Étiquette : خارجية

  • ما هي المدرسة التي نريدها؟

    إن انتظارات الناس  من المدرسة كبيرة، لدرجة أنه لا يوجد مشكل أو رهان مجتمعي لا تلعب فيه المدرسة دورا ما. فحينما يتعلق الأمر بعطالة الشباب وإدماجهم المهني فإننا ننتظر بالطبع من المدرسة أن تقوم بتكوين كل شاب لمزاولة مهنة ما، غير عابئين بالصعوبات المرتبطة بالتطورات التي تشهدها مهن المستقبل. والمفارقة أننا في الآن نفسه نطلب من المدرسة ألا تؤمن للتلاميذ تكوينا مبكرا في تخصص ما بل أن ترفع من مستواهم العام وأن تطور لديهم الاستقلالية وروح الخلق والإبداع وتطوير كفاءاتهم في مجال التكنولوجيا الرقمية.

    يطلب من المدرسة أن تقوم بتكوين مهنيين وفي الآن نفسه مواطنين متنورين. وفي فرنسا على نحو خاص فإن المدرسة تعد ركيزة قوية لبناء الهوية الوطنية، إذ تتم صياغة المضامين والتعلمات لتمرير الثقافة والتاريخ وأيضا لتوعية الشاب وتحسيسه بالرهانات المجتمعية مثل التنمية المستدامة أو محاربة كل مظاهر التمييز. ولأن المدرسة تُعَدُّ أساس التماسك الوطني والعيش المشترك فمن واجبها أن تعمل على ضمان الاختلاط والانسجام في المؤسسات والأقسام، بشتى أشكاله بطبيعة الحال (النوع، المستوى الدراسي، الأصل الاجتماعي والتلاميذ المنحدرين من الهجرة، إدماج الأشخاص في وضعية إعاقة، إلخ.)

    ومن ناحية أخرى فإن المدرسة توجد في الصفوف الأولى فيما يتعلق بمحاربة الفوارق الاجتماعية وإعادة إنتاجها، إذ تعمل جاهدة على ربط نجاح أي تلميذ بمبدأ الاستحقاق الشخصي وليس بناء على معايير أخرى كالنوع أو الأصل أو المحيط الاجتماعي. والواقع أن الأمة ألقت تاريخيا على عاتق المدرسة بمسؤولية الحفاظ على العقد الاجتماعي وأوكلت إليها مهمة توزيع المواقع الاجتماعية على أساس الاستحقاق الدراسي وليس على أساس النسب والأصل. وإضافة إلى تلك المهام فإن المدرسة مطالبة بأن تخلق للتلاميذ الشروط الضرورية للتفتح وتطوير شخصيتهم بعيدا عن ضغوط النجاح والإدماج المهني. غير أنه حسب دراسة للبرنامج الدولي لتقويم تعلمات التلاميذ PISA التلاميذ الفرنسيين ليسوا مرتاحين في المدرسة مقارنة بأقرانهم في البلدان الأخرى ؛ ولاشك في أن الشقاء الذي يحس به البالغون في بلدنا يجد تفسيره بشكل كبير في طريقة اشتغال مدرستنا. أوليس خلق مناخ مدرسي هادئ وتنمية الإحساس بالانشراح والتفتح  لدى الشباب يعد أحد أولويات المدرسة؟

    اختيار الأولويات

    إننا نثقل كاهل المدرسة بكل الصعوبات التي يواجهها المجتمع: التكوين والإدماج المهني، التماسك الاجتماعي، تكوين المواطن، نقل المعارف والثقافة، التفتح والإحساس بالانشراح، تنمية الشخصية وتطويرها. وكلما ظهر مشكل جديد فإننا نحاول تكوين الأطفال منذ سن مبكرة لمواجهته وهذا الأمر يضيف مهمة جديدة إلى مهام المدرس. ويظهر المسؤولون السياسيون ميلا خاصا إلى  هذا الإجراء لأن المدرسة تعد أحد المجالات التي يمكنهم التأثير فيها، ولو نظريا، على العكس من المجالات الأخرى (الاقتصادية مثلا) التي ليست لديهم قدرة كبيرة للتأثير فيها.

    وهذا الزخم الهائل من الأهداف المرسومة للمدرسة تطرح سؤالا كبيرا: ألا ننتظر من المدرسة أكثر مما تطيقه؟ فحتى لو بدت أهداف المدرسة منسجمة وغير متناقضة فإن تراكمها يجعل من الصعب إقامة روابط فيما بينها؛ ومن البديهي أن هذا الأمر يشكل أحد أهم أسباب الصعوبات التي تواجهها المدرسة. فبسبب ضيق الوقت ومحدودية الموارد المخصصة لكل تلميذ، فإن إضافة أولويات جديدة دونما التخلص ولو جزئيا من الأولويات القديمة، يخلق حالة من التخبط والتناقض؛ وهناك أمثلة كثيرة في هذا الصدد، فالنظام التعليمي مطالب بالتركيز على الأساسيات من قبيل القراءة والكتابة والحساب، ولكن في الوقت ذاته بتعليم التلميذ منذ سن مبكرة الإنجليزية والمعلوميات والعمل الجماعي. وهكذا فالمدرسون مطالبون بتلقين معارف وتطوير كفاءات طيلة سلك يمتد لسنوات، لكن البرامج السنوية التي يلزمهم اتباعها نظريا لا تحذف.

    والمفارقة الغريبة والمضحكة أن مجتمعنا يحدد للمدرسة أهدافا عديدة وغزيرة لدرجة يتولد معها الإحساس بغياب الغايات. وحين نفحص النظام المدرسي يتولد لدينا الانطباع بأن هدفه الأول يتمثل في وضع مدرس أمام كل تلميذ، ومما لا شك فيه أن هذا الأمر يشكل تحديا تقنيا كبيرا خاصة في مناطق التربية ذات الأولوية، لكن ما يقوم به المدرس في الواقع مع تلامذته وطريقة عمله لا تشكل موضوع مواكبة حقيقية باستثناء ضرورة الالتزام بالمقررات، علما بأن كل مدرس يعرف في قرارة نفسه أنه بإمكانه نسبيا فعل ما يحلو له. فالمدرس في فرنسا يشتغل بمفرده وبمعزل عن الآخرين، ما يجعل مهنة التدريس فردية خلافا للبلدان الأخرى، كما أظهر تحقيق دولي تم على نطاق واسع. والتتبع الوحيد لاشتغال المدرس يتمثل في عمليات تفتيش متفرقة وغير كافية لمواكبة عمل المدرس على أرض الواقع؛ وغالبا ما يدفع هذا الأمرُ المدرسَ إلى تحديد أهداف عمليته التربوية انطلاقا مما يعتبره أولوية لعمله: تلقين مادته أو تطوير كفايات شاملة ممتدة أو استقلالية تلامذته أو تطوير مهاراتهم ومواهبهم. فترددنا في اختيار المدرسة التي نريدها ترك المجال مفتوحا أمام المدرس للقيام بذلك بدلا عنا. لكن هذه الحرية البيداغوجية الكبيرة التي يتمتع بها المدرس تطرح السؤال التالي: هل من المشروع ارتباط تعليم الطفل إلى هذا الحد بمدرس شاءت الصدف أن يلتقي به؟ ومن ناحية أخرى ففيما يتعلق بالنجاعة البيداغوجية فباستثناء الحالة التي يختار فيها المدرسون إرساء أسس الشراكة والعمل الجماعي، فالتلميذ يظل طيلة مساره الدراسي المتسم بغياب الانسجام متأرجحا بين هذه أو تلك الممارسة البيداغوجية؛ وأخيرا فعلى مستوى تدبير السياسة التعليمية العمومية فإنه يصير من الصعب التحكم في النظام التعليمي لأن لكل فاعل في القطاع تصور خاص لهدف عمله.

