Étiquette : 2011

  • دراسة تبرز التحولات التاريخية للهوية الثقافية والسياسية في « حسنية أكادير »


    هسبريس – توفيق بوفرتيح

    تحت عنوان “الهوية الثقافية والسياسية للأندية الرياضية.. حسنية أكادير نموذجا”، أكدت دراسة منشورة في العدد الأخير لمجلة “ليكسوس” التاريخية أن “الأندية الرياضية تمثل بنيات لإنتاج الثقافة السياسية، وهي بذلك مؤسسات رمزية تعكس التحولات الاجتماعية الكبرى داخل المجتمعات”، مبرزة أن “الأندية ليست محايدة ثقافيا؛ بل تعبر عن منظومات قيمية تاريخية، هذه المنظومة تعبر عنها الجماهير، بما يمكن أن نسميه بالهوية الجماهيرية”.

    وأشارت الدراسة، التي ألفها الباحث حسن أخراز، إلى أن “التفاعلات بين الجماهير تؤدي إلى إعادة إنتاج القيم الاجتماعية داخل الملعب وخارجه، كالتنافس والتضامن، وتجسد الانتماءات الجماهيرية المتمايزة والاختلافات الثقافية والاجتماعية وكذا الطبقية داخل المدن”، مسجلة أن “الأندية الرياضية تعد فضاء ومسرحا غير رسمي للتنشئة الاجتماعية، حيث تسهم الشعارات والأغاني ومختلف الممارسات الجماهيرية في ترسيخ الهويات الثقافية المختلفة”.

    وحول سيرورة تشكل الهوية الثقافية الأمازيغية لدى نادي حسنية أكادير، اعتبرت الوثيقة ذاتها أن “تأسيس الفريق طالما ارتبط بفترة الاستعمار، وبالضبط سنة 1946؛ غير أنه لم يتم الاعتراف به من لدن السلطات الفرنسية في شخص القبطان ‘تشيكس’، فبعد محاولات ومراسلات عديدة للإدارة الفرنسية من أجل الترخيص الرسمي لتأسيس الفريق، جاء الرفض من لدن الإدارة الفرنسية معللة قرارها بضرورة إشراك أوروبيين بالمكتب المسير وكذلك ضمن قائمة اللاعبين”.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    وزادت: “وبعد محاولات عديدة من لدن المكتب المسير الذي تأسس مسبقا، فقد ساهمت نخبة من الوطنيين المغاربة الذين ينتمون إلى مدينة أكادير في تأسيس هذا النادي الكروي، بعد سلسلة من الاجتماعات واللقاءات التي عقدوها فيما بينهم في سبيل تحقيق هذا الرهان؛ فمن جهة فهو آلية من آليات المقاومة التي دشنتها هذه الفئة ضد المستعمر، خاصة أنها لم تقبل بوجود أعضاء فرنسيين سواء في المكتب المسير أو ضمن اللاعبين، ومن جهة أخرى فهو تعبير عن مدى حضور الهوية الوطنية لدى النخبة المحلية”.

    وأوضح الباحث حسن أخراز أن “نخبة من الوطنيين المغاربة في مدينة أكادير وضواحيها ساهموا في وضع اللبنات الأساسية لفريق حسنية أكادير؛ ومن أبرزهم عبد الله القاسيمي، والذي كان ضمن الخلية المسلحة التي أنشئت للقيام بعمليات مسلحة ضد الاستعمار، وقد كان ضمن أول مكتب مسير الذي لم تعترف به السلطات الاستعمارية.. كما لعب كذلك كل من محمد بوفوس وعلي أبرني دورا بارزا في مقاومة المستعمر وفي تشكيل المكتب المسير للفريق”.

    وتابع معد الدراسة بأن “الرياضة المغربية شهدت عملية إعادة هيكلة شاملة بعد استقلال البلاد سنة 1956، حيث عملت الدولة على تنظيم الحقل الرياضي وإعادة إدماج الأندية الوطنية في منظومة قانونية جديدة تتماشى مع متطلبات بناء الدولة الحديثة. وفي هذا السياق، بادرت الجامعات الرياضية الناشئة، وعلى رأسها الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، إلى منح التراخيص الرسمية للأندية التي كانت تنشط خلال فترة الحماية أو تلك التي أعادت تأسيس نفسها وفق المعايير الوطنية”.

    وأضاف: “خلال هذه الفترة، اجتمع مؤسسو فريق حسنية أكادير لإعطائه الصفة الرسمية للنادي ولإضفاء الشرعية القانونية عليه؛ الشيء الذي تم من خلال موافقة السلطات المغربية على منح ترخيص للفريق للمشاركة في البطولة الوطنية تحت لواء الجامعة الملكية لكرة القدم”، مبرزا أنه “لما كانت اللحظة الأولى لتأسيس الفريق فعلا مقاوماتيا بامتياز مبنيا على روح وطنية وخلفية نضالية، فإن لحظة إعادة تأسيس الفريق ستكون بمثابة إعادة التفكير في بناء هوية محلية للفريق، تنبني على الأسس الاجتماعية والثقافية المحلية لسوس، وخاصة الأحياء العريقة بمدينة أكادير”.

    وأكد أن “إدماج الفرق الجهوية في البطولة الوطنية بعد الاستقلال ساهم في خلق فضاء تنافسي كشف عن التعدد الثقافي للمغرب. ومن خلال احتكاك حسنية أكادير بفرق تنتمي إلى مدن ذات خلفيات ثقافية ولغوية مختلفة، برز وعي جديد بالهوية المحلية للنادي، وبدأت الخصوصيات السوسية تظهر بشكل أوضح في أسلوب التشجيع وفي الرموز المعتمدة من طرف الجماهير”.

    وخلص حسن أخراز إلى أن “الهوية الثقافية لنادي حسنية أكادير عرفت مجموعة من التحولات الكبرى من خلال التفاعل مع دينامية الأحداث الاجتماعية والسياسية والثقافية التي طرأت على المجتمع المغربي ككل؛ فبعد أن تلاشت الخطابات النضالية للحركات الوطنية في أكادير بما فيها لدى المناضلين المؤسسين الأوائل للفريق والمبنية على العروبة والإسلام، برزت خطابات جديدة تسعى إلى التأسيس للتعددية والتنوع الثقافي؛ مما أدى إلى ظهور هوية جهوية ومحلية للفريق. وقد تحولت هذه الهوية الثقافية من هوية هامشية أو مقاومة على حد تعبير مانويل كاستلز إلى هوية كسبت شرعيتها، من خلال الاعتراف الدستوري سنة 2011، لتستمر في مشروعها الهوياتي قصد تنزيل وأجرأة هذه المضامين التي جاء بها الدستور”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أزمة اليسار أم نهاية الإيديولوجيا؟

    زهير حميدوش

    لم يعد السؤال حول موقع اليسار في المشهد السياسي هو الأهم، بقدر ما أصبح منصبا على وظيفة الأحزاب الإيديولوجية داخل النسق السياسي، هل ما زالت فاعلة في سيرورة فكرية وسياسية، أم تحوّلت إلى مجرد عنصر ضمن هندسة المشهد؟ وهل يُختزل التحول الذي أصابها في تراجع انتخابي أو تنظيمي، أم يمتد إلى عمق المسألة، أي إلى طبيعة العلاقة بين الإيديولوجيا والسلطة؟

    نشأ اليسار، في سياقه الكوني، كأطروحة فكرية ارتبطت بتصور شامل، بلوره الثنائي كارل ماركس وإنجلز، إذ لم يكن مجرد تعبير سياسي، بل أفقا يربط بين التصور والتغيير. غير أن التحولات التي أعقبت سقوط جدار برلين لم تُضعف هذا الأفق فحسب، بل أعادت صياغة العلاقة بين الفكر والممارسة، فتفككت المرجعيات الكلية، وانكمش الفعل السياسي داخل أفق “الممكن”.

    في المغرب، تداخل هذا التحول مع خصوصيات محلية عمّقت المأزق. فإلى جانب تفكك القاعدة الاجتماعية التقليدية، برزت تجربة اليسار داخل السلطة بوصفها لحظة كاشفة. لم تكن مرحلة “التناوب” مجرد انتقال من المعارضة إلى المشاركة، بل اختبارا فعليا لطبيعة العلاقة بين الإيديولوجيا والنسق السياسي، وقدرة الدولة على الوفاء بوعدها، حيث تبيّن أن الولوج إلى السلطة لا يعني امتلاك القدرة على التأثير، بل قد ينتهي إلى الاندماج ضمن توازنات قائمة سلفا.

    والمفارقة أن اليسار، الذي تأسس على النقد والتغيير الجذري، وجد نفسه ـ منذ تلك اللحظة ـ منخرطا في منطق مغاير، غدا فيه الحضور داخل المؤسسات غاية في ذاته، منفصلا عن أي مشروع مُؤطِر. فلم تعد المشاركة مشروطة بالقدرة على توجيه السياسات العمومية وقياس أثرها، كما كان يصبو إليه، في سياق معارضته السابقة للدساتير ومواقفه المتحفظة من الانخراط في مؤسساتها، بل أضحت رهينة بمنطق التموقع وتثبيت الحضور، ولو في حدوده الدنيا.

