عبد الرحيم جديان
يشكل تعيين ولي العهد الأمير مولاي الحسن منسقًا لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية حدثًا مؤسساتيًا ذا دلالة سياسية ودستورية ورمزية عميقة، لأنه لا يندرج في خانة التكليف الإداري العادي، ولا يمكن اختزاله في بعد بروتوكولي محدود، بل ينبغي قراءته ضمن منطق الدولة المغربية في إعداد القيادة الاستراتيجية والسيادية، وترسيخ استمرارية المؤسسة الملكية، وربط ولاية العهد تدريجيًا بمؤسسات السيادة، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية.
فالبلاغ الصادر عن الديوان الملكي لم يعلن فقط عن هذا التعيين، بل حرص على تأطيره داخل ذاكرة مؤسساتية دقيقة، حين ذكّر بأن الملك محمد السادس، عندما كان وليًا للعهد، تولى تنسيق مكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية منذ سنة 1985، بتعيين من والده الملك الراحل الحسن الثاني.
وهذا الاستحضار ليس تفصيلًا ثانويًا في صياغة البلاغ، بل هو عنصر تواصلي وسياسي أساسي، لأنه يربط بين تجربتين داخل المسار نفسه، من جهة تجربة ولي العهد آنذاك سيدي محمد، وتجربة ولي العهد اليوم الأمير مولاي الحسن.
ومن هذه الزاوية، فإن أهمية القرار لا تكمن فقط في مضمونه المباشر، بل في دلالته العامة داخل النظام السياسي المغربي؛ ذلك أن المؤسسة الملكية، بحكم موقعها الدستوري والتاريخي والرمزي، لا تنظر إلى الاستمرارية باعتبارها مجرد انتقال آلي للسلطة، بل باعتبارها مسارًا طويلًا من التنشئة، والتكوين، والتمرس، والاحتكاك بمؤسسات الدولة، وفهم قواعد الاشتغال السيادي في مجالات الدفاع، والأمن، والبروتوكول، والتمثيل، وإدارة الرموز الوطنية.
أولًا: مكانة ولي العهد في النظام السياسي المغربي
لا يمكن قراءة هذا التعيين خارج المكانة الخاصة التي يحتلها ولي العهد في النظام السياسي والدستوري المغربي، فولي العهد ليس مجرد صفة داخل التراتبية البروتوكولية للمؤسسة الملكية، بل هو مركز دستوري مرتبط باستمرارية العرش وضمان دوام الدولة. فقد نص الفصل 43 من دستور 2011 على أن ” عرش المغرب وحقوقه الدستورية تنتقل بالوراثة إلى الولد الذكر الأكبر سنا من ذرية جلالة الملك محمد السادس، ثم إلى ابنه الأكبر سنا وهكذا ما تعاقبوا، ما عدا إذا عين الملك قيد حياته خلفا له ولدا آخر من أبنائه غير الولد الأكبر سنا، فإن لم يكن ولد ذكر من ذرية الملك، فالمُلك ينتقل إلى أقرب أقربائه من جهة الذكور، ثم إلى ابنه طبق الترتيب والشروط السابقة الذكر.”
وهذه القاعدة تمنح ولي العهد موقعًا مؤسساتيًا سابقًا على ممارسة الحكم، لأنه يمثل، من الناحية الدستورية والسياسية، ضمانة الاستمرارية داخل نظام ملكي يستند إلى الشرعية الدستورية، والشرعية التاريخية، والبيعة، والوظيفة التحكيمية، فضلًا عن شرعية الإنجاز التي راكمتها المؤسسة الملكية في تدبير قضايا الدولة الكبرى. وبذلك، فإن الحديث عن ولي العهد لا يتعلق فقط بشخصية مستقبلية، بل بموقع داخل هندسة الدولة واستمراريتها.
وتزداد دلالة هذا الموقع حين نربطه بالطبيعة الخاصة للملكية المغربية كما يحددها الدستور، من خلال الفصل 42 الذي جاء في أن الملك هو “رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة.”
ومن ثم، فإن إعداد ولي العهد لا يتم باعتباره إعدادًا فرديًا لشخصية سياسية قادمة، بل باعتباره إعدادًا مؤسساتيًا لمن سيصبح، وفق منطق الاستمرارية الدستورية، مؤتمنًا على وظائف سيادية مركبة تشمل التحكيم، وضمان الاختيار الديمقراطي، ورعاية المصالح العليا للأمة، وحماية الوحدة الترابية، وتمثيل الدولة في بعدها التاريخي والدستوري.
وتبرز خصوصية هذا التعيين أكثر عندما نستحضر أن المجال العسكري والدفاعي يحتل مكانة مركزية في بنية الاختصاصات الملكية. فالفصل 53 من الدستور ينص صراحة على أن “الملك هو القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية. وله حق التعيين في الوظائف العسكرية، كما له أن يفوض لغيره ممارسة هذا الحق.”
