إطلاقا لا في الصحف ولا على القنوات بأننا سنعاني من هذه الثغرة الكبيرة. منحت اللاعبين الشبان فرصة تعويض المضربين، وطمأنت رئيس الفريق بأننا نملك لاعبين شبانا موهوبين قادرين على القيام بالمنوط بهم، آزرني في تبني هذا الحل وكنت أتابع اللاعبين في الفئات السنية لهذا انتقيت منهم حوالي عشرة لاعبين. توجهنا لفاس من أجل مواجهة المغرب الفاسي، أشركنا اللاعبين الشباب وانهزمنا بصعوبة بهدف وحيد، لكننا اقتنعنا بهذه المواهب.

     

    رب ضارة نافعة إذن؟

    هذا الفريق الشاب حصل على لقب كأس «شالانج» الذي نظمته الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم لفئة الأمل، كان أول لقب للفريق تحت إشرافي. هزمنا الوداد في عقر داره بهدفين، وظهرت ملامح فريق المستقبل الذي سيدخل تطوان للعالمية.

     

    لكن الإضراب حق مكفول؟

    في كرة القدم الإضراب يصبح إضرابا ضد المسؤولين وضد الجمهور، هذا هو الفرق بين الإضراب العادي للمستخدمين وإضراب اللاعبين. عموما استرجعنا بعض المضربين على غرار لمناصفي وخضروف، أما أبناء مدينة تطوان فرفضوا الانخراط في الإضراب. من الصعب جدا أن يقرر 14 لاعبا خوض إضراب، لكن، رغم ذلك، حققت إدارة النادي ربحا ماليا من وراء الإضراب، فقد كسبت 500 مليون سنتيم لأن اللاعبين سيحرمون قانونيا من مستحقاتهم بسبب الإخلال بالواجب، وربحنا فريقا للمستقبل حيث أقحمنا ثمانية لاعبين ناشئين وبدأنا الموسم الموالي بهذه الترسانة الشابة.

     

    هل وافق رئيس الفريق على طرد المضربين وتشبيب الفريق؟

    العقد الذي وقعته مع أبرون في أول يوم بعد التحاقي بالمغرب التطواني ينص على تفادي المركز المؤدي للقسم الثاني، لكن بعد ذلك رفع سقف الأحلام، ووعدني بسيارة فاخرة قيمتها المالية حوالي 140 مليون سنتيم في حال الظفر بلقب البطولة، وحققت اللقب مرتين ودخل الفريق العالمية.

     

    هل ندمت على تجربة تدريب فريق النادي القنيطري الذي نزل لقسم الهواة، بعد أن راهنتم على صعوده للقسم الأول؟

    حين تم تعييني صدر بلاغ عن المكتب المسير يقول إن الإطار الوطني عزيز العامري أصبح مشرفا عاما على النادي، وتم تقديمي رسميا بهذه الصفة في ندوة صحافية. في هذه الندوة قدمت مشروعي الخاص بالفئات السنية وكذا الاستراتيجية التي سيتم الاشتغال عليها مستقبلا، انسجاما مع مشروع جاء به رئيس الفريق علي الرماش الذي كون خلية من المدربين أبناء القنيطرة للاشتغال معي في تنزيل الاستراتيجية. كنت طبعا أتابع الفئات الصغرى، وتم خلق مطعم يمكن اللاعبين من تناول وجباتهم في عين المكان، لكن للأسف هناك أياد خفية سعت للإطاحة بالرماش، كانت غايتهم أن يطيحوا بالرئيس فأضروا بالفريق. للأسف انخرط البعض في هذا المجهود فأسقطوا الفريق وضحوا بـ»الكاك» كي يرحل الرماش.. النتائج الأخيرة كانت مدبرة، جمهور القنيطرة على مستوى عال من الوعي أكيد أنه فهم المؤامرة.