    إشكالية المساواة

    لن نتمكن من الخروج من هذا المأزق إلا إذا قبلنا تحديد أولويات واضحة وأعدنا بناء نظام تعليمي يتمحور حول هذه الأهداف. لكن أي مدرسة نريد؟ لو قمنا باستقصاء الإصلاحات الأخيرة سواء تلك التي باشرتها أحزاب اليمين أو اليسار سيتضح لنا أن قضية  محاربة الفوارق الطبقية تحظى بالإجماع وتشكل الغاية الأولى للمدرسة. وعلى الرغم من أن السعي إلى تحقيق المساواة يمثل هدفا مشروعا للمدرسة التي تعد وسيلة أساسية لمحاربة الفوارق، فإنها لا يمكن أن تشكل نقطة الانطلاق لإعادة التفكير في المدرسة على المستوى الإجرائي، ومرد هذا الأمر إلى عاملين أساسيين.

    أولا لأن الإجماع الذي تحظى به مسألة المساواة ليس إلا ظاهريا، فهي تخفي رؤى مختلفة ومتعددة لدور المدرسة، ولكل رؤية عواقب عملية مختلفة أبرزتها العلوم الاجتماعية. بشكل أكثر وضوح هناك خط فاصل بين تصورين متناقضين؛ من جهة تقوم المساواة على فكرة أن النجاح أو الفشل الدراسي لكل تلميذ ليسا نتيجة لعوامل خارجية من قبيل مؤسسته أو أسرته أو أقرانه، وإنما لقدراته الشخصية. ويرتبط مبدأ “تكافئ الفرص” بالتصور الذي يرى في المدرسة مؤسسة ذات غاية اجتماعية تتمثل في توزيع الوظائف الاجتماعية. وفي هذا الإطار لا ينبغي محاربة الفوارق المرتبطة بالنجاح الدراسي، على العكس فهذه الفوارق هي التي تحدد الفوارق المتعلقة بالوضعيات الاجتماعية عند نهاية المسار الدراسي. المهم هو التأكد (أو بالأحرى الاعتقاد) بأن كل تلميذ يتوفر على نفس الوسائل  ويتمتع بنفس الحظوظ في خضم هذه المنافسة الدراسية، لكي تكتسي تلك الفوارق المتعلقة بالنجاح المدرسي سمة المشروعية أي يتم اعتبارها عادلة ومقبولة من طرف المجتمع. وهذا التصور للمساواة هو الذي قاد مثلا إلى إنشاء داخليات التفوق من طرف الرئيس ساركوزي سنة 2008 والهدف منها خلق شروط عمل جيدة لفائدة تلاميذ ينحدرون من أوساط اجتماعية هشة. غير أنه يمكن مقاربة مبدأ “المساواة” بشكل مختلف تماما، إذ يتعلق بالتأكد من أن كل تلميذ قد اكتسب المعارف التي يلزمه اكتسابها مهما كانت الصعوبات التي يواجهها وبغض النظر عن “قدراته” الذاتية. بالنسبة للمدافعين عن مبدأ تكافئ الفرص فالفوارق المتعلقة بالنجاح المدرسي تظل مقبولة إذا نتجت عن فوارق مرتبطة بالقدرات الذاتية، وفي المقابل فبالنسبة لدعاة المساواة المتعلقة بالنتائج فإنه من الضروري تقليص الفوارق المتعلقة بالنجاح المدرسي بشكل ملموس رافضين إقامة التمييز على أساس الاستحقاق؛ ويتبنى هذا الموقف العديد من المفكرين مثل ماري ديري بيلات وفرانسوا ديبي وفيليب ميريوه.

    ولكن لسوء الحظ فبالرغم من وجاهة هذا الموقف من الناحية الأكاديمية فإنه لا يجد آذانا صاغية من لدن الجمهور العريض والفاعلين في النظام المدرسي. فكل الشعارات المرفوعة حول مبدأ المساواة والتمييزات الدقيقة التي تفرق بينها (“النجاح للجميع” أو “المساواة الحقيقية” على النقيض من “تكافئ الفرص” مثلا) لا تكفي لتبديد الغموض الذي يلف واقع بنية المدرسة التي نتصورها من خلال هذه الشعارات. وفي الواقع فهذا الإجماع الزائف أمر ضروري على المدى القصير لأنه يدفع إلى الانخراط في عملية إصلاح ما ويختزل التناقضات التي يمكن أن تعيقه.

    إن المساواة لا يمكن أن تمثل الغاية الأولى للمدرسة لسبب واحد وهو أن هذا المبدأ لا يقدم إجابات على الأسئلة المطروحة فعليا داخل النظام المدرسي: ما هي مواصفات الأساتذة والكفايات الواجب توفرهم عليها ؟ كيف يجب تكوين الأساتذة؟ كيف يجب تنظيم الزمن المدرسي؟ كيف يجب أن تشتغل المؤسسات التعليمية؟ ما هو المستوى الذي يجب أن تبلغة لامركزية الكفاءات التربوية؟ كيف يجب تنظيم المسار الدراسي للتلاميذ؟ ما طبيعة العلاقة بين المدرسة والأسرة من جهة، والمدرسة والقطاع الاقتصادي من جهة ثانية؟

    أي هدف لأي مدرسة؟

    للإجابة على هذه الأسئلة يفترض بالضرورة أن نحدد الدور الرئيسي الذي يجب أن تلعبه المدرسة في تنمية الأشخاص وتطوير المجتمع، والقبول بفكرة أن المدرسة لا يمكنها أن تضطلع بأدوار أخرى إلا بشكل ثانوي، وهذا قرار سياسي بدون شك. وقد بحثنا إطار استراتيجية فرنسا  France Stratégie على تحديد التوجهات الأساسية الممكنة ، وذلك بمعية فريق عمل يتألف من خبراء وفاعلين في الميدان. وفي قد قمنا في التقرير المعنون ب”أي هدف لأي مدرسة؟” (تقرير استراتيجية فرنسا شتنبر 2016) بتوصيف ثلاث تصورات نموذجية للمدرسة، تتمحور كل واحدة منها حول غاية محددة ومن شأنها مواجهة التحديات والرهانات المطروحة على المستوى البيداغوجي والسياسي.