    وقد مثّل ذلك انتقالا من إيديولوجيا مُؤطِرة، ذات امتداد قاعدي وإنتاج فكري، إلى ممارسة روتينية داخل نسق صُمّم لاستيعاب تعددية شكلية ومسار سياسي مضبوط. وهو انتقال لا يعكس تحولا نحو “التدبير” بقدر ما يكشف انخراطا في “تمثيل هامشي وصوري”.

    فحتى حين يشارك اليسار في الحكومة، يظل حضوره كحزب ـ لا كتيار ـ محدود الأثر في القرار، مندرجا ضمن وظيفة أوسع قوامها تأثيث المشهد السياسي وإضفاء شرعية شكلية عليه. وهكذا يتحول الهامش المتاح إلى وضع رمزي يُطلب لذاته، ويغدو الاستوزار، في حدوده الدنيا، أفقا سياسيا قائما.

    وتتجلى هذه الوضعية بوضوح في التشبث المستميت بالولوج إلى الحقائب، بعيدا عن أي اعتبار سياسي أو إيديولوجي، كما حدث في أعقاب تشكيل حكومة ما بعد انتخابات 2016، وهي لحظة تكاد تمثل، دون مواربة، إعلانا متأخرا عن نهاية مسار كان يعيش حالة إكلينيكية مطوّلة.

    وإذا كان هذا التحول يُفهم في السياق المغربي من خلال خصوصيات النسق السياسي، فإنه يجد ما يوازيه في تجارب ديمقراطية راسخة. فالأمر لم يعد يتعلق فقط بأزمة اليسار، بل بتحول أعمق يمس شروط إنتاج الإيديولوجيا ذاتها. لم يعد المجتمع يُنتج فاعلين مؤطرين بأفق فكري متماسك، بل بات يميل إلى عرض سياسي “سائل”، تتلاشى فيه الحدود بين المشارب المختلفة لصالح صيغ هجينة قائمة على الالتقاط والتجميع.

    ولعل صعود “إيمانويل ماكرون” مثال دال على ذلك، إذ جاء خارج الأطر الحزبية التقليدية، ودون سند إيديولوجي صلب بالمعنى الكلاسيكي، بما يعكس تحولا في الطلب المجتمعي نفسه. لقد أعرض المجتمع عن الأحزاب “النخبوية”، وبرزت في المقابل الأحزاب اللاقطة لكل شيء، التي لا تقوم على أي تماسك إيديولوجي، بل على قابلية التكيف واستيعاب التباينات.

    وهكذا، فإن تآكل الإيديولوجيا لا يُختزل في أزمة فاعلين، بل يعكس تحولا في البنية الاجتماعية ذاتها، التي لم تعد تُنتج شروط التبلور الإيديولوجي، بل تُغذّي، على العكس، أنماطا سياسية قوامها السيولة بدل الانتماء، والالتقاط بدل الوضوح.

    في المغرب، حيث يظل السلوك السياسي والانتخابي للفاعلين متخلفا، لم يكن انتقال اليسار من المعارضة إلى المشاركة بلا كلفة، بل مثّل قطيعة مع التراكم الذي راكمه منذ ستينيات القرن الماضي. فقد تآكلت حمولته الرمزية المرتبطة بدوره في الدفاع عن أطروحات كبرى، مثل السلطة التأسيسية الأصلية للشعب ومواكبته لنقاش “الدولة الدستورية”، وهي قضايا ظلت مثار سجال حتى بعد دستور 2011.

    ولا ينبغي، في هذا السياق، إغفال تجربة الحزب الشيوعي، التي كثيرا ما تُهمّش في الدراسات، رغم سبقيتها، إذ انتقل، بفعل الحلَ، من “التحرر” إلى “التقدم”، قبل أن يبلغ أفق الانسداد، محاولا، رغم ذلك، إحياء حضور انتخابي عبر خطاب إعادة البناء والتشكل.

    ومع ذلك، لم يعد اليسار يُدرك بوصفه حاملا لمشروع بديل، بل كفاعل منخرط في تقاسم منطق التوازنات والوزيعة. وفي المقابل، لم تعد الإيديولوجيا، بصيغتها الكلاسيكية، قادرة على استعادة موقعها، في ظل تفكك الأطر الفكرية، وعجزها عن استيعاب القضايا المستجدة، وهيمنة منطق الواقعية السياسية.

    من هنا، تبدو محاولات إعادة التشكل ـ رغم رمزيتها ـ محكومة بتوتر مركب، إيديولوجيا فقدت صلابتها، وسلطة كابحة وضابطة للنسق، ومجتمع لم يعد يُنتج شروط التمثيل نفسها. لذلك، لا يكمن التحدي في استعادة إيديولوجيا متخيّلة، ولا في الذوبان داخل منطق التموقع، بل في إعادة تركيب العلاقة بين الفكر والسياسة، بما يسمح بإنتاج شروط التأثير داخل نسق يحدّ منها أصلا.

    ذلك أن المحك الذي ينبغي أن يشكّل هاجس الفاعل لا يكمن في الحضور المؤسسي، بل في استعادة نَفَس قاعدي يعيد له وظيفته كقوة اقتراحية، خاصة في اللحظات الكبرى. غير أن هذا الأفق يصطدم بواقع سلبي، يقوم على تشظّ تنظيمي وهيمنة ذهنيات سياسية انتهازية سبق لجون واتربوري أن فكك بعض ملامحها، حيث يتحول التموقع إلى غاية في ذاته مستغلا ما يتيحه من مكاسب.

    ويتعاظم هذا المأزق في سياق أوسع يتسم بتآكل الإيديولوجيا كخطاب تعبوي، وهو ما تجلّى أيضا في مسار الحركات الإسلامية، التي انتهت بدورها إلى منطق الإدماج وما يستتبعه من إعادة تشكيل وتنميط.

    فما بات اليوم يُعد يسارا على مستوى الخطاب، لم يعد سوى علامة “تجارية” غير قادرة على إنتاج ذاتياتها، وتكتفي بإنتاج ما يفرضه السوق وما يقتضيه الوجود، وما تتطلبه سبل حصد الغنيمة السياسية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الحكامة الصحية بالمغرب بين التشريع والتنفيذ

    احتلت الحكامة الصحية موقعاً مركزياً ضمن البناء الدستوري والمؤسساتي للمملكة، باعتبارها امتداداً عضوياً لمفهوم الحكامة الجيدة كما كرسه دستور سنة 2011، الذي لم يكتف بإقرار المبادئ العامة، بل ارتقى بها إلى مستوى الإلزام القانوني والتنظيمي المؤطر لمختلف السياسات العمومية، لاسيما في القطاعات الاجتماعية ذات الصلة المباشرة بحقوق المواطنات والمواطنين، وفي مقدمتها قطاع الصحة. فقد نص الفصل 31 من الدستور على حق الجميع في الولوج إلى العلاج والعناية الصحية، كما أكد الفصل 154 على أن المرافق العمومية تخضع لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، وهو ما يجعل من الحكامة الصحية ركيزة أساسية في تحقيق العدالة الاجتماعية وضمان النجاعة المؤسساتية.

    وإذا كان الإطار الدستوري قد أرسى قواعد متقدمة في مجال تأطير الحكامة الصحية، فإن الإشكال الجوهري يبرز على مستوى التنزيل العملي لهذه المقتضيات، حيث تكشف الممارسة الواقعية عن وجود اختلالات بنيوية ووظيفية تحد من فعالية الفعل العمومي الصحي، وتفرغ العديد من المبادئ الدستورية من محتواها الإجرائي. وعلاوة على ذلك، فإن التقارير الوطنية والدولية، الصادرة عن مؤسسات رقابية واستشارية، تؤكد استمرار التفاوتات المجالية والاجتماعية في الولوج إلى الخدمات الصحية، وهو ما يطرح بإلحاح مسألة العدالة الصحية باعتبارها أحد أركان الحكامة الرشيدة.

    وفي هذا السياق، يتضح أن الحكامة الصحية بالمغرب ما تزال تعاني من طابع التمركز الإداري، حيث تظل عملية اتخاذ القرار محصورة في مستويات مركزية، في مقابل محدودية اختصاصات الهياكل اللاممركزة، وهو ما ينعكس سلباً على فعالية التدخلات الصحية على المستوى الترابي. كما أن هذا التمركز يساهم في إعادة إنتاج الفوارق المجالية، من خلال تركيز العرض الصحي والبنيات الاستشفائية في الأقطاب الحضرية الكبرى، مقابل ضعف واضح في التجهيزات والخدمات بالمناطق القروية وشبه الحضرية، الأمر الذي يتعارض مع مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص الذي نص عليه الدستور.

    ومن جهة أخرى، يبرز تدبير الموارد البشرية كأحد أبرز التحديات التي تواجه الحكامة الصحية، حيث يشهد القطاع اختلالاً ملحوظاً في توزيع الأطر الطبية وشبه الطبية، سواء على المستوى الجغرافي أو التخصصي. ورغم الجهود المبذولة لتعزيز الكفاءات الصحية، فإن الفجوة لا تزال قائمة بين حاجيات المنظومة الصحية وبين الإمكانات المتوفرة، وهو ما ينعكس على جودة الخدمات المقدمة وعلى القدرة الاستيعابية للمؤسسات الصحية. إضافة إلى ذلك، فإن غياب آليات تحفيزية فعالة واستراتيجيات استباقية في مجال التوظيف والتكوين يفاقم من حدة هذه الإشكالية.