     

    لكن التاريخ يسجل سقوط الفرق مع المدربين وليس اللاعبين؟

    إذا سرنا في هذا السياق، علينا أن نتساءل من أسقط المغرب التطواني؟ ومن أسقط الكوكب المراكشي؟ ومن رمى بالنادي المكناسي واتحاد الخميسات ونهضة سطات والطاس في دهاليز الأقسام السفلى؟

     

     

    كيف تفسر هذه المفارقة الغريبة: سيدي قاسم تنتج المدربين وفريق المدينة يعاني في قسم الهواة؟

    كل ما تبحث عنه الفرق خارج سيدي قاسم موجود في هذه المدينة، خاصة على مستوى الأطر، هناك عدد كبير من المدربين، كالطاوسي وقبله الزاكي والركراكي، وبلحمر واللوماري، ومدرب الحراس احميد وحسن والمهدي العامري وعاطف وغيرهم. التأطير متوفر ويبقى المشكل في التسيير.

     

    لماذا لا تتطوع لانتشال الفريق من قسم المظاليم؟

    في سنة 2016 صعد الفريق من قسم الهواة إلى بطولة القسم الثاني، وساهمت في الإنجاز بمبادرة من عامل المدينة الذي دعاني لقيادة الفريق في الدورات الأربع الأخيرة وفي ظروف صعبة، وبعد الصعود صرفوا النظر عني، أما الملعب فظل مغلقا لسنوات.

     

    في فترة من الفترات كنت رئيسا ومدربا للاتحاد القاسمي، كيف عشت هذه الازدواجية؟

    جمعت بين تدريب الفريق القاسمي ورئاسته لمدة قصيرة، لكن كنت دوما أعود إلى عملي الأصلي أي الجانب التقني، لأن لكل مهمة رجالها، التسيير «عندو ماليه».

     

    أثار تصريحك حول المدرب مورينيو جدلا واسعا في الإعلام، هل لازلت مصرا على أن هذا المدرب «زرك» كما قلت؟

    أنا عاشق منذ صغري للعب الفرجوي الجميل، أريد دائما أن أمنح الجمهور الذي يتابع المباراة طبقا فرجويا، كي لا يشعر بأنه ضيع الوقت في الملعب أو خلف شاشة التلفزة. بالمقابل أمقت اللعب الدفاعي الجاف المبني على الصرامة البدنية والصلابة التكتيكية، لم أحصل على جائزة أفضل مدرب في البطولة الاحترافية «برو» لسواد عيني، بل لما قدمته من كرة قدم جميلة رفقة المغرب التطواني على امتداد خمس سنوات، بشهادة المتتبعين الكرويين.

     

    نعود إلى انتقادك اللاذع لمورينيو..

    أعترف بأنني وجهت انتقادا لاذعا للمدرب البرتغالي مورينيو، ولازلت متمسكا بقولي، لأنه لم يكن يوما لاعبا كبيرا مثل غوارديولا أو كرويف اللذين أنتجا أفضل كرة قدم في العالم، أما مستوى مورينيو ففي تراجع مستمر، وهو ما تنبأت به في وقت سابق. أنا لا أطيق مشاهدة مباراة فيها مشانق دفاعية وفيها أسلوب لعب مغلق.

     

    معنى هذا أن نجاح مدرب يقتضي تجربة طويلة في الملاعب؟

    أكيد، على الأقل سيعرف المدرب الذي لعب الكرة في المستوى العالي، كيف يتواصل مع اللاعبين وسيكون قريبا منهم.

     

    إذا سلمنا بهذا المنطق، لماذا فشل إذن بيلي ومارادونا كمدربين؟

    المشكلة لا تكمن في نجومية اللاعب التي لا تؤدي حتما إلى نجومية كرسي البدلاء أو ما يعرف بالعارضة التقنية، لكن المشكل في التواصل. لو كان مارادونا أو بيلي يتواصلان جيدا مع محيطهما لنجحا بسهولة. هناك لاعبون عشقتهم الجماهير في الملعب لكنهم سقطوا كمدربين. وهناك لاعبون أصبحوا رموزا لأنديتهم بسبب إخلاصهم ووفائهم طوال فترة العطاء مع هذا النادي أو ذاك، وربما يدفع عشق بعض الجماهير لهؤلاء النجوم إلى مطالبتهم بإنقاذ أنديتهم في حال التعثر وإسناد مهمة التدريب لهم.

