Étiquette : الدبلوماسية المغربية

  • خبير يفصل “كنوز الأرشيف الإسباني” ويحذر من ضياع فرصة لإغلاق ملف الصحراء

    عبد المالك أهلال

    أقرت الحكومة الإسبانية برئاسة بيدرو سانشيز في نهاية يوليوز الماضي مشروع قانون تاريخي يهدف إلى رفع السرية تدريجيا عن الوثائق المصنفة التي يزيد عمرها عن ستين عاما، والتي تعود بالتالي إلى حقبة نظام فرانكو. ومن المتوقع أن يدخل هذا التشريع، في حال اعتماده برلمانيا، حيز التنفيذ أواخر عام 2026، فاتحا الباب أمام كشف حقائق قد تؤثر بشكل مباشر على قضية الصحراء المغربية.

    ويترقب المغرب باهتمام بالغ ما ستكشفه هذه الوثائق من تفاصيل حول إنشاء ما كان يعرف بـ”الصحراء الإسبانية”، والظروف التي أحاطت بتنظيم المسيرة الخضراء عام 1975، وصولا إلى ملابسات الانسحاب الإسباني من المنطقة. وتمثل هذه المعلومات المرتقبة أهمية كبرى ليس فقط للتاريخ الدبلوماسي الحديث لإسبانيا، بل أيضا للذاكرة الجماعية التي تربط المملكتين المغربية والإسبانية.

    وفي هذا السياق، أكد الخبير في الشأن الصحراوي أحمد نورالدين أن فتح الأرشيفات الإسبانية المتعلقة بالصحراء المغربية يمثل خطوة تاريخية بالغة الأهمية، قادرة على تعزيز الموقف الدبلوماسي للمملكة بحقائق دامغة، لكنه في الوقت ذاته دق ناقوس الخطر من أن هذه الثروة الوثائقية قد تواجه مصير الأرشيفات الموجودة حاليا، فتتحول إلى مجرد حبر على ورق ما لم يتم استثمارها ضمن استراتيجية وطنية محكمة تهدف إلى طي النزاع المفتعل بشكل نهائي وبلا رجعة في أروقة الأمم المتحدة.

    وأوضح نورالدين في تصريح خص به جريدة “العمق” أن الفوائد التي يمكن جنيها من هذه الوثائق عظيمة، وستضيء جوانب حاسمة من تاريخ المنطقة على ستة مستويات رئيسية على الأقل. وذكر أن المستوى الأول يتمثل في إثبات نشأة المشكلة، حيث ستبرهن الوثائق الإسبانية، كما فعلت الفرنسية من قبل، أن القوتين الاستعماريتين قامتا بتقسيم أراضي المملكة المغربية أو ما كان يعرف بالإمبراطورية الشريفة، وهو التقسيم الذي كان السبب المباشر في ظهور نزاع الصحراء. وأضاف أن المستوى الثاني سيكشف من خلال آلاف المراسلات الإدارية عن الاعتراف الإسباني الضمني والإداري بمغربية الصحراء، إذ كانت السلطات الإسبانية في الإقليم تابعة إداريا لممثل السلطة المركزية الإسبانية في تطوان، وهو ما ينسف أطروحة “الانفصال عن المغرب”.

    فصّل الخبير أن المستوى الثالث سيغوص في فضح المناورات الإسبانية لخلق بذرة الانفصال، بدءا من تأسيس كيان صوري تمثل في “الجماعة الصحراوية” كمجلس لممثلي القبائل، وصولا إلى تشجيع ودعم حزب “البونس”، مع العمل في الوقت نفسه على استبعاد كل الصحراويين الذين فروا من البطش الاستعماري نحو مدن شمال المغرب أو الذين تم تهجيرهم قسريا بعد عمليات جيش التحرير المغربي في الخمسينيات، من قوام إحصاء 1974. وأشار إلى أن المستوى الرابع سيسلط الضوء بشكل غير مسبوق على الدور البطولي لجيش التحرير المغربي في الصحراء، وذلك من خلال التقارير والمراسلات السياسية والعسكرية الإسبانية التي وثقت عملياته وتحركاته وتأثيره.

    وكشف نورالدين أن المستوى الخامس من الفوائد سيتمثل في تعرية المناورات الدبلوماسية الإسبانية في أروقة الأمم المتحدة منذ أن أدرج المغرب ملف الصحراء وسيدي إفني في أجندة الهيئة الأممية. أما المستوى السادس، فقد وصفه بـ”القنبلة النووية”، حيث توقع أن يفضح الأرشيف بالتفصيل تآمر الدولة الجزائرية حديثة الاستقلال مع الاحتلال الإسباني منذ عام 1962، بهدف منع المغرب من استكمال وحدته الترابية واسترجاع إقليمي الساقية الحمراء ووادي الذهب، مما سيعري جذور وخلفيات النزاع بشكل كامل.

    ورغم هذه الأهمية القصوى، حذر الخبير من أن الإشكال العويص لم يكن يوما في نقص الوثائق، مؤكدا أن الخزانة الملكية ومؤسسة أرشيف المغرب وجهات أخرى تمتلك من الوثائق ما يغني لإثبات سيادة المغرب التاريخية على أراضيه. وشدد على أن المشكلة الحقيقية تكمن في كيفية استثمار هذا الرصيد الوثائقي الهائل، الإسباني منه والفرنسي والمغربي، بشكل عقلاني وقانوني ودبلوماسي.

    واقترح كمدخل أول وأساسي أن تقوم وزارة الخارجية بتوفير ميزانية خاصة وتخصيص مئات المنح للباحثين الجامعيين والدبلوماسيين المتمرسين والخبراء القانونيين، من خلال دفتر تحملات دقيق يسمح باستخراج كنوز هذه الأرشيفات وتحويلها إلى شواهد تاريخية ووثائق عسكرية ودبلوماسية تدعم صياغة مذكرات ترافعية قوية ومتكاملة تهدف إلى إغلاق الملف بشكل نهائي.

    واختتم نورالدين تحذيره بصورة بليغة، قائلا إن غياب هذه الاستراتيجية سيؤدي إلى أن يتحول مصير الأرشيف الإسباني الثمين من خزانات إسبانيا وأدراجها إلى دهاليز مغربية مظلمة، تهدف فقط لوقايته من الرطوبة واللصوص، تماما كما هو الحال مع الأرشيف المتوفر لدينا منذ عقود وقرون، الذي لا يزال ينتظر من يحققه ويخرجه إلى دائرة الضوء في ظل تغافل الجامعات ومعهد الدراسات الإيبيرية، الذي قزمته وزارة التعليم العالي، كما حدث مع معهد الدراسات الإفريقية، وفي ظل بخل وزارة الخارجية عن تخصيص ميزانية سنوية لتحقيق الأرشيف واستكشافه ونشره وترجمته، وفق تعبيره.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أسويح يكتب: مبادرة الحكم الذاتي.. مدخل استراتيجي لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية

    عبد المالك أهلال

    في تحليل جيوسياسي قدمه إبراهيم بلالي أسويح، عضو المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، لم تعد مبادرة الحكم الذاتي مجرد مقترح لإنهاء نزاع إقليمي، بل تحولت إلى مدخل محوري أعاد تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية لصالح المغرب، مرسخة دور المملكة كفاعل استقرار وتنمية في منطقة مضطربة.

    ويوضح أسويح أن الدبلوماسية الملكية، برؤيتها الاستشرافية، نجحت في تحويل الأقاليم الجنوبية إلى قطب استراتيجي جذاب، يقوم على منطق “رابح-رابح”. ففي ظل عالم يتسم بالتنافس المحموم على مناطق النفوذ، استطاع المغرب تقديم مبادرته كحل واقعي وجاد، يستجيب للديناميات الجيوسياسية الجديدة، ويكسب تأييدا دوليا متزايدا توج باعترافات قوى كبرى بجدية وواقعية المقترح المغربي.

    ويشير التحليل إلى أن التحولات الدولية، خاصة الصراع بين القوى العظمى، دفعت دولا وازنة مثل الولايات المتحدة، إسبانيا، وفرنسا، إلى الانخراط بشكل واضح لدعم المبادرة المغربية، واعتبارها “القاعدة الوحيدة” للوصول إلى حل سياسي. هذا الدعم لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة لإدراك هذه القوى للدور الاستراتيجي الذي يلعبه المغرب كحليف موثوق وشريك أساسي في الحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليمي، خاصة في منطقة الساحل والصحراء.

    ويؤكد أسويح أن المغرب لم يكتفِ بالترافع الدبلوماسي، بل عزز موقفَه على الأرض. فمن خلال “النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية”، الذي أطلقه جلالة الملك سنة 2015، والمبادرات الاستراتيجية الطموحة مثل “المبادرة الأطلسية” لولوج دول الساحل إلى المحيط، أثبتت المملكة جديتها في تحويل المنطقة إلى فضاء للتنمية والازدهار، مما منح مبادرة الحكم الذاتي مصداقية أكبر.

    ويخلص التحليل إلى أن الموقف التفاوضي للمغرب اليوم بات أكثر قوة، مدعوما بإجماع دولي متنام، وبواقعية سياسية تفرض نفسها على الساحة الدولية. ومع تزايد الاهتمام الأمريكي بحسم هذا الملف، يبدو أن المسار التفاوضي المستقبلي، تحت مظلة الأمم المتحدة، سيتجه بشكل واضح نحو اعتبار المبادرة المغربية الإطار الوحيد والجاد لأي حل سياسي، مما يفتح آفاقا جديدة لطي هذا النزاع بشكل نهائي.

    وفيما يلي نص المقال كاملا:

    تـــــمهيد:

    في هذا السياق المتنامي حول اعتبار المبادرة المغربية للحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب منذ سنة 2007 ، المشروع الوحيد القابل للتطبيق عبر آلية المفاوضات التي ستشرف عليها الأمم المتحدة في المرحلة المقبلة للحسم النهائي في ملف هذا النزاع المفتعل حول الأقاليم الجنوبية المغربية ، لابد من التذكير بالدور المحوري الذي لعبته الدبلوماسية الملكية في تدبير التعاطي بمقاربة شمولية مع مسار الترافع الدولي خلال العقدين الماضيين، والذي أفضى إلى هذا الزخم من التأييد لهذه المبادرة من مختلف القارات، بل أن العشرات من هذه الدول فتحت  لها تمثيليات قنصلية بمدينتي العيون والداخلة.

    نهج الدبلوماسية الملكية تركز بالخصوص، على الرفع من المستوى التنموي للأقاليم الجنوبية، لإعطاء المزيد من المصداقية والواقعية لمشروع الحكم الذاتي من جهة أولى، ثم ترسيخ أكثر فعالية لانخراط هذه الأقاليم ضمن المتغير الإقليمي والقاري ثم العالمي عبر جهود هذه الدبلوماسية التي حددت المعالم الكبرى لصدق الصداقات ونجاعة الشراكات من منظار ملف الوحدة الترابية للمملكة من جهة ثانية، والانتقال لمرحلة التغيير من جهة ثالثة.

    إن فهم مشروع الحكم الذاتي المغربي لا يقتصر – رغم الأهمية القصوى لذلك – على مستوى تعريف أو تنزيل هذا النظام، والذي بموجبه يتم  توزيع الصلاحيات  أو الاختصاصات بين المركز والجهة، وهو خيار اللامركزية الذي يتبناه المغرب في مسلسل تحقيق التوازن والعدالة الترابية الذي  أقره دستور المملكة سنة 2011 ، بل أن المبادرة المغربية هي ضمنيا تستجيب لتطلعات جيوسياسية بمنطق رابح-رابح ،أصبحت معه رياح التغيير الإقليمي والعالمي تفرض نوعا من التوافق حول طبيعة التسوية الممكنة، والتي لن تخرج عن العملية السياسية، وأطراف هذا النزاع المفتعل الحقيقيين والغاية منها، التي هي الوصول إلى الحل الواقعي التفاوضي ،كما تنص على ذلك  قرارات مجلس الأمن المتعاقبة خلال الآونة الأخيرة ،والتي تخلت بشكل نهائي عن المقترحات الديماغوجية، من مخلفات حروب التوازن الأيديولوجي، لفسح المجال لحسابات ضمان المصالح المشتركة في نظام عالمي جديد ، لا يؤمن بثقافة الانفصال التي أصبحت  ترادف في حالات كثيرة عدم الاستقرار والتهديد الإرهابي …

    لقد استطاع المغرب من خلال هذه المبادرة، أن يجعل من الأقاليم الجنوبية منصة فعالة لضمان الاستقرار وجلب الاستثمار، للعب أدوار جيوسياسية في العمق الأفريقي، وتحديدا في الساحل وغرب القارة ثم جنوب الأطلسي، مما عزز من هذا الدعم الدولي الذي يراهن على هذه البوابة الآمنة ضد الاضطرابات التي تعرفها منطقة الساحل والصحراء عموما، وتأثير ذلك على السلم والأمن الدوليين.