    وعلاوة على ما سبق، فإن السياسة الدوائية تظل بدورها مجالاً يعتريه عدد من أوجه القصور، سواء من حيث التأطير التشريعي أو على مستوى ضبط الأسعار وضمان الولوج العادل للأدوية. ورغم المبادرات التي تم اتخاذها في فترات سابقة لمراجعة أثمنة بعض الأدوية، فإن الإشكال ما يزال مطروحاً في ظل استمرار تأثير بعض الفاعلين الاقتصاديين على توازنات السوق الدوائية، وهو ما يستدعي تعزيز آليات التقنين والمراقبة وتفعيل دور المؤسسات المختصة في هذا المجال.

    كما أن محدودية الإنفاق العمومي الموجه لقطاع الصحة تشكل عائقاً بنيوياً أمام تحقيق حكامة صحية فعالة، إذ لا تزال الميزانية المخصصة لهذا القطاع دون المستوى المطلوب مقارنة بحجم التحديات المطروحة، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على جودة البنيات التحتية، وعلى مستوى التجهيزات الطبية، وعلى قدرة المنظومة الصحية على الاستجابة للحاجيات المتزايدة للسكان. فضلاً عن ذلك، فإن غياب تنوع في مصادر التمويل وضعف مساهمة القطاع الخاص في إطار شراكات منظمة يحد من إمكانيات تطوير القطاع.

    وفي مقابل هذه التحديات، تبرز الحاجة الملحة إلى إرساء نموذج متكامل للحكامة الصحية، يقوم على إعادة الاعتبار للمستشفى العمومي باعتباره مرفقاً أساسياً في تقديم الخدمات الصحية، وذلك من خلال اعتماد إصلاحات هيكلية تشمل تحسين جودة الاستقبال، وتعزيز الشفافية في التدبير، وترسيخ مبادئ التخليق الإداري، وتفعيل آليات المراقبة والتقييم. كما يقتضي هذا النموذج إعادة توزيع العرض الصحي بشكل متوازن، بما يضمن العدالة المجالية ويقلص من الفوارق بين مختلف الجهات.

    ومن جهة أخرى، فإن اعتماد مقاربة استشرافية في تدبير القطاع الصحي يظل ضرورة ملحة، حيث يتعين وضع استراتيجيات بعيدة المدى تأخذ بعين الاعتبار التحولات الديمغرافية والوبائية، وتستند إلى معطيات دقيقة ومؤشرات موضوعية، بما يضمن فعالية التخطيط الصحي واستدامة نتائجه. كما أن تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، سواء على المستوى الحكومي أو الترابي، يشكل عاملاً حاسماً في تحقيق التكامل والانسجام بين السياسات العمومية.

    وعلاوة على ذلك، فإن تفعيل المقاربة التشاركية في صياغة وتنفيذ السياسات الصحية يمثل ركيزة أساسية في تجويد الحكامة، حيث يتيح إشراك الفاعلين المؤسساتيين والمجتمع المدني والقطاع الخاص في بلورة الحلول واتخاذ القرار، بما يعزز من شرعية هذه السياسات ويضمن ملاءمتها لانتظارات المواطنين. كما أن إرساء آليات فعالة للتتبع والتقييم يمكن من قياس الأثر الحقيقي للإصلاحات، وتصحيح الاختلالات في الوقت المناسب.

    وخلاصة القول، فإن الانتقال من حكامة صحية تعتريها الاختلالات إلى حكامة صحية فعالة وناجعة يقتضي إرادة سياسية قوية، وإصلاحاً مؤسساتياً عميقاً، وتعبئة شاملة لمختلف الفاعلين، في إطار رؤية استراتيجية مندمجة تستحضر البعد الاجتماعي والاقتصادي والحقوقي. إن الرهان اليوم لا يقتصر على تحسين المؤشرات الصحية، بل يتجاوز ذلك إلى بناء منظومة صحية عادلة ومنصفة، قادرة على ضمان الكرامة الإنسانية وترسيخ الثقة في المرفق العمومي، بما ينسجم مع روح الدستور وتطلعات المجتمع.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • جيل « زيد » والعمل السياسي


    مصطفى صغيري
    جيل زيد والعمل السياسي، حين تفرض الأجيال الرقمية أسئلة جديدة على الوساطة الحزبية: قراءة في تحولات علاقة الشباب بالعمل السياسي في ظل التحولات الرقمية ورؤية تجديد الحياة السياسية بالمغرب

    “الديمقراطية ليست فقط مؤسسات وقوانين، بل هي قبل كل شيء قدرة المجتمع على تجديد نُخَبه السياسية.” ماكس فيبر

    لم تعد التحولات التي يعرفها المجال السياسي في العالم المعاصر مرتبطة فقط بتغير موازين القوى بين الأحزاب أو بتداول النخب على السلطة، بل أصبحت تعكس تحولات أعمق في طبيعة العلاقة بين المجتمع والمؤسسات السياسية. ففي عصر الرقمنة وتسارع تدفق المعلومات، لم يعد المواطن مجرد متلقٍ للخطاب السياسي، بل أصبح فاعلاً في تشكيل النقاش العمومي وفي التأثير في اتجاهات الرأي العام، وفي قلب هذه التحولات يبرز دور الأجيال الجديدة، وخاصة ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ جيل زيد، الذي يعيد اليوم طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل المشاركة السياسية وحول قدرة المؤسسات التمثيلية، وفي مقدمتها الأحزاب السياسية، على مواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع.

    فالديمقراطيات المعاصرة تشهد تحولات عميقة تمس طبيعة العلاقة بين المجتمع والمؤسسات السياسية، وهي تحولات لم تعد مرتبطة فقط بالتوازنات الحزبية أو بتغير النخب الحاكمة، بل أصبحت تعكس تحولات بنيوية في طبيعة المجتمعات نفسها. فقد أدى تسارع التغيرات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية خلال العقود الأخيرة إلى إعادة تشكيل المجال العمومي وإلى ظهور أنماط جديدة من التفاعل مع الشأن العام، خاصة في ظل الانتشار الواسع للتكنولوجيات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    لقد أصبح الفضاء السياسي اليوم أكثر اتساعاً وتعقيداً مما كان عليه في السابق، حيث لم يعد مقتصراً على المؤسسات السياسية التقليدية مثل الأحزاب أو البرلمانات أو وسائل الإعلام الكلاسيكية، بل أصبح فضاءً متعدد المستويات تتقاطع داخله منصات رقمية وشبكات اجتماعية ومبادرات مدنية متنوعة. وقد أتاح هذا التحول إمكانيات جديدة للتعبير السياسي وللمشاركة في السجال العمومي، خاصة بالنسبة للأجيال الشابة التي نشأت في بيئة رقمية مختلفة جذرياً عن السياقات التي تشكلت فيها التجارب السياسية للأجيال السابقة.

    وفي قلب هذه التحولات يبرز ما أصبح يُعرف في الأدبيات السياسية المعاصرة بـ جيل زيد (Generation Z)، وهو الجيل الذي نشأ في ظل الثورة الرقمية وفي عالم يتسم بتدفق غير مسبوق للمعلومات وباتساع غير محدود لفضاءات التواصل. ويتميز هذا الجيل بخصائص اجتماعية وثقافية مختلفة عن الأجيال السياسية السابقة، إذ تشكل وعيه السياسي في بيئة رقمية مفتوحة تتسم بسرعة تداول المعلومات وبإمكانية التفاعل الفوري مع القضايا العامة.

    غير أن العلاقة بين هذا الجيل والسياسة لا يمكن فهمها فقط من خلال المؤشرات التقليدية للمشاركة السياسية، مثل نسب التصويت أو معدلات الانخراط في الأحزاب السياسية. فهذه المؤشرات، على أهميتها، لا تعكس بالضرورة التحولات العميقة التي يعرفها المجال السياسي في عصر الرقمنة. فالشباب اليوم لا يعبرون عن مواقفهم السياسية فقط من خلال المؤسسات الحزبية أو المشاركة الانتخابية، بل أيضاً من خلال أشكال جديدة من التفاعل مع الشأن العام، تتراوح بين النقاشات الرقمية والمبادرات المدنية والانخراط في قضايا اجتماعية وثقافية تتجاوز الأطر التقليدية للعمل السياسي.

    ومن هنا، فإن ما يوصف أحياناً بـ عزوف الشباب عن السياسة قد لا يعكس بالضرورة تراجعاً في الاهتمام بالشأن العام، بقدر ما يعكس تحولات في طبيعة العلاقة بين الأجيال الجديدة والمؤسسات السياسية التقليدية. فالمسألة لا تتعلق فقط بضعف المشاركة السياسية، بل أيضاً بوجود فجوة متزايدة بين منطق اشتغال الأحزاب السياسية وبين التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع.