     

    لكن يمكن لنجم أو أسطورة أن يمسح نجوميته من أذهان محبيه حين يدرب الفريق ويتعثر..

    هناك حالات في الدوريات الأوروبية، فيليبو إنزاغي، المدرب السابق واللاعب السابق لميلان الإيطالي، كان بمثابة أسطورة حية لجماهير النادي بعد أهدافه الحاسمة والتاريخ الذي سطره مع النادي، قبل أن يتولى تدريب ميلان، وحين شرع في عمله ساءت النتائج وبدأ يستقبل الإهانات بعد كل مباراة، فتحطمت أسطورة إنزاغي. دييغو مارادونا، اللاعب الذي كتب الإنجازات في كأس العالم مع المنتخب الأرجنتيني، فعل الأمر نفسه مع منتخب بلاده مدربا وقاده للخروج من ربع نهائي كأس العالم 2010 بهزيمة مذلة من ألمانيا بأربعة أهداف دون مقابل، فلم يحافظ على الشعبية التي اكتسبها لاعبا بعد أن طالته أسهم الانتقادات من الأرجنتينيين.

     

    نعود إلى مورينيو لأذكرك بأن هذا المدرب الذي وصفته بالفاشل، توج بلقب دوري المؤتمر الأوروبي لكرة القدم مع روما؟

    هذا ليس معيارا، صحيح أنه فاز بالكأس، لكنه ظل ينتقد مثل هذه البطولات الثانوية، بل كان يسخر من الفرق التي تشارك في بطولات للحاصلين على مراتب في وسط الترتيب. ثم إن كأس المؤتمر الأوربي غير معترف بها، علما أن فريق روما الإيطالي حاز على اللقب عقب تغلبه على فينورد الهولندي بهدف دون رد، وكانت المباراة النهائية أقيمت في العاصمة الألبانية تيرانا.

    هل نسمي هذا نجاحا؟

     

    لكن المدرب البرتغالي جوزي مورينيو حقق العديد من الألقاب..

    لقد سبق له الفوز بلقب كأس الاتحاد الأوروبي ودوري أبطال أوروبا مع بورتو البرتغالي عامي 2003 و2004 على التوالي، ودوري أبطال أوروبا مع إنتر ميلان الإيطالي عام 2010، والدوري الأوروبي عام 2017 مع مانشستر يونايتد الإنجليزي، هذا لا يعني الكثير بالنسبة لي، فالمدرب الناجح هو الذي ينتج الفرجة ويحول لاعبيه إلى عازفين.

     

    انتقدت أيضا المدرب التونسي لسعد الشابي وقلت إنه جنى ثمار سابقه جمال السلامي..

    أنا قلت الحقيقة التي لا يريد كثير منا قولها، فالفريق الذي فاز بكأس محمد السادس وكأس الكونفدرالية الإفريقية فريق بناه جمال السلامي، وأسلوب الكرة الذي يلعبه الرجاء في عهد الشابي أسلوب تربى عليه لاعبو الرجاء، ما حصل في عهد المدرب التونسي هو تكريس الاستقرار التقني وعدم إحداث تغييرات عميقة. لهذا أكرر دائما «الكرة ديال السلامي» هي التي جلبت الألقاب، تقريبا نفس اللاعبين نفس النهج.

     

    لابد من لمسة المدرب؟

    لكن هذه اللمسة التي يتحدثون عنها لا تأتي إلا إذا فاز الفريق بلقب، أما في حال الإخفاق فلا أحد يتحدث عن هذه اللمسة.