    من هذا المنطلق إذن، سنخصص المحور الأول من هذا المقال لتحليل المتغير الجيوسياسي، مع التركيز على دوره المحوري في توسيع دائرة الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية حول الصحراء، وذلك من خلال إبراز الأبعاد الجيوسياسية التي ساهمت في ترسيخ شرعيتها ومصداقيتها على المستويين الإقليمي والدولي، في حين نستعرض خلال المحور الثاني تجليات رهان الواقعية وأفاق التفاوض التي يتحلى بهما مشروع مقترح الحكم الذاتي المغربي كإطار لتسوية النزاع حول الصحراء.

     المحور الأول: المتغير الجيوسياسي في دعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي:

    لطالما شكل السياق الجيوسياسي قاعدة لسبر أغوار النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، وذلك لقياس التجاذبات التي ترخي بظلالها على التسوية النهائية، التي بات من شبه المؤكد أنها جعلت من هذه الأقاليم الجنوبية للمملكة رهانا مغاربيا في توفير أرضية للسيطرة والتحكم، تتسارع العديد من القوى العظمى إلى التموقع الى جانب المملكة المغربية في هذا الخلاف الإقليمي، وفقاً لحسابات جيواستراتيجية وأمنية واقتصادية.

    لقد نجح المغرب الى حد كبير في تحقيق طموحه المعلن على الصعيد الإقليمي في تكريس موقع استراتيجي كمركز اقتصادي ومالي بين القارتين الأوربية والأفريقية، ومحور فعال في الشراكة الاستراتيجية جنوب-جنوب، قائمة على تعزيز التعاون رابح – رابح، والذي رغم هذه الاضطرابات الإقليمية استطاع ترسيخ دوره كقطب للاستقرار، من خلال جعل الأقاليم الجنوبية محور استراتيجيته في التنمية والاندماج. ومع ذلك فان هذا الدعم الغربي الواسع والصريح بشكل متنامي وراء مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب، لا يمكن بأي حال من الأحوال فصله عن التطورات الجيوسياسية التي يشهدها العالم في الآونة الأخيرة، وتحديداً الصراع المحتدم بين الغرب والقطب التي تقوده الصين وروسيا، وانعكاسات ذلك على التوازنات الإقليمية في المنطقة المغاربية و القارية عموما.
    فإلى أمد ليس بالبعيد كان هذا النزاع الإقليمي، والذي تشرف عليه الأمم المتحدة حصرياً يعرف حالة من الجمود النسبي وهو الذي عمر لخمسة عقود، فقد أصبحت تلوح في الأفق القريب حسب آخر تقرير لمعهد السلام التابع للكونغرس الأمريكي بوادر بداية الحسم والطي النهائي له بعد زخم الاعتراف الدولي المتزايد بمغربية الصحراء وأولوية وسمو المقترح المغربي للحكم الذاتي المكرس بقرارات مجلس الأمن المتعاقبة آخرهم كان قرار أكتوبر الماضي رقم 56 27. (1)

    لا مناص إذن، من أن عالم اليوم يشهد تنافسا بين الغرب والكتلة التي تقودها الصين وروسيا، تحول إلى حرب باردة جديدة، وهناك سباق محموم بين الجانبين لتعزيز نفوذهما في المحيط الهادي وخاصة في تايوان، بالمقابل تحاول بيكين مع موسكو الحصول على قواعد عسكرية على ساحل المحيط الأطلسي، وتسعى الولايات المتحدة الأمريكية لإبقاء دور المحيط الأطلسي كساحة أمامية في استراتيجية الردع وحماية مصالحها. لذلك فهي ترى أن أي وجود عسكري صيني روسي دائم هناك، وخاصة إنشاء قاعدة بحرية تمثل تهديدا خطيرا للأمن القومي الأمريكي، هذا الفهم العميق للدور الاستراتيجي الذي تلعبه المملكة إقليميا وقاريا جعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال فترة ولايته الأولى يعترف بالسيادة المغربية على الصحراء ديسمبر 2020 ، وعدم تراجع إدارة الديمقراطيين برئاسة جون بايدن فيما بعد،جعل الشراكة مع المغرب مميزة كحليف قوي خارج نطاق حلف شمال الأطلسي عبر بوابة استمرار التعاون لمكافحة الإرهاب من خلال التنسيق العسكري والأمني لاسيما مع متابعة تنفيذ اتفاقية التعاون الدفاعي الممتدة حتى عام 2030. (2)

    هذا السياق المتوتر دفع بالولايات المتحدة الأمريكية أكثر فأكثر لإعادة رسم خريطة نفوذها الأمني في منطقة الصحراء والساحل، خصوصا بعد خسارة قاعدتها العسكرية في النيجر والحديث المتزايد عن إمكانية نقل قاعدة روتا جنوب إسبانيا إلى المغرب، وبالتالي يبقى نجاح هذه الاستراتيجية مرهونا بقدرة الولايات المتحدة الأمريكية والمغرب على مواجهة التحديات الإقليمية وتعزيز التعاون في مختلف المجالات . (3)

    وإذا ما استحضرنا مواقف مجموعة من القوى الأوربية التي تتطابق مع الطرح المغربي كحالة إسبانيا منذ مارس 2022 ، وفي إطار نفس الدينامية كذلك فرنسا  خلال يوليوز 2024 بالاصطفاف وراء المقترح المغربي باعتباره القاعدة الوحيدة من أجل الوصول إلى حل سياسي دائم، والذي سعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى التأكيد في قبة البرلمان المغربي أكتوبر الماضي على أن موقف بلاده هذا من المبادرة المغربية “جاء بالنظر إلى تحيين المعطيات وتطورها بالنسبة للمتدخلين  مع توافق دولي متزايد وواسع وتنمية اقتصادية واجتماعية للأقاليم الجنوبية للمملكة وهو ما يعكس رؤية فرنسا لعلاقة شاملة ومعمقة مع المغرب، قائمة على تصور صاحب الجلالة التي حددها في خطاباته السامية وهي علاقة أساسها التكامل والاحترام المتبادل تستهدف تعزيز هذا الاستقرار الإقليمي والشراكة المبتكرة والشاملة، التي تتجاوز التعاون التقليدي لتشمل أهدافاً طموحة تتماشى مع تحديات المستقبل” . فان  الانخراط الغربي بذلك ما فتئ يتوسع من خلال مواقف دول وازنة كبريطانيا التي تميل إلى مزيد من الانفتاح على المبادرة المغربية، علماً بأن دولا أخرى كألمانيا وهولندا عبرتا في السابق على مواقف مماثلة مؤيدة، هذا المنحى لا يمكن اختزاله في مصالح آنية أو نتيجة قد تكون حتمية لعلاقات ثنائية بين الدول ، بل أن الأمر تعدى ذلك إلى تقاطع لمصالح مشتركة بين هذه الدول، مع الانخراط الكامل لغالبية الدول العربية (الإمارات العربية المتحدة، العربية السعودية، الأردن وغيرها) وكذلك الدعم الأفريقي، لخلق جبهة دبلوماسية للدفاع عن مشروعية الحكم الذاتي، ما فتئت تتوسع شيئا فشيئا مما  يجد تفسيره في الديناميات الجهوية الحالية التي فرضت مراجعة مسار التسوية برمته لهذا الملف الشائك، نحو المقاربة الواقعية التي لم تعد كما هو الحال في السابق تخضع لنفس آليات التجاذبات و المحاور التي أعادت المنطقة المغاربية سنوات إلى الوراء، بعدما كان يبدو أن هذا الاستقطاب قد انتهى مع نهاية الحرب الباردة حيث جذور  افتعال هذا النزاع والذي زاد من حدة الصراعات بين الجيران، مما ينذر بأن قواعد اللعب قد تغيرت ولم تعد مرهونة فقط بصراع المحاور بين المغرب والجزائر عبر تسارع جهود التسلح وزيادة التحالفات العسكرية مع القوى الكبرى المتنافسة، بل بالانتقال الى برغماتية أشمل وأعمق تتيحها حالياً ملامح الهندسة الجديدة للنظام العالمي الجديد لصالح المغرب، والذي ظل يتأرجح  لفترة طويلة بين تأثير نظاميين إقليميين فرعيين هما النظام المغاربي ونظام غرب المتوسط ،وهما نظامان متداخلان وتمثل قضية الوحدة الترابية للمملكة أحد أهم عناصر تفاعلهما وتأثرهما المتبادل. مما سمح للمملكة بهامش واسع للمناورة، رغم تأثيرات هذين النظامين بفضل المكاسب الدبلوماسية الكبيرة خصوصا من لدن الأطراف  المؤثرة كحالة إسبانيا وفرنسا، على اعتبار أدوارهم التاريخية والجيوسياسية التي من شأنها تحرير المغرب نسبياً من قيود الأنظمة الإقليمية التي تتجاذبه ،وفي مقابل ذلك ترى الجزائر في هذا المنحى تهديداً لها وهو ما يفسر ردة فعلها مباشرة من هاذين التقاربين المغربي الإسباني وكذا الفرنسي  غير المتوقعين، والذي هو في الحقيقة ثمرة تراكمات لتعزيز موقع المملكة في النظامين الدولي والإقليمي، والذي تجلى بوضوح إبان تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، بالنظر إلى موقعه الجيوسياسي المهم، وهو يحاول كل ما في وسعه تعزيز هذه المكانة من خلال موقفه البراغماتي من هذه الأزمة وحفاظه على خطوة الاتصال مع مختلف شركاءه، ويظهر هذا جلياً من خلال انخراطه في الحراك الدبلوماسي الذي شهدته المنطقة العربية خلال الأسبوع الأول الذي تلى اندلاع أزمة أوكرانيا، ولعل من العوامل التي جعلت الدول الغربية توجه أنظارها إلى المغرب في هذا الوقت بالذات هو ما قد يقدمه من خيارات لأوروبا لتعزيز أمنها الطاقي، سواء ما يزخر به من مصادر الطاقة المتجددة الشمسية والريحية منها أو الاحتمالات الكبيرة لوجود احتياطات مهمة للغاز في الأراضي المغربية، وأيضا المشروع الواعد خط نيجيريا – المغرب الذي قد يسهم في تعويض الخصاص الأوربي وتنويع مصادر أوروبا من الطاقة.

    ومما يزكي هذا الاحتمال، التعنت الجزائري إلى درجة الابتزاز مع المطالب الغربية بزيادة حجم صادراتها من الغاز إلى أوروبا وإعادة تشغيل أنبوب الغاز المغاربي – الأوروبي الذي يمر عبر المغرب، مما ينضاف إلى أسباب أخرى من المحتمل إنها  قد سرعت بمزيد من التوافقات السياسية بين الرباط ومدريد، تمخضت عنها فيما بعد الإشادة الإسبانية بمبادرة الحكم الذاتي المغربية.

