Étiquette : دولة

  • إسبانيا والبرتغال تسعيان لوضع سقفٌ لأسعار الطاقة

    وافقت إسبانيا والبرتغال على قواعد للحد من أسعار الغاز الطبيعي، في تحرك هو الأقوى حتى الآن من قبل حكومتين أوروبيتين لاحتواء الارتفاع في تكاليف الطاقة الذي أشعلته الحرب في أوكرانيا.
    ومن المنتظر أن تشكل التغييرات المخَطط لها، علامةً فارقةً في التكامل الأوروبي في قطاع الكهرباء، من خلال السماح للدولتين في شبه الجزيرة الإيبيرية بالعمل خارج قواعد السوق المشتركة للاتحاد الأوروبي، والتدخل في تحديد الأسعار. وتتسابق دول الكتلة للحد من التضخم المرتفع، والمدفوع إلى حد كبير بأسعار الطاقة التي قفزت إلى مستويات قياسية عقب اندلاع الحرب.
    وقالت نائبة رئيس الوزراء الإسباني، تيريزا ريبيرا، المسؤولة عن سياسة الطاقة في البلاد، خلال مؤتمر صحفي، إن الإجراءات الإسبانية ستنطوي على «تخفيض كبير للغاية» في الأرباح المفاجئة للمرافق، لكنها لم تحدد بشكل مباشر كيف سيتم تمويل ذلك. وأضافت ريبيرا أن وضع سقف للأسعار سيخفِّض، كما يُتوقع، متوسطَ ​​سعر الطاقة من 210 يورو إلى 130 يورو (135 دولاراً) لكل ميجاواط/ ساعة.
    وفي البرتغال، قال وزير البيئة دوارتي كورديرو إن المستهلكين المكشوفين على السوق، سيستفيدون من تخفيضات الأسعار، والتي ستكون أكبر من تكلفة الإجراء نفسه. وقال في لشبونة يوم الجمعة الماضي، إن المستهلكين الذين يدفعون تعرفةً ثابتةً للكهرباء لن يتحملوا أي تكاليف إضافية.
    ويُذكر أن المفوضية الأوروبية، الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي، كانت قد توصلت مع الحكومتين الإسبانية والبرتغالية في وقت سابق إلى اتفاق سياسي مبدئي للحد من سعر الغاز المستخدم في توليد الطاقة لمدة عام واحد. لكن تنفيذ الاتفاق تأخر، وسط مفاوضات حول كيفية عمل النظام، ومن سيدفع فاتورة تكلفته. ويحتاج كلا الإجراءين إلى موافقة المفوضية قبل أن يسري مفعولُهما. وقالت ريبيرا، إن إسبانيا تتوقع نشر القاعدة في جريدتها الرسمية قريباً، وهي خطوة ضرورية للبدء في العملية.
    وفي ظل النظام الحالي، فإن أغلى مصدر للطاقة يستخدم لتوليد الكهرباء، هو الذي يحدد سعر سوق الجملة. وهذا المصدر حالياً هو الغاز، رغم أنه يستخدم في أقل من ثلث كمية الكهرباء الإجمالية المولَّدة في إسبانيا، وحتى أقل من ذلك في البرتغال.
    ورغم تراجع أسعار الغاز الأوروبية عن مستوياتها القياسية المرتفعة التي بلغتها في الأسابيع الأولى من الحرب في أوكرانيا، لكنها ما تزال مرتفعةً. ويجري تداول العقد القياسي حالياً بالقرب من مستوى 100 يورو لكل ميجاواط/ ساعة، أي حوالي أربعة أضعاف المستوى الذي كان عليه قبل عام.
    وعندما تكون الأسعار مرتفعة أو متقلبة، يصبح النظام مكلِّفاً للمستخدمين الصناعيين من ذوي الاستهلاك الكثيف. وبالإضافة إلى ذلك، يدفع حوالي ثلث مستهلكي التجزئة في إسبانيا، أعلى سعر، بغض النظر عن نوع الكهرباء التي يستخدمونها، لأن عقود الطاقة الخاصة بهم تستند إلى أسعار الجملة.
    وتحمل خطة سقف الأسعار وزناً أكبر بكثير بالنسبة لإسبانيا مقارنةً بالبرتغال، إذ لا تؤثر أسعار الغاز سوى على عدد صغير من المستهلكين. ويمكن لكل دولة إنشاء إطارها الخاص لجعل سقف الأسعار ناجحاً.
    وترى الحكومة الإسبانية أن وضع سقوف للأسعار هو أسهل طريقة لوضع حد للتضخم، الذي بلغ 8.3% في أبريل الماضي، أي بالقرب من أعلى مستوياته التاريخية، رغم انخفاضه عن شهر مارس الماضي.
    وقد حاول رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، في البداية، الحصولَ على دعم القادة في جميع أنحاء أوروبا لإصلاح إطار سوق الجملة الأوروبية بالكامل، بحجة أن وضع هذا الإطار تم في وقت لم تكن فيه الطاقة المتجددة قد دخلت كعامل في معادلة الطاقة. ولم تثمر تلك المحاولة الدبلوماسية. وفي النهاية، توصل سانشيز إلى اتفاق مؤقت يمنح إسبانيا والبرتغال استثناءً، على أساس أن شبه الجزيرة الإيبيرية لديها اتصالات محدودة ببقية شبكة الطاقة الأوروبية، مما يجعلها «جزيرة طاقة».
    وقد واجهت المبادرةُ معارضةً كبيرةً من العديد من حكومات شمال أوروبا ومجموعة المرافق، بما في ذلك شركة «إيبيردرولا» (Iberdrola SA)، وهي أكبر شركة في إسبانيا. وقالت شركة

    إقرأ الخبر من مصدره

  • صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد يمثل جلالة الملك بأبو ظبي في تقديم التعازي في وفاة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان

    صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد يمثل جلالة الملك بأبو ظبي في تقديم التعازي في وفاة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان

    الأحد, 15 مايو, 2022 إلى 14:23

    أبو ظبي – مثل صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، اليوم الأحد بأبو ظبي، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في تقديم التعازي في وفاة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان.

    وقدم صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، خلال استقباله من قبل صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، تعازي جلالة الملك في وفاة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان.

    حضر الاستقبال على الخصوص الشيخ منصور بن زايد آل نهيان وزير شؤون الرئاسة، والشيح طحنون بن زايد آل نهيان مستشار الامن الوطني، والشيخ سيف بن زايد آل نهيان وزير الداخلية، والشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية.

    كما حضره عن الجانب المغربي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السيد أحمد التوفيق.

    وكان صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، قد حل في وقت سابق اليوم بالمطار  الرئاسي بأبوظبي، حيث وجد سموه في استقباله الشيخ هزاع بن زايد آل نهيان ، رئيس المكتب التنفيذي لحكومة أبو ظبي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • علمانية “مغربية اسلامية”.. قهوة وتراب

    يونس وانعيمي

    اعتقلت السلطات العمومية المحلية لمدينة الدار البيضاء عددا من الأشخاص في مقهى ووضعتهم تحت الحراسة النظرية بتهمة الإفطار العلني.
    وهي الواقعة التي أثارت نقاشات “ساخنة” في الإعلام الرقمي والفضاء الأزرق وتنافرت مواقفها بين المويدة لقرار الاعتقال وبين مواقف دعاة شجبه والدعوة لالغاء الفصل 222 من القانون الجنائي الذي بموجبه تم توجيه التهمة.

    ليست هي المرة الاولى التي نرى فيها افرادا يتم اعتقالهم بسبب اشهار افطارهم العلني في الفضاءات العامة خلال زمن الصيام من شهر رمضان، وهي غالبا ما تكون محاولات يقوم بها اناس في اطار سلوك احتجاجي ايديولوجي وسياسي وفكري على مسألة تجريم الإفطار العلني والتي تتبناها بعض الجمعيات والحركات ذات التوجه العلماني، وغالبا ما يتم تقييد هذه الاحداث المتفرقة كجنح يتم التخفيف من مساطر متابعاتها لتمر الامور في لين وسلاسة من قبل السلطات، باستثناء بعض الاحداث المحزنة والقليلة التي يأخذ فيها بعض المواطنين القصاص العنيف والمباشر ضد المفطرين وغالبا ما تنتهي هذه الاحداث بنهايات مأساوية.

    لكن الفريد في هذه النازلة الاخيرة هو اولا العدد الكبير للمفطرين وثانيا مكان افطارهم (مقهى ) وثالثا الدعوات المجتمعية المتكاثرة بشكل اكثر إلحاحية وتنظيما لإلغاء مواد مجموعة القانون الجناءي المجرمة للإفطار العلني وخصوصا مقتضيات الفصل 222.

