حزبان ساهما بقسط معتبر في تبخيس العمل الحزبي وفي انحرافات المسار الديمقراطي في المغرب وفي وضع مصداقية الأحزاب السياسية في الميزان.
الاول هو حزب الإتحاد الاشتراكي سنة 2002 ، والثاني حزب العدالة والتنمية سنة 2016…
ففي سنة 2002 حصل الاتحاد الاشتراكي على الرتبة الاولى في الانتخابات التشريعية بعد ان ترأس الحكومة ( الوزارة الاولى آنذاك) في شخص قائده الراحل عبد الرحمان اليوسفي ، نتيجة عبرت عن رضى الشعب ( عموما ) عن اداء حكومة عبد الرحمان اليوسفي وعن حزب الإتحاد الاشتراكي بالتالي…
كل الشروط كانت تسير في صالح مواصلة عبد الرحمان اليوسفي في تحمل مسؤولية الوزارة الاولى: شخصية وطنية كبيرة بكاريزما نادرة واحترام كل الاطراف اصدقاء وحتى خصوم ، واحترام وسمعة دولية، حزب قوي ومحترم شكل احد محاور الحياة السياسية الوطنية ، رضى شعبي تم التعبير عنه بوضوح في صناديق الاقتراع من خلال منح الاتحاد المرتبة الأولى…
وضع مثالي قل نظيره…
لكن..
لم يكن الدستور ينص على تعيين رئيس الحكومة ( الوزير الاول) من الحزب الاول في نتائج الانتخابات التشريعية…
وهنا كانت الثغرة التي تسلل منها حزب الاستقلال ليرفع شعار ” مولا نوبة” اي المطالبة ان تكون الوزارة الاولى من نصيبه ضد حليفه في الحكومة المنتهية ولايتها وفي الكتلة الديمقراطية…شكل تحالفا مضادا ساهم فيه حزب العدالة والتنمية آنذاك والحركة الشعبية ( على ما اتذكر)… بينما لم يتمكن عبد الرحمان اليوسفي من ضمان دعم مبدئي معلن سوى من حزب التقدم والاشتراكية … وبالتالي عجزه عن تشكيل اغلبية تمكنه من نيل تعيين لتشكيل الحكومة..
ثم قيل ” اهبطوا منها جميعا” ..وتم تعيين السيد ادريس جطو وزيرا أولا…
وهنا كان الاتحاد الاشتراكي امام امتحان قاسي وتاريخي..
هل يقبل بالأمر الواقع وب ” الخروج عن المنهجية الديمقراطية” كما قال اليوسفي آنذاك..ويقبل بالمشاركة في حكومة جطو..ام يتشبث بالمنهجية الديمقراطية وبحقه في الوزارة الاولى المستند الى ننائج الانتخابات والدعم الشعبي ودعم نخب وطنية من فضاءات مختلفة و… يتحول الى المعارضة.. معارضة قوية مدعومة شعبيا ومن فعاليات وطنية مختلفة في افق عودة الامور الى نصابها وعودة الحق الى أهله…
كان اختيار الاتحاد هو الاختيار الاول مع الأسف…
وكان الرسوب في هذا الامتحان التاريخي الذي ترتبت عنه نتائج على مستوى مصداقية الحزب السياسي ، ليس فقط الاتحاد بل كل الأحزاب السياسية…
وكانت الشروط تنضج لترسيخ حياة سياسية غير سليمة تم التعبير عنها بشكل صارخ عبر الپام…
طبعا في السياسة يمكن تبرير خيار كما يمكن تبرير نقيضه، وتوجد دوما في القاموس السياسي جمل جميلة لأجل ذلك…و من هذه الجمل : الوضع السياسي الدقيق ( هو دائما دقيق!) المصلحة الوطنية، مواصلة اوراش الاصلاح…وغيرها…
فعلا كان الوضع السياسي حساس نوعا ما ، لكن الدولة تسير ولا يتوقف سيرها على اي حزب كيفما كان ( خصوصية مغربية ).. خاصة ان الوزير الاول المعين ، ادريس جطو ،شخصية وطنية مشهود لها بالنزاهة والكفاءة وتحضي باحترام وتقدير الجميع…كانت الدولة ستواصل مشاريع الاصلاح الكبرى والحكومة قائمة ولها أغلبية في البرلمان …بشكل عادي تماما بدون ان تكون متوقفة على حزب اسمه الاتحاد الاشتراكي رغم وزنه الثقيل خاصة تحت قيادة رجل من عيار ثقيل هو عبد الرحمان اليوسفي..بل ان الحياة السياسية كانت ستكون اسلم بمعارضة قوية يمكن ان تعود للحكومة بشكل أقوى في أي لحظة…
لكن ما كان هو: رسوب في امتحان سياسي…