    بالنسبة للرؤية الأولى فدور المدرسة يتمثل في إيصال الثقافة الجماعية، انطلاقا من مسلمة مفادها أن تكوين أفراد مواطنين مثقفين ومتنورين يقتضي اكتساب الجميع مجموعة من المعارف المحددة والموحدة يتم تحديدها مركزيا؛ وتاريخيا فهذا التصور “الجمهوري” للمدرسة حاضر بقوة في النظام الفرنسي، وهو شبيه بمدرسة الجمهورية الثالثة، على الأقل فيما يتعلق بالمدرسة الابتدائية التي تنحدر منها مدرستنا المعاصرة. وفي نظرنا فالتحديات التي واجهتها تلك المدرسة تتجلى في بعدين: كيف يمكن تحديد المعارف داخل ” الثقافة الجماعية” بشكل ناجع ومشروع؟ وكيف يمكن تلقين تلك المعارف لتلاميذ تختلف حوافزهم وإيقاعات تعلمهم؟

    أما الرؤية الثانية فتتعلق بمدرسة يتمحور دورها حول إعداد التلاميذ لخوض غمار عالم الشغل، وهذا التصور حاضر بقوة في الأنظمة المدرسية لدول مجاورة كبلجيكا وألمانيا، ويوما بعد يوم يتقوى حضوره في مجتمعنا لأنه يشكل حلا للمشاكل الحادة المرتبطة بالتنمية الاقتصادية والبطالة. ومن وجهة نظرنا فالرهانات التي يجب أن تجد لها المدرسة جوابا مختلفة عما سبق ذكره: من الضروري خلق نظام مدرسي قادر على التوفيق بين ضرورات سوق الشغل وإكراهات المدرسة، والتوفيق بين رهانات الإدماج الاقتصادي على المدى القصير وضرورة تكوين أفراد قادرين على التأقلم والتغيير على المدى البعيد، وأخيرا صياغة نموذج اشتغال يجمع بشكل وثيق بين عالم المدرسة وعالم الشغل بالمعنى العام.

    أما الرؤية الثالثة فترى أن المدرسة مسؤولة على تكوين شخصية كل تلميذ، لذلك يلزم أن تنطلق المدرسة من خصوصية كل طفل ومواكبته لتحقيق ذاته وتطوير قدراته في إطار التفاعل مع الآخرين، وتلقينه المعارف التي سيحتاجها لصياغة وتطوير مشروعه في الحياة. وتشترك هذه الرؤية في نقاط عديدة مع النظام المدرسي الفنلندي ومع تقرير “سينغلي” “بغاية تنمية كاملة الطفل والمراهق”. وتتبلور هذه الرؤية أيضا ولو بشكل جزئي في المنهجيات البيداغوجية المتسمة بالبديلة (مثل مونتيسوري وستينر وفريني). وخلافا للتصورين السابقين فالصعوبات تقترن هنا بضرورة التوفيق بين وضعية التلميذ وحاجيات الطفل، والتوفيق بين رغبة الطفل من الانعتاق من وسطه وضرورة احترام ميوله الطبيعية المرتبطة بهذا الوسط، وأخيرا التوفيق بين مسارات التلاميذ العديدة والمتنوعة والإكراهات التقنية والبشرية والمادية للنظام التربوي.

    يهدف هذا العمل إلى تسليط الضوء على النقاش الديموقراطي حول الأهداف الأولوية للمدرسة بعيدا عن مسألة المساواة، ويكتسي هذا النقاش أهمية قصوى لأن مسألة جدوى ومعنى المدرسة أصبح يطرح نفسه اليوم. لذلك فتعبئة الفاعلين في النظام المدرسي يستوجب رؤية سياسية منسجمة ذات أهداف تتسم بالوضوح والمسؤولية، رؤية تقبل بتفويض جزء من مهامها التربوية لمؤسسات أخرى غير النظام المدرسي، في إطار استراتيجية تربوية متعددة الأقطاب. إنه من الصعب تقبل فكرة أنه لا يمكن للمدرسة أن تضطلع بكل الأدوار، وخاصة بمفردها، لكن ألم يحن الوقت لبداية التفكير في هذا الأمر؟

    سون تييري لي “أي مدرسة نريد؟” مجلة العلوم الإنسانية عدد285 أكتوبر 2016

     ترجمة المصطفى لعبو أستاذ مبرز باحث في قضايا التربية والتعليم

    إقرأ الخبر من مصدره

  • فتنة الجبهة والشاعر والمحامي والرئيس السابق!

    برلمان.كوم – بقلم: سيدي الرشيد

    منذ أن خسرت جبهة البوليساريو العام الماضي رهانها على إغلاق معبر الكركرات، بدأت تخوض حرب دعاية إعلامية مكثفة، تسعى إلى جر موريتانيا نحو مستنقع صراع إقليمي لطالما كانت تقف منه موقف حياد إيجابي، تساهم في أي مسار يقود للحل، وتبتعد عن أي تأجيج للصراع، وهو الموقف الذي جدده رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، وعضَّ عليه بالنواجذ.

    لقد كانت موريتانيا منذ البداية واعية بصعوبات الوضع الإقليمي، ومخاطر اللعب بالنار ومحاولة جر المنطقة إلى صراع مسلح ليس من مصلحة أي طرف، وهي التي تقود عربة مجموعة دول الساحل الخمس، وتدرك التحدي الأمني في شبه المنطقة، وبالتالي نجد أن الدبلوماسية الموريتانية عبرت عن موقفها الرافض لأي تأجيج وشحن، منذ أن أغلقت البوليساريو معبر الكركرات.

    الحكمة التي تمتع بها الرئيس الموريتاني كانت واضحة، فرفض الانجراف وراء استفزازات البوليساريو وأنصارها، وظلت الدبلوماسية الموريتانية متمسكة بموقف الحياد الإيجابي، الذي ينطلق من مصالح موريتانيا، مع تفكير عميق في ما يجلب المنفعة ويدفع الضرر عن المواطن الموريتاني، إنها دبلوماسية المصلحة الوطنية قبل كل شيء، بعيدًا عن العواطف الإيديولوجية والنزعات القومية أو القبلية التي عفا عليها الزمن.

    هذه الدبلوماسية المتقدمة، وهذا الموقف الموريتاني الوطني، لم يعجب البوليساريو، التي تتعامل مع موريتانيا وكأنها حديقتها الخلفية، انطلاقًا من أوهام قديمة، فبدأت البوليساريو تحاول إحداث شرخ بين موريتانيا والمغرب، وكأنها بذلك لا تقبل أي موقف موريتاني قائم على المصالح الوطنية، وتريد للموريتانيين أن يعادوا من تعاديه وأن يصالحوا من تصالحه.. وصاية لا تجد ما يبررها على أرض الواقع !

    لقد آن للبوليساريو أن تفهم أن موريتانيا دولة مستقلة، سيادتها كاملة غير منقوصة، تقيم علاقات أخوية مع كل من المغرب والجزائر، وترسم ملامح دبلوماسيتها وفق ما تمليه مصلحتها الخاصة، وليس حسب أهواء أي جهة خارجية مهما كانت.

    ولكن الجبهة لم تفهم ذلك أبدًا، واستمرت في محاولتها للتأثير على الموقف الموريتاني من الصحراء، مستخدمة خلاياها النائمة من شعراء ومدونين ومتعاطفين، فظهرت كتابات تسيء إلى المغرب مكتوبة بأسماء موريتانية، تحاول أن تحدث الشرخ بين البلدين، وأن تدفع موريتانيا إلى التورط في صراع ظلت تكرر أنه لا يعنيها منه إلا ما يخدم الصلح والسلم واستقرار المنطقة.

    برزت في هذه الحرب الدعائية أسماء معروفة بسوابقها، مثل الشاعر عبد الله ولد بونا الذي حولته الصحف الموالية لجبهة البوليساريو من شاعر متوسط المستوى إلى «باحث استراتيجي»، وهو الذي لم يرتد أي جامعة، ولم يقدم أي بحث، ولا خبرة لديه تمكنه من فهم المعادلات الجيوسياسية في أي منطقة من العالم، وإنما عُرف في موريتانيا باستغلال الشعر للخوض في أعراض الناس، وابتزاز السياسيين ورجال الأعمال، مقابل مكاسب مادية آنية.