    رهان المتغير الجيوسياسي لم يستثن منطقة الساحل والصحراء عموماً في إعادة ترتيب التوازنات في اتجاه ترسيخ دور فاعل للدبلوماسية الملكية، وتزامن ذلك مع تدشين النيجر ومالي وبوركينافاسو ل “كونفدرالية الساحل” في تحالف ينظر إليه بوصفه “محاولة لبناء محور إقليمي جديد قد يقصي الجزائر من التوازنات المستقبلية (4)،كما انخرطت هذه الدول في “المبادرة الأطلسية” التي أطلقها جلالة الملك محمد السادس، وهي مبادرة تهدف إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي ،وهي خطوة مغربية مدروسة لتشكيل تكتل إقليمي جديد يمنح الرباط موقعاً متقدماً في منطقة الساحل، ويعزز حضورها في التعامل مع أوروبا من موقع الفاعل والمبادر، والذي باتت القوى الكبرى تتعاطى معه بنوع من الأمر الواقع، الذي أفرز هذا التأييد للمبادرة المغربية للحكم الذاتي ،خصوصا وأن منطقة الساحل والصحراء تشهد حالياً تنافسا شديداً بين الدول الإقليمية، بعد الانسحاب الكلي لفرنسا من بعض الدول، حيث دخلت كل من روسيا وتركيا والصين وإيران على خط الصراع الدولي لكسب معركة الوجود السياسي بها، وبالتالي وجدت منطقة شمال غرب إفريقيا نفسها مُنْخرطةً في هذا الصراع الدبلوماسي المتزايد باعتبارها مدخلاً إستراتيجيا للنفاذ إلى الساحل، مما جعل المغرب يحظى باهتمامٍ متزايد كفاعل في أي معادلة للتوازن والاستقرار، بعد تصاعد التنافس الفرنسي التركي في العديد من عواصم دول الساحل التي كانت إلى أمد قريب الحليف الأبرز لفرنسا، التي تراجع نفوذها بسبب بوادر التصدع مع أغلبية الأنظمة في المنطقة، خاصة في ظل انفتاح تشاد ومالي والجزائر والنيجر على تركيا مؤخراً، وبات هذا التطور يقلق فرنسا بشكل كبير بعدما تعزز هذا التعاون التركي مع دول المنطقة ليشمل قضايا أمنية وعسكرية في مواجهة التنظيمات الإرهابية. (5)

    إعادة رسم محاور النفوذ الجيوسياسي حتمت على الدبلوماسية الملكية التقارب مع دول الساحل، التي اختارت أنظمتها العسكرية في باماكو وواغادوغو ونيامي الانفتاح على روسيا والتخلي عن الحليف التقليدي الفرنسي، كما تتجه في الوقت ذاته إلى شراكة مع المملكة، التي رويداً رويداً فرضت نفسها كقوة إقليمية ذات موقع جغرافي استراتيجي، واتصالات دولية مستقرة وأجندة تنموية واضحة، كما أن توتر علاقات هذه الدول مع دول إقليمية أخرى يعزز من أهمية المغرب كشريك بديل في مشاريع البنية التحتية والطموحات الإقليمية. (6)

    وبدا من الواضح أن العزلة التي فرضها هذا التحالف على نفسه من خلال الانسحاب من المنظمات الإقليمية التقليدية مثل “الايكواس” يقابله الآن محاولته فتح ممر جديد نحو الأسواق العالمية عبر المحيط الأطلسي. وفي السياق ذاته توترت مؤخرا علاقات هذه الدول مع الجزائر، حيث أعلنت هذه الدول مطلع أبريل الماضي استدعاء سفراءها من الجزائر احتجاجا على إسقاطها لطائرة مسيرة تابعة للجيش المالي في شمال البلاد قرب الحدود الجزائرية أواخر مارس الماضي

    واللافت كذلك، أن الأبعاد الميدانية لمخاطر التوغل الإيراني في منطقة الصحراء والساحل، كان مصدر توجس وقلق بالغ للدول الغربية، والتي بادرت هي الأخرى إلى التنبيه إلى خطورة هذا الوجود الإيراني، بعقد منتدى في العاصمة الإسبانية مدريد بمبادرة من معهد كورد بناداس الإسباني للحكامة والاقتصاد التطبيقي يونيو 2023 ، تحدث فيه أعضاء البرلمان الأوروبي عن تغلغل إيران في منطقة الصحراء والساحل ،بما في ذلك تزويد انفصالي جبهة البوليساريو بطائرات مسيرة مما يشكل تهديداً حقيقياً ويتعين على الاتحاد الأوربي مواجهته. (7)

    من زاوية أخرى، فإن  توطيد العلاقات الحالية  للمملكة مع الولايات المتحدة الأمريكية في النسخة الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وكذلك مع دولة إسرائيل يتوقع منه زيادة الضغوط للتسريع بإيجاد تسوية نهائية عبر تبني بشكل أكثر حسما للمبادرة المغربية كاطار وحيد للتفاوض، لأنها تضمن حفاظ الولايات المتحدة الأمريكية على موطئ قدم في الشمال الغربي لأفريقيا، الذي يشهد تراجعاً للنفوذ الفرنسي وصعودا للنفوذ الروسي، خصوصاً في كونفدرالية دول الساحل التي تساندها روسيا بطرق مختلفة من ضمنها نشر الفيلق الأفريقي في هذه المنطقة، والذي يمكن أن يمتد تأثيره على منطقة الصحراء المغربية وهو سيناريو لا ترغب واشنطن  حدوثه.

    انسجام مبادرة الحكم الذاتي مع بوصلة الاستقطاب الجيوسياسي القاري امتدت إلى الإتحاد الأفريقي، من خلال دور المغرب المحوري في تزعم التيار الذي يعتمد مقاربة جديدة للاتحاد، تقوم على الاهتمام بالقضايا التنموية من أجل تجاوز المقاربة التقليدية لصالح توجه جديد تحكمه في الأساس المصالح الاقتصادية على حساب الأجندات السياسية، وهو ما أضعف تعاطف الأفارقة مع ملف النزاع حول الصحراء ،أي بمعنى أدق تقديم حسابات السياسة في ثوب الاقتصاد، قد مكن المغرب من جلب تعاطف أفريقي معه في تثبيت سيادة المملكة على الأقاليم الجنوبية.(8)

    من جانب آخر فإن السياسة وحدها ليست هي كل ما يحرك المغرب والجزائر للتقارب مع دول العمق الإفريقي، فثمة عوامل أخرى تفرض هذا التوجه وتأتي في طليعتها محاولة تعويض فراغ التكتلات الاقتصادية في شمال إفريقيا، بعد فشل مشروع المغرب العربي على المستوى الاقتصادي أو على الصعيد السياسي، وقد أصبح الانضمام إلى التكتلات الاقتصادية خياراً إستراتيجيا تمليه متطلبات العولمة ، ومما يغذي هذا السعي تراجع فاعلية السوق الأوروبية التي كانت شريكاً مهماً لدول الاتحاد المغاربي بسبب الهزات الاقتصادية والأزمات المالية المتلاحقة التي تعصف بالاقتصاد الأوروبي، وكذلك لنزوع دول عديدة في  الاتحاد الأوروبي إلى القطع مع الشراكة الأوروبية وفق ضوابط الاتحاد، في ظل سياسات التموقع الذاتي التي باتت تنادي بها تيارات اليمين المتطرف والتي تحظى بحضور وازن في المشهد السياسي الأوروبي الحالي. (9)

    هذه الحسابات الجيوسياسية الجديدة، لا تعني بأن المغرب والجزائر قد تخليا عن حساباتهما التقليدية الخاصة والمتعلقة بملف الصحراء، الذي ظل نقطة خلافية جوهرية بين البلدين على مستوى دوائر القرار في إفريقيا.

    كذلك ومن منظور جيوسياسي صرف، فإن نجاح الدبلوماسية الملكية في الحفاظ على توازن دقيق في علاقات المغرب الدولية، ساهم في خلق فرص واعدة حول ترسيخ جدوائية المقترح المغربي للحكم الذاتي، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة، فقد فتح المغرب أبواب الاستثمارات للصين وروسيا، في حين أن معظم المصالح الاقتصادية المغربية لاتزال مرتبطة بالدول الغربية.

    العلاقة المغربية الصينية لم تعد مجرد تعاون اقتصادي عابر، منذ انخراط المغرب المبكر كأول بلد في شمال أفريقيا في مبادرة “الطريق والحزام الصينية” مما فسح المجال لشراكة استراتيجية، فرضت المزج بين الطموحات الجيوسياسية والمصالح التجارية المتبادلة عبر توافق سياسي غير معلن، يتجنب كل طرف التدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر، ولعل التزام الرباط الحياد في قضايا حساسة لدى بيكين، كما هو الشأن في شينجيانغ أو تايوان وحتى في التبت، قد قابله ميل الدبلوماسية الصينية شيئا فشيئا نحو تحفظ هو أقرب إلى الحياد، وقد ظهر ذلك أثناء المناقشة والتصويت على قرارات مجلس الأمن الأخيرة بخصوص قضية الوحدة الترابية للمملكة.(10)

    غير أن العامل البالغ الأهمية والذي سيلعب لصالح المغرب في سياق التحالفات الاستراتيجية الإقليمية، والذي أعطى مغزى لهذا التقارب الصيني المغربي، هو مكانة التميز التي تحتلها دول مجلس التعاون الخليجي بالنسبة للاقتصاد الصيني، وهو المجلس الذي أعلنت دوله وحدة المصير المشترك مع سيادة المملكة المغربية على الصحراء.

    من جهة ثانية، سعى المغرب لتحييد الموقف الروسي ولو بشروط في نزاع الصحراء في الوقت الراهن، غير أن تعزيز التعاون الاقتصادي والذي شمل ميادين متعددة بما في ذلك رغبة روسيا إنشاء مناطق تجارة حرة مع أربعة دول عربية في إفريقيا، يتصدرها المغرب وهي دلالات سياسية لنزوح موسكو إلى تعاطي أكثر برغماتية مع التحولات الجوهرية في توازن القوى الإقليمية، خاصة في ظل سعي المغرب لتقوية تحالفه الدولي لدعم موقفه التفاوضي في اتجاه الطي النهائي لهذا النزاع، الذي يشكل بالنسبة للمغرب مرتكز الشراكة والتعاون، مما يفتح مزيداً من الآفاق الجديدة التي قد تغير قواعد اللعبة السياسية في المنطقة في ظل الدينامية التي يشهدها الملف في السنوات الأخيرة بفضل استراتيجية الانفتاح وتنويع الشركاء.(11)

    المحور الثاني :   مشروع الحكم الذاتي المغربي كخيار استراتيجي بين رهان الواقعية وآفاق التفاوض.

    خمسون سنة على بداية النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، لازال المشهد الأممي يسوده نوع من التباين بين عرض إشارات إيجابية عن إحراز تقدم وأخرى باستمرار حالة الغموض والجمود في المسار الأممي لهذه القضية الشائكة.

    ومهما يكن، فإن الدينامية التي ساهمت في تحريك المياه الراكدة لهذا الملف جاءت تدريجياً بتبني مجلس الأمن الدولي لمقاربة أكثر واقعية لصالح المبادرة التي تقدم بها المغرب لمنح الأقاليم الجنوبية حكماً ذاتياً تحت السيادة المغربية، إذ أصبح يؤكد على الطبيعة السياسية للحل المنشود وشروط الواقعية والبرغماتية والتوافق التي يجب أن يتحلى بها، والتي أصبحت مع مرور الوقت عناصر حاسمة وثابتة ولا رجعة فيها. (12)

    والواقعية في السياسة والدبلوماسية عموما، هو نهج يركز على الاعتبارات العملية والظروف الواقعية بدلا من الالتزام بالمبادئ الأيديولوجية أو الأخلاقية، وتفترض أن الدول تسعى لتحقيق مصالحها الوطنية عبر استخدام القوة والسياسة الواقعية مع التركيز على الأمن وبقاء الدولة في النظام الدولي، وليس على القيم أو المبادئ المثالية، وهذا النهج يرى السياسة الدولية كساحة تنافس وصراع بين الدول حيث تكون المصالح والقوة هي المحرك الأساسي للقرارات السياسية.

    في سياق هذا المنظور، يبدو أن تغيير لهجة الخطاب الأممي تعبير عن اعتراف ضمني من مجلس الأمن بوجاهة المقترح المغربي للحكم الذاتي كقاعدة للتسوية، بل أن أعضاء بالمجلس سواء أكانوا دائمين أو غير دائمين من القارة الأفريقية وبلدان الخليج وغيرهم عبروا عن هذا الاعتراف الصريح بالسيادة المغربية من داخل جلسات مجلس الأمن ووصفوا المبادرة المغربية بكونها “صلبة” و”جدية” وتتطابق مع ميثاق الأمم المتحدة. (13)

    هذه المواقف المتعاقبة الداعمة من داخل أروقة الأمم المتحدة، كان أمراً من الصعب تصديق حدوثه في السنوات الماضية، وهو ما يعتبر في ميزان السياسة الدولية إشارات ثقيلة في اتجاه الزحزحة المدوية للتوافق الأممي لصالح المقترح المغربي.

    إن التطبيق الكامل والمجرد لمبدأ تقرير المصير خلال المراحل السابقة، خصوصا بعد مرحلة ما بعد استقلال غالبية الدول، تمخض عنه في حالات كثيرة دولا مجهرية لا تتوفر على مقومات الحياة والأمن والتنمية لمواطنيها، والأخطر من ذلك تحولت هذه الكيانات الصغيرة إلى بؤر لنشر الإرهاب وترحيله إلى الدول المجاورة لها وإلى العالم.