لذلك فإن إدماج ولي العهد في مهمة التنسيق داخل القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية لا ينبغي فهمه كإجراء إداري معزول، بل كجزء من إدماج تدريجي في إحدى أكثر دوائر الدولة حساسية، وهي دائرة الدفاع الوطني، والانضباط المؤسساتي، وتدبير الجاهزية السيادية.
ثانيًا: التدرج في تنشئة ولي العهد على تدبير شؤون الحكم
إن إحدى أهم دلالات البلاغ الملكي تكمن في كونه يربط القرار بمنطق التدرج في إعداد ولي العهد. فالبلاغ لا يقدم التعيين باعتباره واقعة منفصلة عن التاريخ المؤسساتي للمملكة، بل يضعه ضمن مسار متصل، بدأ مع تجربة الملك محمد السادس عندما كان وليًا للعهد، ويتواصل اليوم مع ولي العهد مولاي الحسن.
وهذا الربط بين سنتي 1985 و2026 يكشف عن منطق مغربي خاص في إعداد ولاية العهد، يقوم على المرافقة، والتكوين العملي، والتمرس المبكر، والاحتكاك بمؤسسات الدولة السيادية. وقد أكدت السيرة الرسمية للملك محمد السادس أنه عين، في 11 أبريل 1985، من طرف الملك الراحل الحسن الثاني، منسقًا لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية.
غير أن هذا التدرج لا يبدأ عادة من المسؤولية العسكرية أو الإدارية المباشرة، بل يمر عبر مسارات متعددة ومتكاملة؛ من الحضور في المناسبات الوطنية، إلى مرافقة الملك في بعض الأنشطة الرسمية، ثم تمثيل المؤسسة الملكية في مناسبات معينة، فرئاسة أنشطة ذات طابع وطني أو دولي، قبل الولوج التدريجي إلى مجالات أكثر حساسية، من بينها المجال العسكري والدفاعي.
ومن هنا، فإن حضور ولي العهد مولاي الحسن في عدد من الأنشطة الرسمية خلال السنوات الأخيرة يمكن قراءته بوصفه جزءًا من هذا المسار التدريجي؛ فهو انتقال من الحضور الرمزي إلى التمرس على البروتوكول، ومن التمثيل الرسمي إلى فهم آليات التواصل المؤسساتي، ومن المشاركة في لحظات وطنية جامعة إلى الاقتراب التدريجي من دوائر القرار السيادي.
ويجد هذا المنطق امتداده في التجربة السابقة للملك محمد السادس حين كان وليًا للعهد. فقد بدأت تنشئته داخل دوائر الدولة مبكرًا، من خلال التكوين الأكاديمي، والمرافقة الرسمية، والتمثيل في بعض المهام، قبل أن يتولى سنة 1985 مهمة التنسيق داخل القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية. حيث كانت أول مهمة رسمية له خارج أرض الوطن يوم 6 أبريل 1974، حين مثل الملك الراحل الحسن الثاني في الحفل الديني الذي احتضنته كاتدرائية نوتردام بباريس تخليدًا لذكرى رحيل الرئيس الفرنسي جورج بومبيدو. وهذه الواقعة تبين أن إعداد ولي العهد في التجربة المغربية لا يقتصر على التكوين النظري، بل يتأسس كذلك على التمرين المبكر على التمثيل، واستيعاب رمزية الدولة، وفهم قواعد البروتوكول والعلاقات الدولية.
كما يمكن استحضار نموذج الملك الراحل الحسن الثاني عندما كان وليًا للعهد، حيث حضر إلى جانب والده الملك محمد الخامس بعض اللحظات السياسية الكبرى في تاريخ المغرب الحديث، ومنها مؤتمر أنفا بالدار البيضاء سنة 1943، الذي شارك فيه السلطان محمد الخامس وولي عهده الحسن الثاني، إلى جانب قادة دوليين بارزين مثل الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل.
ورغم اختلاف السياقات التاريخية بين مرحلة الحماية، ومرحلة بناء الدولة الوطنية، ومرحلة الدولة الدستورية الراهنة، فإن الثابت في التجربة المغربية هو حضور فكرة التنشئة السياسية والسيادية المبكرة لولي العهد داخل مجال الدولة لا خارجه.
ثالثًا: ولي العهد وصناعة القيادة السيادية
يمكن الوقوف عند دلالات بلاغ تعيين ولي العهد الأمير مولاي الحسن منسقًا لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية من خلال مجموعة من المؤشرات الدالة على صناعة القيادة السيادية في المشاركة في تدبير أمور الحكم.