    وفي إطار التجربة المغربية، يكتسي هذا الطرح أهمية خاصة بالنظر إلى التحولات التي يعرفها المجتمع خلال العقود الأخيرة، سواء على مستوى التحولات الديموغرافية أو على مستوى انتشار التعليم العالي أو على مستوى توسع الفضاء الرقمي. فقد أصبح الشباب اليوم يشكلون إحدى الفئات الاجتماعية الأكثر حضوراً في الجدال العمومي، سواء عبر المنصات الرقمية أو من خلال المبادرات المدنية والثقافية التي تعكس اهتماماً متزايداً بالقضايا العامة.

    غير أن هذه الدينامية المجتمعية لا تجد دائماً ترجمتها الكاملة داخل المؤسسات السياسية التمثيلية، وهو ما يعيد طرح سؤال مركزي يتعلق بطبيعة الوساطة السياسية في المغرب وبمدى قدرة الأحزاب السياسية على مواكبة التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع.
    ومن هذا المنطلق، يطرح سؤال أساسي نفسه بإلحاح:

    إلى أي حد تستطيع الأحزاب السياسية في المغرب إعادة بناء علاقتها مع الأجيال الجديدة، وخاصة جيل زيد، بما يسمح بتجديد الوساطة السياسية وتعزيز الثقة في العمل الحزبي؟

    تحولات المجال العمومي في عصر الرقمنة

    لقد أدى التطور التكنولوجي الهائل خلال العقود الأخيرة إلى إعادة تشكيل المجال العمومي الذي يتم فيه تداول الأفكار السياسية وتشكيل الرأي العام، فوسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أدوات للتواصل الشخصي، بل أصبحت فضاءات حقيقية للنقاش السياسي وللتعبير عن المواقف والاتجاهات المختلفة.

    وقد سبق للفيلسوف الألماني يورغن هابرماس أن تحدث عن مفهوم الفضاء العمومي باعتباره المجال الذي يتم فيه تداول القضايا العامة بشكل عقلاني بين المواطنين، بما يسمح بتشكيل إرادة عامة قائمة على السجال والحوار، غير أن التحولات الرقمية التي يعرفها العالم اليوم جعلت هذا الفضاء أكثر اتساعاً وتعقيداً، حيث أصبح الحوار السياسي يتم في فضاءات متعددة ومتداخلة تتجاوز الحدود التقليدية للمؤسسات السياسية ووسائل الإعلام الكلاسيكية.

    وقد أشار عالم الاجتماع مانويل كاستلز إلى أن التحولات الرقمية أدت إلى بروز ما يسميه بـ”مجتمع الشبكات”، حيث أصبحت شبكات التواصل فضاءات مركزية لإنتاج النقاش العمومي وتشكيل الرأي العام، خاصة لدى الأجيال الشابة.

    وفي هذا الإطار، أصبح الشباب أكثر حضوراً في التداول العمومي من خلال المنصات الرقمية، حيث يعبرون عن مواقفهم تجاه القضايا السياسية والاجتماعية بطرق مختلفة عن الأشكال التقليدية للمشاركة السياسية، وهو ما يعني أن المشاركة السياسية لم تعد مرتبطة فقط بالانخراط الحزبي أو المشاركة الانتخابية، بل أصبحت تتخذ أشكالاً متعددة تتراوح بين التعبير الرقمي، والمبادرات المدنية، والانخراط في الحركات الاجتماعية الجديدة.

    أزمة الوساطة الحزبية في الديمقراطيات المعاصرة

    تشير العديد من الدراسات في علم السياسة إلى أن الديمقراطيات المعاصرة تعرف ما يسمى بـ أزمة الوساطة الحزبية، وهي الأزمة التي تنشأ عندما تصبح الأحزاب السياسية عاجزة عن ترجمة التحولات الاجتماعية والثقافية داخل المجتمع إلى مشاريع سياسية قادرة على تمثيل تطلعات المواطنين.

    وقد أشار عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو إلى أن الخطاب السياسي قد يتحول في بعض الأحيان إلى ما يشبه الرأسمال الرمزي الذي يسعى إلى إنتاج صورة معينة عن الفعل السياسي دون أن يعكس بالضرورة التحولات الفعلية التي يعرفها المجتمع.

    وفي الطرح المغربي، يبرز هذا الاشكال سؤالاً مهماً حول قدرة الأحزاب السياسية على تطوير خطاب سياسي جديد قادر على التفاعل مع التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع المغربي، خاصة في ظل صعود أجيال جديدة أكثر تعليماً وأكثر انفتاحاً على العالم وأكثر ارتباطاً بالفضاء الرقمي.

    الشباب في صلب الرؤية الملكية لتجديد الحياة السياسية

    ويشكل إشراك الشباب في الحياة العامة أحد المرتكزات الجوهرية في الرؤية الملكية لإصلاح وتطوير الحياة السياسية بالمغرب. فقد أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس في العديد من الخطب والتوجيهات الملكية على أن مستقبل الديمقراطية بالمغرب يظل مرتبطاً بقدرة المؤسسات السياسية على استيعاب طاقات الأجيال الصاعدة وعلى تمكين الشباب من المشاركة الفعلية في تدبير الشأن العام. وتنطلق هذه الرؤية من قناعة مفادها أن تحديث الحياة السياسية لا يمكن أن يتحقق فقط من خلال تطوير النصوص القانونية أو إصلاح المؤسسات، بل يتطلب أيضاً تجديداً مستمراً للنخب السياسية بما يعكس التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع المغربي.

    وقد شكل دستور سنة 2011 ترجمة مؤسساتية لهذا التوجه، حيث نص الفصل 33 من الدستور على ضرورة اتخاذ السلطات العمومية التدابير الملائمة لتوسيع وتعميم مشاركة الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للبلاد، مع إحداث آليات مؤسساتية تهدف إلى تعزيز انخراطهم في الحياة العامة. ويعكس هذا التوجه الدستوري إرادة واضحة لجعل الشباب فاعلاً أساسياً في الدينامية الديمقراطية، وليس مجرد فئة اجتماعية موضوعاً للسياسات العمومية.

    وفي هذا النطاق، لم تعد قضية الشباب تُطرح في الخطاب الإصلاحي بالمغرب باعتبارها قضية اجتماعية مرتبطة بإشكالات التعليم أو التشغيل فحسب، بل أصبحت تُطرح باعتبارها قضية سياسية واستراتيجية ترتبط بتجديد النخب وبمستقبل الديمقراطية في البلاد. فالشباب، في التصور الملكي، يمثل رأسمالاً بشرياً واستراتيجياً قادراً على الإسهام في تطوير الحياة السياسية وتعزيز دينامية الإصلاح، خاصة في سياق مجتمع يشهد تحولات متسارعة على المستويات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية.

    ومن هذا المنطلق، يشكل تمكين الشباب من الولوج إلى فضاءات القرار العمومي ومن المشاركة الفعلية في الحوار السياسي أحد الشروط الأساسية لتجديد الحياة الحزبية وتعزيز الثقة في المؤسسات التمثيلية. فالأحزاب السياسية، باعتبارها إحدى القنوات الرئيسية للوساطة بين المجتمع والدولة، تجد نفسها اليوم مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتطوير آليات جديدة للتأطير السياسي قادرة على استيعاب طاقات الشباب وعلى إشراكهم في صياغة الرؤى السياسية وفي بلورة السياسات العمومية.

    إن الرؤية الملكية لتجديد الحياة السياسية لا تقتصر على الدعوة إلى إشراك الشباب في العمل السياسي، بل تتجاوز ذلك نحو إرساء نموذج سياسي يقوم على تجديد النخب وتعزيز الكفاءة وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يسمح بإضفاء دينامية جديدة على الحياة الحزبية وبناء مؤسسات سياسية أكثر قدرة على مواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.

    غير أن ترجمة هذا التوجه الإصلاحي إلى دينامية سياسية فعلية تظل رهينة بقدرة الفاعلين السياسيين، وفي مقدمتهم الأحزاب، على مواكبة هذه الرؤية وعلى تحويلها إلى ممارسات تنظيمية وخيارات سياسية ملموسة. فالأحزاب السياسية، باعتبارها إحدى القنوات الأساسية للوساطة بين المجتمع والدولة، تتحمل مسؤولية مركزية في تأطير الشباب وفي إدماجهم داخل الحياة السياسية. ولذلك فإن نجاح مشروع تجديد الحياة السياسية في المغرب يظل مرتبطاً بمدى قدرة الأحزاب على تجديد خطابها السياسي وعلى تطوير آليات اشتغالها التنظيمية بما يسمح لها باستيعاب التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع، وخاصة تلك المرتبطة بصعود الأجيال الجديدة.

    الأحزاب السياسية بين الشرعية التاريخية ومتطلبات التجديد

    وتواجه الأحزاب السياسية في الديمقراطيات المعاصرة تحدياً مركباً يتمثل في كيفية التوفيق بين الحفاظ على رصيدها التاريخي والرمزي من جهة، والقدرة على مواكبة التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة التي يعرفها المجتمع من جهة أخرى. فالأحزاب التي تشكلت في سياقات سياسية مختلفة وأسهمت في مراحل معينة في تأطير المجتمع وفي بناء التعددية السياسية، تجد نفسها اليوم أمام واقع اجتماعي جديد يتسم بتغيرات عميقة في أنماط التواصل وفي أشكال التعبير السياسي، خاصة في ظل التحولات التي أحدثتها الثورة الرقمية وفي سياق صعود أجيال جديدة أكثر تعليماً وانفتاحاً على العالم وأكثر ارتباطاً بالفضاء الرقمي، لذلك لم يعد الرصيد التاريخي للأحزاب السياسية وحده كافياً لضمان استمرار دورها في الوساطة بين المجتمع والدولة، بل أصبح هذا الدور رهيناً بقدرتها على قراءة التحولات المجتمعية قراءة دقيقة وعلى تجديد خطابها السياسي وأدوات اشتغالها التنظيمية بما يسمح لها بالتفاعل مع التحولات العميقة التي يعرفها المجال العمومي.