    اولا : فالمادة اعلاه، و بعدما وضحت جنحة الإفطار العلني المشمولة بالغرامة والسجن (حسب تبييء النوازل) فتحت امكانيات الغاء العقوبات بعد تقديم الاعذار الشرعية التي تسمح بالإفطار الإضطراري (شيخوخة، مرض، حمل، سفر…) ولكن النص لم يوضح لا مساطر ولا كيفيات تقديم العذر ولا كيفيات التحقق المادي منه (جوازات أو رخص استثناء او ما شابه) ولم ينص على كل ضمانات حماية المفطر من قصاص الناس ولا تنزيل شديد العقوبات على المعنفين المحتملين في حالة تعرضه للعنف من طرف مواطنين افرادا او جماعات وكثيرا ما تتسم تدخلات السلطات بنوع من تواطوء صامت مع عنف الجماهير مع “جانحي الحريات” … ففي العمق يبقى النص الجناءي مكلفا اكثر بحماية المواطنين كيفما كانت السيارات. النص وبعيدا عن مضامين النقاشات الحقوقية الممكن فتحها بهدوء يحتاج لضبط تشربعي اكثر مما هو عليه في اتجاه احقاق اكبر هوامش الحقوق الفردية.

    ثانيا: من الناحية العملية فالإفطار العلني، كما السكر العلني واشهار العقاءد، لا تسقط في محظور القانون والجزاء الجنحي الا على مستوى اشهارها العلني والعمومي. و لا يضع المشرع ممارستها في الفضاءات الخاصة في اطار متابعات نسقية الا طبعا في حالات خاصة (كأن يكون هناك افطار او سكر جماعي ولو في فضاءات خاصة وتحول لموضوع تبليغ لشبهة حصول ضرر يسببه للغير) وهي متابعات تتبع لمساطر ضبطية خاصة و مصادرات وحراسات يكون غالبها معقد. المشرع المغربي لا اراه يسقط هنا في تناقضات مع الشرع والشارع عندما يتغاضى عن حالات الإفطار الخاص او السكر الخاص او حتى الجنس الخاص لانه تشريع “متحور وتأويلي”اراه يحاول المسك بذكاء بين متطلبات الحريات الفردية المتنامية وبين مقتضيات شرعية كابحة لبعض هذه الحريات بل ومنافية لها.. كما لو كان القانون المغربي يخاطبنا بمذهب شرعي ذكي ومتوازن مفاده ان ” من ابتلاه الله فليستتر”.. ويوضح بالموازاة ان الجهر والاشهار بكل سلوكيات فردية منافية للشرع”المقنن” هي ليست سلوكيات تدخل في باب ممارسة الحريات بل في باب التحربض المنظم ضد القانون

    ثالثا: المجتمع المغربي يتغير كساءر المجتمعات واكيد ان السلوكات الدينية للناس تتغير اتباعا واكيد ان هناك مفطرين كما ان هناك متناولي الكحوليات وممارسي الجنس حتى في ملامح متطرفة.. واكيد ان السلطات العمومية تفطن بوساءلها لحدوث ذلك لكنها تبقي على مسافة بينها وبين الفضاءات الخاصة لانها سلطة تابعة لدولة اختارت في منظومتها الجناءية ان تكون مرنة مع الحريات الفردية المنافية للشريعة بشرط عدم تأسيسها العمومي. لكنها دولة لا تريد لعقيدتها الجناءية ان تكون علمانية بشكل صريح كما تونس مثلا.. وستبقى الدولة في نظري صارمة مع دعاة علمانية الجانب الجناءي ومرنة جدا مع العلمانيين الافراد الذين يمارسون حرياتهم في فضاءاتهم الخاصة بدون تحويل هذه الحريات لنماذج توءسس عليها مطالب سياسية.. واستبعد تعديلا في مجموعة القانون الجناءي يسير في هذا الاتجاه على الاقل في العقد المقبل.

    رابعا: بصراحة واقولها بمسؤولية وبشكل بناء.. في المغرب بخلاف دول عربية اسلامية عديدة لا يحس المواطن برقابة سلطوية موءسساتية صارمة فيما يتعلق بممارسة حريات (غير سياسية) كالسكر او الإفطار او العلاقات الجنسية الرضاءية بين البالغين…لكن نحس ان الدولة تميل بسرعة في اتجاه كفة تقييد وتكبيل هذه الحريات ان احست بان هؤلاء الافراد (المتهورين) سيتسببون في قلاقل اجتماعية ويثيرون احتجاجات جماعية او يطالبون سياسيا باسقاط التوازن التشريعي المغربي الذي يمكن ان اصفه بالعلماني-الاسلامي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الملك محمد السادس

    بقلم: جميل عبد الكريم. ج

    ربما سائل يسأل لماذا هذا العنوان وبهذا الشكل الجاف بدون كل ما تستوجبه شروط الأدب واللياقة واللباقة ؟ سيما وأن الموضوع يتناول رمز دولة عريقة وعنوان سيادتها، ولها حمولة تاريخية كبيرة، وتعتبر أقدم مملكة في العالم، ألا هو الملك. فهذه الشروط كلها موجودة ونحن مقتنعون بها ونطبقها، غير أن الأمر هنا لا يعدو كونه مجرد عنوان عادي في ظرف غير عادي. لأننا نسعى من وراء هذا، طرح إشكالية محمد السادس الرجل والإنسان والملك، ومحاولة إجراء مقاربة لكل عنصر على حدة- قدر المستطاع- ثم لتفاعل العناصر الثلاثة فيما بينها، ليس من وجهة نظر سيكولوجية محضة، ولكن من جانب الظاهر منها ومن الجانب السياسي فيها.

     

    إذا، قبل أن نتطرق للموضوع، أرى أنه من الأنسب أن نلقي نظرة عن الخلفية التاريخية والبيئية التي ترعرع فيها محمد السادس، ليس من نظر الوسط الداخلي للعائلة الملكية، (لأننا لا نعرفه ولا نعلم منه إلا ماتنشره الصحف أو الإعلام بصفة عامة)، وإنما من وجهة نظر مواطن عادي يتحرى الموضوعية وينظر إلى الأمور من بعيد كمن يتفرج على مباراة في كرة القدم من المدرجات.
    الملك محمد السادس هو ابن الملك الحسن الثاني، الملك المخضرم الذي عاش حقبتين مختلفتين. مرحلة الاستعمار ومرحلة الاستقلال. عايش عتاة الاستعمار الفرنسي من المقيمين العامين الذين خلفوا ليوطي، مهندس احتلال المغرب وباسط السلطة الفرنسية، والعقل المدبر لسياسة فرنسا الاستعمارية والثقافية والفكرية على المغرب، وكل من جاء من بعده من المقيمين العامين ببلدنا حتى الوصول إلى أسوئهم على الإطلاق سيئ الذكر الجنرال كيوم .Guillaume

     

    هذا من جهة ومن جهة اخرى، عايش صناديد الحركة الوطنية من أمثال علال الفاسي ومحمد بن الحسن الوزاني والمختار السوسي والمهدي بن بركة وعبد العزيز بن ادريس، وبوشتا الجامعي والهاشمي الفلالي والفقيه الغازي وغيرهم، والجيل الذي نشأ في أحضانهم كمحمد بوستة ومحمد الدويري وعبد الحفيظ القادري وأبو بكر القادري وعبد الكريم غلاب وعبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمان اليوسفي ومحمد اليازغي ومحمد عابد الجابري ومحمد بن سعيد ايت يدر وباقي الوطنيين.

     

    لقد كان الحسن الثاني، رحمه الله، معروفا بالنباهة، حاد الذكاء، متعدد المواهب، (مما أهله وهو طفل لأن يجالس صحبة والده المرحوم محمد الخامس، قادة العالم المنتصرين في الحرب العالمية الثانية: الرئيس الأميركي فرانكلين روزفيلت، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشيل، وعمره لم يتجاوز الرابعة عشرة، في اللقاء التاريخ الذي جمعهم بمدينة الدار البيضاء سنة 1944)، كانت له ذاكرة قوية، حافظ لكتاب الله، وذو تكوين إسلامي رفيع وصل مرحلة العالمية ( كما أكد لي بعض الأشراف الأجلاء)، إضافة إلى تكوين غربي يفوق درجة ممتاز.