ـ دلالة الاستمرارية المؤسساتية
تتمثل أولى دلالات هذا البلاغ في تكريس معنى الاستمرارية المؤسساتية داخل الدولة المغربية. فالبلاغ الملكي لم يكتف بالإعلان عن تعيين ولي العهد الأمير مولاي الحسن، بل حرص على ربط هذا القرار بسابقة تاريخية واضحة، حين ذكّر بأن جلالة الملك محمد السادس مارس الوظيفة نفسها عندما كان وليًا للعهد منذ سنة 1985. وهذا الربط الزمني بين سنتي 1985 و2026 يمنح القرار بعدًا يتجاوز اللحظة الإخبارية، لأنه يضعه داخل تقليد مؤسساتي مغربي يقوم على التدرج، والتكوين العملي، والاحتكاك المبكر بمراكز المسؤولية السيادية.
والاستمرارية هنا لا تعني الجمود أو تكرار النموذج نفسه بطريقة آلية، بل تعني نقل الخبرة السيادية عبر الأجيال، وإدماج ولي العهد في مسارات عملية تمكنه من فهم منطق الدولة من الداخل. فالدولة، في هذا المستوى، لا تكتفي بتثبيت الشرعية الدستورية، بل تعمل أيضًا على إنتاج الخبرة، وصناعة الثقة، وتكوين الحس المؤسساتي الضروري لتدبير المجالات السيادية.
ـ دلالة التكوين القيادي داخل المؤسسة العسكرية
تعيين ولي العهد في مهمة مرتبطة بالقيادة العامة للقوات المسلحة الملكية يكتسب بعدًا خاصًا، لأنه يضعه في تماس مباشر مع مؤسسة تمثل إحدى ركائز السيادة الوطنية، ليس فقط من حيث الدفاع عن التراب الوطني، بل أيضًا من حيث ما تختزنه من رمزية في الوعي السياسي المغربي، وما تمثله من امتداد لشعارها الخالد: الله، الوطن، الملك.
فمهمة التنسيق بين مكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية تسمح بالاطلاع على منطق اشتغال مؤسسة مركزية في بنية الدولة، وعلى طبيعة العلاقة بين التنظيم، والانضباط، والتخطيط، وتدبير الموارد، والجاهزية المؤسساتية.
ومن ثم، فإن الأمر لا يتعلق بتعيين شرفي فقط، بل بمسار تأهيلي ذي طبيعة عملية، يربط ولاية العهد بثقافة المسؤولية، والانضباط، ودقة القرار، وفهم آليات الدولة في مجال الدفاع الوطني. فالمؤسسة العسكرية ليست مجرد جهاز تقني، بل هي فضاء لإنتاج قيم مركزية في الدولة، من قبيل الانضباط، والولاء الدستوري، والالتزام، والكفاءة، وروح المسؤولية.
ـ دلالة التواصل السياسي والمؤسساتي
أما الدلالة الاخيرة فهي دلالة التواصل السياسي والمؤسساتي. فالبلاغ الملكي صيغ بلغة مكثفة، دقيقة، ومحسوبة، إذ جمع بين الخبر والتأصيل التاريخي، والإحالة على القيم، واستحضار الاستمرارية. وهذا النمط من التواصل الرسمي يشتغل على مستويين: مستوى إخباري يعلن القرار، ومستوى رمزي يؤطر فهمه داخل مسار الدولة واستمرارية مؤسساتها.
ومن زاوية التواصل السياسي، فإن قوة البلاغ تكمن في أنه لم يترك القرار معلقًا في فراغ التأويل، بل وضعه داخل سياقه التاريخي والمؤسساتي والقيمي.
وهذه الصياغة تجعل المتلقي أمام رسالة واضحة مفادها أن الأمر لا يتعلق بتعيين منفصل عن مسار الدولة، بل بحلقة من حلقات إعداد القيادة السيادية داخل نسق سياسي يعرف كيف يصنع الاستمرارية عبر التدرج، والرمزية، والمؤسسة.
وعليه، يمكن القول في الختام إن تعيين ولي العهد الأمير مولاي الحسن منسقًا لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية لا ينبغي أن يقرأ باعتباره حدثًا إداريًا منفصلًا، بل باعتباره حلقة جديدة في مسار تنشئة سيادية متدرجة، بدأت بالحضور الرمزي والتمثيل الرسمي، وتنتقل اليوم إلى مجال أكثر ارتباطًا ببنية الدولة ووظائفها الدفاعية.
فالرسالة المركزية التي يحملها البلاغ الملكي هي أن استمرارية الدولة لا تبنى فقط بالنصوص الدستورية، رغم أهميتها، بل تبنى أيضًا بصناعة الخبرة، ونقل ثقافة المسؤولية، وترسيخ العلاقة بين ولاية العهد ومؤسسات السيادة، وفي مقدمتها القوات المسلحة الملكية.
ومن هنا، فإن هذا التعيين يعكس تصورًا مغربيًا خاصًا لإعداد القيادة، يقوم على التدرج، وعلى التمرس لا الاكتفاء بالرمزية، وعلى ربط الشرعية الدستورية بالخبرة المؤسساتية، بما يجعل ولاية العهد جزءًا من هندسة الاستمرارية داخل الدولة المغربية.
إقرأ الخبر من مصدره