    ولد بونا الذي ينظّر للعلاقات الدولية ويحاول تفكيك تعقيداتها، سبق أن اختطفه الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبد العزيز، ووضعه في أحد معتقلاته السرية بنواكشوط، فخرج بعد أيام يمدحه بقصائد عصماء لم تكن لتنسي الموريتانيين قصائد الهجاء التي دبجها فيه وهو خارج البلاد، إلا أن شيئًا ما حدث في المعتقل حوله إلى خاتم في أصبع ولد عبد العزيز يأتمر بأمره وينتهي بنهيه.. فهل تلقى الأوامر من سيده ليدق الإسفين بين نواكشوط والرباط، خدمة لمصالح البوليساريو وسعيا نحو إشعال الفتنة في المنطقة، حين اقترب عرض ملف الفساد على القضاء الموريتاني.. سؤال يطرح نفسه، خاصة وأن محاولات الزج بموريتانيا في هذا الصراع، وإفساد علاقاتها بجيرانها، أمرٌ تكرر كثيرًا كلما حدث أي تطور في ملف فساد العشرية الأخيرة !!

    وجه آخر من وجوه الحرب التي تخوضها البوليساريو للتأثير على الموقف الموريتاني من قضية الصحراء، هو المحامي تقي الله ولد أيده، ذلك المحامي الذي يقدم نفسه على أنه موريتاني، وبرز اسمه أول مرة للرأي العام المحلي كعضو في لجنة الدفاع عن الرئيس السابق، وهو العائد قبل سنوات من كندا التي يحمل جنسيتها، بعد أن وصل إليها قبل عقود شابا نشطا في صفوف جبهة البوليساريو، وأحد مقاتليها المخلصين !

    استفاد ولد أيده من الحق في ازدواجية الجنسية خلال حكم الرئيس السابق، ليظهر معه في العديد من الصور في بيته بنواكشوط، حين كان ولد عبد العزيز يرفض المثول أمام لجنة التحقيق البرلمانية، حينها كان ولد أيده يسخر صفحته على الفيسبوك للدفاع عن ولد عبد العزيز، والهجوم على العدلة والبرلمان الموريتانيين، وظلت منشوراته اليومية تسخرُ من الدولة الموريتانية، وتدافع عن جبهة البوليساريو.

    اليوم يحاول ولد أيده أن يؤثر على الموقف الموريتاني من قضية الصحراء، وذلك من خلال النفخ في نار الخلاف الوهمي بين نواكشوط والرباط، لمصلحة جبهة البوليساريو التي يبدو أنه ما يزال وفيا لقادتها الذين أشرفوا سبعينيات القرن الماضي على تدريبه عسكريا وفكريا، وجندوه وهو لم يبلغ سن الرشد بعد، فكان أحد ضحايا تجنيدها للأطفال.

    أسماء عديدة أخرى جرى تجنيدها من أجل إيهام الرأي العام الموريتاني بأن هنالك خلافًا بين نواكشوط والرباط، بل إن صحيفة جزائرية تحمل اسم (Algerie Patriotique) كسرت كل القواعد حين نسبت إلى مسؤول موريتاني «وهمي» تصريحات خطيرة تحاول، بشكل واضح وصريح، أن تلحق الضرر بالعلاقات بين موريتانيا والمغرب.

    حين تقول هذه الصحيفة على لسان المسؤول الوهمي، إن الموريتانيين لا يرحبون بزيارة العاهل المغربي الملك محمد السادس لبلدهم، فهي تتجاهل أنه تبادل مع الرئيس الموريتاني دعوات الزيارة، وأن كلاهما وافق، وتركا تنسيق مواعيد الزيارات ليتم عبر القنوات الدبلوماسية المعهودة، وتتجاهل أن العاهل المغربي كان أول زعيم في العالم يهنئ محمد ولد الشيخ الغزواني بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية، وكان أول من هنأ الموريتانيين بمناسبة تحقيق التناوب الديمقراطي على السلطة.

    وحين تتحدث الصحيفة في موضوعها «الملفق» على الحكومة الموريتانية، عن ما يمكن أن يقدمه المغرب لموريتانيا، فهي تتجاهل أن العلاقات بين البلدين هي علاقة أخوية قائمة على الندية، كأي علاقات بين بلدين شقيقين وجارين، فموريتانيا لم تعد تلك الدولة التي تنتظر من يدعمها أو يعطيها، وإنما تبحث عن علاقات مبنية على ربح الطرفين وتحقيق مصالح الشعوب، نفس المنطق الذي تتحرك وفقه المغرب في علاقاتها مع بقية بلدان العالم، والأرقام وحدها هي التي يمكنها أن تكشف ما يمكن أن يقدمه المغرب لموريتانيا، وما يمكن أن تقدمه موريتانيا للمغرب.

    للحديث بلغة الأرقام يمكننا أن نبدأ من معبر الكركرات، حيث عبرت سنة 2019 منه بضائع بحجم 70 مليار طن، بنسبة نمو تجاوزت 300 في المائة مقارنة مع حجم البضائع الذي مر خلال سنة 2018، وهو ما يعني أن المعبر أصبح واحدًا من المعابر الأكثر نشاطًا في القارة الأفريقية، ولا يخفى أن معبرًا مثل هذا يعود بالنفع الاقتصادي الكبير على البلدين، حتى أنه أصبح ذا طابع استراتيجي، أي ضرر يلحق به يهدد الأمن القومي للبلدين، ويهدد الأمن الاقتصادي لكثير من بلدان غرب أفريقيا.

    هذا بالإضافة إلى أن مئات رجال الأعمال الموريتانيين والمغاربة الذين تقوم أعمالهم على معبر الكركرات، ويساهمون في إنعاش اقتصاد البلدين، ويعيلون آلاف الأسر ويوفرون عشرات آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، وهكذا أصبح الكركرات أكثر من مجرد معبر حدودي، وإنما نقطة التقاء لمصالح بلدين جارين وشقيقين، وهمزة وصل بين شعبين ما يجمعهما أكثر بكثير مما يفرقهما.

    من جهة أخرى فإن الأرقام الصادرة عن المكتب الوطني للإحصاء تشير إلى أن المغرب هو أكبر مستثمر أفريقي في موريتانيا، حيث الاستثمارات المغربية قطاعات الاتصالات، البنوك، مواد البناء، الصيد والخدمات اللوجستية.

    كما أن المغرب يعد أكبر مورد أفريقي نحو السوق الموريتانية، ويهيمن وحده على نسبة 50 في المائة من البضائع الأفريقية التي تدخل أسواق موريتانيا، بما حجمه 660 ألف طن من البضائع المغربية المتنوعة، 13 في المائة فقط منها منتجات فلاحية، رغم التركيز الإعلامي الكبير عليها وحدها، في حين أن النسبة الأكبر من صادرات المغرب نحو موريتانيا هي أدوية ومعدات طبية، مستلزمات التغليف والكرتون، البلاستيك، المولدات الكهربائية، قطع الغيار والزيوت الصناعية والأسمدة والمواد الكيماوي.

    كل هذا يعكس حجم التبادل التجاري بين البلدين، وهو تبادل يقوم على مبدأ الربح المتبادل، كأي عملية بيع وشراء.