     

    كان مزدوج الثقافة عربية إسلامية وفرنسية غربية. كان فصيحا جدا في اللغة العربية، وكان يتكلم اللغة الفرنسية أحسن من أهلها، وكان وطنيا قحا جرب المنفى من وطنه والغربة والإبعاد القسري عن دياره، فكان يعرف حق الوطن والمواطنة وقيمتيهما… كان مخلصا لدينه و يحب وطنه وشعبه حد الجنون. لدرجة أنه أسبغ عليها صفة المقدسات، فكان لا يتساهل مع من يحاول المس بالمقدسات…. ورغم هذا كله ظلمناه، ظلما شديدا- نسأل الله أن يسمح لنا- و كنّا ننتقده (ونحن شبابا) في كل شيء. لم نكن معارضين له بصفته ملكا ولكن كنّا نعارض سياسته، بل تمادينا في معارضتنا ( أحيانا بشكل مجاني) حتى كدنا نكون معارضين له ولنظامه. لا لشيء إلا لأننا كنّا لا نفهمه أو قل كنّا عاجزين على فهمه (هكذا اتضح لي بعد مرور الزمن وبعد إعادة مراجعة وقراءة الأحداث فيما بعد)، لأن عقله كان يسير بسرعة 200 كلم في الساعة وكانت عقولنا تسير بسرعة لا تفوق 50 كلم في الساعة في أحسن الأحوال، وكانت كلما طالت المسافة اتسعت الفجوة، فيتسع الفارق بيننا وبينه. كان عليه، رحمه الله ان يطبق الحديث الشريف: سيروا بسير ضعفائكم. لكن ذلك لم يكن ممكنا، لأنه، رحمه الله، كان ملكا، وكانت عليه مسؤولية السهر على السير الطبيعي لدواليب الدولة، وحماية البلد والنظام والشعب من أعداء الداخل والخارج، وتأمين السلم والأمن الغذائي والاستشفائي والاجتماعي للشعب، واستكمال الوحدة الترابية، والسعي إلى رقيه وتقدمه. كان الأمر يتطلب أن يكون المغرب أو لا يكون، فاختار رحمه الله أن يكون المغرب، رغم بعض الخسائر الطفيفة…

    هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى، أرى لو أن زعماء الحركة الوطنية سايروه ووضعوا يدهم في يده، ولم ينشغلوا بالتخاصم فيما بينهم وبالمواجهة معه (أو جزء منهم) لكان المغرب مغربا اخر… وهذا ما كانت عليه قناعة علال الفاسي، رحمه الله، وفطن إليه في وقت مبكر، لكن لم تسعفه الظروف ليقنع (أو حاول وكانوا يرفضون) بها الطرف الآخر من أهل الحركة الوطنية. فما كان منه إلا أن أوصى خليفته، محمد بوستة رحمه الله، في رحلته الأخيرة إلى رومانيا، حيث لقي ربه، بإقناع الطرف الآخر من الحركة الوطنية بالمصالحة وبالتقرب والوقوف إلى جانب الحسن الثاني، حتى لا يبقى وحيدا في مواجهة الفساد والمفسدين… وكذلك كان، والحمد لله. وكانت هذه من النصائح التي مافتىء يؤكدها لنا السي محمد بوستة ويذكرنا بها في لقاءاتنا الخاصة أو التنظيمية معه. وأكدها علينا ولنا مرة أخيرة وأمام الملأ في الذكرى التي أقيمت بقاعة زينيت يوم 11يناير من عام 2017 بمناسبة الإحتفال بتقديم وثيقة الاستقلال للمستعمر الفرنسي في 11 يناير 1944.

     

    في ظل هذا الرجل المشبع بهذه الثقافة وبهذه القناعات ترعرع و نشأ محمد السادس، بل وعايش جزءا من أحداثها ومجرياتها. عاش في كنف رجل عبقري، صارم وحازم، قراراته لا تحتمل التأجيل أو المماطلة، ويصعب عليك أن تقنعه بأي شيء، إلا إذا كان دليلك من القرءان أوالسنة. كانت هذه هي المدرسة التي تربى فيها الملك محمد السادس. تربى في كنف ملك حريص على تربية ولي العهد حسب ما تقتضيه مرحلة الاستقلال، والحرب الباردة والمسيرة الخضراء، والنظام العالمي الجديد والعولمة، وانهيار جدار برلين، واجتياح الثورة الديموقراطية للعالم و متطلبات مغرب وجيل ما بعد الاستقلال وووو…. زِد على ذلك الظروف القاسية التي عايشها، وهو طفل، إثر الانقلابين الفاشلين لسنتي 1971 و 1972، مما أكسبه رجولة مبكرة، ومواجهة الصعاب في وقت يحن فيه كل طفل للعب مع أقرانه…

    للملك الحسن الثاني كلاما مأثورا يقول فيها: الأسلوب هو الرجل. Le style c’est l’homme .
    وهكذا نرى أن أسلوب الملك محمد السادس ليس هو أسلوب والده، ولو كان الأسلوبان متطابقان لفسدت سياسة الخلف، كما وصف ذلك الحسن الثاني رحمه الله.
    فمجرد تولي محمد السادس الحكم رسميا أطلق مفهومه الجديد للسلطة وأعلن عن دولة الحق والقانون؛ فاتحا بذلك باب بداية حقبة جديدة ومغلقا باب حقبة من الحكم قد انتهت.
    محمد السادس رجل مخالف لوالده في الظاهر، له شخصية مستقلة تماما عن شخصية والده المرحوم. لأن ما بصم تربية وحياة الحسن الثاني، ليس هو ما بصم تربية وحياة محمد السادس.
    فمن جملة ما قام به في بداية حكمه، أنه بدأ ببيته هو الأول، وبحسب ماراج في الشارع المغربي، هو إفراغ القصور الملكية من كل الأشخاص الزائدين، ثم ترشيد النفقات فيها من تموين للمطاعم الداخلية إلى غير ذلك من المسائل الخاصة بها،،، وحين حان زواجه وتم الإعلان عنه أبرز صورة زوجه لعامة الشعب. وأشهر حفل زفافه على التلفزيون، وكل المباهج التي رافقت العرس… ثم أعطى دورا اجتماعيا لحرمه وجعلها تنوب عنه في هذا المجال. على عكس المرحوم الحسن الثاني الذي لم يكن أحد يعرف صورة قرينته أبدا وبالأحرى إسناد مهمة رسمية لها.
    أما في الشكل الخارجي فالحسن الثاني كان يحلق ذقنه وشواربه، أما محمد السادس فيقص الشوارب ويعفو عن اللحية، في حدود. حتى أن الصورة الرسمية للملك محمد السادس وهو جالس على العرش، فبالشكل الذي وصفناه. أما على مستوى الرياضة فالمرحوم كان يفضل رياضة الكولف، أما محمد السادس فيحب ركوب البحر والأمواج.
    قيل عن الملك الحسن الأول رحمه الله، إن عرشه كان على صهوة فرسه، أما محمد السادس فكان عرشه على صهوة سيارته بحيث لم يترك منطقة ولا ركنا من أركان مملكته إلا وزارها، بل وأقام فيها ما تيسر أن يقيم فيها. فكان يطلع على أحوال الشعب بالليل وبالنهار، وفي زيارات معلنة وسرية….
    أما ما يتجلى من معاملة محمد السادس في تعامله مع الشعب، يتضح أنه عطوف جدا، ورؤوف بل حنون على الكل وخاصة الشريحة المعوزة، سيما أصحاب الحاجات الخاصة منها. أما خاصية الكرم فيشترك فيها مع والده رحمه الله.

    محمد السادس الملك. يقول الله في محكم كتابه: ويؤتي الملك من يشاء… إذاً، المُلك والحُكم شأن رباني، والله وحده هو من يعطيه لمن يشاء. لأنه سبحانه وتعالى يعلم أين يضع رسالته. ويعلم من هو المؤهل لها وللحكم. وكما جاء في الحديث الشريف: كلٌّ مُيسر لما خلق له، (صدق رسول الله ص). فالمَلك هو المسؤول عن الشعب وعن أمنه السلمي والغذائي والإستشفائي وعن تقدمه وازدهاره، وعن دينه ولغته وعن عرضه. فوحدة الدولة تقتضي أن يكون هو المسؤول الوحيد على كيانها وعلى علاقاتها بالخارج وعلى أمر الحرب أو السلم فيها. وبالتالي هو من في عنقه مصير الشعب والوطن. بمعنى أنه هو الوحيد الذي له اتجاه بوصلة المصلحة ومتى يسير فيها وبوصلة اتجاه المفسدة ومتى يتجنبها.

    محمد السادس أو الذكاء الصامت أو The silent intelligence:

    كما هو ملاحظ للجميع فإن الملك محمد السادس، وعلى خلاف أبيه، لا يتكلم مع صحافة ولا يلقي كلمات مرتجلة، ولا يتوجه إلى أحد بكلام مسموع عبر التلفزيون أو الإذاعة، وحتى حينما يتوجه إلى الشعب ففي خطاب رسمي مقروء وعبر وسائل الإعلام الرسمية. فهو يشتغل في صمت، يعمل ولا يتكلم، ولكن بكل حكمة وتبصر وبعد نظر. حتى أن الملاحظ المتمعن يمكنه أن يلمس أن جميع القرارات السياسية والإقتصادية التي اتخذها فيها من الذكاء والدهاء السياسي والإستبصار الشيء الكثير . ويتجلى هذا في سياسته الخارجية، كما هو ملاحظ في ملف قضيتنا الأولى الصحراء المغربية، أو علاقتنا بدول الجوار أو ملف أزمة دول التعاون الخليجي، أو السياسة الأفريقية أو غيرها، وكذا كما هو جلي في سياسته الداخلية. وكمثال على ذلك ما تشهده التغييرات التي تطرأ على مؤسسات الدولة ومسؤوليها، وكذا التغييرات السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي يشهدها المجتمع المغربي.