    وقد أشار العديد من الباحثين في علم السياسة إلى أن الديمقراطيات المعاصرة تعيش ما يمكن وصفه بـ أزمة الوساطة الحزبية، وهي الأزمة التي تظهر عندما تصبح الأحزاب أقل قدرة على ترجمة التحولات الاجتماعية والثقافية داخل المجتمع إلى مشاريع سياسية تعكس تطلعات المواطنين، وفي هذا المجال، يرى المفكر الفرنسي بيير روزنفالون أن الديمقراطيات الحديثة لم تعد تعاني فقط من أزمة في التمثيل الانتخابي، بل من أزمة أعمق تتعلق بتراجع الثقة في المؤسسات السياسية وباتساع الفجوة بين المواطنين والفاعلين السياسيين، كما يشير عالم السياسة برنارد مانين إلى أن الديمقراطية التمثيلية تشهد تحولات بنيوية تجعل الأحزاب السياسية مطالبة بإعادة تعريف أدوارها التقليدية في ظل تغير أنماط المشاركة السياسية وظهور فاعلين جدد داخل المجال العمومي.

    وتزداد حدة هذا التحدي في ظل ما يسميه عالم الاجتماع زيغمونت باومان بـ “الحداثة السائلة”، حيث تتسم العلاقات الاجتماعية والسياسية بدرجة عالية من السيولة والتغير المستمر، وهو ما ينعكس بدوره على طبيعة العلاقة بين المواطنين والمؤسسات السياسية، ففي مثل هذا السياق، لم يعد الانتماء الحزبي ثابتاً كما كان في المراحل السابقة، بل أصبح أكثر هشاشة وقابلية للتحول، وهو ما يفرض على الأحزاب السياسية البحث عن صيغ جديدة للتفاعل مع المجتمع قادرة على استيعاب هذه التحولات.

    وفي ضوء هذه التحولات، لم يعد السؤال المطروح أمام الأحزاب السياسية يقتصر على كيفية استقطاب أعضاء جدد أو توسيع قواعدها الانتخابية، بل أصبح يتعلق أساساً بقدرتها على تجديد دورها كفاعل أساسي في الوساطة الديمقراطية بين المجتمع والدولة، فالأحزاب التي تمتلك رصيداً تاريخياً وسياسياً مهماً يمكنها أن تلعب دوراً محورياً في تجديد الحياة السياسية إذا ما استطاعت تحويل هذا الرصيد إلى قوة اقتراحية قادرة على مواكبة التحولات المجتمعية وعلى استيعاب طاقات الأجيال الجديدة وإشراكها في صياغة الرؤى السياسية للمستقبل.

    وانسجاما مع هذا التصور، يبرز التفكير المتزايد حول فكرة التعاقد المجتمعي باعتبارها إحدى المقاربات التي تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الأحزاب السياسية والمجتمع على أساس وضوح الالتزامات السياسية وربط المسؤولية بالمحاسبة، فهذه الفكرة تعكس توجهاً متنامياً في الفكر السياسي المعاصر يقوم على الانتقال من منطق الخطاب السياسي العام إلى منطق الالتزام السياسي القابل للتقييم، بما يسمح بتعزيز ثقافة المساءلة داخل الحياة السياسية وبإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات التمثيلية.

    وفي السياق المغربي، بدأ هذا النقاش يجد صداه داخل بعض المبادرات السياسية التي تسعى إلى تجديد العلاقة بين الأحزاب والمجتمع، وفي هذا الإطار، برزت أيضاً مبادرات داخل بعض الأحزاب، من بينها ما طرحه الأمين العام لحزب الحركة الشعبية محمد أوزين حول فكرة التعاقد المجتمعي باعتبارها مقاربة للتواصل السياسي تقوم على تعزيز المصداقية في الخطاب السياسي وربط البرامج الانتخابية بآليات واضحة للتتبع والتقييم، وتندرج هذه المبادرة ضمن الجدل المتزايد داخل الحقل الحزبي المغربي حول سبل تجديد العلاقة بين الأحزاب السياسية والمجتمع وإعادة بناء الثقة في العمل السياسي، وتكتسي مثل هذه المبادرات أهمية خاصة في ظل الحوار المتزايد حول أزمة الثقة في العمل الحزبي، إذ إنها تطرح سؤال العلاقة بين الخطاب السياسي والممارسة الفعلية داخل المجال العمومي، غير أن أهمية هذا الطرح لا تكمن فقط في المبادرات الحزبية في حد ذاتها، بل في ما يفتحه من أفق أوسع للتفكير في مستقبل الوساطة الحزبية وفي الكيفية التي يمكن من خلالها تطوير نماذج جديدة للتفاعل بين الأحزاب والمجتمع.

    ولا تقتصر المقاربة المطروحة حول سبل تجديد العلاقة بين الأحزاب السياسية والشباب على تجربة حزب بعينه داخل المشهد الحزبي المغربي، بل تندرج ضمن دينامية أوسع يشهدها الحقل الحزبي، حيث أصبحت عدة تنظيمات سياسية تدرك أن التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة، وصعود أجيال جديدة أكثر ارتباطاً بالفضاء الرقمي وأكثر تطلعاً إلى أنماط مختلفة من المشاركة السياسية، يفرضان إعادة التفكير في أساليب التأطير الحزبي وفي طبيعة الخطاب السياسي الموجه إلى الشباب، ففي تجارب حزبية أخرى، مثل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أو حزب الاستقلال أو حزب التقدم والاشتراكية، يبرز بدوره نقاش متزايد حول مسألة تجديد النخب وتعزيز حضور الشباب داخل الهياكل التنظيمية للأحزاب، غير أن هذا الجدل يظل في كثير من الأحيان محكوماً بتحديات تنظيمية وثقافية مرتبطة بطبيعة البنيات الحزبية وباستمرارية القيادات التقليدية داخل عدد من الأحزاب.

    إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الأحزاب السياسية اليوم لا يكمن في استقطاب الشباب إلى صفوفها فقط، بل في قدرتها على إشراكهم فعلياً في صياغة الرؤى السياسية وصناعة مستقبل العمل الحزبي، ومن هنا تبرز أهمية تطوير خطاب سياسي جديد قادر على التفاعل مع التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع المغربي، وقادر في الوقت نفسه على إعادة بناء الثقة بين الأحزاب السياسية والمجتمع.

    غير أن أهمية هذا الانشغال لا تكمن فقط في المبادرات الحزبية في حد ذاتها، بل في ما يفتحه من أفق أوسع للتفكير في مستقبل الوساطة السياسية في المغرب وفي سبل تطوير العلاقة بين الأحزاب والمجتمع في سياق التحولات العميقة التي يعرفها المجال العمومي.

    إن تجديد الحياة الحزبية لا يرتبط فقط بتجديد القيادات أو تطوير الخطاب السياسي، بل يتطلب أيضاً إعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين الحزب والمجتمع وفي الدور الذي يمكن أن تلعبه الأحزاب باعتبارها مؤسسات للوساطة الديمقراطية القادرة على ترجمة التحولات الاجتماعية إلى مشاريع سياسية تعكس تطلعات المواطنين وتساهم في تعزيز الثقة في العمل السياسي.

    خاتمة

    إن التحولات التي يشهدها المجتمع المغربي اليوم، سواء على مستوى البنية الاجتماعية أو على مستوى أنماط التفاعل مع المجال العمومي، تفرض إعادة التفكير في العديد من المسلمات التي حكمت العلاقة بين المواطن والعمل السياسي خلال العقود الماضية، فصعود أجيال جديدة أكثر تعليماً وانفتاحاً على العالم وأكثر ارتباطاً بالفضاء الرقمي لم يعد مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة، بل أصبح عاملاً بنيوياً في إعادة تشكيل قواعد المشاركة السياسية وفي إعادة تعريف دور الأحزاب والمؤسسات التمثيلية داخل المجال العمومي.

    ومن هذا المنطلق، فإن التساؤل حول علاقة جيل زيد بالسياسة لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره مؤشراً على أزمة في المشاركة السياسية أو على عزوف الشباب عن العمل الحزبي، بل ينبغي فهمه أيضاً باعتباره فرصة تاريخية لإعادة التفكير في طبيعة الوساطة السياسية وفي سبل تجديدها، فالمجتمعات التي تنجح في استيعاب طاقات الأجيال الجديدة وتحويلها إلى قوة اقتراحية داخل الفضاء العمومي تكون أكثر قدرة على تجديد نخبها السياسية وعلى مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم المعاصر.