وجد عبد الرحمان اليوسفي نفسه وحيدا وسط قيادات لم تستسغ خروجها من المواقع: وزارات، دواوين، مديريات، ادارات مؤسسات عمومية و..مصالح شخصية شتى…
هذا ما كان…
قرر عبد الرحمان اليوسفي عدم تزكية اختيار ” تيار الاستوزار ” فانسحب بشرف وحافظ على شرفه السياسي ومصداقيته واحترامه ما تبقى من عمره…
ربح تيار الاستوزار بالحفاظ على المواقع اقل من المستحق وفقد الاتحاد الاشتراكي ( ومعه كل الحياة الحزبية) المصداقية…
تبين انه ( او هكذا بدا للكثيرين ) ان قادة الاحزاب يضعون المصلحة الخاصة ( حتى وان كانت حزبية فهي مصلحة ) على مصلحة الفكرة، المشروع السياسي…
ففقدت الحياة الحزبية بعض المصداقية او بالأحرى الكثير من المصداقية…
هكذا اذن ؟ يدافعون عن مواقعهم وعن الكراسي اولا..هكذا كان لسان حال الكثيرين من النخب كما من عموم الشعب…
في سنة 2016 حدث امر مشابه مع حزب العدالة والتنمية وان بشكل مختلف في الشكل وفي إطار دستور جديد يفرض تعيين رئيس الحكومة من الحزب الاول في الانتخابات…
حصل حزب العدالة والتنمية على المرتبة الاولى كتعبير عن دعم شعبي واضح..وكان الطبيعي ان يواصل السيد بنكيران ترؤس الحكومة…
لكن..لم يتمكن من تشكيل اغلبية بعد تعيينه رسميا حسب الدستور…
وحدث امر مشابه لما قام به حزب الاستقلال ضد عبد الرحمان اليوسفي: السيد اخنوش بدعم من الاتحاد الاشتراكي ( الذي اصبح ضعيفا يبحث فقط عن مقاعد ) بتشكيل ” مجموعة الاربعة” للتفاوض كمجموعة مع السيد بنكيران الذي لم يجد من مدعم مضمون سوى…حزب التقدم والاشتراكية ( مرة اخرى)…
ولاعتبارات كثيرة، لا حاجة للتفصيل فيها هنا، منها ما هو موضوعي ومنها ما هو ذاتي ، فشل السيد بنكيران في تشكيل اغلبية منسجمة تقبل به كرئيس…
ووجد حزب العدالة والتنمية نفسه امام امتحان سياسي عسير شبيه بامتحان الاتحاد سنة 2002…
هل يقبل بالضغط السياسي ( وهو طبيعي جدا في عالم السياسة ) ويقبل بتنحي قائده عن رئاسة الحكومة ويقبل بـ “اللي كاين” ويقبل بحكومة ليست حكومته، حسب تعبير السيد الازمي، نائب الامين العام، مؤخرا ، وتحسب عليه في نفس الوقت…ام ” إسلم السوارت” بجرأة سياسية تاريخية تعيد للسياسة مصداقيتها وللحزب / الاحزاب السياسية معناها وجدواها..
وكان الاختيار، مرة أخرى، هو اختيار “تيار الاستوزار”، غير مبال بغضب الامين العام…
اغلب قادة الحزب كانوا وزراء، عمد، رؤساء جماعات، رؤساء دواوين ” ومنافع اخرى”…لم يكونوا مستعدين للتخلي عن كل ذلك والانتقال إلى المعارضة التي كانت ستكون قوية ومدعومة شعبيا ،ربما بشكل لم يسبق له مثيل…
وكانت تلك الحكومة العجيبة التي يخضع فيها رئيسها وغير قادر على اخضاع احد..او القيام باي مبادرة وعمل سياسي جدي…
مرة اخرى ربح اشخاص مواقع ،مؤقتا، وضاعت مصداقية الحزب ربما الى الابد او على الاقل على المدى المتوسط..وكانت تلك السقطة المدوية في الانتخابات الموالية وانهيار حزب كبير وتراجعه من المرتبة الاولى الى المرتبة الثامنة ب” لكشايف”..
طبعا توجد دائما مبررات ومنها، كالعادة ، المصلحة الوطنية و..مواصلة اوراش الاصلاح ( التي لم يكن لها وجود حقيقي )…
حقا الظرف مختلف .. دستوريا
كان رفض حزب العدالة والتنمية ترأس الحكومة في شخص آخر غير امينه العام يعني انتخابات جديدة وبلد بحكومة تسيير الاعمال لمدة سنة على الاقل قبل تنظيم انتخابات جديدة ( في الواقع حكومة العثماني كانت نوعا من حكومة تسيير الاعمال ، لذلك غادرها اوفى حليف وهو حزب التقدم والاشتراكية قبل نهاية ولايتها)..