    محمد السادس أو القوة الناعمة The soft power :
    لا يمكننا، باعتبارنا شعبا مغربيا أصيلا ووفي لملكه ولوطنه، أن ننسى مافعلته إسبانيا، بعد تولي محمد السادس ملك المغرب بفترة وجيزة عرش المملكة، حين هاجمت (إسبانيا) أفراد القوات المساعدة بجزيرة ليلى سنة 2002، بقوة بحرية وجوية كبيرة… رسالة إسبانيا كانت واضحة ومعروفة الأبعاد… كانت تريد أن تقول للمغرب، وكما يقول المثل الشعبي عندنا (من النهار الأول يموت القط). إذن، كانت تريد أن تزعزع ثقة الملك في الحكم، وتبعث له رسائل مشفرة وواضحة لكي تدفعه إلى الإرتماء في أحضانها ومسايرة رغباتها… ولكن هيهات، هيهات… ولأن ملكنا حكيم، صبر واصطبر، وكظم غيظه، لأنه كانت له أولويات، وكان بصدد وضع اللبنات الأولى لتصوره في الحكم، فكان من العقل و الحكمة والتبصر أن يتجاوز الاستفزاز، وأن يتمالك أعصابه ويرتب أولوياته حتى يحين الوقت الحاسم للرد… فاشتغل وكد في صمت، حتى جاء الوقت المناسب لترى إسبانيا بأم عينيها، وليس لتسمع، كما يقال، إن المغرب صنع لنفسه قوة ضاربة يحسب لها ألف حساب. ولما فتحت جارتنا الشمالية عينيها وجدت أن المغرب الذي كانت تحتقره وتستصغره وتستضعفه قبل 2002، لم يعد ذلك المغرب وإنما مغرب اخر جديد، له من القوة العسكرية والاقتصادية ما يجعل قراراته السياسية سيادية وتستوجب احترام الآخرين. فراحت تتودد، وتمتدح المغرب وتذكر بالعلاقات التاريخية والاستراتيجية وما إلى ذلك من تعابير قاموس الغزل السياسي. لكن قطار المغرب أقلع ولن يتوقف، ولن يحابي أحدا على حساب مصلحته وشرفه وكرامته. وكان هذا واضحا في خطاب جلالته بمناسبة الذكرى 46 لعيد المسيرة الخضراء (2021).
    وما انسحب على اسبانيا ينسحب على الآخرين، ولكل حادث حديث ….

    المغرب لا يرد على كلام أحد بكلام مثله ولا ينهج سياسة البوليميك، ولا تستفزه تحرشات أوانفعالات الآخرين ولا تخرصاتهم، وإنما رده يكون بالعمل وبما يرى ويلمس المعني بالأمر وليس بما يسمع….. هذا هو مغرب محمد السادس.

     

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مجلس أوروبا.. المغرب يصادق على اتفاقية تزييف المنتجات الطبية والجرائم المماثلة

    أودع المغرب وثيقة التصديق على اتفاقية مجلس أوروبا بشأن تزييف المنتجات الطبية والجرائم المماثلة، التي تنطوي على تهديدات للصحة العامة « ميديكريم »، وذلك بحسب ما علم لدى المؤسسة الأوروبية التي تتخذ من ستراسبورغ مقرا لها.

    وبذلك، أصبحت المملكة سابع دولة غير عضو في مجلس أوروبا وخامس دولة إفريقية تصادق على اتفاقية « ميديكريم »، ليرتفع عدد الأطراف في هذه المعاهدة إلى 20؛ حيث وقعت 16 دولة أخرى، ودعيت ثلاث دول للانضمام.

    وبحسب مجلس أوروبا، يتعلق الأمر باتفاقية دولية تشكل، لأول مرة، أداة قانونية ملزمة في مجال القانون الجنائي، من خلال تجريم التقليد، وكذا تصنيع وتوزيع المنتجات الطبية المطروحة في السوق دون ترخيص أو في سياق انتهاك معايير السلامة.

    وتهدف الاتفاقية إلى حماية الصحة العامة، وتنص على عقوبات جنائية وتدابير لوقاية الضحايا وحمايتهم. كما توفر الاتفاقية المفتوحة للبلدان في جميع أنحاء العالم، إطارا للتعاون الدولي وتدابير لتحسين التنسيق على المستوى الوطني.

    وأشار المجلس إلى أن تقليد المنتجات الطبية والجرائم المرتبطة به يهددان الحق في الحياة المنصوص عليه ضمن الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية؛ حيث إن لها تأثيرا على تقويض ثقة العموم في المنظومات الصحية وسلطاتها الرقابية.

    من جهة أخرى، أودع المغرب آلية الانضمام إلى اتفاقية مجلس أوروبا المتعلقة بغسل عائدات الجريمة، وكشفها، وضبطها، ومصادرتها، وبتمويل الإرهاب.

    وتعد هذه الاتفاقية أول آلية دولية تتناول كلا من الإجراءات الوقائية، ومكافحة غسل الأموال، وتمويل الإرهاب.

    ويستجيب النص للمعطى الذي يفيد بأن الوصول السريع إلى المعلومات المالية أو المعلومات المتعلقة بالأصول التي تمتلكها المنظمات الإجرامية، بما في ذلك المجموعات الإرهابية، أمر ضروري لنجاح التدابير الوقائية والقمعية، وفي التحليل النهائي، هو أفضل طريقة لزعزعة استقرار أنشطة هذه المنظمات.

    وتوفر الاتفاقية آلية تروم ضمان التطبيق الصحيح لمقتضياتها من قبل الأطراف.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المحامي محمد كزغار يكتب “في رثاء ووداع نقيب النقباء”

    ذ. محمد كزغار*

    سيل من الذكريات الموحية تواردت تباعا على ناظريَّ ومخيلتي، بمجرد أن انتهى إلى علمي، مصاب انتقال روح قيدوم النقباء الأستاذ الراحل عبد اللطيف بوعشرين، إلى بارئها، لمكانة الرجل في قلبي وعقلي معا، فلقد اجتمع في الفقيد ما تفرق في غيره، يشهد بذلك الكل، لأني لا أحسب له عدوا، ولا مناصبا للعداء، فالرجل مشهود له بدماثة الأخلاق، وسعة الإطلاع، وقوة الحجة، والقراءة الحصيفة لسليم القانون، وفوق هذا وذاك، إنسانية فياضة، وحسن تعامل وخلق رفيع. لقد أخذت منا المنية، هامة وقامة لا أعرف لها نظيرا، وحسبي أن لا يجود بمثيلها الزمان يوما. وليعذرني القارئ، لذاتية ما سأكتب، لكن يشهد الله أنها ذاتية موضوعية، ليس فيها إلا ما شهدناه عيانا، وما علمناه تجربة وتحققا.