     

    هل سبق للرجاء والوداد أن عرضا عليك تدريبهما؟

    تلقيت عرضا من الرجاء للعمل مدربا للفريق، كنت حينها مرتبطا بعقد مع أولمبيك آسفي، وجدد الخضر محاولة أخرى حين كنت مدربا للجيش.

     

    والوداد؟

    اتصل بي سعيد الناصري وكنت مدربا للمغرب التطواني، جالسته في بيته لكن رغبته اصطدمت بارتباطي مع «الماط».

    كيف تم اختيار رشيد الطاوسي مدربا للرجاء الرياضي؟ وهل كان بإيعاز منك؟

    هناك من اعتقد أنني وراء جلب الطاوسي للفريق، أو أنه هو الذي اقترحني على مسؤولي الرجاء، كل ما في الأمر أنني توصلت، في اجتماع مع المكتب السابق في عهد محفوظ، بسير ذاتية لمدربين من تونس والجزائر، واقترحت أن يكون المدرب من أبناء الرجاء، إيمانا مني بأن نجاحات الرجاء ارتبطت بأبناء هذا الفريق، في وقت لم يكن يوجد الطاوسي ضمن هذه الاختيارات. لكن اسم رشيد تردد فجأة وكان من اختيارات الرئيس السابق أنيس محفوظ، ليس بيدي حيلة وأنا الذي كنت أود لو أسندت العارضة التقنية لأبناء الرجاء.

     

    هل عشت حالة اغتراب داخل الرجاء خلال مدة إشرافك على الفريق؟

    من لا يعرف قيمة الرجاء البيضاوي كفريق مرجعي له مكانة كبيرة عند المغاربة ليس فقط عند الجمهور. لم أكن غريبا عن هذا المحيط، فقد ربطتني بالرجاء علاقة وطيدة وأنا لاعب باتحاد سيدي قاسم، وخاصة مع لاعبيها الكبار كبيتشو وبينيني وفاخر، وعندما كنا نلعب بالدار البيضاء، نبقى مع بيتشو رحمه الله، كذلك الشأن عندما يأتون لسيدي قاسم. لقد كان هناك اتصال من الرئيس السابق أنيس محفوظ لأشغل مهمة مستشار تقني للرئيس ومنسق بين الأطر ومشرف على الفئات، طبيعي أن أقبل العرض.

     

    مهمتك ارتبطت بالتكوين أم الاستشارة؟

    في البداية، وأثناء البحث عن مدرب للفريق الأول، كنت مستشارا للرئيس، وبعد أن استقر الرأي أصبحت مشرفا عاما على الجانب التقني، حيث وضعت خطة عمل للتكوين، كما أن الأطر التي ستعمل على تدريب هؤلاء من الرجاويين الشباب سيكونون من صلب الرجاء، اقتداء بسيرة المدربين الكبار أمثال غوارديولا الذي كان في أمل برشلونة واليوم أصبح أحسن مدرب في العالم. هذه الخطة تنبني على هدف هو أن يصبح الرجاء فريقا مصدرا للمواهب لا مستوردا لها، ودوري هو بناء قاعدة من الكفاءات من اللاعبين والمؤطرين، خاصة أبناء الرجاء. كنا نبحث عن الخلف في الأحياء الشعبية، كسيدي عثمان وسباتة، ومولاي رشيد والرحمة، لا نريد اللاعب الجاهز للفريق الأول، مع الاستعانة بشبكة من المنقبين والمكتشفين من اللاعبين السابقين للفريق.

     

    قيل إنك كنت تنوي جلب لاعبين من بطولة الهواة للفريق الأول للرجاء..