    حل الحكم الذاتي كآلية سياسية وإدارية واقتصادية وثقافية واجتماعية، أضحى سياسة أكثر واقعية تميل إليها المنظومة الدولية خلال العقود الثلاثة الماضية، في مواجهة ومنع كل تفكك أو انفصال ناتج عن الصراعات الداخلية التي تواجهها غالبا مختلف الدول، وقد ظهر ذلك بجلاء على صعيد التوجه العام في الأمم المتحدة، بحيث أن مجموعة العمل الخاصة بالأقليات ولجنة ترقية حقوق الإنسان التابعة لها، كانت قد توصلت منذ سنة 1995 إلى فك ألغاز فشل الأمم المتحدة في تطبيق مبدأ تقرير المصير في عدة نزاعات إقليمية بما في ذلك النزاع حول الصحراء المغربية. من خلال قناعة بأن تطبيق مبدأ تقرير المصير المؤدي للاستقلال غير ممكن، ويستحيل تطبيقه عبر تنظيم استفتاء، ومن الأجدر البحث عن حل وسط من خلاله يصبح شكل تقرير المصير مرادفا للديمقراطية التشاركية التي تضمن متلازمة لا غالب ولا مغلوب في حسابات جميع الأطراف المعنية، حفاظاً على وحدة الدولة وخصوصيات الكيانات الصغيرة وضمانا لاستقرار الدول والشعوب.

    مسودة المشروع المغربي حول الحكم الذاتي ، جاءت في جوهرها أكثر عمقا وإغناء لمشروع اتفاق – الإطار الذي سبق وإن اقترحه الوسيط الأممي جيمس بيكر على الأطراف منذ سنة 2001، سواء تعلق الأمر برزنامة ومضمون الصلاحيات الممنوحة لجهة الصحراء أو على مستوى هندسة وتوزيع المؤسسات التمثيلية التي ستفرز رئيس الحكومة المحلية ،كما أن المغرب أدرج مقتضيات تعتبر في الوقت الراهن أساسية، تتمثل في الضمانات المتعلقة بحقوق الإنسان وكرامة ساكنة مخيمات تندوف عند عودتهم إلى المملكة ، وذلك بإصدار عفو شامل بالإضافة الى الالتزام بإخضاع هذا المشروع المقترح لموافقة ديمقراطية حقيقية من خلال استشارة استفتائية على الساكنة المعنية طبقاً لمبدأ تقرير المصير ولأحكام ميثاق الأمم المتحدة. (14)

    لاشك بأن إرادة المملكة في إيجاد التسوية النهائية لهذا النزاع، هي التي كانت وراء تقديم هذا المشروع الذي يتجاوز إطار جهوية إدارية، نحو ولادة حقيقية في مرحلة انتقالية لجهات مستقلة من خلال نظام الجهوية السياسية الحالي، والذي سيسمح لساكنة الأقاليم الجنوبية فيما بعد بالولوج إلى نظام حكم ذاتي بسلاسة. (15)

    فلا جدال بأن الجهوية المتقدمة أصبحت مسارا مبتكرا، وبالتأكيد منحت للدولة المركزية بالمغرب فرصة سانحة للتعاطي مع الوضعية الجديدة من خلال إنعاش التنمية المحلية بكل تجلياتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بل وسمحت بشكل كبير   للقرار المركزي بإعادة ترتيب الأدوار مع الفاعلين الجهويين والمحليين من خلال منح الصلاحيات المخولة لهم، وفقاً للاتمركز جديد يراعي الخصوصية بهدف تحقيق التنمية للساكنة المحلية بمباشرة تدبير موارد وشؤون الجهة حسب سلم أولوياتهم (16)

    لقد أبان المغرب خلال العقدين الماضيين، التزاما بتحسين الظروف المعيشية للسكان المحليين ، من خلال استثمارات متعددة في مجالات التعليم والصحة والبنية التحتية والطاقات المتجددة… وهو ما عزز بقدر كبير مصداقية المبادرة المغربية للحكم الذاتي ، كأرضية لحل سياسي وتنموي لهذا النزاع الإقليمي.

    النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية والذي أعطى جلالة الملك انطلاقته من مدينة العيون في الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء نوفمبر  سنة 2015، كرس توجها ملكيا لا يمكن بأي حال من الأحوال اختزاله في سياسات قطاعية محدودة لتلبية احتياجات ومتطلبات آنية في مسلسل تنمية هذه الأقاليم، فهو فلسفة لمشروع مجتمعي يسعى لوضع مرتكزات جديدة لسياسة تنموية مندمجة على أرض الواقع، تراهن على جلب مزيد من الاستثمارات الأجنبية وتحقيق التنافسية والاكتفاء الذاتي، مما سيرفع من منسوب الجاهزية لاستشراف المستقبل السياسي لهذه الأقاليم عند تنزيل خطة الحكم الذاتي المقترحة.

    كما أن إطلاق جلالة الملك للمبادرة الأطلسية المغربية لولوج دول الساحل في نوفمبر سنة 2023، جاء استكمالاً لهذا التوجه الاستراتيجي لمستقبل الأقاليم الجنوبية، إذ بفضل إنجاز أغلب مشاريع البنية التحتية للنموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية أصبح معه ترسيخ واقعية وآفاق نجاح المبادرة متوقعا بشكل كبير. (17)

    الترابط بين خطاب دبلوماسي أكثر نضجا من حيث التعاطي الإيجابي مع التطورات المتلاحقة، والتي أفرزت سقف التنازلات الممكنة، في اعتبار المبادرة المغربية كنقطة وصول لاستئناف أي تفاوض أو بحث عن تسوية. وتفادي سيناريو يقود إلى تكرار انحراف هذا المسار، مع هذا البعد الاستراتيجي التنموي هو الذي أقحم الأقاليم الجنوبية في دينامية الشراكة والتعاون الدولي على أساس منطق رابح-رابح وهو ما رسخ هذه الواقعية لمبادرة الحكم الذاتي المغربية.

    والواقع، فإن تطبيق هذه الجهوية المتقدمة كان وراء الرغبة في ترجمة مدخل ملائم ومنصة فعالة خصوصا بالأقاليم الجنوبية لتفعيل أي مشروع للحكم الذاتي الترابي المنبثق عن توافق في أي تفاوض مستقبلي.

    وإذ ما فتأت الدبلوماسية الملكية في إطار سياسة اليد الممدودة للأطراف الأخرى، تأكد على استعداد المغرب الكامل للانخراط في مفاوضات جدية وبناءة بروح التوافق، والعمل لبناء مناخ الثقة الملائم لإيجاد مخرج إيجابي لهذا المسار، فإنها بذلك واعية بأن مشروع الحكم الذاتي المقترح يستجيب لتطلعات ساكنة هذه الأقاليم في التعبير وتدبير شؤونهم بكل حرية وديمقراطية، في تجاوب تام مع مبدأ تقرير المصير.

    ومن الواضح، بأن القانون الدولي أصبح أكثر تقبلا في الوقت الحالي لأشكال تقرير المصير الداخلي الديمقراطي، فعلى سبيل المثال كان إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الأقليات الذي اعتمدته الجمعية العامة في سبتمبر 2007 قد وضع وسائل وقائية لحماية هؤلاء  السكان في المناطق التي يتعرضون فيها لتهديد هويتهم أو  للتدهور الثقافي، ليس فقط بطرح حق تقرير مصير مبالغ في تجرده وطموحاته، بل أيضا باعتماد مجموعة من الحقوق الملموسة تسمح لهذه  الجماعات بممارسة قدر أوسع من حق تقرير المصير الداخلي ببعديه الديمقراطي والتفويضي (18).إذ أن هذا الإعلان، ينص على أن للسكان المعنيين، جماعات وأفراد الحق في التمتع الكامل بكافة حقوق الإنسان والحريات الأساسية المعترف بها في ميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وسائر القوانين الدولية لحقوق الإنسان، جاء مستوعبا لمختلف الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

    هكذا يمكن أن يشكل الحكم الذاتي إطارا قانونياً فعالاً ووسيلة مفيدة لتدبير وتسوية هذا النزاع المفتعل الذي يمكن أن ينشأ عن المشاركة السياسية، لأنه يمنح كل مكونات المجتمع حق السيطرة على مجالهم من دون اللجوء إلى الانفصال الداخلي، وتنظيم تقاسم السلطة فيما بينها ضمن إطار العيش المشترك، والحفاظ على وحدة الدولة، وهو ما حدا بهذا المشروع تجنب الدخول في تفاصيل عن محددات الحكم الذاتي ، وذلك بالاكتفاء بعرض توجهاته العامة، مشيرا وبشكل لافت ضمن فقراته إلى التفاوض وهو ما يستشف من خلال بسط جزء كبير من تفاصيله للحوار.

    ومعلوم، أن المعركة الحالية لم تعد بالأساس قانونية أو تاريخية فقط، رغم أن الصراع لا زال يدور في ظاهره على المسرح الدولي، وبالتحديد داخل أروقة الأمم المتحدة. وهو الأمر الذي خلصت إليه تقارير أكبر مجموعات ومراكز التفكير العالمية think thank عند استشراف مسارات التسوية الممكنة.

    فالقانون الدولي، لا يتوفر على أجوبة واضحة لوصفة أو نموذج معين لنظام حكم ذاتي قائم لحل النزاعات الديمقراطية داخل الدول، مما يجعل موضوعه شائكا، فبعض فقهاء القانون وعلماء السياسة يعتقدون أن وثيقة كوبنهاجن الصادرة عن مؤتمر البعد الإنساني الذي نظمته منظمة الأمن والتعاون  بأوروبا (    Osce    (سنة 1990 تضمنت صراحة بأن الحكم الذاتي يمكن أن يشكل أحد الوسائل للاعتراف بالحقوق الديمقراطية، ورغم أن الوثيقة غير ملزمة فإن أغلبية المهتمين بالموضوع يتفقون أنه لأول مرة يتم الربط بين الديمقراطية والحكم الذاتي (19).

    المرجح إذن، أن إدارة المفاوضات المقبلة ستكون مرهونة بهذه المحددات التي غابت خلال جولات التفاوض السابقة في معظم العواصم العالمية، سواء من حيث السياق والنوعية والعلاقة القائمة بين الأطراف.

    الدينامية الجديدة كما أشار إلى ذلك الوسيط الأممي ستيفان دي ميستورا في إحاطته الأخيرة أمام أعضاء مجلس الأمن، تعود إلى الموقف المتجدد للولايات المتحدة الأمريكية من هذا النزاع، ومن غير المستبعد أن هذه الإدارة الأمريكية لديها هذه المرة مقاربة ضغط سياسي غير مباشر، ستحاول من خلال ذلك واشنطن اختبار توازنات النفوذ والخيارات الممكنة للتقارب على قاعدة واقعية جديدة، كان مستشار الرئيس الأمريكي الحالي مسعد بولس إلى شمال أفريقيا قد عبر عنها ، و هو يستعد  للقاء الأطراف المعنية في المغرب والجزائر، وقبل ذلك كاتب الدولة الأمريكي في الخارجية ماركو روبيو الذي ركز على الدفع الأمريكي باتجاه ضرورة إيجاد حل مقبول من أطراف النزاع، في إشارة إلى انخرط واشنطن لتسريع وثيرة العمل على إيجاد حل في أقرب وقت.

    وفي غياب أي استراتيجية تفاوضية واضحة لحد الساعة لهذه الإدارة، فإن التقائية المواقف المعبر عنها بين الرباط وواشنطن لم يعد  يلفها  الغموض، سواء من خلال  المسؤولة الرفيعة الأمريكية بوزارة الخارجية الأمريكية ليزا كينا حين أبلغت ستيفان دي ميستورا موقف الولايات المتحدة الأمريكية الواضح بخصوص دعمها لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وتأكيدها  على  جلوس الأطراف  إلى طاولة المفاوضات في أقرب وقت للتفاوض على نتيجة مقبولة  في سياق هذه المبادرة، أو من خلال الموقف المتطابق  للمملكة  إلى حد كبير معه في البلاغ الذي كان قد صدر عن الخارجية المغربية، عقب اللقاء الذي جمع بين وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة والمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة حول الصحراء ستيفان دي ميستورا أبريل من السنة الماضية، والذي حدد هذا الموقف الرسمي من عملية التفاوض التي يجب أن لا تخرج عن اللآت الثلاثة  :”لا عملية سياسية خارج إطار الموائد المستديرة التي حددتها الأمم المتحدة بمشاركة كاملة من الجزائر، ولا حل خارج إطار مبادرة الحكم الذاتي، ولا عملية سياسية جدية في وقت ينتهك وقف إطلاق النار يومياً من قبل ميليشيات البوليساريو”.