    • الاطلاع الكبير والسخاء في العطاء
      تعود معرفتي بفقيد المحاماة، إلى تاريخ زيارة مجاملة، قادتني إلى مكتبه في يوم من أيام عام 2002، بعد توفيقي في اجتياز امتحان الولوج إلى مهنة المحاماة. وكان التقليد، المغلف باللزوم، يتطلب من أي محام الحصول على توقيعات أعضاء النقابة، البالغ عددهم واحدا وعشرين عضوا. وكان المسلك، والسبيل إلى ذلك، يمر عبر زيارات المجاملة إلى مكاتبهم، الواحد تلو الآخر، غير أنه، وعلى عكس العادة، التي تقضي بتوصل الكتابة بالطلبات، لعرضها، استقبالا على الأعضاء لتنال شرف توقيعاتهم، فإن الراحل أصر على استقبالي شخصيا، وتخصيص زمن لتجاذب أطراف الحديث مع مبتدئ، لا زالت دهشة البدايات تعلو محياه.
      ولفجائية الموقف، ورهبته في الآن ذاته، علقت بذهني تفاصيل اللقاء، حتى لا أقول اللقاء في تفاصليه، فالموعد كان نهاية الأسبوع، صباح يوم سبت، ارتدى فيه النقيب، المعروف بأناقته، وذوقه الرفيع، لباسا رياضيا، لم يبعده عن الجد، ولم يخرج كلامه عن المعتاد سماعه عنه، فقد شرع، حين توقفت عن تقديم شخصي، في إسداء النصح لي، مشددا على الإخلاص لشرف المهنة وقسمها ورسالتها، وأكد لي من صميم تجربته الممتدة لسنوات خلت، أن المحاماة مهنة معطاءة، تبادل صاحبها الوفاء والعطاء، بقدر مثابرته، وجده وتفانيه وإخلاص في الدفاع عن حقوق المتقاضين، وعن السعي إلى ضمان محاكمة عادلة لهم، إحقاقا للحق وانتصارا لقيمه. نصائح لا زالت عبارتها بصوت الفقيد، تهمس في أذني، وأستشهد بها كلما استدعتها ظروف الزمان أو المكان، لأنها صادرة عن خبير بالقانون وبتفاصيله، بأحكام القضاء وسوابقه، محيط بفروع القانون في كليتها، مع تخصص في المادة الجنحية.
      وشاءت الأقدار، أن أحظى بشرف مجاورة النقيب، بعدما اقتنيت شقة في شارع الثاني من مارس المعروف لدى جمهور البيضاويين، في العمارة عينها التي ضمت مكتب النقيب، وكانت هذه الزيارة هي السبب فكان ذلك، فاتحة لمعرفة أعمق بالفقيد، ومبررا لانتظام زيارته، أفلم يوصي الرسول (ص) بالجار، حتى حسب الصحابة أن ذلك مقدمة لتوريثه…هذا كان مذهب الفقيد في علاقته بي، إذ كان يتحين فرصة زيارة الأساتذة المحامين من المغرب وخارجه لمكتبه، لدعوتي للحضور، وكنت أتحين هذه الفرص لما فيها من فوائد جمة، من تناظر فكري، وخلاف علمي عميق، وقبل كل ذلك أدب رفيع وانصات عميم، وهو ما كان له الأثر الكبير، في تعلقي بالمهنة وبحملة همها…وفي كل هذه اللقاءات، كان الفقيد تلقائيا في تصرفاته، وفي حديثه، يدخل هذا الموضوع، وينتقل إلى آخر، بتخلص لا نظير له، وبمنهج يعز على المرء اتباعه، فلم يكن مجلسه، مجلس علم وأدب، بل كان أيضا مجلسا دافئا، عائليا، بنكتة صاحبه وابتسامته التي تلقي رهبة وتقديرا على محاوريه ومُجالسيه…
    • النضال النقابي…الوجه الآخر للوفاء للمهنة
      في بدايات ممارستي المهنة، وأنا أهم بالالتحاق بقاعة محكمة الإستئناف التي كانت وقتها في حي الألفة، في ملف للمساعدة القضائية، استوقفني السيد النقيب، ومعه بعض الزملاء المحامين، فلما قدمت لهم شخصي، استغرب أحدهم، وأظنه الأستاذ فضة، من كوني زميلا له مسجل بهيئة المحامين بالدار البيضاء، فما كان من النقيب إلا أن أجابه “إن كنت لا تعرفه فسألني عنه،
      وتعود بي الذاكرة، وأستعيد لحظاتها، وأتوقف عند منتصف العام 2006، حين دخل الفقيد النقيب حملة انتخابية، “حامية الوطيس” بلغة الانتخابات ووصفها، كان ذلك، حوالي السنة والنصف قبل موعد الترشح لمنصب النقيب، وهي اللحظات التي تابعتها عن قرب وكثب، وبالرغم من أن الحظ عاكسه لحظتها، إلا أن ذلك لم يثبط عزمه، ولم ينل من همته، ولم يفقده الأمل، فعاود الكرة مرة أخرى، وخاض غمار التنافس بمناسبة الولاية التي تلتها، مطلقا حملة بنفس جديد وبمنهجية مبدعة، معززة بدروس الماضي. وهو ما مكنه من تحقيق نصر كبير، يزداد قدره وشرفه، إذا استحضرنا قدر منافسه، الذي لم يكن سوى النقيب الأستاذ درميش، الذي شهد للفقيد، لحظة وداعه الأخير، بحميد الخصال والتمكّن المهني والعلمي…وقد تركت لي هذه الحملة لقب “جار النقيب” الذي كان متداولا وسط الزملاء، فما إن يستعصي عليهم فهم موقف للنقيب، أو تفصيل من تفاصليه، إلا صاحوا فلنلجئ إلى “جار النقيب”…
      وتأبى الذاكرة، إلا أن تعيد السفر بي، لتحط رحالها، في عيادتي للفقيد، صيف 2009، بإحدى مستشفيات عاصمة الأنوار، في أعقاب تماثله للشفاء، إثر وعكة صحية ألمت به، وتخفيفا لي عليه، ورغبة مني في إخراجه من دائرة الداء والدواء، ذكرته، وحسبي أنني فعلت حسنا، بمجريات الليلة التاريخية التي أعلن فيها عن فوزه بالانتخابات المهنية سنة 2008، إلا أن ذلك، أطلق العنان لحماسة غير متوقعة منه، لدرجة أنه لم يكن راغبا في التوقف عن الحديث في الموضوع، رغم محاولات الزملاء العديدة، خاصة محاولات الأستاذ باحو حرصا منهم على صحته وسلامته، فقد كان محيى الفقيد شاهدا على حجم التعب والألم وأثر الداء، إلا أن حلاوة النصر وطعمه، أنسته كل ذلك. وأذكر أنه قال لي، ارتباطا بالموضوع لكن في فضاء وزمان آخر “كان حلمي في الحياة أن أكون نقيبا ولو لليلة واحدة، وبعد ذلك فمرحبا بالموت”.
      كانت رسالة الفقيد وهمه، أوسع من أن تحصر في مكتبه، وفي جلسات المحاكم، فلقد كان مسكونا بمحاماة أصلية، طاهرة، نبيلة، شريكة في مشروع بناء دولة القانون والعدالة. فبعدما استرجع عافيته، بحفظ رباني، وبرعاية ملكية سامية، انطلق الفقيد بسرعة نحو استكمال حلمه الكبير، ألا وهو خدمة الوطن وقضاياه، من بوابة الحقوق والدفاع، فاقتحم الفقيد واجهة النضال في واجهات عدة، أذكر منها: اتحاد المحامين العرب، والاتحاد الدولي للمحامين، مسخرا مهنة المحاماة سبيلا ليس للترافع فقط عن حقوق المتقاضين في المحاكمة العادلة أو في إرجاع الحقوق إلى أهلها فقط، وإنما للترافع من أجل حقوق وطنه، وعدالة قضيته الوطنية، ونصرة لوحدته الترابية…والشيء بالشيء يذكر، فقد كانت الندوة التي نظمها السيد النقيب بتعاون مع الاتحاد الدولي، في موضوع “المسؤولية المهنية” شهر ماي 2011 البوابة التي فتحت لي عضوية الاتحاد، وشاركت في نفس السنة بمؤتمر ميامي بالولاة المتحدة الامريكية، تلك العضوية التي لا زالت سارية إلى يومنا هذا…
    • الوطنية الصادقة…حب الوطن من الإيمان
      شاءت المحاماة أن تكون قرين القضايا العادلة، نصيرة لها، وهذا شأن المحاماة أيضا ببلادنا ورموزها. ولم يحد النقيب الفقيد عن هذا المنهاج أبدا. فصدفة، وهي خير من ألف ميعاد كما يقال، جمعتني به رحلة بالطائرة، إلى قاهرة المعز بأرض الكنانة في العام 2015، وفي الساعات الخمس، زمن الرحلة ومدتها، لم ينقطع فيها حديث الرجل، ولو لدقيقة واحدة، عن الأفق الاستراتيجي الذي ينبغي على مهنة المحاماة أن تتطلع به، عبر الترافع في المحافل الدولية لفائدة عدالة قضيتنا الوطنية…قضية جميع المغاربة…
      فالفقيد لم يكن يحس بوجود حدود بين المهنة والنضال، فالمحاماة ورسالتها، ووطنيته وغيرته على مصالح بلاده، ستخلق اتصالا وامتدادا بين النضال المهني والنضال من أجل مغربية الصحراء في هذه المحافل، لا سيما بعد وصوله إلى رئاسة اتحاد المحامين العرب، الذي ساهم في تعضيد الحضور الوازن لبلادنا في هذه الهيئة، ورفع منسوب الاهتمام، ودرجة وعي رجال القانون في العالم بعدالة قضيتنا الوطنية، وهو ما جعل مغربية الصحراء لازمة لكل مواقف الاتحاد، لا يفوت كل سانحة لتجديد التأكيد عليها، هذا إلى جانب دعم مقترح الحكم الذاتي، باعتباره مقترحا جديا وذي مصداقية، يقدم كل المقومات للوصول إلى حسل سياسي متفاوض بشأنه تقبل به جميع الأطراف في نزاع مفتعل يؤدي مشروع المغرب الكبير كلفته الغالية.
      ولم يقف الأمر عند الحد المذكور، بل إن طموح الفقيد النقيب أوصله إلى مستوى تجذير الدفاع عن القضية الوطنية للمغرب والمغاربة داخل أجندة وجداول أعمال الاتحاد الدولي للمحامين، وهو الهيئة المعروفة بصرامة تفاعلها مع المعطيات المهنية للمنتسبين إلى مهنة المحاماة، وسعيها الدائم إلى الابتعاد قدر الإمكان عن أي نقاش سياسي، غير أن ذلك لم يثن النقيب عن التشبيك بين الموقف الذي صاغه اتحاد المحامين العرب وبين الاتحاد الدولي للمحامين، خصوصا وأن للمنظمة الإقليمية حضور وازن ولافت داخل الاتحاد الدولي… هذا كان هاجس الراحل الذي باح به لي، في لقائنا بالمؤتمر السابع والستين للاتحاد الدولي المنعقد في البرتغال بالمدينة التي لا تقهر ( بورتو)…والحمد لله أن الفقيد عاش ليحقق حلمه وحلم زملائه، وحلم كل مواطن مغربي معتز بوطنيته.
      ولم تكن اليد البيضاء للرجل، على وطنه فقط، بل إن كرمها وعطائها امتد ليشمل دولا عربية؛ ساهم مساهمة حاسمة في اكتسابها للعضوية بالاتحاد الدولي للمحامين، أذكر منها على سبيل المثال: الكويت والبحرين. وكانت قراءة النقيب لهذا الموضوع موفقة، تنم عن حس كبير وعن عميق رؤيا، إذ كان يعتبر الموضوع، من قبيل إصابة عصفورين بحجر واحد؛ فعبر تقوية التمثيل العربي الشقيق الصديق في مثل هذه المحافل، يتقوى الحضور الداعم لمغربية الصحراء، وبقدر ما نبارد لخدمة الأشقاء، فإنهم سيصطفون معنا، في قلب رجل واحد، للدفاع عن مصالح بلادنا ضد مكر وكيد الحاقدين.
      والشيء بالشيء يذكر، فأتذكر، أني التقيت بالفقيد، والتعب باد على وجهه، بمدينة أكادير، على هامش احتضانها للدورة الأولى لأشغال مكتب اتحاد المحامين العرب سنة 2015. متوقفا توقف المسافر، المتوجه بعد ذلك إلى عيون الساقية الحمراء، فطلبت منه أن يكترث لصحته وأحوالها، وأن لا يجهد نفسه كثيرا، فكان جوابه “إن النضال من أجل الصحراء يستحق مني حياتي، فقد علمنا أسيادنا أن الجهاد الأصغر يفضي إلي الجهاد الأكبر، وهذا المبدأ آمنت به منذ أن دخلت ميدان المحاماة، ولذلك سميت إحدى بناتي جهاد”.
      لم تكن رئاسة النقيب للاتحاد فسحة، ولا قوسا انتهى بانتهاء مدة الانتداب، فشخص الفقيد ومواقفه وحزمه، لا زالت آثارها شاهدة عميقة في اتحاد المحامين العرب، الذي يعود تأسيسه إلى العام 1944، ولم يتولّ مهام أمانته العامة من المغاربة، قبل النقيب، سوى الأستاذ إبراهيم السملالي في الفترة ما بين العام 2003 والعام 2011. ومنذ انضمامي للاتحاد في العام 2004 أدركت أن منصة، وبوابة فسيحة قد فتحها المغاربة، فقد كان كل الزملاء الأساتذة حينما يعرفون جنسيتي يقولون “آه انت من بلد الرئيس”…وهو الشرف الذي لم يكن بالإمكان أن نناله وسط جمهور المحامين العرب، إلا بقدوة وعطاء الراحل…
      تشاء الصدف، ولنقل غرابتها…أن نفقد الجهبذين معا…ولم يفصل بين ميقات رحيلهما سوى أسبوع، لكن عبرهما ومن خلال أثرهما، نحتفظ للرجلين، بكل جميل عن مهنة مطالبة بعطاء أكبر، لتدعيم ما تركه السلف من مكتسبات، فمسير بناء دولة الحقوق، دولة القضاء المستقل، دولة احترام حقوق المتقاضين، دولة الدفاع عن الحقوق وكرامة المواطنين…لا زال طويلا…لكن روح الفقيد، وغيره من رجالات الدولة الأفذاذ ستظل حارسة لمسيرنا، مقومة لاعوجاجه، ناصحة لنا، دافعا له لبلوغ مداه…رحمك الله النقيب بوعشرين، وجعل مثواك الجنة وجعلك روحك خالدة، خلود رسالة الدفاع وشرفها…
    • الوفاء لروح الفقيد…العسل في الختام
      كلفني الفقيد، قبيل وفاته، بمهمة شراء عسل من سوس العالمة، وقبل أن أحضر له الكمية المطلوبة، ذكرني بعينة أهديتها له من قبل، فراقه مذاقه، وعجب للذته وصفائه، فطلب مني إحضار كمية مهمة، شريطة حصولي على المقابل مسبقا، فرفضت ذلك، وتمسكت بتقديم المطلوب هدية مني للسيد النقيب الذي أعزه كثيرا، فلما أحسست بإصراره وتمسكه برفض الأمر، قبلت بالأمر وبشرطه…وشاءت الأقدار أن تسبق يد المنون إلى روح الفقيد، قبل توصله بالمطلوب…ووفاء مني لروحه، ولالتزامي معه، قدمت الأمانة إلى عائلته وشرحت لها الموضوع، ومكنتها منها، وما بقي من المال الذي أخذته منه… فاجابني الاخ سعيد حارس العمارة ” منذ وفاة الاستاذ لم نر من قال ان النقيب مدين لي الا انت فأجبته “إن علاقتي مع الراحل كانت عسلا، وهذا العسل آخر حلقات تلك العلاقة”…رحمك الله السيد النقيب…