    ينضاف إلى ذلك أن المغرب أصبح منافسًا قويا على مستوى الاستثمارات في دول أفريقيا جنوب الصحراء، حيث ارتفع حجم تبادله التجاري مع هذه الدول بنسبة 20 في المائة، خلال السنوات العشر الماضية، ليتجاوز 5 مليارات دولار سنة 2018، وموريتانيا هي الجسر الذي تمر عبره نسبة كبيرة من هذا التبادل التجاري، بحكم موقعها الاستراتيجي الذي يعود عليها بعائدات اقتصادية كبيرة، ومكانة سياسية وجيو استراتيجية لا تقدر بثمن.

    كانت تلك لغة الأرقام، التي لن تنتهي قبل ذكر آلاف الطلاب الموريتانيين في المغرب، وآلاف المغاربة العاملين في موريتانيا، وآلاف الموريتانيين الذين يتلقون العلاج سنويا في المغرب، ورحلات شبه يومية بين البلدين، تعكس الارتباط الوثيق بين الشعبين، ارتباط لا يمكن أن تؤثر عليه أي دعاية سياسية يعيش أصحابها سجناء في الماضي وخلافاته، ويرفضون الانفتاح على المستقبل المشرق المتصالح مع ذاته، حيث يبحث كل عن مصلحته دون أن يلحق الضرر بالآخرين، وفق مقاربات تضمن الربح للجميع، وتحقق السلم والأمن والرفاه.

    الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن مواقف صاحبها ولا تلزم موقع برلمان.كوم

    إقرأ الخبر من مصدره

  • تمثيلية المسلمين في إسبانيا ومعضلة تأسيس “إسلام إسباني”

    برلمان.كوم – سعيد إدى حسن*

    تشير كل المؤشرات والمعطيات الموضوعية إلى أن الطبيب الإسباني من أصل سوري، أيمن إدلبي، سيتقلد منصب الرئيس الجديد للمفوضية الإسلامية، وهي أعلى هيئة تمثيلية للمسلمين في إسبانيا، خلفا للرئيس الأسبق رياج ططري بكري، وهو أيضا إسباني من أصل سوري وافته المنية يوم 6 نيسان/أبريل 2020 جراء إصابته بفيروس كورونا المستجد.
    ويعتبر الدكتور أيمن إدلبي، الملقب ب”أبو عبده”، وهو طبيب أطفال متقاعد، شخصية تحظى بالاحترام وبنوع من الإجماع داخل اللجنة الدائمة للمفوضية في هذه الظرفية العصيبة، وبخاصة في ظل الصراعات التي تشهدها الساحة الإسلامية في إسبانيا بين عدة تيارات والسعي الحثيث لبعض الأطراف التي لها ارتباطات خارجية للسيطرة على هذه المؤسسة الحساسة التي تمثل مسلمي إسبانيا، والذين تخطى عددهم المليوني شخص بحلول سنة 2020.
    رحيل رياج ططري، والذي كان يحظى برضى السلطات الإسبانية وبتقدير كبير في الأوساط الرسمية بما فيها المؤسسة الملكية، أثار مخاوف الاستخبارات الإسبانية التي تخشى من انتقال قيادة المفوضية الإسلامية إلى شخصيات مقربة من جهات خارجية، وبخاصة من المغرب أو من جماعات إسلامية مثل جماعة العدل والإحسان المعارضة للنظام المغربي.
    وشكل رحيل رياج ططري المفاجئ فراغا قض مضجع السلطات الإسبانية وأفزع قيادات المفوضية على حد سواء، كما فك “عقدة الخوف من الزعيم” التي كانت تتملك بعض أعضاء اللجنة الدائمة التي تسير المفوضية، حيث خرج بعض أعضاء هذه اللجنة بتصريحات صحفية انتقدوا فيها بشدة “غياب الديمقراطية الداخلية” لانتخاب هياكل المفوضية وذهب بعضهم إلى حد التشكيك في جدوى وجود مؤسسة “ليس لها أي تأثير على أرض الواقع” و “لا تحظى بثقة أغلبية المسلمين”.
    وكان رياج ططري أبرز شخصية إسلامية في إسبانيا منذ أزيد من أربعين سنة، وهو الذي تربى في مدرسة الإخوان المسلمين في سوريا قبل الفرار إلى إسبانيا هربا من اضطهاد نظام حافظ الأسد للمسلمين السنة في سبعينيات القرن الماضي، وتقلد عدة مناصب قيادية في تنظيم الطلائع/جناح عصام العطار في أوروبا.
    وكان ططري يحظى بمكانة خاصة لدى الحكومات الإسبانية المتعاقبة على اختلاف توجهاتها، منذ وفاة الدكتاتور فرانسيسكو فرانكو، حيث كانت تعتبره “رجل دولة” وشخصية معتدلة حافظت على “استقلالية” المفوضية الإسلامية وسعت إلى التأسيس ل”إسلام إسباني” مستقل عن الدول العربية والإسلامية وهو الموقف الذي جلب له تأييد السلطات الإسبانية من جهة ولكن، وفي المقابل، خلق له عداوات كثيرة مع عدة أنظمة عربية مثل السعودية والمغرب، البلد الأصل لأزيد من مليون ونصف المليون مسلم يعيشون في إسبانيا.
    العلبة السوداء للمفوضية وأمين سرها
    وحسب معطيات إدارة الشؤون الدينية، التابعة لوزارة العدل الإسبانية، يبلغ عدد الجمعيات والمراكز الإسلامية في إسبانيا حاليا إلى غاية شهر تموز/يوليو 2020 ما مجموعه 1420 جمعية ومركز تنتظم داخل اتحادات وفيدراليات تشكل بدورها اللجنة الدائمة للمفوضية الإسلامية.
    وتتكون اللجنة الدائمة للمفوضية الإسلامية من 25 عضوا، ينتمي 14 منهم إلى “اتحاد الجمعيات الإسلامية بإسبانيا”، المعروف اختصارا ب”أوسيدي” والذي يضم 830 جمعية، بينما تتوزع باقي المقاعد بين فيدراليات مختلفة أكبرها ” الفيدرالية الإسبانية للهيئات الدينية الإسلامية ” [فيري] والتي تنضوي تحتها 220 جمعية وتتوفر على خمسة مقاعد داخل اللجنة الدائمة.
    وعقب وفاة رئيس المفوضية الإسلامية، رياج ططري، والذي كان يرأس أيضا اتحاد الجمعيات الإسلامية، انتخب مجلس شورى الاتحاد يوم 4 تموز/يوليو 2020 الدكتور أيمن إدلبي رئيسا جديدا له في انتظار تنصيبه رئيسا للمفوضية.
    ويعتبر إدلبي أحد المقربين من الرئيس الراحل ويعتبر بمثابة “العلبة السوداء” للمفوضية الإسلامية، بحكم تواجده في كل المحطات التاريخية لتأسيس تمثيلية المسلمين في إسبانيا منذ سبعينيات القرن الماضي.
    وولد أيمن إدلبي في العاصمة السورية دمشق سنة 1946 وتلقى فيها العلم الشرعي على يد كبار العلماء، كما انخرط في العمل السياسي وهو صغير السن وناضل في صفوف جماعة الإخوان المسلمين، ثم لجأ إلى إسبانيا في بداية سبعينيات القرن الماضي إلى جانب عدد من الشباب السوريين الذين فروا من بطش نظام حافظ الأسد.
    وفور وصوله إلى إسبانيا انخرط في العمل الإسلامي بالموازاة مع دراسته للطب، حيث كان ينشط في جمعية الطلبة المسلمين، ثم في الجمعية الإسلامية بإسبانيا وهي أول هيئة تمثيلية للمسلمين، كان يرأسها القيادي في تنظيم الطلائع صلاح الدين النكدلي إلى غاية سنة 1983 واستلم بعده القيادة رياج ططري.
    وبالرغم من مشاركته الفاعلة في تسيير الجمعية الإسلامية وبعدها اتحاد الجمعيات الإسلامية ثم المفوضية الإسلامية إلا أن أيمن إدلبي فضل، ولمدة تفوق الأربعة عقود، الاشتغال في الظل والابتعاد قدر الإمكان عن الأضواء، تاركا هذه المهمة لرفيق دربه رياج ططري.

