يحي الصغيري
أستاذ علم الاجتماع السياسي
مقدّمة
تسلّمت الحكومةُ زمامَ تدبير الشأن العام في ظرفيةٍ غير اعتيادية موسومةٍ بـأزمةٍ ثلاثية الأبعاد: طاقةٍ وغذاءٍ واقتصاد؛ فوق أرضيةٍ داخليةٍ مثقلةٍ بإرثِ “عُشريةٍ ثقيلة” في التدبير والإنجاز. في هذا السياق، تستند الحكومةُ إلى شرعيةِ المنشأ المنبثقة من صناديق الاقتراع، وتُختبَر يوميًّا بـشرعيةِ الممارسة وجودةِ القرار، وتُقاس بـشرعيةِ الإنجاز في المؤشّرات لا في الخُطب. إنّها حكومةٌ واقعية لا تدّعي الكمال: تحقّق ما تحقّق، ويتقدّم بعضُه، ويتعثّر بعضُه—بين عملٍ جارٍ وإنجازاتٍ قائمةٍ ونقائصَ لا تُنكَر.
وفي المقابل، تتواصل احتجاجاتٌ مشروعة تعبّر عن ضغوطٍ اجتماعيةٍ واقتصاديةٍ ملموسة؛ وفي القلب منها حساسية جيل Z التي رفعت شعاراتٍ واضحة: كرامة، حرية، عدالة اجتماعية. وهذا يستدعي الإنصات للشارع والإصغاء لنبضه عبر حوارٍ جادٍّ ومؤسَّس يُترجم المطالب إلى سياساتٍ قابلةٍ للقياس والمساءلة. ويزدحم المشهد بفئتَين: “الأزمويّون”—من يعيشون ويتقوّتون على الأزمات—والترنديّون—صيّادو “الترند” لا المصلحة العامة؛ وهؤلاء جميعًا تختصرُهم الاستعارة الشعبيّة الدارجة: “التماسيح”. بين واقعيةِ حكومةٍ تعمل تحت الضغط، وشرعيةِ احتجاجٍ مسؤول، وركوبٍ انتهازيٍّ موجِّه—يبقى معيارُ التقييم الرصين: الوقائعُ والمؤشّرات، لا الدعايةُ ولا التهويل.
خيار المؤسّسات أم “اللحظة الشعبوية”؟
1. رهان الديمقراطية والمؤسّسات — ثقافة الثقة
على بُعد عامٍ من الاستحقاقات، الخيار الحاسم هو بناء ثقافة سياسية للثقة: ردُّ الاعتبار للأحزاب وسيطًا دستوريًا بين الدولة والمجتمع، ترميمُ الصلة بالمواطن عبر برامج قابلةٍ للقياس والمساءلة، وتثبيتُ صناديق الاقتراع كلمةً فاصلةً عبر انتخاباتٍ ديمقراطيةٍ نزيهة تُفرز نخبًا سياسية جديدة؛ يمارس فيها المواطن التصويت العقابي عند الإخفاق، وتصويت تجديد الثقة عند تحقق الإنجاز. هذا هو منطق العقد الاجتماعي وشرعية المنشأ–الممارسة–الإنجاز: مصارحةٌ واقعية، أرقامٌ شفافة، ومحاسبةٌ على النتائج لا على الضجيج. هنا يصبح تخليق الحياة الحزبية ومقاومة هدر الزمن الحكومي والسياسي ركيزةً للإصلاح من الداخل، لأن الحقد لا يصنع السياسة ولا يبني مؤسّساتٍ تصلح نفسها وهي تعمل.
2. رهان الشارع و”اللحظة الشعبوية” — تفكّك الوساطة وتهديد الشرعية
في الضفّة الأخرى، تلوح إغراءات تحويل السياسة إلى سوق غضبٍ مفتوح: تبخيس الوساطة الحزبية، والارتهانُ للشارع بوصفه سلطةً فوق كل السلطات. يتقدّم هنا “الأزمويّون” و”الترنديّون” الذين يقتاتون على ضجيج الشارع ويراهنون على ذاكرةٍ قصيرة؛ وحين يلوِّح مسؤولٌ حزبيٌّ قاد عقدًا من القرارات غير الشعبية بعودة “الربيع العربي” كأداة ابتزاز، فهو لا يطعن خصمه فحسب، بل يطعن منطق الشرعية الذي جاء به أصلًا. إذا جعلنا الشارع معيار الحسم الدائم أفرغنا الأحزاب والمؤسّسات من معناها، وحوّلنا الديمقراطية إلى منابر هتاف. التاريخ لا يستنسخ نفسه، ولا يُستحمّ في النهر مرّتين؛ ومنطق الدولة الحديثة واضح: لا طريق إلى رئاسة الحكومة إلا عبر صناديق الاقتراع.