    *محام بهيئة البيضاء ودكتور في الحقوق

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الأول من نوعه قاريا..شركة للأمن السيبراني تفتح مركزا للعمليات في المغرب

    أعلنت الثلاثاء، شركة فرنسية متخصصة في الصناعات الدفاعية والتكنولوجية (الأمن السيبراني)، عن فتح مركز عمليات “ضخم” في المغرب، هو الأول من نوعه في القارة الإفريقية.

    وقالت في بيان لها: “تم اختيار المغرب ليكون مقرا لبناء سادس مركز عملياتي للأمن السيبراني بالمغرب، والأول من نوعه في القارة الإفريقية”.

    وأضافت: “مركز عمليات الأمن السيبراني الجديد في المغرب، سيمكن من توفير حماية في الوقت الفعلي ضد الهجمات الإلكترونية في البلاد وعبر القارة الإفريقية برمتها”.

    ولفتت المجموعة الأوروبية، إلى أن التحول الرقمي المتسارع للمجتمعات الأفريقية، والذي يظهر بشكل جلي مع تنامي الاستخدام المكثف للأنترنت عبر الهاتف المحمول في جميع أنحاء القارة، وارتفاع الطلب على الإنترنت خلال فترة الجائحة؛ وما رافقه من نمو وتيرة العمل عن بعد، كان له تأثير كبير على تعرض إفريقيا للهجمات الإلكترونية.

    وترى المجموعة أن تجمع مراكز العمليات (SOC) في مركز موحد مخصص للقارة الإفريقية، سيسمح بالكشف عن التهديدات وتحليلها على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، ويمكنه أن يقدم الاستجابات بما يتوافق مع السياسات والبنية التحتية للأمن السيبراني في كل دولة على حدة.

    وتتوفر الشركة الفرنسية المتخصصة في الأمن السيبراني، على ستة مراكز عمليات، في كندا وفرنسا وهونغ كونغ وهولندا والمملكة المتحدة والمغرب”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • النظام الجزائري الكذاب

    نورالدين زاوش

    لم يعد يثق بالنظام الجزائري وإعلامه الفتان أحد؛ سواء كانوا أشخاصا أو دُولا أو منظمات أو مؤسسات، فهذا النظام يكذب مثلما يتنفس؛ إلا أن الكذب ليس أكبر موبقاته وأعظم جرائمه وهو النظام الذي قتَّل مئات الآلاف من مواطنيه العُزّل بدم بارد كما يُقتل البعوض؛ كي لا تتزحزح مؤخرته النتنة عن كرسي السلطة البشع، فلا عجب إذن أن تزور القناة الجزائرية الدولية ترجمة كلام وزير الخارجية الأمريكي “توني بلينكن” في المؤتمر الصحفي الذي أقيم بمقر سفارة بلاده بالجزائر في الزيارة الأخيرة.

    لقد تجاهلت القناة الجزائرية عمدا في ترجمتها حديث “بلينكن” حول حقوق الإنسان بالجزائر، كما أنها شوَّهت مضامين كلامه عن حرب روسيا حتى تتماشى مع موقف النظام الشاذ من هذه الحرب، والأفظع من ذلك كله، أنه في سياق حديث وزير الخارجية عن عدم تراجع الإدارة الأمريكية برئاسة بايدن عن موقف ترامب الأخير، حرفت القناة المشؤومة حديثه حيث جعلته يُفضي إلى كون أمريكا لم تغير موقفها القديم بمعنى أنها لا تعترف بمغربية الصحراء.

