Étiquette : السفر

  • المحامي محمد كزغار يكتب “في رثاء ووداع نقيب النقباء”

    ذ. محمد كزغار*

    سيل من الذكريات الموحية تواردت تباعا على ناظريَّ ومخيلتي، بمجرد أن انتهى إلى علمي، مصاب انتقال روح قيدوم النقباء الأستاذ الراحل عبد اللطيف بوعشرين، إلى بارئها، لمكانة الرجل في قلبي وعقلي معا، فلقد اجتمع في الفقيد ما تفرق في غيره، يشهد بذلك الكل، لأني لا أحسب له عدوا، ولا مناصبا للعداء، فالرجل مشهود له بدماثة الأخلاق، وسعة الإطلاع، وقوة الحجة، والقراءة الحصيفة لسليم القانون، وفوق هذا وذاك، إنسانية فياضة، وحسن تعامل وخلق رفيع. لقد أخذت منا المنية، هامة وقامة لا أعرف لها نظيرا، وحسبي أن لا يجود بمثيلها الزمان يوما. وليعذرني القارئ، لذاتية ما سأكتب، لكن يشهد الله أنها ذاتية موضوعية، ليس فيها إلا ما شهدناه عيانا، وما علمناه تجربة وتحققا.

    • الاطلاع الكبير والسخاء في العطاء
      تعود معرفتي بفقيد المحاماة، إلى تاريخ زيارة مجاملة، قادتني إلى مكتبه في يوم من أيام عام 2002، بعد توفيقي في اجتياز امتحان الولوج إلى مهنة المحاماة. وكان التقليد، المغلف باللزوم، يتطلب من أي محام الحصول على توقيعات أعضاء النقابة، البالغ عددهم واحدا وعشرين عضوا. وكان المسلك، والسبيل إلى ذلك، يمر عبر زيارات المجاملة إلى مكاتبهم، الواحد تلو الآخر، غير أنه، وعلى عكس العادة، التي تقضي بتوصل الكتابة بالطلبات، لعرضها، استقبالا على الأعضاء لتنال شرف توقيعاتهم، فإن الراحل أصر على استقبالي شخصيا، وتخصيص زمن لتجاذب أطراف الحديث مع مبتدئ، لا زالت دهشة البدايات تعلو محياه.
      ولفجائية الموقف، ورهبته في الآن ذاته، علقت بذهني تفاصيل اللقاء، حتى لا أقول اللقاء في تفاصليه، فالموعد كان نهاية الأسبوع، صباح يوم سبت، ارتدى فيه النقيب، المعروف بأناقته، وذوقه الرفيع، لباسا رياضيا، لم يبعده عن الجد، ولم يخرج كلامه عن المعتاد سماعه عنه، فقد شرع، حين توقفت عن تقديم شخصي، في إسداء النصح لي، مشددا على الإخلاص لشرف المهنة وقسمها ورسالتها، وأكد لي من صميم تجربته الممتدة لسنوات خلت، أن المحاماة مهنة معطاءة، تبادل صاحبها الوفاء والعطاء، بقدر مثابرته، وجده وتفانيه وإخلاص في الدفاع عن حقوق المتقاضين، وعن السعي إلى ضمان محاكمة عادلة لهم، إحقاقا للحق وانتصارا لقيمه. نصائح لا زالت عبارتها بصوت الفقيد، تهمس في أذني، وأستشهد بها كلما استدعتها ظروف الزمان أو المكان، لأنها صادرة عن خبير بالقانون وبتفاصيله، بأحكام القضاء وسوابقه، محيط بفروع القانون في كليتها، مع تخصص في المادة الجنحية.
      وشاءت الأقدار، أن أحظى بشرف مجاورة النقيب، بعدما اقتنيت شقة في شارع الثاني من مارس المعروف لدى جمهور البيضاويين، في العمارة عينها التي ضمت مكتب النقيب، وكانت هذه الزيارة هي السبب فكان ذلك، فاتحة لمعرفة أعمق بالفقيد، ومبررا لانتظام زيارته، أفلم يوصي الرسول (ص) بالجار، حتى حسب الصحابة أن ذلك مقدمة لتوريثه…هذا كان مذهب الفقيد في علاقته بي، إذ كان يتحين فرصة زيارة الأساتذة المحامين من المغرب وخارجه لمكتبه، لدعوتي للحضور، وكنت أتحين هذه الفرص لما فيها من فوائد جمة، من تناظر فكري، وخلاف علمي عميق، وقبل كل ذلك أدب رفيع وانصات عميم، وهو ما كان له الأثر الكبير، في تعلقي بالمهنة وبحملة همها…وفي كل هذه اللقاءات، كان الفقيد تلقائيا في تصرفاته، وفي حديثه، يدخل هذا الموضوع، وينتقل إلى آخر، بتخلص لا نظير له، وبمنهج يعز على المرء اتباعه، فلم يكن مجلسه، مجلس علم وأدب، بل كان أيضا مجلسا دافئا، عائليا، بنكتة صاحبه وابتسامته التي تلقي رهبة وتقديرا على محاوريه ومُجالسيه…