    معضلة إيجاد طرق كفيلة لاستئناف عملية التفاوض، كانت وراء منح دعم كامل من مجلس الأمن للأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي، لتسهيل إعادة إحياء المسار التفاوضي، بالتأسيس على التقدم الذي كان قد أحرزه الوسيط الأممي السابق هورست كولر، والترحيب الذي حظيت به آنذاك الموائد المستديرة التي نظمت بجنيف في سنتي 2018 و 2019. (20)

    إن ما يلوح في الأفق القريب، بأن المساعي التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية تحت غطاء أممي، ستقوم على نهج التفاوض المربح لجميع الأطراف، يبدأ بالسعي لإيجاد السبل الكفيلة بتحقيق الحد الأدنى من استمرار الحوار، الذي ستشرف الإدارة الأمريكية الحالية من خلاله على تقريب وجهات النظر بين المغرب والجزائر، مما يخفي وراءه رسائل غير مباشرة ،مفادها أن واشنطن لا ترغب في مزيد من التصعيد في المنطقة، لكنها لا تنوي التراجع عن خياراتها الاستراتيجية السابقة لصالح المبادرة المغربية للحكم الذاتي. وربما تكون المفاوضات هذه المرة مقدمة لإعادة هندسة العلاقة المغربية الجزائرية بمنظور أمريكي جديد، يقوم على الدمج الاقتصادي والتنمية العابرة للحدود والانخراط البراغماتي في تسويات سياسية واقعية. (21)

    خاتمة :

    إن البحث عن حل متوافق بشأنه للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية بعد التخلي عن مخططات التسوية البائدة من طرف الأمم المتحدة، هو الذي فسح المجال بشكل كبير لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية التي تدعم السيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية للمملكة، هذه الأخيرة أصبحت بفضل دبلوماسية ملكية متبصرة محور استراتيجي لتعزيز مقاربة التعاون والاستقرار بمنطق رابح-رابح في محيط إقليمي مضطرب يهدد السلم والأمن الدوليين.

    خلال العشرية الأخيرة، فإن قرارات مجلس الأمن المتعاقبة كرست البحث عن التوافق بدل فرض الحلول الأحادية، مما يؤشر على تجاوز كل مقترحات التسوية السياسية نحو معادلة جديدة تنبني على المزج بين القانون الدولي والواقعية السياسية. (22)

    بات من الواضح بأن مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب لمنح الأقاليم الجنوبية حكماً ذاتياً تحت السيادة المغربية، جاءت برؤية استشرافية لهذه التوازنات الإقليمية والدولية، التي تعرف دينامية كبيرة يطبعها التنافس حول مناطق النفوذ وتقاطع المصالح، وذلك بفضل نهج دبلوماسية التغيير، التي تستند إلى فهم عميق للتحديات التي تواجه المغرب، وإلى إرادة صلبة لتجاوزها كما عبر عن ذلك جلالة الملك في أكثر من مناسبة، مما أثمر عن تحقيق المكاسب الدبلوماسية و التي توجت بهذا الإجماع الدولي حول المبادرة المغربية.(23)

    المغرب لم يتجاوز فقط الانحرافات التي كانت سبب ديمومة هذا النزاع المفتعل لخمسة عقود، بل أن الموقع الدبلوماسي المريح حالياً سمح له باختراق واسع على عدة أصعدة، بما في ذلك معاقل دعم أطروحة الانفصال في المعسكرين الأنجلوسكسونية بإفريقيا أو الدول الإسكندنافية بأوروبا على سبيل المثال.

    حالة الجمود وأحياناً العرقلة في مسار التسوية الأممي بسبب تشبت الأطراف الأخرى بخيارات تقليدية غير قابلة للتطبيق من جهة، والتي لم تعد تتجاوب مع المتغيرات الراهنة في سعي المنتظم الدولي للحلول التوفيقية للنزاعات الإقليمية من جهة أخرى، ناهيك عن جدوى دبلوماسية الحزم التي نهجها المغرب في الآونة الأخيرة، كل ذلك عجل بانخراط علني غير مسبوق للقوى العظمى الفاعلة في المسرح الأممي والعالمي، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وإسبانيا.. في دعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي، هذا الدعم الدولي ستكون له تداعياته لا محالة على طبيعة وشكل الحل النهائي لهذا النزاع.

    لقد كسب المغرب معركة السيادة الفعلية على الأقاليم الجنوبية عبر رهان الواقعية أولا، من خلال استراتيجية تنموية عابرة للحدود تتجاوز تلبية احتياجات محلية نحو ما هو إقليمي وقاري (النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، خط الغاز نيجيريا المغرب، المبادرة الأطلسية المغربية لولوج دول الساحل) مما يعني استحضار الأبعاد الجيوسياسية بكل تجلياتها، وثانياً تكثيف الشراكات الاستراتيجية على قاعدة رابح رابح جعلت منه فاعلاً في القرار الإقليمي والقاري وما لذلك من تأثير على السياسة الدولية عموماً.

    تقوية الموقع التفاوضي للمملكة، يتزامن مع رغبة الإدارة الأمريكية الجديدة في حسم هذا النزاع في أقرب آجال، وهذا الاهتمام الأمريكي سيكون له تأثير في تحريك المياه الراكدة لهذا الملف، خصوصا اذا ما استحضرنا بأن المسعى الحالي لهذه الإدارة هو الإشراف على استئناف المفاوضات، مع الدفع بدور الوساطة تحت المظلة الأممية ،على أساس المبادرة المغربية للحكم الذاتي كإطار وحيد لأي تفاوض .

    الإحالات :

    1-معهد الولايات المتحدة للسلام: من المرجح أن يحسم النزاع في الصحراء الغربية لصالح المغرب، جريدة القدس العربي 6 أغسطس   2024. http //www.alquds.co.uk

    2-“قاعدة على الأطلسي ” جبهة جديدة في التوتر بين واشنطن وبكين، موقع الحرة، 10 فبراير 2024.

    https://www. alhurra. com

    3- “إسبانيا قلقة من إقدام بايدن على نقل قاعدة عسكرية إلى الجنوب المغربي ” موقع i24news، 30 يونيو 2021. https://www. Ié’news.tv

    4-محمد زكريا أبو فضل،” الساحل الأفريقي وصراع القوى الدولية :الدوافع والمالات، موقع افروبوليسي، يناير 2024. https: // afropolicy. com

    5-اسية البشارة “المغرب في عمق الساحل الأفريقي.. شراكة تكسر عزلة الدول وتعزز نفوذه، قناة ومنصة المشهد، 29 أبريل 2025. https://almashad. com

    6-القدس العربي، جون افريك :هل يكون الساحل منطقة مواجهة جديدة بين المغرب والجزائر؟ يناير 2025. https://www. alquds. Co. uk

    7-حسين معلوم، دوافع التوجه الإيراني.. إلى الساحل الأفريقي، أصوات اونلاين، 21ماي 2025.

    . https://www.aswatonline.com

    8-المغرب يعزز دوره القيادي في الإتحاد الأفريقي خلال قمة فبراير 2020, وكالة بغداد اليوم الإخبارية. https://baghdadtoday. news

    9-Ricardo fabiani, Algeria and Morocco in africa :between normal compétition and- diplomatic escalation, IEmed, 2024.  https://www. iemed. org.

    https://www. iemed. org.

    10-محمد الخمسي، الصين والمغرب :شراكة استراتيجية متوازنة، التحدي 26نوفمبر 2024. https://attahadi.ma

    11-المغرب – روسيا :تعزيز الشراكة الاستراتيجية، موقع وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، الأربعاء 02 دجنبر 2020. diplomatie. ma, https://diplomatie. ma

    12 -Nation unies (2021, 29 octobre) résolution 2602 (2021) adoptée par le conseil de- sécurité à sa 8881e séance. https://un docs. org /fr/s/RES /2602.

    (2021), nations unies. (2022, 27 octobre)

    Résolution 2654 (2022) adoptée par le conseil de sécurité à sa 9169e séance. https://Un-Docs. Org /fr/s/RES /2654 (2022) nations-unies. (2023, 30 octobre) résolution 2703 (2023) adoptée par le conseil de sécurité à sa 9432e séance, https://un docs. Org /fr /s /RES /2703 (2023).

    Nation unies (2022, 27 octobre) sahara occidental, conseil de sécurité proroge jusqu’au 31 octobre 2023 le mandat de la minurso(Cs/15081)

    -13-couverture des réunions et communiqués de presse. https://press. Un.org/fr/2024 /cs 15081. doc. htm.

    14-رسالة المغرب المتضمنة في الوثيقة s/2007 /206 بتاريخ 3 أبريل 2007.

    15 -Blanc François – Paul, la constitution de 2011 et l’initiative marocaine pour la- négociation d’un statut d’autonomie de la région du Sahara, annuaire marocain de la stratégie et les relations internationales tome 1,editions l’harmattan, Paris, 2012, p332.

    -16 -Elcadi latifa, la politique de régionalisation au Maroc, ALMANARA, Revue scientifique trimestrielle spécialisée dans les études juridiques et administratives, numéro 7,septembre 2014, p, 13.

    17-عمر الكتاني “الطريق إلى الأطلسي ” مبادرة مغربية بين يدي دول الساحل (تقرير) جريدة القدس العربي يناير 2024. Https : //www.alquds.Co.uk

    18- سعيد الصديقي، من تقرير المصير الخارجي إلى تقرير المصير الداخلي، موقع هيسبريس الإلكترونية، الخميس 26 أكتوبر 2017https://www.hespress.com

    19-عبد اللطيف وهبي  بين الانفصال وتقرير المصير هسبريس 14 أكتوبر 2024. https://www.hespress.com

    20 -Mohammed loulichki, cap sur l’autonomie pour le sahara, une dynamique En- marche, policy centre, for the New south, avril 2025, pp-12/25

    21-Rida lyammouri et Dr. Fadoua ammari,” sahara marocain : le consensus international autour du plan   d’autonomie peut-il enclencher une nouvelle dynamique onusienne ?” Policy center for the New south, PB-28/25,avril 2025.

    22-Said saddiki, “l’évolution du concept d’autodetermination dans le droit international contemporain” in le differand saharien devant l’organisation des nations unies, sous-direction du centre d’études internationales (Paris, karthala, 2011), pp, 97-113.

    -23خطاب جلالة الملك محمد السادس نصره الله بمناسبة الذكرى السابعة والثلاثين للمسيرة الخضراء، الثلاثاء 6 نونبر 2012.

    المراجع :

    * أمينة المسعودي “مشروع الحكم الذاتي المغربي :الحل الأنجع لقضية الصحراء” دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الطبعة الثالثة 2023.

    • BENMESSAOUD TREDANO Abdelmoughit:”la question du Sahara histoire d’une décolonisation pas comme les autres :Repères historiques, décolonisation et autonomie”, collection confluences, imprimerie Afrique-Orient.édition 2009
    • BALLALI BRAHIM “projet marocain d’autonomie pour le sahara et l’autodétermination” mémoire de Master la diplomatie et négociations stratégiques, faculté des sciences juridiques et politiques, université Hassan 1er – Settat  ; année 2022.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • سفير المغرب في الأراضي المنخفضة دور ريادي يعزز العلاقات الثنائية

    *العلم الإلكترونية – عبد اللطيف الباز*

    في الوقت الذي يشهد فيه العالم تحولات جيوسياسية كبرى، تواصل المملكة المغربية ترسيخ حضورها الدبلوماسي المتميز في مختلف العواصم الأوروبية، ويأتي عمل سفير المغرب في هولندا كأحد النماذج الناجحة لهذا الحضور الوازن.

    يُجمع المتابعون للشأن الدبلوماسي على أن سفير المملكة في بلاد الطواحين محمد البصري نجح في إعطاء زخم جديد للعلاقات المغربية الهولندية، مستندا إلى رؤية تقوم على الحوار والانفتاح وتبادل المصالح المشتركة. فقد استطاع بفضل حنكته وخبرته الدبلوماسية أن يكون جسراً حقيقياً بين الرباط وأمستردام، من خلال تعزيز التعاون الثنائي في مختلف المجالات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.



    وتشكل الجالية المغربية المقيمة في هولندا أحد أبرز جسور التواصل بين البلدين، حيث يحرص السفير على مواكبة قضاياها عن قرب، والانصات لانشغالاتها، والعمل على توطيد روابطها مع الوطن الأم. ولعلّ هذا البعد الإنساني والاجتماعي يعكس روح الدبلوماسية المغربية التي تضع المواطن في صلب أولوياتها.