    شخصية معتدلة تمثل “تيار الوفاء” لخط رياج ططري

    ويعتبر الدكتور أيمن إدلبي من الشخصيات المعتدلة داخل المفوضية الإسلامية وكذا من المدافعين على استقلالية المؤسسة وعن مشروع تأسيس “إسلام إسباني” في منأى عن التدخلات الخارجية.
    ويسانده في هذا الطرح عضو بارز آخر في المفوضية وهو رئيس اتحاد الجمعيات الإسلامية في منطقة إكستريمادورا، الإسباني من أصل فلسطيني عادل النجار، الذي كتب في نعي رياج ططري “أن التحدي بالنسبة إلينا هو السير بثبات على خطى” الزعيم الراحل.
    وقال النجار في مقال نشره على صفحته بالفيسبوك “فقدنا اخا حبيبا عزيزا على قلوبنا، عزاؤنا أنه في ضيافة من لا يضيع عنده أجر من أحسن عملا. ترك على عاتقنا امانة لا يجب أن تضيع، وإرثا لابد من الحفاظ عليه. هذه هي مسؤوليتنا أمام الله وأمام المسلمين”.
    واعتبر النجار أن خير تكريم للرئيس الأسبق “هو السير على خطاه والحفاظ على نهج المفوضية الإسلامية كمؤسسة مستقلة ذات مبادئ لا تقبل المساومة لأي جهة كانت، قادرة على استيعاب جميع الشرائح المسلمة دون تمييز وتتقبل جميع الآراء المختلفة وتأخذ بأيدي المسلمين إلى المساهمة الفعالة في بناء وتقدم المجتمع الإسباني كمواطنين ملتزمين بمبادئ التعايش والحوار مع باقي الشرائح الاجتماعية المختلفة”.
    واستطاع رياج ططري بالنسبة لعادل النجار “أن يرسم طريقا دعا إليه الجميع دون استثناء من المسلمين وغير المسلمين، فكنوا له الاحترام والتقدير. اعترفوا له بدوره ومساهمته في إرساء قواعد متينة للحرية الدينية في اسبانيا، كيف لا وقد انطلق فور توقيعه اتفاقية التعاون مع الدولة الاسبانية عام 1992 ليطالب بحقوق المسلمين وتنفيذ بنودها، والعمل على دعم العمل المشترك بين الأقليات الدينية”.

    ثورة من الداخل ومحاولة لقلب “النظام القائم”
    إلا أن رحيل الزعيم التاريخي للمفوضية أظهر أن أعضاء اللجنة الدائمة ليسوا على قلب رجل واحد وأن ل”إخوان المغرب” رأي يخالف تصور “إخوان الشام”.
    فلم تمضي إلا أسابيع قليلة على وفاة رئيس المفوضية الإسلامية الأسبق رياج ططري، حتى انطلقت حرب المواقع واشتدت التراشقات الإعلامية بين مختلف الأطراف من داخل المؤسسة وتصاعدت حدة التصريحات المنتقدة ل”انعدام الشفافية والديمقراطية” في انتخاب هياكل المفوضية وبخاصة منصب الرئيس الذي ظل ططري يستأثر به لعدة سنوات إلى انتزعه الموت من على كرسي الرئاسة.
    أول قذيفة من العيار الثقيل أطلقها ممثل المفوضية في منطقة بالينسيا، شرقي إسبانيا، سعيد الراتبي الذي نشر مقالا مطولا اعتبر فيه أن “غالبية المسلمين لا يعترفون بالمفوضية الإسلامية ولا يثقون بها ولا ينتظرون منها شيئا”.
    وقال الراتبي إن “هياكل المفوضية تدور حول شخص واحد يتخذ كل القرارات بشكل انفرادي ولا يعطي أية تفسيرات أو تبريرات أو تفاصيل حول هذه القرارات”، كما أكد أن “المفوضية تفتقد لأي مشروع مستقبلي وأن تأثيرها على الخطاب الديني وعلى أئمة المساجد يساوي الصفر”.
    عضو قيادي آخر في المفوضية الإسلامية وهو رئيس اتحاد الجمعيات الإسلامية في منطقة كتالونيا حيث يعيش أكثر من نصف مليون مسلم، محمد الغيدوني، أعلن في شريط فيديو انسحابه من السباق على رئاسة المفوضية الإسلامية، مؤكدا أن “أسباب شخصية ومهنية” تقف وراء هذا القرار.
    إلا أن مصادر مقربة من المفوضية الإسلامية أكدت أن “هذا القرار مفاجئ، حيث أن الغيدوني كان، وإلى غاية آخر اجتماع للجنة الدائمة بعيد وفاة الرئيس الأسبق، من أشرس المطالبين بتغيير القانون الأساسي للمفوضية، خاصة فيما يتعلق بطريقة انتخاب رئيس المفوضية وإحداث منصب نائب الرئيس”.
    أياما فقط بعد إعلان قرار الانسحاب من السباق على رئاسة المفوضية، نشر الغيدوني مقالا انتقد فيه بشدة “انعدام الآليات الديمقراطية” لاختيار هياكل المؤسسة وطالب بتأسيس “إسلام إسباني بعيدا عن التدخلات الخارجية”.
    القاسم المشترك بين سعيد الراتبي ومحمد الغيدوني هو أن كلاهما عضوان بحزب العدالة والتنمية المغربي، ذي المرجعية الإسلامية.

    العدل والإحسان والصراع مع النظام المغربي خارج الحدود
    لا يخفى على أحد من المراقبين والعاملين في الحقل الديني في إسبانيا أو في باقي الدول الأوروبية سعي جماعة العدل والإحسان لنقل صراعها مع النظام المغربي خارج حدود المملكة وتوظيف كل الوسائل التنظيمية المتاحة لديها لمقارعة النظام فوق الأراضي الأوروبية، حيث تكفل لها القوانين حرية التعبير والتنظيم والحركة والممارسة السياسية.
    واستثمرت جماعة العدل والإحسان بشكل جيد التوتر الحاد الذي ساد العلاقات بين المغرب وإسبانيا في بداية القرن الواحد والعشرين، على إثر أزمة جزيرة ليلى – أو بيريخيل/بقدونس كما يسميها الإسبان – والتي كادت تتحول إلى مواجهة مسلحة بين البلدين في شهر تموز/يوليوز 2002 لولا التدخل الأمريكي الذي حال دون ذلك.
    وتمكنت الجماعة في سنة 2012 من السيطرة على ثاني أكبر هيئة تمثيلية للمسلمين في إسبانيا وهي الفيدرالية الإسبانية للهيئات الدينية الإسلامية، المعروفة اختصارا ب “فيري” بدعم من إدارة الشؤون الدينية في وزارة العدل الإسبانية التي استعملت الجماعة لإجهاض محاولة المغرب السيطرة على ذات الهيئة الدينية. ولا زال أحد المنتسبين للجماعة، وهو منير بنجلون الأندلسي يرأس هذه الهيئة إلى يومنا هذا.
    أقل من شهر بعد وفاة رئيس المفوضية الإسلامية، عمم منير بنجلون بلاغا على الصحافة أكد فيه أن “القيادة الحالية للمفوضية الإسلامية تفتقد إلى الشرعية القانونية”، مذكرا بالدعوى القضائية التي رفعها ضد رئيس المفوضية سنة 2016 حيث طعن في قانونية القوانين الأساسية للمفوضية وفي تشكيلة لجنتها الدائمة التي حصل فيها فقط على خمسة مقاعد من أصل 25 مقعدا المكونين لذات اللجنة.
    وبالرغم من تسييرها فقط ل 220 جمعية ومركزا إسلاميا، تطالب الفيري ب”تقاسم السلطة” مع “اتحاد الجمعيات الإسلامية في إسبانيا” الذي يسير أزيد من 830 جمعية ومركزا إسلاميا على مجموع التراب الإسباني.