    • النضال النقابي…الوجه الآخر للوفاء للمهنة
      في بدايات ممارستي المهنة، وأنا أهم بالالتحاق بقاعة محكمة الإستئناف التي كانت وقتها في حي الألفة، في ملف للمساعدة القضائية، استوقفني السيد النقيب، ومعه بعض الزملاء المحامين، فلما قدمت لهم شخصي، استغرب أحدهم، وأظنه الأستاذ فضة، من كوني زميلا له مسجل بهيئة المحامين بالدار البيضاء، فما كان من النقيب إلا أن أجابه “إن كنت لا تعرفه فسألني عنه،
      وتعود بي الذاكرة، وأستعيد لحظاتها، وأتوقف عند منتصف العام 2006، حين دخل الفقيد النقيب حملة انتخابية، “حامية الوطيس” بلغة الانتخابات ووصفها، كان ذلك، حوالي السنة والنصف قبل موعد الترشح لمنصب النقيب، وهي اللحظات التي تابعتها عن قرب وكثب، وبالرغم من أن الحظ عاكسه لحظتها، إلا أن ذلك لم يثبط عزمه، ولم ينل من همته، ولم يفقده الأمل، فعاود الكرة مرة أخرى، وخاض غمار التنافس بمناسبة الولاية التي تلتها، مطلقا حملة بنفس جديد وبمنهجية مبدعة، معززة بدروس الماضي. وهو ما مكنه من تحقيق نصر كبير، يزداد قدره وشرفه، إذا استحضرنا قدر منافسه، الذي لم يكن سوى النقيب الأستاذ درميش، الذي شهد للفقيد، لحظة وداعه الأخير، بحميد الخصال والتمكّن المهني والعلمي…وقد تركت لي هذه الحملة لقب “جار النقيب” الذي كان متداولا وسط الزملاء، فما إن يستعصي عليهم فهم موقف للنقيب، أو تفصيل من تفاصليه، إلا صاحوا فلنلجئ إلى “جار النقيب”…
      وتأبى الذاكرة، إلا أن تعيد السفر بي، لتحط رحالها، في عيادتي للفقيد، صيف 2009، بإحدى مستشفيات عاصمة الأنوار، في أعقاب تماثله للشفاء، إثر وعكة صحية ألمت به، وتخفيفا لي عليه، ورغبة مني في إخراجه من دائرة الداء والدواء، ذكرته، وحسبي أنني فعلت حسنا، بمجريات الليلة التاريخية التي أعلن فيها عن فوزه بالانتخابات المهنية سنة 2008، إلا أن ذلك، أطلق العنان لحماسة غير متوقعة منه، لدرجة أنه لم يكن راغبا في التوقف عن الحديث في الموضوع، رغم محاولات الزملاء العديدة، خاصة محاولات الأستاذ باحو حرصا منهم على صحته وسلامته، فقد كان محيى الفقيد شاهدا على حجم التعب والألم وأثر الداء، إلا أن حلاوة النصر وطعمه، أنسته كل ذلك. وأذكر أنه قال لي، ارتباطا بالموضوع لكن في فضاء وزمان آخر “كان حلمي في الحياة أن أكون نقيبا ولو لليلة واحدة، وبعد ذلك فمرحبا بالموت”.