    أظن أن الجميع يتفق على اعتبار بطولة الهواة خزانا للفرق، هذه مسألة جربتها فرق عديدة ونجحت. خذ، على سبيل المثال، اللاعب أيوب الكعبي، لقد نشأ في فريق من الهواة في حي هامشي، أين هو الآن؟ هل لازال في الفريق الذي ترعرع فيه؟ من العار أن تعاين فريقا مستواه في الهواة وتجد في صفوفه نجما متألقا، أو إرجاء العمل على نقل تلك الموهبة إلى قسم الصفوة. للأسف المواهب التي تتألق في الفرق الهامشية لا تأتي إلى الوازيس، لهذا علينا أن نذهب إليها لنتابعها أولا ثم لنجلبها.

     

    هل نال خيار جلب لاعبين هواة موافقة المكتب؟

    نبقى في الرجاء من أين جاء أبوشروان والرباطي والعلودي والحافضي وزمامة ورحيمي وأسماء أخرى؟ لا يمكنني إنكار دور هؤلاء في صنع تاريخ الرجاء. من هذا المنبر أقول: على جميع الفرق الاهتمام بفرق الهواة ودعمها على اعتبار هذه الأخيرة بمثابة مراكز التكوين للفرق الكبرى وتتوفر على خزان من اللاعبين الموهوبين.

     

    باستثناء تجربته مع الجيش، يشرف العامري على تدريب الفرق المهددة بالنزول، هل أنت رجل إنقاذ؟

    باستثناء فريق رجاء بني ملال الذي تعاقدت معه قبل الميركاتو الشتوي، أغلب تعاقداتي مع فرق مهددة وفي ظرفية لا تسمح بجلب اللاعبين.

     

    لكن مع بني ملال حصل لك خلاف مع الرئيس حول التعاقدات..

    خصامي مع رئيس رجاء بني ملال راجع لإصرار هذا الأخير على التدخل في اختصاصاتي، ومحاولته أن يفرض علي ضم لاعبين محددين، لهذا كنت مضطرا إلى تقديم استقالتي من تدريب الفريق. كنت أقول للمدرب مرحبا بأي لاعب شريطة أن يخضع للاختبارات. لم أرفض التعاقد مع لاعبين جدد، لكني لا أقبل أن يملي علي الرئيس طريقة العمل ومع من يجب أن أتعاقد. قلت له أن يتحمل مسؤوليته في التعاقدات التي يريد القيام بها، لأني غير موافق عليها، ولأني أنا المدرب، وأنا من يتحمل مسؤولية النتائج، انسحبت وقلت له تحمل مسؤولية الرئاسة والتدريب سأوفر لك راتبي ثم انسحبت.

     

    حتى تجربتك في قطر كانت مع فريق الخريطيات الذي كان يحتاج إلى منقذ..

    أنا من طلبت من إدارة نادي الخريطيات القطري البحث عن طريقة للانفصال الودي، يمكنكم الرجوع لبلاغ المكتب الذي تضمن عبارة «تلميح المدرب عزيز العامري إلى إمكانية إنهاء ارتباطه مع الفريق»، وذلك من خلال تصريحاتي في الندوات الصحفية، لجرأتي الكافية لأقول للمسيرين إن وضع الفريق أصبح غير مطمئن وأن الفريق يحتاج لحلول جذرية تقود لتحقيق هدف البقاء بالدوري، وهذه الحلول تقتضي تغيير عدد من اللاعبين في الفترة الشتوية أو إنهاء مهمتي كمدرب، وهذا ما حدث حيث طالبت بفسخ تعاقدي بالتراضي مع النادي.

     

    ما النقطة السوداء في مسارك؟

    حين تسألني عن النقطة السوداء في بياض مسيرتي معنى هذا أن مساري فيه كثير من الأمور المشرقة، ومعناه أيضا أن صحيفتي فيها الكثير من الإحقاقات، المهم عندي هو حين أرى لاعبا ساهمت في تكوينه أمن مستقبله وأصبح نجما.

     

    لكن حين ترفع شعار المدرب الوطني للفرق الوطنية قد تغضب المدربين الأجانب الذين لهم الحق في الإشراف على تدريب فرق مغربية..