    وفي هذا الإطار، ثمن عدد من الفاعلين الهولنديين والمغاربة على حد سواء الجهود الكبيرة التي يبذلها السفير من أجل الدفع بالعلاقات الثنائية إلى آفاق أرحب، خاصة في ظل التحديات الراهنة التي تفرض التعاون المشترك في ملفات كالهجرة والأمن والتغيرات المناخية.



    كما يحظى الدور الريادي للسفير المغربي بتقدير خاص من الأوساط الاقتصادية والثقافية، إذ ساهم في تشجيع الاستثمارات المتبادلة، وفتح قنوات جديدة للتبادل الأكاديمي والثقافي، ما يعزز مكانة المغرب كشريك استراتيجي موثوق به في محيطه الأوروبي.

    إن النجاحات التي تتحقق اليوم لم تكن لتثمر لولا الدعم الذي توليه القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، للدبلوماسية المغربية، والتي أضحت عنواناً للانفتاح والحكمة وحسن التدبير.

    وبينما تواصل المملكة السير بخطى ثابتة نحو تعزيز شراكاتها الدولية، يظل الدور الريادي لسفيرها في هولندا خير دليل على أن الدبلوماسية المغربية قادرة على كسب التحديات، وبناء جسور الثقة والتعاون، بما يخدم مصالح الوطن والمواطنين على حد سواء.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حصري من سفارة بيرن.. الصحراء المغربية: أرض النور والمستقبل” كتاب جديد يكشف التحولات التنموية

    *العلم الالكترونية: عبد اللطيف الباز*

    في سياق جهود الدبلوماسية المغربية لتعزيز الترافع الأكاديمي والثقافي عن قضية الصحراء المغربية، شهدت العاصمة السويسرية برن لقاءً مثمراً جمع  سفير المملكة المغربية بسويسرا لحسن أزولاي بكل من جان ماري هايدت، السياسي السويسري المعروف والبرلماني السابق، والسيد بيير مارسيل فافر، الناشر والمفكر وأحد الوجوه البارزة في عالم النشر والتحرير الأوروبي، وذلك بمناسبة صدور كتابهما المشترك المعنون بـ “الصحراء المغربية: أرض النور والمستقبل”.

    اللقاء لم يكن عادياً في رمزيته ولا في توقيته، بل حمل في طياته دلالات متعددة على المستويين الفكري والدبلوماسي، إذ عكس انفتاح المغرب على النخب الأوروبية التي تسعى لفهم جوهر قضية الصحراء بعيداً عن التأويلات السياسية والمواقف الجاهزة.

    الكتاب الذي جاء كمبادرة فكرية وتحريرية من شخصيتين أوروبيتين، يُعدّ سابقة في الحقل الأكاديمي السويسري، حيث تناول مؤلفاه بأسلوب عقلاني وموثق الأسس التاريخية والسياسية والقانونية التي تؤكد مغربية الصحراء، منذ قرون، معتمدَين على وثائق ومعاهدات دولية، وشهادات تاريخية من مصادر متعددة، بعضها أوروبية المنشأ. كما يتطرق المؤلفان إلى القرار الاستشاري لمحكمة العدل الدولية سنة 1975، والذي أقر بوجود روابط قانونية وروحية بين القبائل الصحراوية والعرش العلوي، وهي الروابط التي تشكل إحدى الدعامات الأساسية في المشروعية التاريخية للمغرب على صحرائه.

    اللقاء، كان مناسبة ليعبر السفير المغربي عن تقديره الكبير لهذا العمل التوثيقي الجاد، مشيراً إلى أن مثل هذه المبادرات تعكس وعياً متزايداً لدى بعض النخب الأوروبية بأهمية تبني مقاربة قائمة على المعرفة والحقائق بدل الاكتفاء بالشعارات والمواقف السياسية الجامدة. كما أكد أن هذا النوع من الإصدارات يساهم في ترسيخ صورة المغرب كدولة مؤسسات، ملتزمة بالشرعية الدولية، وماضية في تفعيل نموذج تنموي متوازن بأقاليمه الجنوبية، ما يجعل من الصحراء المغربية فضاء حقيقياً للنور والمستقبل، كما جاء في عنوان الكتاب.


    وقد أكد  جان ماري هايدت، خلال اللقاء، أن كتابه مع السيد فافر لم يكن عملاً عادياً، بل ثمرة بحث طويل ورغبة صادقة في تقديم الحقيقة كما هي، لا كما تروّج لها بعض الآلة الدعائية التي ما تزال حبيسة نزاعات الحرب الباردة. وأضاف أن المغرب يقدم اليوم نموذجاً استثنائياً في شمال إفريقيا، من حيث الاستقرار والتقدم والانفتاح، وأن ما تشهده الأقاليم الجنوبية من مشاريع تنموية وبنيات تحتية يجعل منها إحدى أكثر المناطق تأهيلاً لتكون جسراً بين أوروبا وإفريقيا.

    من جهته، أشار بيير مارسيل فافر إلى أن تجربته الطويلة في عالم النشر علّمته أن المسؤولية الثقافية لا تقل أهمية عن المسؤولية السياسية، وأن اختيار نشر هذا الكتاب هو فعل انحياز للحقيقة والموضوعية، بعيداً عن الضغوط أو الاصطفافات الإيديولوجية. وأكد أنه فوجئ بعمق التحول الذي تعرفه الأقاليم الصحراوية المغربية، من حيث الاستثمار في الطاقات المتجددة، التعليم، البنية التحتية، والتحديث الإداري، معتبراً أن هذه الإنجازات تستحق أن تُعرف داخل أوروبا، وأن تُروى للأجيال الصاعدة بلغة العلم، لا بلغة الدعاية.

    وقد ناقش الطرفان خلال هذا اللقاء سبل التعاون المستقبلية من أجل الترويج لهذا العمل الفكري، سواء من خلال تنظيم ندوات في الجامعات الأوروبية، أو المشاركة في معارض الكتب الدولية، أو عبر اللقاءات الفكرية التي تحتضنها المؤسسات الثقافية السويسرية. كما أبديا رغبة مشتركة في أن يكون هذا الكتاب بداية لمشاريع فكرية أخرى تسلط الضوء على التجربة المغربية في مجالات متعددة، لا سيما في ما يتعلق بالتنمية المستدامة، واللامركزية، والنموذج المغربي في تدبير التعدد الثقافي والديني.

    إن ما يميز هذا العمل ليس فقط مضمونه المتين، ولكن كونه يصدر من قلب أوروبا، ومن طرف مفكرين لا تربطهم أي علاقة رسمية بالمغرب، ما يمنح شهادتهما مصداقية أكبر أمام الرأي العام الدولي، ويجعل من الكتاب أداة فعالة ضمن أدوات الدبلوماسية الموازية التي ينهجها المغرب. كما أن اللقاء يكرس فكرة أن المعركة من أجل الحقيقة ليست حكراً على الدبلوماسيين والسياسيين، بل هي أيضاً معركة المثقفين، والصحافيين، والأكاديميين، وكل من يحمل قلماً حراً وفكراً نقدياً مستقلاً.

    في المحصلة، لا يمكن النظر إلى هذا اللقاء سوى كخطوة جديدة نحو ترسيخ الوعي الدولي بعدالة قضية الصحراء المغربية، من خلال أدوات ناعمة، لكنها عميقة التأثير. فحين تُكتَب الحقيقة بقلم أوروبي، وتُنشر في قلب سويسرا، بلد الحياد والتوازن، فإن الرسالة تكون أبلغ: الصحراء ليست فقط مغربية، بل هي أيضاً قصة نجاح تنموية تستحق أن تُروى، ونموذج استقرار يستحق أن يُحتذى، وأرض للنور والمستقبل، كما عنونها بكل وضوح السيدان هايدت وفافر.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الرياضة بوابة جديدة للدبلوماسية المغربية في المشرق: الرباط ودمشق تبحثان سبل تعزيز التعاون الرياضي والشبابي

    في خطوة لافتة تعكس تحركاً دبلوماسياً هادئاً ومدروساً من المملكة المغربية في المشرق العربي، بحث القائم بالأعمال بسفارة المغرب في دمشق، السيد عبد الله باباه، مع وزير الرياضة والشباب السوري، محمد سامح حامد، سبل تعزيز التعاون بين البلدين في مجالات الرياضة والشباب، وذلك خلال لقاء رسمي عُقد بدمشق يوم الإثنين 16 يونيو 2025.

    وبحسب ما أوردته وكالة الأنباء السورية (سانا)، شدد الطرفان على أهمية تفعيل التعاون المشترك في المجالين الرياضي والشبابي، وتبادل الخبرات والتجارب بما يسهم في تطوير قطاع الرياضة في سوريا، التي لا تزال تسعى إلى النهوض بمؤسساتها بعد…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • التحولات المتسارعة في إفريقيا تلحق كينيا بداعمي قضية الصحراء المغربية

    هسبريس – جمال أزضوض

    في تطور دبلوماسي بارز، أعلنت كينيا، إحدى أبرز القوى الاقتصادية والسياسية في شرق إفريقيا، دعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي التي اقترحتها المملكة المغربية كحل نهائي وواقعي لقضية الصحراء المغربية، في خطوة تمثل، وفق الخبراء، تحولا نوعيا في موقفها الذي كان تاريخيا داعما لجبهة “البوليساريو”.

    هذا الإعلان، الذي تزامن مع تدشين مقر سفارة كينية في العاصمة المغربية الرباط أمس الاثنين، يعكس انسجاما متزايدا مع التوجه الدولي الداعم للسيادة المغربية على أقاليمها الجنوبية، ويؤكد على نجاح الدبلوماسية المغربية في تعزيز موقعها داخل القارة الإفريقية.

    ويأتي هذا الموقف الكيني الجديد في سياق دينامية دولية متنامية، عززتها مبادرات مغربية طموحة؛ مثل المبادرة الأطلسية، ومشروع أنبوب غاز نيجيريا-المغرب، إلى جانب الاعترافات الدولية المتتالية، لا سيما الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء في دجنبر 2020.

    هذا التحول يعكس أيضا، وفق خبراء العلاقات الدولية، إدراك كينيا للمصالح الاقتصادية والاستراتيجية التي يمكن أن تجنيها من تعزيز علاقاتها مع المغرب، فضلا عن تراجع النفوذ الدبلوماسي للمعسكر الداعم للانفصال، المتمثل أساسا في الجزائر وجنوب إفريقيا.

    في هذا السياق، اعتبر عبد العالي بنلياس، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أنه من الواضح أن عددا من البلدان الإفريقية التي كانت تدور في محور الجزائر-أبوجا-بريتوريا “بدأت تتحرر من هذا النفوذ، وأن جمهورية كينيا أدركت أن مصالحها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والاستراتيجية تنطلق إعادة بناء علاقاتها التاريخية مع الرباط”.

    وأضاف بنلياس، ضمن تصريح لهسبريس، أن هذا التحول يأتي في سياق تحييد العوامل التي تسببت في تذبذب العلاقات بين البلدين في السابق، وأن الانخراط في الدينامية التي أحدثتها مبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد لحل النزاع الإقليمي المتعلق بالصحراء المغربية يشكل مدخلا أساسيا لتطوير العلاقات بين البلدين؛ وهو ما حاولت نيروبي القيام به منذ سنة 2022.

    واعتبر الأستاذ الجامعي المتخصص في العلوم السياسية أنه “لا يمكن تفسير موقف كينيا الداعم لمبادرة الحكم الذاتي إلا من خلال اتساع رقعة خريطة الدول التي سحبت اعترافها بما يسمى “جمهورية البوليساريو”، واتساع دائرة الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي؛ فضلا على الفرص المتزايدة التي يوفرها المغرب على مستوى القارة الإفريقية في إطار تعاون جنوب جنوب، سواء من خلال المبادرة الأطلسية أو من خلال أنبوب غاز نيجيريا المغرب، وغيرها من المبادرات”، مشيرا إلى أن هذه “كلها عوامل ساهمت في دفع كينيا إلى التخلص من عقدة الاعتراف بـ”البوليساريو” والاصطفاف بجانب قرارات مجلس الأمن الدولي التي تشجع على حل سياسي وواقعي لقضية الصحراء المغربية”.

    وأضاف المتحدث عينه أن فتح تمثيلية دبلوماسية لكينيا بالرباط هو “مؤشر على أن العلاقات بين البلدين سوف تعرف تطورا ملحوظا، إن على المستوى الاقتصادي والتجاري والثقافي أو على مستوى السياسي والتنسيق الدولي في القضايا المشتركة”.