      كانت رسالة الفقيد وهمه، أوسع من أن تحصر في مكتبه، وفي جلسات المحاكم، فلقد كان مسكونا بمحاماة أصلية، طاهرة، نبيلة، شريكة في مشروع بناء دولة القانون والعدالة. فبعدما استرجع عافيته، بحفظ رباني، وبرعاية ملكية سامية، انطلق الفقيد بسرعة نحو استكمال حلمه الكبير، ألا وهو خدمة الوطن وقضاياه، من بوابة الحقوق والدفاع، فاقتحم الفقيد واجهة النضال في واجهات عدة، أذكر منها: اتحاد المحامين العرب، والاتحاد الدولي للمحامين، مسخرا مهنة المحاماة سبيلا ليس للترافع فقط عن حقوق المتقاضين في المحاكمة العادلة أو في إرجاع الحقوق إلى أهلها فقط، وإنما للترافع من أجل حقوق وطنه، وعدالة قضيته الوطنية، ونصرة لوحدته الترابية…والشيء بالشيء يذكر، فقد كانت الندوة التي نظمها السيد النقيب بتعاون مع الاتحاد الدولي، في موضوع “المسؤولية المهنية” شهر ماي 2011 البوابة التي فتحت لي عضوية الاتحاد، وشاركت في نفس السنة بمؤتمر ميامي بالولاة المتحدة الامريكية، تلك العضوية التي لا زالت سارية إلى يومنا هذا…
    • الوطنية الصادقة…حب الوطن من الإيمان
      شاءت المحاماة أن تكون قرين القضايا العادلة، نصيرة لها، وهذا شأن المحاماة أيضا ببلادنا ورموزها. ولم يحد النقيب الفقيد عن هذا المنهاج أبدا. فصدفة، وهي خير من ألف ميعاد كما يقال، جمعتني به رحلة بالطائرة، إلى قاهرة المعز بأرض الكنانة في العام 2015، وفي الساعات الخمس، زمن الرحلة ومدتها، لم ينقطع فيها حديث الرجل، ولو لدقيقة واحدة، عن الأفق الاستراتيجي الذي ينبغي على مهنة المحاماة أن تتطلع به، عبر الترافع في المحافل الدولية لفائدة عدالة قضيتنا الوطنية…قضية جميع المغاربة…
      فالفقيد لم يكن يحس بوجود حدود بين المهنة والنضال، فالمحاماة ورسالتها، ووطنيته وغيرته على مصالح بلاده، ستخلق اتصالا وامتدادا بين النضال المهني والنضال من أجل مغربية الصحراء في هذه المحافل، لا سيما بعد وصوله إلى رئاسة اتحاد المحامين العرب، الذي ساهم في تعضيد الحضور الوازن لبلادنا في هذه الهيئة، ورفع منسوب الاهتمام، ودرجة وعي رجال القانون في العالم بعدالة قضيتنا الوطنية، وهو ما جعل مغربية الصحراء لازمة لكل مواقف الاتحاد، لا يفوت كل سانحة لتجديد التأكيد عليها، هذا إلى جانب دعم مقترح الحكم الذاتي، باعتباره مقترحا جديا وذي مصداقية، يقدم كل المقومات للوصول إلى حسل سياسي متفاوض بشأنه تقبل به جميع الأطراف في نزاع مفتعل يؤدي مشروع المغرب الكبير كلفته الغالية.
      ولم يقف الأمر عند الحد المذكور، بل إن طموح الفقيد النقيب أوصله إلى مستوى تجذير الدفاع عن القضية الوطنية للمغرب والمغاربة داخل أجندة وجداول أعمال الاتحاد الدولي للمحامين، وهو الهيئة المعروفة بصرامة تفاعلها مع المعطيات المهنية للمنتسبين إلى مهنة المحاماة، وسعيها الدائم إلى الابتعاد قدر الإمكان عن أي نقاش سياسي، غير أن ذلك لم يثن النقيب عن التشبيك بين الموقف الذي صاغه اتحاد المحامين العرب وبين الاتحاد الدولي للمحامين، خصوصا وأن للمنظمة الإقليمية حضور وازن ولافت داخل الاتحاد الدولي… هذا كان هاجس الراحل الذي باح به لي، في لقائنا بالمؤتمر السابع والستين للاتحاد الدولي المنعقد في البرتغال بالمدينة التي لا تقهر ( بورتو)…والحمد لله أن الفقيد عاش ليحقق حلمه وحلم زملائه، وحلم كل مواطن مغربي معتز بوطنيته.