    أنا دائما أستلهم الدروس من الأسطورة الهولندي يوهان كرويف، لقد كان له الفضل الكبير في ما وصل إليه الآن غوارديولا في عالم كرة القدم. ما قدمه كرويف لعالم كرة القدم لن ينسى أبدا وسيبقى إرثا مستمرا. كرويف ليس مجرد مدرب بل رجل يجعلك تفهم الكرة، كرويف يجعلك تبتعد عن المنطق في تدريبك وتتبع حدسك. عظمة كرويف ليست بالألقاب التي حصل عليها، بل في قدرته على إحداث تغيير في الفرق التي أشرف عليها، كبرشلونة وأجاكس. تصور أن اسم مورينيو كان مطروحا كمدرب لبرشلونة لكن كرويف رفضه لأنه لم يلعب الكرة. من هذا المنبر أقترح أن تكون في جميع ملاعب العالم صورة كرويف.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • خبير: بإمكان الحكومة تخفيف غلاء المحروقات و”لاسامير” صفقة غير مربحة للمغرب

    قال مصطفى لبرق، الخبير في المحروقات والبترول، إن أسباب ارتفاع أسعار المحروقات بالمملكة ناتج عن ارتفاع الأسعار العالمية، مؤكدا أن الزيادة في أثمنة النفط الخام في الأسواق الأوروبية وارتفاع قيمة الدولار يؤثران على الأسعار بالدول غير البترولية؛ من بينها المملكة.

    وتوقع الخبير، في حوار مصور مع جريدة “مدار21” الإلكترونية، ارتفاع أسعار المحروقات الأسبوع المقبل، مبرزا أن الحرب الأوكرانية الروسية، التي لم يُعرَف بعد مصيرها ولا موعد نهايتها، تزيد من تأزّم الوضع، إضافة إلى كثرة الطلب العالمي.

    وأردف لبرق أن الولايات المتحدة الأمريكية، وفي سابقة تاريخية، بلغ سعر الغالون 5 دولارات، وهي أسعار لم تسجل منذ أزيد من 40 سنة، مما دفع البنك المركزي للتدخل من أجل تخفيف الضغط.

    وأشار الخبير إلى أن خروج الصين من الجائحة وتداعياتها جعل استهلاكها الطاقي يزيد بشكل ملحوظ، وهو ما أثر على أسعار المحروقات في شتى بقاع العالم، مما يزيد من الطلب مقابل العرض المحدود، نظرا لعدم قدرة المصافي التقليدية على إنتاج المزيد.

    ولفت لبرق إلى أن فصل الصيف سيشهد ارتفاعات متكررة، معتبرا أن ما بعده ستحدده قرارات دول “الأوبك” حول الزيادة في الإنتاج، واستمرارية الحرب الروسية الأوكرانية من عدمها “ستكون الأمور أوضح خلال شتنبر”، يؤكد الخبير في البترول والمحروقات.

    وشدد المتحدث على أن الحل الوحيد الممكن للحكومة المغربية للتدخل عبره لخفض أسعار المحروقات، في الظروف العالمية الحالية، يكمن في خفض الضرائب المستخلصة في المجال، مستدركا أن العملية “تحتاج دراسات وحسابات مفصلة ومتابعة مستمرة من طرف وزارة المالية”.

    واعتبر الخبير في مجال المحروقات أن عودة مصفاة “لاسامير” للعمل “لا يمكنه حل أزمة ارتفاع الأسعار الحالية”، مبرزا أنها قادرة على حل مشكل المخزون الاستراتيجي للمملكة بفضل خزاناتها ولظرفية محددة فقط.