    من جانبه، ذكّر المحلل السياسي والأمني محمد شقير بأن كينيا تعتبر من بين الدول الأنجلو-إفريقية التي كان لها موقف معارض لمغربية الصحراء نظرا للتأثير السياسي لجنوب إفريقيا كقوة إقليمية بالمنطقة التي لها موقف معارض للوحدة الوطنية بسبب التحالف السياسي مع الجزائر.

    وأبرز شقير، في حديث لهسبريس، أن غياب التأثير الدبلوماسي المغربي في هذه المنطقة ساهم في احتفاظ كينيا بهذا الموقف السلبي، “قبل أن تكسر الزيارة الملكية لهذه المنطقة هذا الوضع”، خاصة بعدما انضم المغرب إلى الاتحاد الإفريقي واستعاد مقعده الشاغر، حيث بدأ في مواجهة الطروحات الانفصالية وكذا الدعاية التي كانت تقوم بها الدبلوماسية الجزائرية داخل مؤسسات الاتحاد.

    وحسب المحلل السياسي والأمني ذاته، فإن الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء وتجديد هذا الموقف من لدن إدارة ترامب الحالية “دفع السلطات الكينية إلى إعادة النظر في موقفها من قضية الوحدة الوطنية”، متوقعا أن يساهم هذا الموقف الكيني “في ترجيح كفة المغرب داخل الاتحاد الإفريقي باعتبار كينيا من الدول الوازنة داخل المنظمة؛ مما سيقلص من المعسكر المعادي للمغرب والذي بات مقتصرا على الثنائي الجزائري الجنوب إفريقي”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ولد الرشيد يفتتح أشغال الندوة الوطنية « البرلمان المغربي وقضية الصحراء المغربية »

    *العلم الإلكترونية*

    افتتح السيد محمد ولد الرشيد، رئيس مجلس المستشارين، أشغال الندوة الوطنية حول موضوع « البرلمان المغربي وقضية الصحراء المغربية: من أجل دبلوماسية موازية ناجعة وترافع مؤسساتي فعال »، التي يحتضنها اليوم الإثنين 05 ماي، مقر مجلس المستشارين بالرباط.

    وأكد ولد الرشيد في كلمة ألقاها بهذه المناسبة، أن هذه الندوة تعكس الوعي العميق للمجلس بمسؤوليته الوطنية، وحرصه الدائم على التفاعل مع التحولات الكبرى التي تشهدها قضيتنا الأولى، سواء على مستوى الاعتراف الدولي المتنامي بمغربية الصحراء، أو على صعيد الدينامية التنموية المتسارعة التي تعرفها أقاليمنا الجنوبية.

    ونظرا للأهمية القصوى التي يكتسيها هذا الموضوع نورد كلمة السيد رئيس مجلس المستشارين كما جاءت:

    « بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
    السيدات والسادة المستشارون المحترمون؛
    السادة رؤساء  وممثلو الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والتنظيمات المهنية للمشغلين؛
    السيدات والسادة ممثلو الجامعات ومنظمات المجتمع المدني؛
    السيدات والسادة الضيوف الكرام؛

    يسعدني أن أفتتح أشغال هذه الندوة الوطنية الهامة المنظمة تحت شعار: « البرلمان المغربي وقضية الصحراء: نحو دبلوماسية موازية ناجعة وترافع مؤسساتي فعال »، والتي تحمل دلالات رمزية عميقة وأهمية استثنائية لاعتبارات جوهرية ترتبط بمكان انعقادها، وبسياقها التاريخي وبطموح المخرجات الاستراتيجية المنتظرة منها.

    إن هذه الندوة ليست مجرد مناسبة للتفكير الجماعي وتبادل الرؤى، بل هي تعبير عن الوعي العميق لمجلس المستشارين بمسؤوليته الوطنية، وحرصه الدائم على التفاعل مع التحولات الكبرى التي تشهدها قضيتنا الأولى، سواء على مستوى الاعتراف الدولي المتنامي بمغربية الصحراء، أو على صعيد الدينامية التنموية المتسارعة التي تعرفها أقاليمنا الجنوبية، أو من خلال المكانة المتقدمة للمغرب ضمن محيطه الجيوسياسي، الإقليمي والدولي.


    ومن هذا المنطلق، وانسجاما مع التوجيهات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، كما وردت في خطابه السامي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة، والتي شدد فيها جلالته على أهمية الديبلوماسية البرلمانية والدور الفاعل الذي ينبغي علينا أن ننهض به « ..في كسب المزيد من الاعتراف بمغربية الصحراء، وتوسيع الدعم لمبادرة الحكم الذاتي، كحل وحيد لهذا النزاع الإقليمي » فقد بادر مجلس المستشارين إلى ترجمة هذه التوجيهات الملكية الرصينة من خلال عدد من المبادرات ،لا سيما منها قرار تفعيل آلية مجموعة العمل الموضوعاتية المؤقتة لتقديم الاستشارة حول القضية الوطنية الأولى، وذلك لأول مرة منذ إحداث هذه الآلية في النظام الداخلي للمجلس.

    والجدير بالإشارة إليه في هذا الصدد، أن قرار تفعيل وهيكلة مجموعة العمل الموضوعاتية، يروم بالأساس توفير الاستشارة اللازمة حول هذا الموضوع من أجل تعزيز تموقع البرلمان ضمن المنظومة الوطنية للترافع حول قضية الوحدة الترابية، وإنتاج أرضيات عمل جماعية استشارية، تعزز من أداء المجلس في الدفاع عن قضايانا الوطنية.

    وليس من باب المصادفة، أن تعد هذه الندوة الوطنية إحدى ثمار هذه الدينامية، إذ تعتبر تجسيدا لخيار المجلس بالانفتاح وتوسيع المشاركة وذلك ضمن رؤية استراتيجية تروم ترسيخ المكانة الاعتبارية لمجلس المستشارين في الاضطلاع بالدبلوماسية البرلمانية، وتعزيز تماسك الجبهة الداخلية، وخدمة القضية الوطنية في مختلف أبعادها.

    حضرات السيدات والسادة

    لقد انتقلت المقاربة الدبلوماسية المغربية، خلال السنوات الأخيرة، إلى منطق المبادرة والاستباق، مرتكزة على شرعية تاريخية راسخة، وحجج قانونية قوية، ومشاريع تنموية طموحة، وقد أثمرت هذه المقاربة عن مكاسب وازنة، لعل أبرزها الدعم المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي، التي أضحت تحظى باعتراف دولي واسع باعتبارها الحل الوحيد لانهاء النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، وهو ما تؤكده مواقف وازنة من شركاء أساسيين كـالولايات المتحدة الأمريكية، وإسبانيا، وفرنسا، وعدد من الدول الإفريقية  والعربية الشقيقة والأوروبية الصديقة.

    وفي مقابل هذه الدينامية الخارجية المتنامية، ثمت جبهة داخلية متماسكة، يجسدها الإجماع الوطني الصلب حول القضية الوطنية بقيادة جلالة الملك نصره الله وأيده، والذي تحصنت خلفه كل مكونات الأمة،  وهو إجماع يجد ترجمته في الانخراط الجماعي والمسؤول في الدفاع عن قضية الوحدة الترابية، ويشكل رافعة أساسية لتعزيز مصداقية الترافع المغربي ونجاعته داخل مختلف الفضاءات الوطنية والدولية.

    ولا يفوتني، في هذا المقام، أن أشيد بالدور المحوري الذي ما فتئت تضطلع به القوى الوطنية الممثلة داخل البرلمان، من أحزاب سياسية وتنظيمات نقابية ومنظمة مهنية للمشغلين، والتي ظلت، في طليعة الصفوف المدافعة عن قضية الصحراء المغربية، بما راكمته من مواقف صلبة ومبادرات وازنة ومرافعات مؤسسية مشرفة، في الداخل كما في الخارج.

    ولعل هذا الرصيد الترافعي، يشكل اليوم ركيزة أساسية في تحصين المكتسبات الدبلوماسية، ويمنح مجلس المستشارين قدرة اقتراحية وتأثيرية متقدمة في مسار الدفاع عن وحدة المملكة وسيادتها، ويعزز صدقية حضوره ومكانته ضمن مختلف الفضاءات البرلمانية الإقليمية والدولية.


    حضرات السيدات والسادة

    وعلى امتداد هذا المسار الترافعي، يبرز البعد التنموي كأحد أبرز معالم الرؤية المغربية في ترسيخ مغربية الصحراء، إذ تشهد الأقاليم الجنوبية للمملكة تحولات نوعية بفعل المشاريع الملكية التنموية المهيكلة التي تحتضنها، هذا فضلا عن المبادرات ذات الامتداد الإفريقي، كمشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب، والمبادرات الأطلسية.

    إنها ليست فقط مشاريع للبنية التحتية، بل مقومات استراتيجية لإعادة تشكيل الأدوار الجيوسياسية للمملكة، عبر جعل الصحراء المغربية فضاء للاستقرار والنمو، ومنصة للربط بين شمال القارة الإفريقية وجنوبها، بما يعزز التكامل الإقليمي ويكرس ريادة المغرب في محيطه.

    وفي هذا السياق، تكتسي الدبلوماسية البرلمانية أهمية مضاعفة، باعتبارها شريكا أساسيا في إبراز هذه الدينامية على المستوى الدولي، والتعريف بنجاعة النموذج التنموي المغربي في أقاليمه الجنوبية، والدفاع عن أبعاده الاستراتيجية، بما يعزز صورة المملكة كفاعل موثوق في محيطه الإقليمي و القاري.

    والأكيد أن هذا الزخم الغير المسبوق، فرض علينا كذلك في مجلس المستشارين، الاضطلاع بمسؤوليتنا الوطنية والدستورية، والتعبئة الجماعية من أجل استصدار القرارات البرلمانية الداعمة للوحدة الترابية للمملكة، ولمبادرتها المقدامة للحكم الذاتي ، إلى جانب تكريس الدور الريادي لبلادنا في رفع رهانات التنمية المشتركة وتعزيز ودعم التعاون جنوب-جنوب.

    ومن أجل بلوغ هذا المسعى وتحقيق هذا الطموح، واصل المجلس تمتين تموقعه الاستراتيجي لدى الاتحادات البرلمانية الجهوية والإقليمية، كما وطد مأسسة علاقاته الثنائية من خلال توقيع العديد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، وتنظيمه واحتضانه للعديد من التظاهرات المتعددة الأطراف، كان لها الاسهام الكبير في ابراز الموقع الريادي لبلادنا في محيطها الإقليمي والجهوي، كما توجت العديد من هذه المبادرات بتوقيع إعلانات مشتركة بمدينة العيون، كان عنوانها العريض، دعم الوحدة الترابية للمملكة المغربية وسيادتها على كافة أراضيها.

    حضرات السيدات والسادة 

    إننا نتطلع جميعا من خلال هذه الندوة ومن طموح أرضيتها التأطيرية وتقاطع وتكامل محاورها الخمس وتعدد وتنوع المساهمين والمشاركين في تنشيطها، إلى إبراز التحديات والرهانات الحالية والمستقبلية المرتبطة بتقوية الأداء البرلماني في معركة الترافع والدفاع عن الوحدة الترابية، ومن جهة أخرى، إلى بلورة مداخل مبتكرة لتأطير جهود الدبلوماسية البرلمانية، بما يخدم توجهها المرتكز على أخذ المبادرة، والاستباق والاستهداف والفاعلية، والتكامل مع الدبلوماسية الرسمية، والمستند على المعطيات والحقائق القانونية والتاريخية والسياسية والإنسانية التي تؤطر مغربية الصحراء، وتعزز التراكم الوطني في الترافع السياسي والمدني والمؤسساتي.

    في الختام، لا يسعني إلا أن أُعرب عن جزيل الشكر لمجموعة العمل الموضوعاتية رئيسا وأعضاء وأطرا ادارية، ولكل المشاركين والمساهمين في هذه الندوة، متمنيا لأشغالكم كامل التوفيق والنجاح، وأن تسفر عن مخرجات وتوصيات تساعدنا جميعا على تطوير الأداء البرلماني في الدفاع عن القضية الوطنية الأولى، وتعزز الجبهة الداخلية، وتدعم جهود المملكة في ترسيخ سيادتها وتعزيز موقعها القاري والدولي.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. »

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ملف الصحراء: من نضج المبادرة المغربية إلى اختبار جدية الأمم المتحدة

    عائشة ادويهي

    في خضم التطورات المتسارعة التي يشهدها ملف الصحراء المغربية، تبدو ملامح التحول جلية في التعاطي الدولي مع هذا النزاع، حيث تتجه بوصلة المجتمع الدولي أكثر فأكثر نحو مقاربة جديدة تتجاوز منطق “إدارة الأزمة” إلى أفق “تسويتها” بشكل فعلي ومستدام.