      ولم تكن اليد البيضاء للرجل، على وطنه فقط، بل إن كرمها وعطائها امتد ليشمل دولا عربية؛ ساهم مساهمة حاسمة في اكتسابها للعضوية بالاتحاد الدولي للمحامين، أذكر منها على سبيل المثال: الكويت والبحرين. وكانت قراءة النقيب لهذا الموضوع موفقة، تنم عن حس كبير وعن عميق رؤيا، إذ كان يعتبر الموضوع، من قبيل إصابة عصفورين بحجر واحد؛ فعبر تقوية التمثيل العربي الشقيق الصديق في مثل هذه المحافل، يتقوى الحضور الداعم لمغربية الصحراء، وبقدر ما نبارد لخدمة الأشقاء، فإنهم سيصطفون معنا، في قلب رجل واحد، للدفاع عن مصالح بلادنا ضد مكر وكيد الحاقدين.
      والشيء بالشيء يذكر، فأتذكر، أني التقيت بالفقيد، والتعب باد على وجهه، بمدينة أكادير، على هامش احتضانها للدورة الأولى لأشغال مكتب اتحاد المحامين العرب سنة 2015. متوقفا توقف المسافر، المتوجه بعد ذلك إلى عيون الساقية الحمراء، فطلبت منه أن يكترث لصحته وأحوالها، وأن لا يجهد نفسه كثيرا، فكان جوابه “إن النضال من أجل الصحراء يستحق مني حياتي، فقد علمنا أسيادنا أن الجهاد الأصغر يفضي إلي الجهاد الأكبر، وهذا المبدأ آمنت به منذ أن دخلت ميدان المحاماة، ولذلك سميت إحدى بناتي جهاد”.
      لم تكن رئاسة النقيب للاتحاد فسحة، ولا قوسا انتهى بانتهاء مدة الانتداب، فشخص الفقيد ومواقفه وحزمه، لا زالت آثارها شاهدة عميقة في اتحاد المحامين العرب، الذي يعود تأسيسه إلى العام 1944، ولم يتولّ مهام أمانته العامة من المغاربة، قبل النقيب، سوى الأستاذ إبراهيم السملالي في الفترة ما بين العام 2003 والعام 2011. ومنذ انضمامي للاتحاد في العام 2004 أدركت أن منصة، وبوابة فسيحة قد فتحها المغاربة، فقد كان كل الزملاء الأساتذة حينما يعرفون جنسيتي يقولون “آه انت من بلد الرئيس”…وهو الشرف الذي لم يكن بالإمكان أن نناله وسط جمهور المحامين العرب، إلا بقدوة وعطاء الراحل…
      تشاء الصدف، ولنقل غرابتها…أن نفقد الجهبذين معا…ولم يفصل بين ميقات رحيلهما سوى أسبوع، لكن عبرهما ومن خلال أثرهما، نحتفظ للرجلين، بكل جميل عن مهنة مطالبة بعطاء أكبر، لتدعيم ما تركه السلف من مكتسبات، فمسير بناء دولة الحقوق، دولة القضاء المستقل، دولة احترام حقوق المتقاضين، دولة الدفاع عن الحقوق وكرامة المواطنين…لا زال طويلا…لكن روح الفقيد، وغيره من رجالات الدولة الأفذاذ ستظل حارسة لمسيرنا، مقومة لاعوجاجه، ناصحة لنا، دافعا له لبلوغ مداه…رحمك الله النقيب بوعشرين، وجعل مثواك الجنة وجعلك روحك خالدة، خلود رسالة الدفاع وشرفها…
    • الوفاء لروح الفقيد…العسل في الختام
      كلفني الفقيد، قبيل وفاته، بمهمة شراء عسل من سوس العالمة، وقبل أن أحضر له الكمية المطلوبة، ذكرني بعينة أهديتها له من قبل، فراقه مذاقه، وعجب للذته وصفائه، فطلب مني إحضار كمية مهمة، شريطة حصولي على المقابل مسبقا، فرفضت ذلك، وتمسكت بتقديم المطلوب هدية مني للسيد النقيب الذي أعزه كثيرا، فلما أحسست بإصراره وتمسكه برفض الأمر، قبلت بالأمر وبشرطه…وشاءت الأقدار أن تسبق يد المنون إلى روح الفقيد، قبل توصله بالمطلوب…ووفاء مني لروحه، ولالتزامي معه، قدمت الأمانة إلى عائلته وشرحت لها الموضوع، ومكنتها منها، وما بقي من المال الذي أخذته منه… فاجابني الاخ سعيد حارس العمارة ” منذ وفاة الاستاذ لم نر من قال ان النقيب مدين لي الا انت فأجبته “إن علاقتي مع الراحل كانت عسلا، وهذا العسل آخر حلقات تلك العلاقة”…رحمك الله السيد النقيب…