    وسجل لبرق أن قيمة لاسامير قدرت بـ45 مليار درهم، “ولو أراد المغرب بناء مصفاة أخرى بنفس مواصفات لاسامير لن تكلف هذا الرقم وبالتالي فهي تشكل صفقة غير مربحة للمستثمرين ولن تكون كذلك للدولة” يشير المتحدث ذاته.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حين تضيع الجزائر فرصة كورونا

    برلمان.كوم – محمد الخمسي *

    من المسلمات الاقتصادية للدولة الجزائرية أنها تعيش اقتصادا منهكا، مريضا يعاني من أزمة بنيوية، فهو اي هذا الاقتصاد يعتمد بنسبة تفوق 90 في المئة على قطاع المحروقات (البترول والغاز)، مع هشاشة كبيرة في القطاع الفلاحي، الذي عرف انحدارا دون صعود في المقابل للقطاع الصناعي ، قطاع صناعي انطلق زمن الراحل هواري بومديان متأثرا بالنموذج السوفياتي سابقا، صناعة لم تحقق اي أثر اقتصادي أو وقع اجتماعي، بل كانت مكلفة وغير قادرة على التنافس، أو توطين الخبرة للمجتمع الجزائري، فقد كان هذا القطاع اكبر وهم ومتخيل بعد وهم “القضية الصحراوية” هاته الكذبة السياسية في تاريخ شعوب المنطقة، و التي كلفت الجزائر إمكانات مالية هائلة، انفقتها في اربعة محاور لمحاصرة المغرب و تمثلت في:
    1- تشتيت تركيز المنطقة على بناء وتطوير وضعها الاجتماعي والاقتصادي، حيث أنفقت الجزائر ايام صعود ثمن النفط في كل اتجاه يعادي الوحدة الترابية ويعطى قدرات وكفاءات المنطقة عن الإقلاع
    2- شراء السلاح و تسليح ميليشيات البوليساريو ، إذ جزء من هذا السلاح وصل ويصل إلى جماعات متطرفة منتشرة في منطقة شاسعة بين دول الجوار – مالي – وموريتانيا – وليبيا
    3- شراء الأصوات والمواقف لكثير من الدول الإفريقية, التي كانت تعاني من كلفة الطاقة، وكانت الجزائر تجود بها بين المجانية والأسعار التفضيلية،
    4- دعم طابور من المنظمات و الصحافيين المرتزقة، بل مولت بالعملة الصعبة مكاتب الاستشارة والخبرة بملايين الدولارات، وخاصة في الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، لنشر مقالات وتقارير تسيئ للمغرب، و تحرض عليه هنا أو هناك.، تارة تحت عنوان غياب الحريات وحقوق الانسان، ومرة تحت يافطة سرقة ثروات الصحراء، وأخرى من خلال الافتة المتكررة في مجال حقوق الإنسان. لا يلغي ذلك اننا كنا بين الحين والآخر سنساهم عن غير وعي في ذلك، بسبب تصرف طائش هنا أو هناك ، من خلال هذه المكاتب والصحف التي تؤدى ولازالت الجزائر لها من أموال الشعب الجزائري، وعلى حساب قوته وصحته، وتعليمه لتشويه صورة المغرب وصناعة راي عام سلبي إزاء حقوقه ومصالحه.
    .
    إن زمنا لا يستهان به أنفقته الجزائر في هدر إلامكانات المادية، والبشرية للمغرب الكبير، وكان ذلك ايام أسعار البترول المرتفعة و التي وصلت احيانا إلى ما فوق المئة دولار للبرميل، وفرت سيولة بالعملة الصعبة، انفقتها حكومات الجزائر المتعاقبة في صناعة سياسة خارجية تعتمد العداء للمغرب، وإضعاف فرصة اقلاع شمال افريقيا، بكلفة لا معنى لها ، مما عطل اوراش التنمية في الجزائر بشكل كبير، واثر على وضع الجيران ايضا، وقد كانت لافتات التظاهرات في مختلف شوارع مدن الجزائر طيلة الحراك الذي كان عدد أيامه مثل رقما قياسيا في الخروج للشارع، بنفس العزيمة والإرادة ، التي لم تتوقف الا بسبب جائحة كورونا، وهي مرحلة وبشكل قوي تظهر من جديد بعد تراجع هذا الوباء، لأن الأزمة ستزداد تعقيدا و عمقا وقساوة، ومبررات الاحتجاج زادت ولم تتوقف.