    هذا التحول لا ينفصل عن الدينامية الدبلوماسية التي تقودها المملكة المغربية، والتي نجحت في إعادة صياغة موازين التأثير والاقتناع بمبادرتها الجدية للحكم الذاتي. غير أن الإحاطة الأخيرة للمبعوث الأممي ستافان دي ميستورا، رغم السياق الإيجابي العام، تفتح الباب أمام تساؤلات عميقة بشأن حدود وفعالية الوساطة الأممية، بل وحيادها، في ظل متغيرات دولية تؤشر إلى تراجع دور الفاعلين التقليديين، وصعود قوى جديدة باتت تتحكم عمليًا في مفاتيح الحل وتعيد رسم خارطة النفوذ في هذا الملف الشائك.

    المبادرة المغربية: من مقترح تفاوضي إلى مرجعية دولية للحل

    من الواضح أن مبادرة الحكم الذاتي التي طرحتها المملكة المغربية سنة 2007 لم تعد مجرد مقترح ضمن مقترحات، بل تحولت تدريجيًا إلى مرجعية واقعية ومتقدمة في أفق تسوية نهائية للنزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية؛ فقد نجحت المملكة المغربية، بفضل تماسك مبادرتها ومصداقيتها الميدانية، في ترسيخ الحكم الذاتي كمرجعية دولية متنامية لحل النزاع؛ ومع اعترافات متوالية من قِبل قوى دولية كبرى، تتقدمها الولايات المتحدة وفرنسا، وتزايد عدد القنصليات في الأقاليم الجنوبية، فقد بات من الواضح أن المقترح المغربي لم يعد مجرد خيار من بين أخرى، بل الخيار الوحيد القائم على المصداقية والشرعية الدولية.

    هذا التحول لم يأت من فراغ، بل هو نتاج تماسك داخلي ودينامية دبلوماسية متصاعدة، جعلت من المقترح المغربي الخيار الأوحد الذي يحظى بتقدير متزايد على الساحة الدولية. فالاعتراف الأمريكي بالمبادرة، وتأكيد الإدارة الحالية على اعتبارها “الحل الواقعي الوحيد”، إلى جانب المقترح القاضي بتصنيف البوليساريو ضمن الكيانات الإرهابية، يعكس تحولًا نوعيًا في مقاربة واشنطن، ويعزز موقع المغرب كشريك موثوق في استقرار المنطقة.

    بالموازاة، يواكب هذا الزخم الخارجي مجهود داخلي لا يقل أهمية، يقوم على تعزيز المصداقية الميدانية للمبادرة من خلال إطلاق مشاريع تنموية كبرى، وتوسيع دائرة المشاركة السياسية والاقتصادية في الأقاليم الجنوبية بفتح آفاق أوسع أمام الشباب والنساء للمشاركة الفعلية في تدبير الشأن المحلي بما يكرّس نموذجًا جهويًا ديمقراطيًا تحت السيادة الوطنية.

    وبين الاعتراف الدولي المتصاعد والتنزيل الواقعي المتدرج، تبرز المبادرة المغربية كإطار جامع ومتين، يعيد رسم معالم الحل على قاعدة الشرعية، الواقعية والاستقرار.

    هذا التراكم التفاوضي والدبلوماسي لا يعكس فقط عمق المبادرة المغربية، بل يكشف أيضًا هشاشة الأطروحة الانفصالية، التي تفتقر إلى أي أفق عملي، خاصة في ظل تصاعد الأصوات الدولية التي تعتبر البوليساريو كيانًا غير شرعي، وأحيانًا مهددًا للاستقرار الإقليمي.

    إحاطة دي ميستورا: نهاية حياد قديم وبداية واقع جديد

    رغم الجهود التي يبذلها دي ميستورا، إلا أن إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن لم ترقَ إلى تطلعات الفاعلين المتابعين للمسار السياسي، بل أثارت الكثير من التساؤلات، فقد أظهرت إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن أن الوساطة الأممية بصيغتها التقليدية بدأت تفقد بريقها وتأثيرها في معالجة النزاع حول الصحراء المغربية. كما كشفت عن محدودية الوساطة الكلاسيكية القائمة على الحياد الشكلي وإعادة إنتاج مقاربات متجاوزة، في وقت تشهد فيه القضية تحولات عميقة في المواقف الدولية.

    في هذا السياق، برزت العواصم المؤثرة، على رأسها واشنطن وباريس، كجهات فاعلة في صياغة الحل، معلنة دعمها الصريح للمبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها الإطار الواقعي والوحيد لتسوية النزاع؛ واقع جديد يُعيد تشكيل توازنات الحل بعيدًا عن أروقة الوساطة الأممية التي فضلت الاكتفاء بإشارات باهتة لا تواكب حجم التحول الدولي.

    بهذا المعنى، لا تمثل إحاطة أبريل مجرد تقرير أممي عابر، بل تعكس تحولًا عميقًا في موقع الأمم المتحدة داخل هذا الملف، حيث لم يعد زمام المبادرة بيد الوسيط، بل انتقل فعليًا إلى عواصم القرار التي باتت تقود المشهد وترسم ملامح الحل بعيدًا عن توازنات الحياد التقليدي ومحدودية الوساطة الأممية.

    وبينما تتسارع وتيرة الاعتراف الدولي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، وتُفتتح القنصليات تباعًا في مدينتيْ العيون والداخلة، يواصل دي ميستورا التحرك ضمن منطق الحياد الشكلي، متجاهلًا في تقاريره هذه التحولات الجيو-سياسية. بل إن اختياره زيارة جنوب إفريقيا، المعروفة بدعمها للأطروحة الانفصالية، دون القيام بخطوات مماثلة نحو الرباط، عمّق منسوب الشكوك حول مدى التزام الوساطة الأممية بالتوازن والموضوعية.

    وفي ظل هذا التحول المتسارع في تموقع الفاعلين الدوليين وتغير موازين الدعم داخل مجلس الأمن وخارجه، تصبح منظمة الأمم المتحدة، اليوم أكثر من أي وقت مضى، مدعوة إلى مواكبة هذه المستجدات بواقعية ومسؤولية، بما يضمن تجديد آليات الوساطة وتكييفها مع معطيات جديدة تُكرّس المبادرة المغربية كمرجعية جدية وعملية. فاستمرار تجاهل هذا التحول، أو التعامل معه بمنطق الحياد البارد، لا يسهم إلا في تكريس الجمود وتقويض مصداقية المسار الأممي برمّته.

    تندوف.. المنطقة الرمادية في تقارير دي ميستورا

    ومن أبرز ما تضمنته الإحاطة، الإشارة إلى الوضع الإنساني الكارثي في مخيمات تندوف وهشاشة أوضاع النساء والأطفال داخل هذه المخيمات، لكنها تبقى في مجملها إشارات محتشمة لا يرقى مضمونها إلى حجم الكارثة التي يعيشها السكان هناك. فغياب الإحصاءات الرسمية، واحتجاز آلاف الأشخاص في ظروف لا إنسانية، واستمرار اختلاس المساعدات الإنسانية، كلها معطيات موثقة في تقارير أممية، كان الأجدر أن تُعطى حيّزًا أكبر ضمن الإحاطة.

    بل الأخطر أن هذه المخيمات أصبحت مجالًا خصبًا للتطرف وتجنيد الأطفال، وتفشي الجريمة كما أظهرت ذلك تقارير لمنظمات دولية مستقلة، مما يجعل من التعامل مع تندوف ضرورة أمنية وإنسانية لا تقبل التأجيل.

    الوساطة الأممية بين عجز الهيكلة القديمة وحتمية التجديد

    في ظل المعطيات الحالية، تبدو الوساطة الأممية التقليدية غير قادرة على مواكبة المرحلة، فاللحظة الراهنة تضع الأمم المتحدة أمام اختبار تاريخي: إما الانخراط في منطق الحل الواقعي القائم على احترام سيادة الدول وضمان كرامة الساكنة، أو الارتهان لمنطق إدارة أزمة مفتوحة لم تعد مقبولة من قِبل المنتظم الدولي. إن اللحظة تفرض تجديدًا عميقًا في هيكلة الوساطة، من حيث المرجعيات والأساليب، لضمان فاعلية سياسية حقيقية تعيد للمسار الأممي مصداقيته، بعيدًا عن التوازنات المصطنعة التي لم تعد تقنع أحدًا.

    المطلوب اليوم من الأمم المتحدة ليس فقط حياد الوسيط، بل فاعليته وجرأته في الاعتراف بالحقيقة الميدانية، فقد آن الأوان لتجاوز مرحلة التردد، والانخراط في مقاربة حقيقية لحل النزاع، عنوانها: المبادرة المغربية للحكم الذاتي، باعتبارها الإطار العملي الوحيد الذي يجمع بين الواقعية السياسية، واحترام سيادة الدول، وضمان كرامة السكان.

    المبادرة المغربية: رهان التسوية الفعلية وبوابة المستقبل المشترك

    في ظل انسداد آفاق منطق “اللا حل” وما خلفه من جمود سياسي، تبرز المبادرة المغربية للحكم الذاتي كخيار وحيد قادر على طيّ صفحة هذا النزاع المفتعل، وفق مقاربة تزاوج بين الواقعية السياسية والانفتاح التنموي؛ فما تحظى به من دعم إقليمي ودولي، وتزايد الاعترافات بمغربية الصحراء، يجعلان من هذه المبادرة مدخلًا عمليًا وواقعيًا نحو طي صفحة هذا النزاع، وفتح آفاق جديدة للتنمية والاندماج في منطقة الساحل والصحراء.

    إن مسؤولية الأمم المتحدة في هذا السياق لم تعد تقنية أو إدارية، بل سياسية وأخلاقية، تفرض عليها مواكبة التحول الحاصل، والانخراط في دعم خيار أثبت الزمن وجاهته ومصداقيته. لقد آن الأوان للانتقال من تسيير رتيب، إلى فعل سياسي شجاع يؤسس لسلام دائم في واحدة من أكثر المناطق حساسية على خارطة الأمن العالمي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ما سبب اختفاء المستشار الملكي الفاسي الفهري عن الإعلام والمؤتمرات ؟

    الرباط – الأسبوع

        يتساءل الكثيرون عن سبب غياب المستشار الملكي الطيب الفاسي الفهري، وزير الخارجية الأسبق وأحد مهندسي الدبلوماسية المغربية خلال السنوات الأخيرة، خاصة على المستوى الإعلامي وفي المؤتمرات الدولية، نظرا لتجربته المتميزة ولسانه الفصيح وقدرته على المناقشة والإقناع، لاسيما وأن الرجل قضى ثمانية عشرة سنة على رأس الدبلوماسية، ويعود له الفضل في إعادة هيكلة وزارة الشؤون الخارجية خلال عهده.

    فالوزير السابق يعد من خيرة رجال الدولة الذين يمتلكون حنكة وكفاءة كبيرة في تدبير السياسة الخارجية للمغرب، ويقال أنه يقوم بدور وراء الكواليس والتنسيق الخارجي…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المغرب يُحوّل كرة القدم إلى أداة دبلوماسية طموحة: استضافة بطولة أمم إفريقيا 2025 تُبرز ريادة المملكة في التنظيم وتعزيز العلاقات القارية

    كشفت صحيفة “لوموند” الفرنسية في تقرير حديث عن الدور الكبير الذي تلعبه كرة القدم في تعزيز مكانة المغرب الدبلوماسية والاقتصادية في القارة الإفريقية.

    ويُعدّ تنظيم المملكة لبطولة كأس الأمم الإفريقية (AFCON) في نسختها المقبلة، المقررة من 21 ديسمبر 2025 إلى 18 يناير 2026، محطة جديدة في استراتيجية المغرب الرامية إلى توطيد علاقاته مع دول القارة، وتعزيز صورته كوجهة رياضية وثقافية رائدة.

    وهذه ليست المرة الأولى التي يستضيف فيها المغرب البطولة، فقد سبق له تنظيمها عام 1988، لكن هذه النسخة تأتي بمستوى تنظيمي غير مسبوق، وفقًا لتقرير الصحيفة الفرنسية.

    وأعلن باتريس…

    إقرأ الخبر من مصدره