    وفي السياق المغربي، يبدو أن الرهان الحقيقي لم يعد مرتبطاً فقط بقدرة الأحزاب السياسية على الفوز بالمواعيد الانتخابية أو على الحفاظ على مواقعها داخل المؤسسات التمثيلية، بل أصبح مرتبطاً أساساً بقدرتها على إنتاج رؤى سياسية ومجتمعية قادرة على إعادة بناء الثقة بين المواطن والعمل السياسي، فالثقة، في نهاية المطاف، هي الشرط الأساسي لاستمرارية أي تجربة ديمقراطية، وهي أيضاً الأرضية التي يمكن من خلالها بناء تعاقد جديد بين المجتمع والفاعلين السياسيين حول أولويات الإصلاح والتنمية.

    إن المستقبل السياسي للمغرب سيتشكل، إلى حد بعيد، بقدر ما تستطيع الحياة الحزبية أن تنفتح على التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع، وأن تفسح المجال أمام جيل جديد من الفاعلين القادرين على الجمع بين الوعي بالتحولات العالمية والارتباط العميق بقضايا المجتمع، وهذا ما تعكسه بعض المبادرات الحزبية التي تسعى إلى إعادة بناء العلاقة بين الأحزاب والمجتمع، من خلال مبادرة التعاقد المجتمعي، فالديمقراطية ليست فقط نظاماً لتدبير السلطة، بل هي أيضاً قدرة مستمرة على تجديد النخب وإعادة بناء الثقة بين المجتمع ومؤسساته.

    وعليه، تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحاً إلى تجديد الوساطة الحزبية من خلال فتح المجال أمام كفاءات جديدة قادرة على الجمع بين المعرفة الأكاديمية وفهم التحولات الاجتماعية التي يعرفها المجتمع المغربي، بما يسمح بإضفاء دينامية جديدة على الحياة السياسية ويعيد الاعتبار لدور الأحزاب باعتبارها فضاءات للتأطير الديمقراطي وصياغة المشاريع المجتمعية.

    وفي نهاية المطاف، فإن قدرة الحياة السياسية في المغرب على مواكبة تحولات المجتمع ستظل مرتبطة بمدى قدرتها على تجديد نخبها وعلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والسياسة، لأن الديمقراطيات الحية ليست تلك التي تحافظ فقط على مؤسساتها، بل تلك التي تمتلك القدرة المستمرة على تجديد نفسها والانفتاح على طاقات أجيالها الصاعدة.

    -باحث في السياسات العمومية والحكامة – دكتور في القانون العام والعلوم السياسية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • من جماعة « صباح ».. انطلاق ورش إعداد برنامج الانفتاح لتعزيز الثقة مع المواطنين (فيديو)

    في خطوة تعكس توجها متزايدا نحو ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، احتضنت جماعة صباح، التابعة لإقليم الصخيرات-تمارة، صباح اليوم الخميس 26 مارس 2026، ورشة الإعداد المشترك لبرنامج عمل الجماعة المنفتحة، وذلك في إطار « برنامج دعم الجماعات الترابية المنفتحة »، وبمشاركة أعضاء الهيئة الاستشارية وممثلي المجتمع المدني وعدد من الفاعلين المحليين.

    الورشة، التي انطلقت أشغالها بمقر الجماعة، تندرج ضمن سلسلة لقاءات تشاورية تهدف إلى إعداد مسودة برنامج الانفتاح، في أفق عرضها على الاستشارة العمومية قبل المصادقة عليها خلال دورة أكتوبر 2026، في سياق وطني يراهن على تعزيز الشفافية والمساءلة وتوسيع مشاركة المواطنين في تدبير الشأن المحلي.

    وفي كلمته الافتتاحية، أكد رئيس جماعة صباح، محمد الهلالي، عن حزب الأصالة والمعاصرة، أن انخراط الجماعة في هذا الورش يعكس إرادة حقيقية لتكريس مبادئ الانفتاح، مشددا على أن « هذا البرنامج يشكل رافعة أساسية لتفعيل الحكامة الجيدة وتعزيز الثقة بين المواطن والإدارة، من خلال إشراك الساكنة في إعداد وتتبع وتقييم السياسات المحلية ». كما أبرز أن الجماعة ملتزمة بتفعيل مقتضيات دستور 2011، خاصة ما يتعلق بالديمقراطية التشاركية والحق في الوصول إلى المعلومة.

    وأضاف الهلالي أن هذا المسار سيمكن من تحسين جودة الخدمات العمومية والاستجابة بشكل أدق لانتظارات المواطنين، داعيا مختلف المتدخلين إلى التفاعل الإيجابي مع أشغال الورشة من أجل الخروج بتوصيات عملية ترقى إلى تطلعات ساكنة الجماعة.

    في سياق متصل، عرف برنامج اللقاء تقديم عرض تأطيري حول الشبكة المغربية للجماعات الترابية المنفتحة، التي انخرطت فيها جماعة صباح إلى جانب 229 جماعة ترابية، والتي تشكل فضاء لتبادل التجارب وتعزيز التعلم الجماعي في مجالات الشفافية والمساءلة والرقمنة والمشاركة المواطنة.

    كما تم خلال الورشة تنظيم جلسات عمل موضوعاتية همّت أربعة محاور رئيسية اعتُبرت ذات أولوية على المستوى المحلي، ويتعلق الأمر بالماء الصالح للشرب، وملاعب القرب، والمساحات الخضراء والحفاظ على البيئة، إضافة إلى محور المشاركة المواطنة، حيث انكب المشاركون على تقديم مقترحات عملية وحلول مبتكرة تستجيب لحاجيات الساكنة.

    وتسعى هذه الدينامية التشاركية إلى بناء برنامج انفتاح يستند إلى مقاربة تشاركية شاملة، تُمكن من إشراك مختلف الفاعلين، خاصة المجتمع المدني، في جميع مراحل الإعداد والتنفيذ والتتبع والتقييم، بما يعزز النجاعة والشفافية في تدبير الشأن المحلي.

    ويُذكر أن برنامج دعم الجماعات الترابية المنفتحة يتم تنزيله تحت إشراف المديرية العامة للجماعات الترابية بوزارة الداخلية، بشراكة مع جمعيات وطنية، ويهدف إلى مواكبة الجماعات في تبني آليات حديثة للحكامة، وتعزيز إشعاع التجربة المغربية في مجال الحكومات المحلية المنفتحة على الصعيدين القاري والدولي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المجلس الحكومي يصادق على تعديلين يهمان ورقة التصويت وسقف المصاريف الانتخابية

    العرائش نيوز :

    صادق المجلس الحكومي، المنعقد يوم الخميس 26 مارس 2026 بالرباط، على مشروعي مرسومين يتعلقان بانتخاب أعضاء مجلس النواب، قدمهما وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، وذلك في إطار تحيين الإطار القانوني المنظم للاستحقاقات الانتخابية.
    ويتعلق المشروع الأول بالمرسوم رقم 2.26.278، القاضي بتغيير المرسوم رقم 2.11.605 الصادر سنة 2011، والذي يحدد شكل ومضمون ورقة التصويت الفريدة الخاصة بانتخاب أعضاء مجلس النواب. ويهدف هذا التعديل إلى تدقيق المقتضيات المرتبطة بكيفية ترتيب لوائح الترشيح ضمن ورقة التصويت، سواء خلال الانتخابات العامة أو الجزئية.
    أما المشروع الثاني، فيهم…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • وسيط المملكة: الإنصاف مفتاح تطوير الإدارة والارتقاء بالحكامة بالمغرب

     
    العلم: أسماء لمسردي

    أكد حسن طارق، وسيط المملكة، أن ترسيخ مفهوم الإنصاف في ممارسة الوساطة الإدارية يشكل مدخلا أساسيا لفهم تطور الحكامة بالمغرب، مشددا على أن هذه العلاقة تتجاوز الطابع البروتوكولي التقليدي للقاءات المؤسساتية، لتصبح منهجية علمية وأكاديمية لتعزيز فاعلية الإدارة.

    وأوضح وسيط المملكة خلال لقاء أكاديمي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالجديدة، ضمن فعاليات القافلة الجامعية التي تنظمها مؤسسة الوسيط تحت شعار « جسور للحكمة وترسيخ ثقافة الإنصاف » والتي شملت عددا من الكليات، أن مهام المؤسسة تقوم على حماية المرتفق من التجاوزات الإدارية والتظلمات القانونية، إضافة إلى الإسهام في ترسيخ الحكامة من خلال تقديم المقترحات والتقارير. وأكد أن نجاح هاتين الوظيفتين يرتبط ارتباطا وثيقا بنشر ثقافة الإنصاف وتعزيز الوعي بها داخل المجتمع، مشددا على أهمية الانفتاح على الجامعات وترسيخ النقاش العمومي حول قضايا الحكامة.

    ولفت إلى أن غياب الوعي بحقوق الأفراد وحدود الإنصاف يضعف فعالية الوساطة، إذ لا يمكن توقع تفاعل إيجابي من المواطنين أو من المؤسسات الأخرى دون إدراك جماعي لقيم العدالة. لذلك، تراهن المؤسسة على الانفتاح على الجامعة والمجتمع المدني كآلية لتعزيز هذا الوعي وتطوير ثقافة الحقوق.

