تحيط عيد الأضحى بالصحراء المغربية ممارسات وطقوس تجمع الغرائبي بالديني والأسطوري فاتحة أبواب هذه الشعيرة الدينية على آداب وقواعد تصير مراعاتها مرادفا للفأل والبركة وعموم الخيرات وخرقها نذير شؤم يهدد بتفكيك الأواصر وبث الفرقة والخلاف.
فمن بعض القبائل التي تحرم أكل قلب الأضحية وفاء لحكاية متواترة كان فيها القلب منقذا من موت محقق إلى تلك التي تتفادي أكل اللحم في أول أيام العيد أو من توظف “المرّارة” (البنكرياس) المجففة لدرء الشقاق بجسد الأسرة، تستدعي طقوس النحر الصحراوية ذاكرة محملة بالرموز والحكايا.
“يرمز عيد الأضحى في الذاكرة الشَّعبية الحسَّانية إلى المناسبات الاحتفالية التي تجسد رمزية الموت (الذبح والنَّحر)”، يقول الخبير في التراث الحساني، إبراهيم لحيسن.
ويضيف لحيسن، متقاسما مع مدار21 بعض خلاصات أبحاث قادها حول مميزات هذه الشعيرة في الصحراء، “تعبر الطقوس الشعبية بالصحراء الخاصة بعيد الأضحى عن تجارب طويلة لحياة الناس خلال تاريخهم الطويل والحافل بالتعدد والتنوع”.
“نهار عيدنا..نهار جوعنا”
فمثلا، يواصل لحيسن، “من عمق هذه الطقوس، تبرز مفارقة غريبة بالصحراء، ذلك أن الكثير من القبائل والعشائر الصحراوية يحرمون أكل لحم الأضحية يوم العيد مكتفين فقط بـ”أَفَشَايْ” -أي الدوارة- المكون أساساً من الكبد والرئة والقلب والأمعاء، ظنّاً منهم أن قطع اللحم واستهلاكه (جرح العيد) سيحدث الضرر بالأسرة فيسودها التفكُّك والاضطراب”.
ويضيف لتقريب الصورة أكثر “فاللحم هو بالتأكيد متوفر، ومع ذلك لا يتمُّ طبخه سوى ابتداء من اليوم الثاني للعيد، لذلك يتداول الحسانيون أثناء اليوم الأول منه عبارة “نْهَارْ عِيدْنَا..نْهَارْ جُوعْنَا”.”
من العادات الأخرى لدى بعض القبائل أيضا عدم أكل قلب الذبيحة إذ “يشيع بين أفراد بعض القبائل الصحراوية تحريم أكل قلب الذبيحة بسبب حادث قديم يعود إلى أيام غَزِّي” يقول لحيسن.
القلب النذير
ويتعلق الأمر حسب حكاية شفهية متواترة ب”جماعة من إحدى القبائل نحروا جملاً ووضعوا قلبه في الرَّماد لشوائه على مهل، وحدث أن ناموا بعد تناول العشاء ونسوا القلب مدفونا وسط الرماد.”
“بعد مرور مدة استفاقوا على وقع انفجار مدوي اعتقدوا أنه طلقة تهديدية من جيش غاز قادم للاعتداء عليهم، فتهيأوا وحملوا بنادقهم وأسلحتهم، لكنَّهم فوجئوا بأنَّ الأمر لم يكن يتعلَّق سوى بالقلب الذي نسوه، وما هي إلا لحظات حتى داهمتهم قوة غازية كانت تنوي مهاجمتهم ظنّاً أنَّهم نيام”، يتابع لحيسن.
ويفسر رمزية هذه الحكاية وامتدادها في وجدان البيضان (أهل الصحراء) بالقول ” وهكذا كان انفجار القلب المنسي وسط الرَّماد بمثابة إشعار ومنبِّه لنجاة هذه القبيلة من غزو محقَّق كاد أن يأتي عليهم. ومنذ ذلك الوقت، أقسمت هذه القبيلة الصحراوية تحريم أكل قلب الذبيحة”.