تنظيم العلاقة مع الحركات غير المؤطَّرة: مع التسليم بشرعية الاحتجاج، لا يمكن تأسيس أو مأسسة حوارٍ دائم مع حركاتٍ غير منظّمة بلا قنوات تمثيل واضحة (نقابات، أحزاب، ائتلافات مدنية ذات شرعية). لذا نُواصل الإنصات والتجاوب الإيجابي مع تعبيراتها، بالتوازي مع تشجيع انتقال الزخم إلى قنواتٍ تمثيلية منظّمة تجعل الحوار مضبوطًا ومحاسَبًا.
ثلاثية الأزمة والإرث: قراءة في الاقتصاد السياسي
جاء الأداء داخل شروط إدارة الندرة لا توزيع الوفرة: كلفةُ طاقةٍ متقلّبة، إمداداتٌ غذائيةٌ هشّة، ولايقينٌ اقتصاديٌّ ممتدّ. عقلُ السياسة هنا هو ترجيح الأولويات: حماية القدرة الشرائية للطبقات الهشّة، صيانة الاستقرار الماكرو–اقتصادي، وتوجيه الاستثمار نحو الإنتاج لا الريع. غير أنّ دورة الثقة لا تكتمل بلا مؤشرات أداء علنية تُعرَض دوريًا، وحوكمة شفّافة تُبرِّر القرار وتتحمّل مسؤوليته، ومساءلة لا مجاملة فيها.
شرعيةٌ مركّبة: منشأٌ وممارسةٌ وإنجاز
في علم السياسة، الشرعية منشأٌ انتخابي وممارسةٌ رشيدة وإنجازٌ قابل للقياس. على هذا الميزان يمكن قراءة حصيلةٍ مركّبة:
ما تحقّق: تقدّمٌ في ركائز الدولة الاجتماعية، توسيعُ التغطية الصحية، إطلاقٌ/استكمالٌ لمستشفياتٍ جامعيةٍ ومستشفياتِ قرب، مواكبةٌ للفلاحين، وتحييدٌ نسبيّ لارتفاعاتٍ حادّة في بعض المواد الأساسية.
وفي الفلاحة، رغم توالي سنوات الجفاف، تَقدَّم تثمينُ سلاسل القيمة ومواكبةُ الفلاحين الصغار، مع توسيع أدوات الدعم والتأمين وتعويضات آثار الجفاف، وتسريع الانتقال إلى السقي المقتصد للماء وتحديث التخزين واللوجستيك لتثبيت العرض والأسعار، وإطلاق مشاريع تحلية مياه البحر وتعزيز الربط المائي عبر “الطريق السيّار للمياه” لتأمين التزوّد وتقوية الأمن المائي الزراعي، وتنمية العالم القروي عبر فكّ العزلة وتحسين الخدمات الأساسية، مع مواكبةٍ عاجلةٍ لإعمار مناطق زلزال الحوز ودعم المتضرّرين لضمان استمرارية الدخل والنشاط الفلاحي.
ما يتقدّم: رقمنةُ الخدمات، دمجُ قواعد البيانات الاجتماعية، تحسينُ استهداف الدعم، وتقويةُ مصدّات الصدمات.
ما تعثّر: فجواتٌ ملموسة في جودة الخدمة وتوزيعها المجالي، بطءُ بعض المساطر، وحالاتُ إخفاق تستوجب تحقيقًا ومحاسبة—وما وقع في أكادير يجب أن يكون حدًّا فاصلًا في ثقافة عدم الإفلات من المسؤولية داخل المرفق العمومي.
جيل Z : من الشعار إلى السياسة العامّة
جيل Z ليس ضجيجًا عابرًا بل حساسية اجتماعية رقمية تبلورت شعاراتها حول كرامة، حرية، عدالة اجتماعية، مع مطالب ملموسة في الصحة والتعليم وفرص الشغل. هنا تستقيم المعادلة: الإنصات واجب، والترجمة المؤسّسية ضرورة:
– ترجمة المطالب إلى برامج بآجال وميزانيات ومؤشرات أثر.