    وأشار طارق إلى أن الإنصاف ليس مفهوما حديثا، بل يمتد جذوره فلسفيا منذ العصور اليونانية، حيث رأى أرسطو أن الإنصاف يشكل عدالة تصحيحية تتدخل عندما تعجز القواعد العامة عن استيعاب الحالات الخاصة. وأضاف أن الفيلسوف ابن رشد اعتبر أن « المنصف أفضل من العادل » في معالجة النقائص الناتجة عن التطبيق الحرفي للقانون، مؤكدا أن الإنصاف يشكل امتدادا للعدالة وليس بديلا عنها، كما أشار إلى نظرية جون راولز التي توازن بين الحرية والمساواة عبر تكافؤ الفرص وتطبيق سياسات التمييز الإيجابي.

    وأوضح وسيط المملكة أن الإنصاف أصبح أداة قانونية مهمة في المجال الإداري، لافتا إلى أن القانون العام قد يؤدي أحيانا إلى نتائج غير عادلة عند تطبيقه بشكل صارم، وهو ما عالجته الوساطة من خلال ثلاث آليات أساسية: اقتراح تعديل القواعد القانونية عند الحاجة، ملء ثغرات النصوص القانونية بما يراعي الحالات الاستثنائية، وتأويل القواعد الغامضة انطلاقا من مقاصدها لا شكلانيتها فقط.

    وذكر طارق أن القانون رقم 14.16 يمنح المؤسسة صلاحية اقتراح حلول منصفة ورفع توصيات لتعديل النصوص القانونية، مؤكدا في الوقت ذاته أن تدخل الوسيط يجب أن يحترم مبدأ الشرعية ويوازن بين حقوق الأفراد والمصلحة العامة، دون المساس بحقوق الغير أو خلق سوابق غير منضبطة.

    وأشار وسيط المملكة إلى أن تجربة المغرب مع الإنصاف شهدت ثلاث محطات رئيسية، بدءا بإحداث ديوان المظالم، مرورا بالعدالة الانتقالية وهيئة الإنصاف والمصالحة، وصولا إلى دستور 2011 الذي أكد حضور الإنصاف في مجالات متعددة من الحكم إلى العدالة المجالية وتكافؤ الفرص والحكامة الاقتصادية.

    وأكد طارق أن الوساطة المغربية تعتمد على اقتران منهجي بين العدل والإنصاف، حيث يمثل الإنصاف امتدادا للعدالة ووسيلة لتفعيلها عمليا، مشددا على أن سهولة الولوج إلى خدمات الوسيط دون تعقيدات مسطرية أو تكاليف تجسد هذا المبدأ على أرض الواقع.

    واختتم بالقول إن تطوير الإدارة المغربية يرتبط بفلسفة جديدة تقوم على الموازنة بين سيادة القانون وتحقيق العدالة الإنسانية، معتبرا أن الوساطة والإنصاف يعكسان تحولا عميقا في علاقة الإدارة بالمواطن، بما يعزز الشفافية والنجاعة والثقة في المؤسسات العمومية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الساعة المشؤومة.. جدل شعبي وصمت حكومي

    عزيز لعويسي

    بين شرائح مجتمعية واسعة تطالب بالعودة إلى الساعة القانونية للمملكة، المطابقة لتوقيت غرينتش، وحكومة تختار سياسة الآذان الصماء، تصر عقارب الساعة أن تدور وتتحرك ضد الإرادة الشعبية، محدثة حالة من القلق والارتباك والاضطراب الصحي والنفسي والسلوكي والاجتماعي والتربوي والتعليمي، كانت كافية لتوحد المغاربة قاطبة بصغارهم وكبارهم، حول مطلب إلغاء الساعة الإضافية والعودة التي لا محيد عنها، إلى “توقيت غرينتش”، لدواعي صحية ونفسية وبيولوجية واجتماعية، لايمكن البتة، أن يصمد أمامها، أي دافع “اقتصادي” أو “سياسي” أو “طاقي”، لأن صحة المغاربة وسلامتهم النفسية والاجتماعية، تبقى فوق كل اعتبار؛

    في ظل غياب القرار السياسي الذي من شأنه الاستجابة لنبض المغاربة ورفع الضرر الحال عليهم، وأمام هيمنة واقع التجاهل وعدم الاكتراث من جانب الحكومة التي تكتفي بالصمت الحاد، تواصل الحملة الوطنية من أجل العودة إلى الساعة القانونية، حشد الدعم الشعبي، في ضوء الاتساع المستمر لقاعدة الموقعين على العريضة الإلكترونية، وهذه المبادرة، بقدر ما تعكس حقا من الحقوق الأساسية التي خولها دستور 2011ـ للمواطنات والمواطنين وجمعيات المجتمع الوطني، من باب المشاركة في إنتاج القرارات والسياسات العمومية وتجويدها، ونقل المشاكل العمومية إلى السلطات العمومية، بقدر ما تعبر عن صرخة مجتمعية في وجه كل من يعبث بصحة المغاربة واستقرارهم النفسي والاجتماعي، واحتجاج شعبي، على كل السياسات والتشريعات، التي لا تساير نبض الشارع المغربي، ولا تعبر عن مطالب واحتياجات وانتظارات المغاربة؛

    مطلب العودة إلى “توقيت غرينتش” تجاوز حدود العريضة الإلكترونية التي حصدت عشرات الآلاف من التوقيعات، وانتقل إلى غرفة البرلمان، بل وتحول إلى نقاش يومي متعدد الزوايا والمستويات في المنازل والمدارس ومقرات العمل والمقاهي والمطاعم…، وفي هذا الإطار، وحتى في غياب لغة الأرقام والمعطيات، فنكاد نجزم، أن عموم ما لم نقل كل المغاربة، يتقاسمون مطلب إلغاء الساعة الإضافية، التي لم تحمل إليهم، إلا القلق والاضطراب النفسي والاجتماعي والسلوكي، مقارنة مع الوضع الذي كانوا عليه طيلة شهر رمضان في حضرة “ساعة غرينتش”، ويكفي استحضار حالة مئات الآلاف من التلاميذ الذين يغادرون المنازل إلى المدارس في جنح الظلام، سيما في فصل الشتاء، وهم شبه نائمين، وحالات النوم التي يتم تسجيلها في أوساط شرائح واسعة منهم داخل الفصول الدراسية، بسبب قلة النوم، وضعف الجاهزية والاستعداد لدى الكثير منهم، والتأخرات والغيابات خاصة في الفترات الصباحية، ويكفي تأملالكثير من الموظفين والعمال والمياومين، الذين يغادرون إلى مقرات عملهم، في وضعيات صحية، مطبوعة بالقلق والتوتر وضعف الجاهزية، فضلا عن تنامي منسوب السلوك الموسوم بالتوتر والعنف، بسبب الاضطرابات الصحية والنفسية الناتجة عن الساعة الإضافية، وكلها أعراض من ضمن أخرى، بسطها الكثير من الأطباء والفاعلين الاجتماعيين والنفسيين والتربويين، الذين حذروا من فاتورة الاستمرار في التوقيت المعتمد، على صحة المغاربة واستقرارهم النفسي والاجتماعي؛

    وفي هذا الإطار، من غير اللائق سياسيا وأخلاقيا، أن تبقى الحكومة غائبة عن المشهد المجتمعي، أو مصممة على وضع الشعب أمام واقع “الساعة المشؤومة”، دون اعتبار لحالة الجدل التي أثارتها وتثيرها، ودون تقدير تداعياتها على صحة المغاربة أفرادا وجماعات، وهذا السلوك السياسي غير الحميد، لا يعاكس فقط، مطلبا شعبيا وجماهيريا وحد مختلف طبقات وفئات المجتمع المغربي، بل ويعمق الهوة بين الحكومة والمجتمع، ويقوي الإحساس الفردي والجماعي بفقدان الثقة في السياسة، ويضرب في الصميم الانتخابات والديمقراطية التشاركية والسيادة الشعبية ومصداقية المؤسسات التمثيلية والهيئات المنتخبة؛

    الساعة الإضافية المفروضة على المغاربة مع سبق الإصرار، ما هي إلا مرآة عاكسة، لسياسات وتشريعات وقرارات سياسية، لا تساير نبض المجتمع المغربي، ما يجعلها مقوية لأحاسيس الرفض والغضب والسخط والاستنكار، وماسة بالسلم الاجتماعي والأمن القانوني، ومهددة لتماسك اللحمة الوطنية، كما حدث بالنسبة لقوانين مصيرية سترهن مستقبل المغاربة لسنوات، من قبيل المسطرتين المدنية والجنائية والقانون التنظيمي للإضراب، وكما سيحدث بالنسبة للإصلاح الذي سيطال نظام التقاعد في قادم الأشهر، حيث تتجه الحكومة إلى تمــريرثالوثها “الملعون” مستندة إلى أغلبيتها البرلمانية، دون اعتبار لحقوق ومصالح الموظفين، ودون تقدير حجم التداعيات المباشرة على أوضاعهم المادية والاجتماعية والنفسية، ما لم تبل النقابات البلاء الحسن في هذه المعركة المصيرية، وما لم تتحمل الحكومة، مسؤوليتها كاملة، في بلورة إصلاح شمولي يحظى بالقبول والإجماع، تراعى فيه المصلحة الفضلى للشغيلة؛