    ولأن حبل الكذب القصير، والكذاب تفضحه الأيام، نشرت وزارة الخارجية الأمريكية نص الحوار الذي دار بين كل من وزير الخارجية الأمريكي “انتوني بلينكن”، ورئيس دولة الجزائر عبد المجيد تبون، يوم الأربعاء 30 مارس، ومن غريب ما جاء فيه بأن الجزائر، على لسان “تبون” قادرة على تصدير 21 مليون طن من القمح إلى المغرب وتونس ومصر، ناسية أو متناسية أن المغرب “خط أحمر” مثلما كانت تشيع دوما، دون كلل أو ملل، على قنواتها المغرقة في اللؤم والشؤم.

    يبدو أن خطابات الكراهية اتجاه الشعب المغربي العظيم ودولته العريقة ليس إلا خطابات رخيصة من أجل الاستهلاك الداخلي؛ ومن أجل الترويج لبطولات وهمية وزعامات سخيفة لنظام متهالك أمام شعبه المغلوب على أمره؛ أما الحقيقة الساطعة التي لا ينكرها أحد أن هذا النظام لا يستطيع، كما لا يجرؤ، أن يتجاوز بلدا صار الكثير من قياديي الدول يصنفه في خانة الدول العظمى؛ لهذا ترا النظام الجزائري الأرعن في غرف السياسة المغلقة وخلف الأبواب الموصدة أكثر “حكمة” و”عقلانية”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • محلل سياسي: إسبانيا تريد شطر المغرب إلى نصفين وسانشيز باع للإعلام أكذوبة لقائه ببوريطة

    اعتبر المحلل السياسي، نبيل دريوش، أن إسبانيا لا تتطلّع إلى إنهاء الأزمة السياسية والدبلوماسية مع المغرب، كما تدّعي، وذلك في ظل تحركات حكومة بيدرو سانشيز التي تُظهر جليا، أنها ضد مقاربة اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بمغربية الصحراء، والدفع بالملف نحو الحسم، واصفا إياها بـ »الحكومة الكاذِبة ».

    وأوضح دريوش في تصريح لموقع « تيلكيل عربي » أنّ « الإعلام الإسباني الرسمي روّج الأسبوع المنصرم، للقاء رسمي مزعوم بين رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، ووزير الخارجية، ناصر بوريطة، على هامش قمة بروكسل، هو الأول من نوعه بين مسؤولين مغاربة ونظرائهم الإسبان، منذ اندلاع الأزمة الدبلوماسية بين البلدين، في أبريل الماضي، بسبب هبوط زعيم الكيان الانفصالي، في مطار إسبانيا، بجواز سفر دبلوماسي جزائري، تحت اسم مستعار؛ هو محمد بن بطوش، وليس كإبراهيم غالي ».

    وتابع: « كيف يعقل أن يتم عقد لقاء لم يكن مبرمجا من الأساس؟ الأمر لم يتجاوز المصافحة بمبادرة من سانشيز، ليتم بيعها للصحافة الإسبانية على أساس أنها لقاء بين الطرفين، وإلا فلماذا لم تشر إليه صحيفة « إل باييس » الموالية للحكومة، أو وكالة الأنباء الإسبانية في إحدى قصاصاتها، كمراسلة من القمة؛ بحيث لم تُنشر سوى قصاصة غامضة لـ »أوروبا بريس »، لم تتضمن أية تفاصيل؟! أليس غريبا أن يتفاعل الإعلام الإسباني مع حدث لطالما انتظرته إسبانيا وروج هو له، بهذا الشكل الباهت، بدل التطبيل له، كعادته؟ »

    ولفت المحلل السياسي، في تصريحه لـ »تيلكيل عربي »، إلى أن « مصافحة سانشيز لبوريطة تحيل على واقعة سابقة مهينة لإسبانيا، هي مبادرته لمصافحة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، خلال قمة التحالف الأطلسي، يوم 14 يونيو 2021، في العاصمة البلجيكية بروكسل، وهو ما قابله هذا الأخير بعدم إبداء أي تفاعل؛ إذ بالكاد نظر اتجاه الطرف الإسباني، لما يقارب 29 ثانية، ما جاء معاكسا تماما، للهالة الإعلامية التي سبقته بإسبانيا، حول لقاء مطول منتظر سيقنع فيه سانشيز « ذو النفوذ والسلطة » رئيس أمريكا بالتخلي عن موقف بلاده من مغربية الصحراء ».

    وأضاف: « ولأن ما حدث أحرج حكومة سانشيز، خرجت الوزيرة السابقة للخارجية الإسبانية، أرانشا غونزاليس لايا، بتصريح تقول فيه إن تلك المصافحة أعقبت لقاء جمع الطرفين، دام لعشر دقائق، وهذا كذب، لأن بايدن ألغى اللقاء الذي كان مبرمجا بينه وبين سانشيز، نظرا لعدم أهميته. حكومة سانشيز لا تفعل شيئا سوى إنتاج الكذب؛ إذ لا يمكن تصور حجم الأكاذيب التي أنتجتها في الشهور الأخيرة، خلال أزمتها الدبلوماسية والسياسية مع المغرب ».

    وأشار درويش إلى أن « قصاصة « أوروبا بريس » ذكرت أن سانشيز وبعد لقائه ببوريطة، التقى بزعيم جبهة البوليساريو الوهمية، إبراهيم غالي، الذي يشارك أيضا في قمة بروكسل »، واصفا هذا الحادث بـ »غير المسبوق ».

    وأوضح دريوش: « والحال أنه لم يسبق أن شهد تاريخ إسبانيا لقاء رئيس حكومة إسباني، سواء بعبد العزيز، أو بخلفه غالي، بل إن خوسيه لويس ثباتيرو، وحينما فُرض عليه الأمر، استقبل محمد عبد العزيز، بمقر الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، وككاتب عام له، وليس كرئيس حكومة آنذاك ».

    وتابع: « ما حدث ليس فقط إشارة سلبية للمغرب، بل وغير مسبوقة، وذلك بالموازاة مع الحوار الذي أجرته صحيفة « إل باييس » مع غالي، وتركته يقصف المملكة المغربية كما يشاء. كل ذلك تحت عنوان لم يكن بريئا البتة، استمرارا لمحاولاتهم المستميتة لتبرير استقبال غالي، الذي لا يعتبرونه خطأ يجب الاعتذار عنه للمغرب. وكل هذا يأتي مكملا لتوشيح وزيرة الخارجية السابقة بأرفع وسام في الدولة الإسبانية، في خطوة قام بها الملك فيليبي السادس تحت إجبار سانشيز ».

    وأضاف المحلل السياسي: « استضافة « إل باييس » لغالي كانت حوارا على المقاس، يكفي أن نعرف أن من يتحكم فيها هو الفريق الضيق لسانشيز. ففي يوليوز الماضي، عينوا بيبا بوينو على رأسها، رغم عدم امتلاكها لأي مسار مهني في الصحافة المكتوبة؛ حيث كانت صحفية إذاعية، وصديقة حميمة للوزيرة السابقة لايا، بدليل العدد الكبير للحوارات التي أجرت معها، « على المقاس » أيضا، خلال أزمة استقبال إسبانيا لغالي، وإلى حين إقالتها من منصبها، والتي أسدت من خلالها خدمات جليلة للاستراتيجية التواصلية التي وضعتها حكومة سانشيز، في إخلاص تام لفريقه، ما جعلها تستحوذ على مكان المدير السابق لـ »إل باييس »، خافيير مورينو، الذي لم تطل مدة رئاسته لهذا المنبر الإعلامي لأكثر من سنة، والذي للعلم، كان مقربا نوعا ما، من المغرب. كما أن الصحفي الذي أجرى الحوار مع غالي لديه ارتباطات وثيقة بفريق سانشيز؛ إذ نستطيع القول إنه موظفهم داخل الصحيفة ».

    وأكد درويش أن « الحوار مع غالي كان لأهداف سياسية، وليست إعلامية. لقد أجري لتبعث من خلال حكومة سانشيز رسائل للمغرب، وأهم رسالة، هي أن إسبانيا لن تقوم بأي مبادرة من أجل حسم نزاع الصحراء المغربية ».

    وأوضح: « من يقرأ الحوار، سيجد أنه لم يتم التطرق لقضية الهوية المزورة التي دخل بها غالي لإسبانيا. إنه لأمر بديهي أن لا يتضمن الحوار أي أسئلة مقلقة ومحرجة للضيف. ببساطة، لقد كان حوار مجاملة ».

    وتابع: « هذا بالإضافة إلى عدم التطرق لمحاكمة غالي، الذي صرح بأنه حضرها فقط، لاعتقاده بأنها مفبركة، وبأنها أقيمت لإرضاء المغرب. يكفي فقط أن نتذكر كم كانت محاكمة صورية، وإلا فما معنى أن يتم في آخر المطاف، إطلاق سراح شخص متابع بتهم ثقيلة، والسماح له بمغادرة التراب الإسباني، دون أي متابعة قضائية؟ طي الملف بهذه الطريقة الفجة، بالإضافة إلى ما قاله هو بهذا الخصوص، يعد ضربًا في استقلال القضاء الإسباني، وليس في جهة أخرى ».