    المغرب واستنساخ “تجربة الزياني” الفاشلة والرهان على نشر “الإسلام المغربي”
    يمثل المهاجرون المغاربة والإسبان من أصل مغربي أزيد من نصف المسلمين في إسبانيا، الشيء الذي يشكل هاجسا بالنسبة للسلطات المغربية، ممثلة في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وجهاز الاستخبارات الخارجية المعروف اختصارا ب”لادجيد” ومجلس الجالية المغربية بالخارج، حيث تحاول هذه السلطات جاهدة “نشر الإسلام المغربي المعتدل” و”مكافحة التطرف والميول الإرهابية” بين أبناء الجالية المغربية، لكنها تفتقد، برأي العديد من المراقبين، إلى استراتيجية واضحة في هذا الشأن.
    في تسعينيات القرن الماضي وبداية القرن الحالي دعمت السلطات المغربية شخصية إسلامية بارزة أنيطت بها مهمة تمثيل “الإسلام المغربي” بإسبانيا وهو محمد حامد علي، المنحدر من مدينة سبتة، والذي كان يرأس “فيدرالية الهيئات الدينية الإسلامية بإسبانيا” [فيري]، لكنها تخلت عنه في نصف الطريق وتركته يواجه وحيدا السلطات الإسبانية التي دعمت انقلابا ضده قاده منير بنجلون الاندلسي المحسوب على جماعة العدل والإحسان المعارضة للنظام المغربي.
    وبعد سيطرته على “فيدرالية الهيئات الدينية الإسلامية بإسبانيا”، رفع بنجلون دعوى قضائية ضد محمد حامد علي متهما إياه بتبديد المساعدات المالية التي تلقتها الفيري من المغرب إلا أن المحكمة برأت الأخير من التهم المنسوبة إليه… ولكن بعد وفاته في نوفمبر من سنة 2015.
    ولما أحست السلطات المغربية بأن أجهزة الاستخبارات الإسبانية كانت عازمة على إنهاء مشوار محمد حامد علي على رأس الفيري بسبب موقفه من ثغر سبتة الذي كان يعتبره أرضا مغربية تحتلها إسبانيا، إلى جانب ثغر مليلية، دعمت شخصية مغربية أخرى وهو نورالدين الزياني التي تمكن بفضل، الدعم السخي لسلطات الرباط، من تأسيس اتحاد المراكز الثقافية الاسلامية بمنطقة كاتالونيا، شرقي إسبانيا.
    أجهزة الاستخبارات الإسبانية لم تتردد في وأد هذه التجربة في المهد، خاصة بعد اكتشافها أن الزياني تلقى دعما ماليا بملايين الأورو من السلطات المغربية، مما أثار مخاوفها، فقامت بطرده من اسبانيا سنة 2013 واتهمته ب”التخابر مع المغرب ونشر الفكر السلفي”.
    أشهرا قليلة بعد طرد الزياني من إسبانيا، بدأت السلطات المغربية تبحث لها عن بديل لتمثيل “الإسلام المغربي” بإسبانيا فوقع الاختيار على جمعية صغيرة في بلدة فوينلابرادا، جنوبي مدريد، وتم تكليفها بتأسيس هيئة إسلامية جديدة أطلق عليها اسم “اتحاد المساجد في إسبانيا”، يرأسها مواطن مغربي يدعى عبد العزيز المودن.
    وبالرغم من تلقيها منذ سنة 2015 دعما ماليا من وزارة الأوقاف المغربية يفوق مليون يورو سنويا -حسب اعترافات وزير الأوقاف المغربي أحمد التوفيق في تصريح لوكالة الأنباء الإسبانية – وتمويلا سخيا لتشييد مسجد في الضاحية الجنوبية لمدريد وتحديدا في بلدة فوينلابرادا التي يعيش بها أزيد من ستة آلاف مهاجر مغربي -انطلقت أشغال بناءه في شهر يونيو من سنة2020 – إلا أن ذات الفيدرالية فشلت في جمع الحد الأدنى من الجمعيات المنضوية تحتها للحصول على مقعد داخل المفوضية الإسلامية.
    تمثيلية المسلمين في إسبانيا ومعضلة تأسيس “إسلام إسباني”
    تجربة محمد حامد علي وتجربة نورالدين الزياني – وربما تليها تجربة عبد العزيز المودن – تؤكد أن السلطات الإسبانية عازمة على منع أي تدخل أجنبي في الشأن الديني في إسبانيا، أو بالأحرى أي تدخل مغربي في “حقلها الديني”.
    بعض المصادر المطلعة على خبايا تسيير الشأن الإسلامي في إسبانيا تؤكد أن سلطات مدريد لن تتردد ولو لحظة واحدة في تجميد أو الانسحاب من اتفاقية التعاون لسنة 1992 بين الدولة والهيئات الدينية الإسلامية إذا أحست أن الأمور ستنفلت من بين أيديها، لكن إلى متى ستستمر في الاعتماد على جيل “رياج ططري” و “أيمن إدلبي”، وهو الجيل الذي بدأ بالانقراض؟
    التأسيس ل”إسلام إسباني” يضمن حقوق مسلمي هذا البلد الأوروبي ويشركهم في دينامية تطور المجتمع الإسباني كباقي فئات هذا المجتمع، يبدأ بفتح نقاش عمومي حول نموذج التمثيلية المؤسساتية مع اعتماد آليات ديمقراطية لانتخاب هياكل هذه المؤسسات، وإشراك الشباب والعنصر النسوي – اللذين يغيبان تماما من كل الهيئات التمثيلية – وكذا الانفتاح على المثقفين والفاعلين الاجتماعيين والكفاءات الأكاديمية والعلمية التي نأت بنفسها عن صراع المساجد.