    وبالرجوع إلى الساعة المشؤومة، يحق التساؤل عن الدافع الحقيقي الذي فرض على الحكومة السابقة استعجال تغيير عقارب ساعة غرينتش خارج قاعدة الإجماع، كما يحق التساؤل عن السبب أو الأسباب التي جعلت الحكومة الحالية، تطبع مع العقارب وترسمها، دون أن تكون لها جرأة التغيير، انسجاما مع الاتجاه المجتمعي العام، الرافض لهذه الساعة المثيرة للجدل؟

    وفي هذا الإطار، ومهما حاولنا وضع الأصبع على الدافع أو الدوافع الحقيقية التي تحكمت في ترسيم ساعة الجــدل، فنرى حسب تقديرنا، أن صحة الأفراد والجماعات وراحتهم النفسية، تبقى أم الأولويات، ولا يمكن البتة، المساس بها أو تهديدها، مهما كان الدافع، وفي هذا الصدد، إذا كان البعض، يربط اعتماد الساعة الإضافية، بمبررات واعتبارات اقتصادية وتجارية صرفة، فلا يمكن إلا أن نكون مرحبين بالاستثمارات الخارجية لدورها في كسب رهانات الصعود والتحول التنموي، لكن في ذات الآن، غير مقبول، أن نربك مجتمعا بأكمله، ونفرض على مواطنيه، نمط عيش موسوم بالقلق والتوتر والارتباك، باسم الاستثمار أو العلاقات التجارية، ولا يستوي التأثير على المزاج الفردي والجماعي، والإسهام في إحداث حالة من الارتباك المجتمعي، مقابل إرضاء رغبات بعض الزبناء التجاريين …

    والمطلوب اليوم من الحكومة، أن تستحضر الاتجاه العام الرافض للساعة المشؤومة، وأن تستشعر تداعيات التوقيت المعتمد على الصحة العامة، وعلى تماسك اللحمة الوطنية، في سياق داخلي، مطبوع بحمى الأسعار وارتفاع تكاليف العيش، وتنامي منسوب فقدان الثقة في السياسة والفاعلين فيها، وسياق خارجي موسوم بالقلق والتوتر واللايقين، وفي المجمل، فقرار حكومي مسؤول، يكفي لرفع الضرر على المغاربة قاطبة، ويجنب البلاد والعباد، حالة من الجدل والقلق والاضطراب، كان بالإمكان تفاديها، لو حضرت الحكمة والمسؤولية والتبصر، وحضر ت معها قيمة احترام الإرادة الشعبية؛

    والأمل أن تخرج الحكومة من المنطقة الرمادية، وتتخذ ما هو ممكن من التدابير، التي من شأنها الدفع في اتجاه إعادة عقارب الساعة إلى سالف عهدها، ليس فقطـ، تجاوبا مع نبض الشارع المغربي، بل وحرصا على صحة المغاربة، وتحريرا لهم من سجن الساعة المشؤومة، التي حولت معيشهم اليومي، إلى حالة مستعصية من القلق والتوتر والاضطراب، الأمل أن تكون الحكومة التي اقتربت من محطة النهاية، معنية بهموم المغاربة، وحريصة كل الحرص على مصلحتهم الفضلى، وإلإ ما الغاية من الانتخابات وما الجدوى من المؤسسات والسياسات؟ ما لم تكـــــن محترمة للشعب، ومتفاعلة مع نبضه، ومعبـــرة عن مصالحه وقضاياه …

    إقرأ الخبر من مصدره

  • انتقدت “التسويف والمماطلة” من طرف الحكومة والوزارة.. نقابة تعليمية تجدد المطالبة بتنفيد “اتفاقات 2011 و2023”

    جددت الجامعة الوطنية للتعليم (FNE) مطالبتها بتنفيذ اتفاقات “26 أبريل 2011” و”10 و26 دجنبر 2023″، منتقدة ما اعتبرته “تسويفا ومماطلة” من طرف الحكومة ووزارة التربية الوطنية في تنفيذ الاتفاقات الموقعة والاستجابة للمطالب المشروعة لنساء ورجال التعليم.

    واعتبرت الجامعة، في بلاغ لها، أن أن “المنتدى الوطني للمدرس” هو “محاولة لتبييض فشل السياسات التعليمية” بالمغرب، مشيرة إلى أن الدعوة إلى تنظيم المنتدى الوطني للمدرس في نسخته الثانية تُقدَّم باعتبارها “محاولة مكشوفة لتضليل الرأي العام التعليمي والالتفاف على المطالب العادلة والمشروعة للشغيلة التعليمية”.

    واعتبرت أن هذا المنتدى “لا يشكل فضاء للحل، بل يندرج ضمن سياسة الهروب إلى الأمام وتبرير الفشل الرسمي بدل مواجهة جوهر الأزمة الحقيقية التي تعيشها المدرسة العمومية”.

    وأضافت النقابة ذاتها أن أزمة التعليم “ليست أزمة بيداغوجية تقنية فقط، بل هي أزمة بنيوية مرتبطة باختيارات سياسية كبرى، من بينها ضعف الاستثمار العمومي في التعليم، وضرب مجانية التعليم، وتوسيع منطق السوق، وتهميش المدرسة العمومية”.

    كما اعتبرت أن ما يسمى بالمنتديات والإصلاحات المتتالية “لا يعدو أن يكون غطاء لتمرير سياسات منسجمة مع إملاءات المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها تقليص كلفة التعليم وضرب الوظيفة العمومية وفتح المجال أمام خوصصة القطاع”.

    وسجلت الجامعة أن السياسات المتبعة أدت إلى “تفكيك المدرسة العمومية وضرب مبدأ المجانية وتعميق الهشاشة وعدم الاستقرار الوظيفي، كما مست استقرار وكرامة نساء ورجال التعليم”.

    وأشار البلاغ ذاته إلى أن ما يجري اليوم يعكس “استمرار نهج سلطوي يقوم على ضرب الحوار وإفراغه من مضمونه الاجتماعي الحقيقي، مقابل اللجوء إلى واجهات حكامة شكلية لا تخدم إصلاح التعليم”.

    وأعلنت الجامعة الوطنية للتعليم رفضها “الخضوع لإملاءات المؤسسات المالية الدولية التي تدفع نحو خوصصة التعليم وتفكيكه، كما رفضت السياسات التعليمية المنهجية التي تستهدف المدرسة العمومية وتكرس الاختلالات والهشاشة”.

    وأكدت الجامعة على ضرورة التنفيذ الفوري لكافة الاتفاقات السابقة، وعلى رأسها اتفاقات 26 أبريل 2011 و10 و26 دجنبر 2023، وبنود النظام الأساسي الجديد دون انتقائية أو تحايل، مع إسقاط كل أشكال الهشاشة والتعاقد وتفويت الخدمات للجمعيات وشركات المناولة، والتشديد على ضرورة الزيادة الفعلية والعادلة في الأجور والتعويضات والمعاشات بما يتلاءم مع الغلاء الذي يثقل كاهل المواطنين.

    كما عبرت عن رفضها للتشريعات التي وصفتها بـ”التصفوية، من قبيل القانون التجريبي للإضراب والمشروع التخريبي لأنظمة التقاعد، مؤكدة تشبثها بالنضال النقابي الوحدوي الديمقراطي والمتضامن دفاعا عن حق بنات وأبناء الشعب في تعليم عمومي مجاني موحد وجيد من التعليم الأولي إلى العالي، وعن حقوق ومكتسبات ومطالب نساء ورجال التعليم”.

    وفي ختام بلاغها، دعت الجامعة الوطنية للتعليم إلى “توحيد الصفوف وتصعيد النضال الميداني وبناء ميزان قوى حقيقي يفرض التراجع عن السياسات اللاشعبية، ويفتح أفق إصلاح ديمقراطي حقيقي يخدم المدرسة العمومية”، مؤكدة أن “استعادة المدرسة العمومية لن تتحقق عبر الشعارات، بل عبر القطع مع الفساد ووقف نزيف تبديد المال العام وإسقاط السياسات التي عمقت تدهور المنظومة التعليمية”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المغرب في صدارة الاستقرار العالمي.. نموذج أمني استباقي يفرض نفسه في خريطة مكافحة الإرهاب

    في سياق التحولات المتسارعة التي تعرفها خريطة الإرهاب العالمي، برز المغرب كحالة استثنائية في مجال الاستقرار الأمني، وفق ما كشف عنه تقرير حديث لمعهد الاقتصاد والسلام حول مؤشر الإرهاب العالمي لسنة 2026.  فقد صنف التقرير المملكة ضمن قائمة محدودة تضم 25 دولة فقط من أصل 163 لم تسجل أي هجوم إرهابي منذ سنة 2011، في مؤشر يعكس فعالية المقاربة المغربية في التصدي للتطرف.

    تحولات عالمية… تراجع الإرهاب عالمياً وتصاعده في الساحل

    أفاد التقرير بأن العالم شهد خلال سنة 2025 انخفاضاً ملحوظاً في عدد ضحايا الإرهاب بنسبة 28 في المائة، ليستقر عدد الوفيات في 5582 حالة، بالتوازي مع…