    وأضاف: « كل هذه إشارات كاملة إلى أن حكومة سانشيز لا تريد الاعتراف بارتكابها للخطأ، في الوقت الذي تدعي فيه السعي نحو المصالحة مع المغرب. فأفعالها الهجومية والمناوئة لمصالح المغرب في قضية صحرائه تقول العكس. ما يحدث هو أن ضغوطا رهيبة تمارس عليها من طرف جهات داخل إسبانيا، على رأسها اليمين الإسباني؛ حيث يرون أن رعونتها وسوء تدبيرها للعلاقات بين البلدين، هو ما أدى إلى هذه الأزمة الدبلوماسية والسياسية معه، ما يوجب عليها حلّها بسرعة. لذلك، فهي تحاول في كل مرة، بيع حدث قليل الشأن على أساس أنه حدث مهم للغاية، نظرا لحجم الاستثمارات الإسبانية بالمملكة المغربية، التي ترى في إسبانيا « الشريك التجاري رقم 1″، بمعنى أن حجم الأضرار الاقتصادية التي تسببت فيها الأزمة المحدثة من طرف سانشيز يوازي أهمية هذا اللقب ».

    واستدرك المحلل السياسي: « لكن ما يحدث، هو أن حكومة سانشيز تريد حل أزمتها مع المغرب بشكل مجاني؛ بمعنى، إرجاع العلاقات بالشكل الذي يخدم مصالحها الاقتصادية فقط، دون أي دعم سياسي له بالمقابل ».

    وحول ما إذا كان لما يحدث سياسيا أي تأثير على اتفاق توريد إسبانيا للغاز الطبيعي المسال إلى المغرب، باستخدام التدفق العكسي لخط أنابيب تم استخدامه في السابق لضخ الإمدادات الجزائرية إلى إسبانيا، رد نبيل دريوش: « لا أظن، مادام كان هناك اتفاق مسبق حول الأمر. لإسبانيا أيضا مصالح اقتصادية مع المملكة المغربية، والتي مازالت سارية إلى حدود الساعة. فإن قامت بخطوة عدائية في هذا الاتجاه، فأعتقد أن المغرب سيشهر العديد من الأوراق الاقتصادية في وجهها للضغط عليها هو الآخر، وهذا ما يعيه الإسبان جيدا ».

    وتابع: « إسداؤهم لهذه الخدمة الاقتصادية لنا، يأتي مقابل خدمات اقتصادية أخرى نسديها لهم. لكن حكومة سانشيز باعت مرة أخرى هذه الخدمة على أساس أنها خطوة نحو المصالحة السياسية مع المغرب ».

    وشدّد على أنّ « المصالحة السياسية والدبلوماسية لديها طريق واحد معروف، هو توقيف إسبانيا لعدائها اتجاه المغرب في ما يخص قضية صحرائه، وقيامها بمبادرة تتماشى مع السياق الإقليمي الدولي الجديد، وتأكيد الإدارة الأمريكية الحالية لقرار سابقتها بخصوص مغربية الصحراء، وهو ما خيب آمال الإسبان ».

    وأضاف درويش: « المغرب حسم بشكل نهائي في هذا الملف؛ إذ أن مصالحه الحيوية تكمن في وحدته الترابية، وإنهاء نزاع صحرائه، حتى يتفرغ بشكل كامل للتنمية ».

    وختم المحلل السياسي حديثه لـ »تيلكيل عربي »: « أعتقد أن إسبانيا لا تستحق لقب « الشريك التجاري رقم 1″، ولا صفة « دولة صديقة ». فكيف يعقل أن تكون دولة صديقة وهي تريد شطر المغرب إلى نصفين؟ »

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الدولة الاجتماعية و آفاق المستقبل

    رشيد لزرق*

    الواجب الوطني والمسؤولية يحتمان أن تكون الحكومة الحالية حكومة إنجاز اقتصادي واجتماعي، مستقلة تماما وبعيدة عن منطق التجاذبات والخصومات السياسية، وتتوفر في أعضائها شروط النزاهة والنجاعة والجاهزية.
    ويبقى سؤال: هل تنجح الحكومة الحالية في الخروج من أزمة الاقتصاد الكلي مطروحا إلى حد بعيد. فتقلبات الأسعار الدولية يمكن أن تحدث أزمة اجتماعية وسوف يكون المحدد الأهم على المدى الطويل للنجاح هو مدى قدرة على إصلاح سياسي في ظل منظومة حزبية غارقة في محاباة المقربين والشعبوية المُدمرة. فهذه المشكلة وتلك تطل بوجهها القبيح الآن. إن إجراء الانتخابات في وقتها، وتنفيذها، هي علامة على التقدم الذي تحرزه البلاد. ويجب أن نحيي هذا التقدم ونشيد به، لكن مصاعب الحُكومة ليست إلا في بدايتها.
    لهذا فإن الطريق الآمن الآن هو الوصول للدولة الاجتماعية، التي تتأسس على تحقيق العدلة الاجتماعية، والسؤال الذي يفرض نفسه هو هل الحكومة الحالية قادرة على الوصول لهذه الغاية، التي تمر وجوبا من خلال حوار اجتماعي قوامه تحقيق السلم الاجتماعي يقوم من خلاله بتنزيل الأسس الاجتماعية عبر مقاربة تشاركية تتيح إشراك كل الفاعلين بهدف بناء مجتمع فاعلين ومسؤولين.
    وهذا ما يتطلب من المعارضة تشكيل قطب يساري يحمل بطبيعته الهم الاجتماعي، فتحقيق الدولة الاجتماعية مشروع طويل ومتعدد الأبعاد، يفرض بذل الجهود لتمكين الأفراد وحماية خاصة للفئات الهشة، فجائحة كورونا سلطت الضوء على ضرورة تعزيز الحماية الاجتماعية لجميع المواطنين، وهناك حزمة من الإصلاحات الاجتماعية وضعها جلالة الملك يفرض من الحكومة تنزيلها من خلال سجل المسك الاجتماعي بإطلاق رقم تعريفي واحد لجميع المواطنين سيسمح بتحسين رصد أوجه الضعف لهذا لا مناص من بذل جهود متضافرة لتعزيز الحماية الاجتماعية في ضوء التشخيص الكامل لحالات الضعف في المجال الاجتماعي ونهج سياسة عمومية لمعالجة المسائل المنهجية لعجز الضمان الاجتماعي. تستطيع الحكومة الاعتماد على قانون المسؤولية المجتمعية لمؤسسات الدولة لدفع الشركات نحو تعزيز استثماراتها في الحماية الاجتماعية باستخدام تدابير ملزمة وكذلك طوعية.
    والحكومة ملزمة بحسن تنزيل خطة إنعاش وتخطط لها في أعقاب جائحة كوفيد-19، من الأهمية بمكان أن تأتي المناقشات والتدابير الرامية إلى دعم الشركات بقيود تتسم بالشفافية وترتبط بالقضاء على مواطن الضعف ومعالجة الفساد.
    وكذلك تنمية القدرات الفردية والفرص والإمكانات المتاحة، وتوسيع دائرة الخيارات وتقوية الطاقات، على أساس من المشاركة والحرية والفاعلية، من أجل الوصول إلى تحقيق الرفاهية لأفراد المجتمع، اليوم وغدا، دون أن ترهن في ذلك قدرة الأجيال القادمة على الاستجابة لرغباتها. ولا يتأتى ذلك كله إلا بتحصين السيادة الوطنية عبر توفير الأمن الغذائي والطاقي والصحي وحكومة أخنوش يفترض لبلوغ هذه الغاية والممثلة بالأساس بتوفيق السيادة والعمل على تدعيم المخزون الوطني وفق الرأس المال المتاح، المادي واللامادي بجميع أصنافه؛ المادية (أراض وتجهيزات) والمالية (ادخار وقروض) والطبيعية (مواد طبيعية) والبشرية (تعليم وصحة) والاجتماعية (علاقات اجتماعية). وفق برنامج عمل بنيوي وطويل الأمد ومتعدد الجوانب؛ يشمل الجانب المادي (توفير المواد والسلع والخدمات) والجانب الثقافي (حماية الهويات والتعدد الثقاقي) والجانب السياسي (تقوية السلطة ببعدها المؤسساتي) والجانب الأخلاقي (المعايير والقيم)، وكل ذلك بهدف مواكبة العملية الاقتصادية، حتى لا تؤدي إلى اختلالات اجتماعية، تعوق الاستمرار في النمو وفي تحسين دولة الرفاه.

    *أستاذ جامعي للقانون العام

    إقرأ الخبر من مصدره