    سعيد إدى حسن*
    باحث في جامعة كوبلوتينسي بمدريد
    مختص في قضايا التطرف والجماعات الجهادية

    الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن مواقف صاحبها ولا تلزم موقع برلمان.كوم

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حين تضيع الجزائر فرصة كورونا

    برلمان.كوم – محمد الخمسي *

    من المسلمات الاقتصادية للدولة الجزائرية أنها تعيش اقتصادا منهكا، مريضا يعاني من أزمة بنيوية، فهو اي هذا الاقتصاد يعتمد بنسبة تفوق 90 في المئة على قطاع المحروقات (البترول والغاز)، مع هشاشة كبيرة في القطاع الفلاحي، الذي عرف انحدارا دون صعود في المقابل للقطاع الصناعي ، قطاع صناعي انطلق زمن الراحل هواري بومديان متأثرا بالنموذج السوفياتي سابقا، صناعة لم تحقق اي أثر اقتصادي أو وقع اجتماعي، بل كانت مكلفة وغير قادرة على التنافس، أو توطين الخبرة للمجتمع الجزائري، فقد كان هذا القطاع اكبر وهم ومتخيل بعد وهم “القضية الصحراوية” هاته الكذبة السياسية في تاريخ شعوب المنطقة، و التي كلفت الجزائر إمكانات مالية هائلة، انفقتها في اربعة محاور لمحاصرة المغرب و تمثلت في:
    1- تشتيت تركيز المنطقة على بناء وتطوير وضعها الاجتماعي والاقتصادي، حيث أنفقت الجزائر ايام صعود ثمن النفط في كل اتجاه يعادي الوحدة الترابية ويعطى قدرات وكفاءات المنطقة عن الإقلاع
    2- شراء السلاح و تسليح ميليشيات البوليساريو ، إذ جزء من هذا السلاح وصل ويصل إلى جماعات متطرفة منتشرة في منطقة شاسعة بين دول الجوار – مالي – وموريتانيا – وليبيا
    3- شراء الأصوات والمواقف لكثير من الدول الإفريقية, التي كانت تعاني من كلفة الطاقة، وكانت الجزائر تجود بها بين المجانية والأسعار التفضيلية،
    4- دعم طابور من المنظمات و الصحافيين المرتزقة، بل مولت بالعملة الصعبة مكاتب الاستشارة والخبرة بملايين الدولارات، وخاصة في الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، لنشر مقالات وتقارير تسيئ للمغرب، و تحرض عليه هنا أو هناك.، تارة تحت عنوان غياب الحريات وحقوق الانسان، ومرة تحت يافطة سرقة ثروات الصحراء، وأخرى من خلال الافتة المتكررة في مجال حقوق الإنسان. لا يلغي ذلك اننا كنا بين الحين والآخر سنساهم عن غير وعي في ذلك، بسبب تصرف طائش هنا أو هناك ، من خلال هذه المكاتب والصحف التي تؤدى ولازالت الجزائر لها من أموال الشعب الجزائري، وعلى حساب قوته وصحته، وتعليمه لتشويه صورة المغرب وصناعة راي عام سلبي إزاء حقوقه ومصالحه.
    .
    إن زمنا لا يستهان به أنفقته الجزائر في هدر إلامكانات المادية، والبشرية للمغرب الكبير، وكان ذلك ايام أسعار البترول المرتفعة و التي وصلت احيانا إلى ما فوق المئة دولار للبرميل، وفرت سيولة بالعملة الصعبة، انفقتها حكومات الجزائر المتعاقبة في صناعة سياسة خارجية تعتمد العداء للمغرب، وإضعاف فرصة اقلاع شمال افريقيا، بكلفة لا معنى لها ، مما عطل اوراش التنمية في الجزائر بشكل كبير، واثر على وضع الجيران ايضا، وقد كانت لافتات التظاهرات في مختلف شوارع مدن الجزائر طيلة الحراك الذي كان عدد أيامه مثل رقما قياسيا في الخروج للشارع، بنفس العزيمة والإرادة ، التي لم تتوقف الا بسبب جائحة كورونا، وهي مرحلة وبشكل قوي تظهر من جديد بعد تراجع هذا الوباء، لأن الأزمة ستزداد تعقيدا و عمقا وقساوة، ومبررات الاحتجاج زادت ولم تتوقف.

    لقد ظلت الجزائر الطرف الحاضر المختبئ في معاكسة الوحدة الترابية للمغرب، ومحاولة محاصرته جغرافيا، وعسكريا أو عزله وسياسيا، ويعتبر عودة المغرب إلى المنتظم الإفريقي، بحضور ذكي متميز، بل ان المغرب وفي عز و اوج الانانية بين الدول، حيث حرصت معظم الدول(حتى المتقدمة منها مثل ألمانيا والولايات المتحدة ) على الإجابة على تحديات كورونا دون استحضار الاخرين، وصلت حد قرصنة الكمامات و مواد التعقيم، بعث المغرب في هذه الازمة برسالة إنسانية تضامنية نحو إفريقيا قولا وعملا.
    إن ما صنعته الجزائر من جبهة في تندوف ككيان سياسي بدون مشروعية أو شرعية لم تستطع تدبير وضعه في المخيمات على خمس مستويات :
    – العجز التام في توفير الغطاء الصحي ضد الجائحة بهذه المنطقة، وهو أمر طبيعي، ففقدانه في العاصمة الجزائر يجيب على العجز في مخيمات تندوف،
    – صعوبة توفير الماء والطعام لما فرضته الجائحة من اكراهات وتحديات،
    – محاصرة المخيمات مخافة خروج الوباء منها، لمناطق من التراب الجزائري،
    – عدم تسليم المساعدات المحصل عليها باسم حاجة المخيمات لها، وتوزيعها في العاصمة، نظرا لما تأسست عليه من سماسرة ووسطاءبين الجيش الجزائري وقادة البوليساريو
    – ترك المخيمات لمصير مركب رهيب بين العطش والجائحة والمحاصرة، وهو وضع كارثي غير إنساني بكل المعايير والمقاييس.

    لقد أعطت هذه الجائحة فرصة سياسية للحد من خسارة الجزائر في هذه القضية، بسبب ضغط الجبهة الداخلية وانهيار أسعار النفط، والمطالب الصحية التي تفرضها كورونا، فالشعب الجزائر يعيش حجرا مركبا بين الحجر الصحي ، وقد سبقه حجر سياسي من خلال المؤسسة العسكرية التي عبثت بالمشهد السياسي، وصنعت ديمقراطية عسكرية ، تأتي بوجه مدني للتحرك دون حرج، والآن تعيش الحجر اقتصاديا، بسبب ما وصلت إليه أسعار الطاقة من انخفاظ،
    أن بعض المؤشرات المستقبلية والأرقام المؤكدة، توضح أن الجزائر مقبلة على ظروف جد صعبة بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية، تجعلها مرشحة أن تكون دولة فاشلة، ولكنها في نفس الوقت جد مسلحة، وهنا تكمن خطورة ضياع التقارب واليد الممدودة، وتكامل المنطقة، إنها فرصة للتخلص من ملف جد مسموم للمنطقة، ملف مستنزف للمغرب الكبير، ملف معطل للإقلاع الاقتصادي والتنموي لهذه الجهة الغنية المتكاملة من افريقيا، إنها إحدى الفرص التاريخية لفتح خيار استراتيجي من أجل بناء المنطقة ومن أجل مستقبل أفضل واعد للجميع، فإذا كان قدرنا الا يستجيب حكام الجزائر لصوت التاريخ والدم المشترك والمستقبل، فإن خيار الشعب الجزائري واضح وسيكون مع خيار المغرب بعد أن يسترد دولته من العسكر ويجعلها دولة مدنية، في زمن ما بعد كورونا، وإنما هي مسألة صبح أليس الصبح بقريب!!
    *استاذ التعليم العالي فاس

    الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن مواقف صاحبها ولا تلزم موقع برلمان.كوم

    إقرأ الخبر من مصدره