    *محام بهيئة البيضاء ودكتور في الحقوق

    إقرأ الخبر من مصدره

  • منظمة الصحة العالمية لا تنصح بفرض قيود على السفر

    أعلنت منظمة الصحة العالمية الجمعة أنها لا تنصح الدول راهنا بفرض قيود على السفر بسبب المتحورة الجديدة لكورونا في غياب الفهم المحدد لمستوى انتقالها وشدة عدواها بعدما رصدت في جنوب إفريقيا.

    وقال كريستيان ليندماير خلال مؤتمر صحافي دوري لوكالات الأمم المتحدة “اسمحوا لي بتكرار موقفنا الرسمي: منظمة الصحة توصي الدول بالاستمرار باعتماد نهج علمي يستند على المخاطر (..) في المرحلة الراهنة، نكرر مرة جديدة أننا لا ننصح بفرض قيود على السفر”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • هل بدأت المخابرات الألمانية تفقد مصداقيتها ؟

    الجميع يتذكر كيف ساعدت المخابرات المغربية نظيرتها الألمانية سنة 2016 على تفادي هجوم إرهابي خطير، بعد تحذيرها مرتين بمخطط سينفذه المتطرف التونسي أنيس العامري فوق ترابها، المرة الأولى كانت في التاسع 19 شتنبر 2016 والثانية في 11 أكتوبر 2016، عبر البريد الالكرتوني.

    وكان من الممكن تفادي وقوع هذا العمل الإرهابي الذي أدى إلى مقتل 12 شخصا في برلين، لو أن السلطات الألمانية أخذت على محمل الجد بتحذيرات المخابرات المغربية التي رصدت أنيس العامري، منذ إيقافه في إيطاليا، والحكم عليه بالسجن بعد عزمه الالتحاق بمناطق الصراع في سوريا والعراق، ثم بعد استقراره بطريقة غير شرعية، بمدينة دورتموند الألمانية لمدة 14 شهرا.

    تهاون واستهتار المخابرات الألمانية في التعامل مع هذا التحذير، تسرب إلى الصحافة الدولية، ما تسبب لها في إحراج كبير أمام المواطنين الألمان، تعرضت على إثره لموجة انتقادات لاذعة.

    الكل كان يعتقد أن هذه الواقعة الأليمة ستدفع السلطات الألمانية إلى تطوير التعاون الأمني مع المغرب، لما راكمته أجهزته الاستخباراتية من خبرة متميزة في مواجهة خطر الإرهاب، لكن العكس هو الذي حصل.

    عنجهية ألمانيا –حسب وصف بعض الخبراء الأمنيين- دفعتها إلى عدم تقبل مساعدة المغرب لها، فلم تجد ردا آخر يحفظ ماء وجهها (من وجهة نظرها)، غير الإساءة ومحاولة النيل من المؤسسة الأمنية المغربية التي أضحت محط إشادة دولية.

    وفي هذا الصدد، تواطأت المخابرات الألمانية مع المتطرف والمعتقل السابق على خلفية الإرهاب محمد حاجب، الذي يحتمي ببرلين للتحريض ضد المملكة ومؤسساتها، والأخطر من ذلك، كانت تسرب له كل المعلومات التي تتلقاها من المخابرات المغربية، بل وصل الأمر بالمخابرات الألمانية إلى إبلاغه بعدم السفر في نفس التوقيت الذي وضع فيه المغرب مذكرة دولية ضده لدى “الأنتربول”.

    السلطات الألمانية بهذه التصرفات، تكون قد خرقت واحدة من أهم قواعد الشرف المعمول بها بين أجهزة المخابرات، ناهيك عن تجنيدها لوسائل إعلامها العمومية بشكل غير مسبوق لشن حملات شرسة ضد المغرب ومؤسساته الأمنية، مستعينة بأشخاص ذوي خلفيات مشبوهة المعروفين بمواقفهم العدائية تجاه المملكة المغربية.