– قنوات مشاركة مُمأسسة (مجالس شبابية محلية، ميزانيات تشاركية، منصّات تتبّع علنية للالتزامات).
– توازنٌ بين الضغط والتمثيل: يُحافَظ على شرعية الاحتجاج كرافعة تصحيح، ويُسدَّد المسار عبر مؤسّسات قادرة على التنفيذ والمساءلة.
دروس من ساحات الاحتجاج والنضال: Nuit Debout، وIndignados
كما تُؤكّد شانتال موف، لا يكفي أن تنهض انتفاضات الساحات كي تُغيّر قواعد اللعبة؛ فـالديمقراطية الصراعية (Agonistic) تفترض تحويل الطاقة الاحتجاجية إلى تنازع مُؤسّس داخل الحقل التمثيلي، لا إلى قطيعةٍ دائمة معه. إنّ “اللحظة الشعبوية”—مهما كانت شرعيتها الأخلاقية—تبقى عاجزةً بنيويًا ما لم تُنتج سلسلة مطالب متكافئة تُلملِم الغضب الاجتماعي في مشروعٍ سياسيّ قابلٍ للانتخاب والحُكم. ومن ثمّ فالشعار وحده لا يخلق هيمنة ديمقراطية جديدة ما لم يتجسّد في حزب/تحالف/برنامج قادر على الفوز والحكم.
وتلخّص شعارات 15-M Indignados — “لا يمثّلوننا” إلى “ديمقراطية حقيقية الآن”—إحساسا جمعيًّا بأنّ حقّ التصويت موجود فيما الصوت السياسي مفقود التمثيل. المغزى التحليلي هنا ليس استبدال المؤسّسات بالشارع، بل إصلاح وساطة الأحزاب والنقابات كي تلتقط المطالب الاجتماعية وتعيد صوغها في سياساتٍ قابلةٍ للقياس والمساءلة. هكذا نحفظ شرعية الاحتجاج ونضمن مأسسة التغيير.
تفكيك ماكينة التأجيج: “الأزمويّون” و””الترنديّون
وفق الفلسفة السياسية (أرندت/موف)، يقوم المجال العمومي على حقيقةٍ متنازَعٍ عليها لا على كذبٍ تعبوي. هنا يظهر “الأزمويّون” الذين يُطيلون عمر الأزمة ليربحوا منها، و”الترنديّون” الذين يبنون رأس مالهم الرمزي على “ترندات” آنية. كلاهما يبيع انفعالًا قصير الأجل ويشتري تبخيس السياسة: استنزاف الثقة، إضعاف الوساطة، وتعطيل الإصلاح المؤسّسي. إنّ الحقد لا يصنع السياسة؛ إنّه يهدمها ويُجهض إمكان الاتفاق العقلاني على قواعد اللعبة.
قواعد اللعبة: صندوق الاقتراع ولا شيء غيره
الديمقراطية ليست هتافا بلا مؤسّسات ولا صمتا بلا محاسبة؛ إنّها آليةٌ تُمكّن المواطن من التصويت العقابي عندما تُخطئ الحكومات، وتصويت تجديد الثقة عندما تُصيب—بشرط انتخابات نزيهة تُفرز نخبًا جديدة بقدر ما تُحاسب القديمة. أيُّ رهانٍ على الشارع كبديلٍ دائم يقتل السياسة ويعطّل المؤسّسات؛ أمّا الرهان على المؤسّسات فيؤطّر الشارع ويحفظ شرعية الاحتجاج ضمن قواعدٍ متوافقٍ عليها.
خاتمة: أيُّ ديمقراطيةٍ نريد؟
لسنا بين تبشيرٍ فارغ وعدميةٍ سوداء؛ نحن بين ثقافةِ ثقةٍ مؤسَّسة وثقافةِ تهييجٍ عابرة. الأولى تجعل الصندوقَ هو الحكم، وتُعيد للأحزاب معناها، وللمؤسّسات هيبتها، وللاحتجاج قنواتِه المشروعة. الثانية تُغذّي “الأزمويّين” و”الترنديّين” وتُرجع السياسة إلى ضجيجٍ بلا بناء. التاريخ لا يعيد نفسه، ولا يُستحمّ في النهر مرّتين؛ وما يصنع الغد ليس التهديد ولا الحقد، بل البرامج والوقائع وصندوق الاقتراع.