    لقد ظلت الجزائر الطرف الحاضر المختبئ في معاكسة الوحدة الترابية للمغرب، ومحاولة محاصرته جغرافيا، وعسكريا أو عزله وسياسيا، ويعتبر عودة المغرب إلى المنتظم الإفريقي، بحضور ذكي متميز، بل ان المغرب وفي عز و اوج الانانية بين الدول، حيث حرصت معظم الدول(حتى المتقدمة منها مثل ألمانيا والولايات المتحدة ) على الإجابة على تحديات كورونا دون استحضار الاخرين، وصلت حد قرصنة الكمامات و مواد التعقيم، بعث المغرب في هذه الازمة برسالة إنسانية تضامنية نحو إفريقيا قولا وعملا.
    إن ما صنعته الجزائر من جبهة في تندوف ككيان سياسي بدون مشروعية أو شرعية لم تستطع تدبير وضعه في المخيمات على خمس مستويات :
    – العجز التام في توفير الغطاء الصحي ضد الجائحة بهذه المنطقة، وهو أمر طبيعي، ففقدانه في العاصمة الجزائر يجيب على العجز في مخيمات تندوف،
    – صعوبة توفير الماء والطعام لما فرضته الجائحة من اكراهات وتحديات،
    – محاصرة المخيمات مخافة خروج الوباء منها، لمناطق من التراب الجزائري،
    – عدم تسليم المساعدات المحصل عليها باسم حاجة المخيمات لها، وتوزيعها في العاصمة، نظرا لما تأسست عليه من سماسرة ووسطاءبين الجيش الجزائري وقادة البوليساريو
    – ترك المخيمات لمصير مركب رهيب بين العطش والجائحة والمحاصرة، وهو وضع كارثي غير إنساني بكل المعايير والمقاييس.

    لقد أعطت هذه الجائحة فرصة سياسية للحد من خسارة الجزائر في هذه القضية، بسبب ضغط الجبهة الداخلية وانهيار أسعار النفط، والمطالب الصحية التي تفرضها كورونا، فالشعب الجزائر يعيش حجرا مركبا بين الحجر الصحي ، وقد سبقه حجر سياسي من خلال المؤسسة العسكرية التي عبثت بالمشهد السياسي، وصنعت ديمقراطية عسكرية ، تأتي بوجه مدني للتحرك دون حرج، والآن تعيش الحجر اقتصاديا، بسبب ما وصلت إليه أسعار الطاقة من انخفاظ،
    أن بعض المؤشرات المستقبلية والأرقام المؤكدة، توضح أن الجزائر مقبلة على ظروف جد صعبة بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية، تجعلها مرشحة أن تكون دولة فاشلة، ولكنها في نفس الوقت جد مسلحة، وهنا تكمن خطورة ضياع التقارب واليد الممدودة، وتكامل المنطقة، إنها فرصة للتخلص من ملف جد مسموم للمنطقة، ملف مستنزف للمغرب الكبير، ملف معطل للإقلاع الاقتصادي والتنموي لهذه الجهة الغنية المتكاملة من افريقيا، إنها إحدى الفرص التاريخية لفتح خيار استراتيجي من أجل بناء المنطقة ومن أجل مستقبل أفضل واعد للجميع، فإذا كان قدرنا الا يستجيب حكام الجزائر لصوت التاريخ والدم المشترك والمستقبل، فإن خيار الشعب الجزائري واضح وسيكون مع خيار المغرب بعد أن يسترد دولته من العسكر ويجعلها دولة مدنية، في زمن ما بعد كورونا، وإنما هي مسألة صبح أليس الصبح بقريب!!
    *استاذ التعليم العالي فاس

    الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن مواقف صاحبها ولا تلزم موقع برلمان.كوم

    إقرأ الخبر من مصدره