    حملات مسعورة وتقارير مضللة استهدفت أجهزة الأمن المغربي وصلت إلى حد تشبيهها بجهاز “شتازي”، واحد من أقذر وأشرس الأجهزة في عهد ألمانيا الشرقية والذي حول حياة الألمان وقتها إلى جحيم مستخدما أساليب تجسس لا تخطر على بال أحد للتحكم في جميع تفاصيل حياتهم ومنعهم من أي محاولة معارضة للدولة.

    ومن كان يعتقد أن هذا الأسلوب القمعي قد صار في حكم العهد البائد بعد سقوط جدار برلين، فهو واهم. كيف ذلك؟

    بعدما أحكمت الاستخبارات الألمانية قبضتها على المواطنين في الداخل عبر إقرار قوانين تمنحها صلاحيات واسعة في الرقابة على أي شخص وبدون مبرر، صادقت ألمانيا في شهر مارس الماضي على قانون جديد، يمنح صلاحيات إضافية للاستخبارات الخارجية « BND » التابع مباشرة لمكتب المستشارة الألمانية أنجيلا مركل.

    صلاحيات أعطت للجهاز سلطة رقابة غير مسبوقة، فأصبح بإمكانه تسجيل كميات هائلة من البيانات تصل إلى 30% من من قدرة الإرسال لجميع شبكات الاتصال العالمية كما صار مسموحا له باختراق حسابات المواطنين على شبكات التواصل الاجتماعي بما فيهم الصحفيين والنشطاء الحقوقيين.

    قانون أثار الكثير من الجدل في الأوساط الإعلامية والحقوقية، معتبرة هذه الممارسة انتهاكا صارخا لحرية الصحافة ولخصوصية المواطنين عموما.

    وقد أعاد هذا الجدل فضيحة تجسس المخابرات على الصحفيين إلى الواجهة من جديد بعدما سبق لمجلة “دير شبيجل” نشر وثائق رسمية كشفت أن وكالة الاستخبارات الخارجية BND كانت تراقب الصحفيين لما يزيد عن 20 عاما وأنها جندت البعض منهم لكي يتجسسوا على زملائهم مقابل مبالغ مالية.

    وفي هذا السياق، فقد اعترف فولكر فوريتش، رئيس وكالة الاستخبارات الألمانية سابقا، في حديث له مع جريدة “برلينر تسايتونغ” ، بأنه استخدم بعض الصحفيين كعملاء لبعض الوقت وأن الهدف من ذلك كان منع نشر أي تقارير مسيئة للوكالة.

    خطورة قانون الاستخبارات الألمانية الجديد دفعت عددا من المنظمات المعنية بشؤون الصحفيين اللجوء إلى القضاء الألماني لمراجعة مقتضياته على النحو الذي لا ينتهك خصوصية الأشخاص وهي المطالب التي لم تتجاوب معها ألمانيا حيث استمر السماح لـ BND بجمع وتحليل ونقل بيانات الصحفيين وجهات اتصالهم دون أي قيود.

    وفي سياق متصل، صادقت الحكومة الألمانية في أكتوبر سنة 2020 على قانون يسمح لأجهزتها الاستخباراتية مراقبة كل المحادثات الجارية على منصات المراسلة بما فيها المشفرة دون أي قيود أن مبررات وذلك عبر استخدام أحد أقوى برامج التجسس.

    كل هذه الصلاحيات التي أعطيت لجهاز BND، بررتها الحكومة الألمانية بذرائع أمنية تتعلق أساسا بالإرهاب. لكن، من سيضمن للألمان أو حتى لغير الألمان، أن المخابرات الألمانية ستستخدم هذه الصلاحيات فقط في مجال مكافحة الإرهاب؟ في الوقت الذي سبق تورطها في التجسس على المواطنين والصحفيين في الداخل والخارج، في انتهاك صارخ للخصوصية ولحرية الصحافة.

    وكيف لعاقل أن يصدق، أن كل هذه القوانين والصلاحيات التي منحتها ألمانيا لمخابراتها، سببها هاجس حماية أمن المواطنين من خطر الإرهاب، في الوقت الذي تحتضن فيه أزيد من 500 مقاتل من تنظيم “داعش” الإرهابي تحت ذريعة طلب اللجوء.

    لكل هذه الأسباب، نتساءل اليوم عما إذا كانت المخابرات الألمانية، من خلال تصرفاتها اللامسؤولة تجاه المواطنين الألمان وتجاه أهم شركائها في المنطقة، قد بدأت تفقد مصداقيتها؟

    إقرأ الخبر من مصدره