لكن ماذا كان ” سيحدث في ملك الله” لو توفرت هذه الشجاعة لدى قادة العدالة والتنمية؟
لا شئ… البلاد ستستمر بحكومة تسييىر الاعمال مؤقتا والامور العادية ستستمر، وربما كان الوضع سيتطلب تعديلا دستوريا لوضع خيارات اخرى في حالة عدم تمكن الحزب الاول من تشكيل اغلبية ( الحزب الثاني ثم الثالث مثلا) وهي حالة لم ينتبه اليها المشرع لدستور2011…
حقا ذلك كان سيضيع سنة في الزمن السياسي لكن البلاد ستربح حياة سياسية سليمة ونشيطة ومسار ديمقراطي في مد ، وكان ذلك سيعوض ضياع سنة من الزمن السياسي ، وسنة واحدة لا أهمية كبرى لها في التاريخ السياسي ان كانت توقفا من اجل نفس جديد للمسار الديمقراطي والسياسي…
مرة اخرى وجدنا لسان الحال: المقاعد والمواقع اولا اذن…
وكان الاجهاز على ما تبقى من مصداقية للفاعل السياسي…
سيقول بعضهم: لقد تجاهلت حسابات الدولة وصناعة الخرائط والمناورات السياسية…
لا..لم انسى ذلك ولم اتناساه، المناورات والخطط السياسية امر طبيعي في العمل السياسي عموما وفي المغرب خصوصا..لكن…
مشاريع الدولة وخططها تتطلب ،لإنجاحها التام، نوعا من ” التواطؤ” الضمني والتفاهم الضمني ووجود نخب سياسية تخدم مشاريعها الشخصية قبل خدمة فكرة ومشروع سياسي…
في التحليل السياسي هناك مقولة ثمينة هي احدى مفاتيح اي تحليل جدي هي مقولة ميزان القوى…وميزان القوى يتشكل في خضم الصراع السياسي ، وحسن او سوء القيادة وادارة الصراع يساهم بقسط معتبر في طبيعة هذا الميزان…
والقرارات السياسية الكبرى للدولة تراعي، على العموم ، ميزان القوى، فاذا كان مختلا بسبب طبيعة او ضعف الفعل السياسي، تفرض قراراتها وخططها ( هذا امر طبيعي جدا في العمل السياسي) والعكس ان كان ميزان القوى لصالح مشروع سياسي ما فان قرارات الدولة وسلوكها يراعي هذا الوضع…
ربما احسن مثال على ذلك نشأة الكتلة الديمقراطية كقوة موحدة وبمشروع سياسي موحد حوّل سلوك الدولة تجاه احزاب الكتلة ،وهي مشتتة، الى سلوك آخر انتهى الى وصول الكتلة لتسلم تدبير الشأن العام وتسلم الوزارة الاولى في شخص عبد الرحمان اليوسفي..طبعا هناك عوامل اخرى ساعدت على ذلك لكن نشأة الكتلة ككيان موحد وقوي كان له دور كبير وحاسم في ذلك…
عندما تكون الاحزاب قوية ومستقلة وذات مصداقية تخلق وضعا سياسيا سمته الكبرى: حياة سياسية سليمة وصراع سياسي مجدي يقدم التجربة الديمقراطية الى امام..
والعكس صحيح..
لنتصور سيناريو اخر:
الإتحاد الاشتراكي ينجح في الامتحان ويتحول الى المعارضة
وحزب العدالة والتنمية يرفض رئاسة حكومة “ليست له” ويتحول الى المعارضة..
كنا سنشهد حياة سياسية قوية وصراع حاد وقوي ، بحكومة لها اغلبية في البرلمان لكن بمعارضة قوية…بأحزاب لها مصداقية لدى الشعب، وثقة في العمل السياسي والحزبي ومعناه وجدواه…
الحياة السياسية تغتني…
الديمقراطية تتقدم إلى امام…
الاحزاب تتقوى أكثر…
وانخراط اكبر للنخب وعموم المواطنين في العمل السياسي ..
والبلد يتقدم بشكل افضل وارقى…
ذلك لم يحدث…مع الاسف
والفاعل الحزبي يتحمل جزء من المسؤولية…
ففي كل معادلة طرفان ..
ولكل الاحداث والوقائع والتطورات عوامل موضوعية لكن ايضا عوامل ذاتية…
وهذه العوامل الذاتية هي ما يتعين الانتباه اليها وفهمها في افق دور افضل للعمل السياسي الحزبي لصالح الديمقراطية والحياة السياسية الوطنية..ولصالح المغرب والدولة المغربية في نهاية المطاف…
عبد الصادقي بومدين
كاتب مغربي
إقرأ الخبر من مصدره