تطهير النفس من الهواجس
ويعدّد الباحث في التراث والثقافة الحسانيين أيضا طقوسا شعبية أخرى لا تُفَسَّرُ سوى باعتبارها عمليات تطهير للنَّفس (Catharsis) من الهَلْوَسَة والتخوُّف من المستقبل، ومنها الاحتفاظ بالمرَّارة (البنكرياس) وتعليقها على حائط البيت، أو باب الخيمة وتركها إلى أن تجفَّ مع مرور الوقت.
“يُمارس كثيرون هذه العادة رغبة في طرد الشر وإبعاد المرَارَة (بفتح الرائين) عن المناخ الأسري وإضفاء طابعي المودة والوئام (أو تجديدهما) على العلاقة بين الأزواج”.إبراهيم لحيسن، كاتب وتشكيلي وباحث في التراث الحساني
الطحال و”قتل الأب”
من العوائد المحلية الأخرى التي ترسم الطبيعة الاستثنائية للظواهر الشَّعبية بالصحراء، “تحريم أكل الطحال (الطَّيْحَانْ) على الذين لايزال أباؤهم على قيد الحياة، فمخالفة هذا الطقس يعد ضرباً من ضروب القتل الرمزي للأب”.
ويرى لحيسن أن “العيد بالصحراء مناسبة احتفالية وطقوسية يختلط فيها الديني بالأسطوري كما يجسِّد ذلك التَّعاطي لهذه المعتقدات الشَّعبية وممارستها على نحو ما تعبِّر عنه بالفأل والطِيرة والرَّغبة في العلاج والمُداواة”.
ويضيف أن “من عادات أهل الصحراء خلال هذه المناسبة حرصهم الشديد على تقديم البخور والعطور للضيوف قبل انصرافهم، فاختيار أجودها والمُباهاة بها يعدُّ أمراً شائعاً ومتداولاً عند البيضان”.
كما يشير إلى طقوس اجتماعية أخرى تصاحب الاحتفاء بالعيد والتي تجسد أواصر التلاحم والتواصل العائلي، و”منها اجتماع الأسر في منزل أكبرهم سنّاً، أو أكثرهم وَجَاهَةً، وفي ذلك تكريس لمعاني التآزر والتَّماسك الاجتماعي”.
تزداد المسافة بُعدا عن الحديث عن السلام و وقف القتال في أوكرانيا ، كلما استمرت الحرب التي اندلعت منذ أربعة شهور أي منذ 24فبراير2022.. فلم نعد نسمع بالمفاوضات التي بدأت على الحدود الأوكرانية / البيلاروسية ثم انتقلت إلى أنقرة و عواصم أوروبية أخرى .. ولم نعد نسمع عن اللاجئين الاوكرانيين وعن مصيرهم و لم تُنصب لهم مخيمات على الحدود أو مستشفيات متنقلة.. مثل ما وقع في أحداث مماثلة كسوريا و العراق مثلا…
لم نعد نسمع عن مجازر التطهير العرقي و المقابر الجماعية أو هدم البيوت على رؤوس ساكنيها..لم نعد نرى ” فلودومير زيلانسكي ” الرئيس الاوكراني بقميصه الصيفي العسكري يتجول في شوارع كييف…لم نعد نسمع كلمة السلام و كأنه سراب يتراءى للعطشان في يوم صيفي حار…السلام الذي كان الجميع يحلم به منذ الساعات الأولى و امتد إلى أيـــام ثم إلى شهـــور (4 شهور لحد الآن)…هاهي الكواليس تتحدث عن سنوات قادمة …
فقد عرف العالم خلال هذه الشهور الأربعة العديد من الأحداث الخطيرة المتسارعة والمتنوعة بين التهديد بالمجاعات أو قلة الحبوب على اعتبار أن الحرب تمنع البواخر من نقل الحبوب الأوكرانية إلى الأسواق العالمية..و التهديد بارتفاع أسعار الطاقة و الكهرباء بأسعار غير مسبوقة باعتبار روسيا هي المزود الرئيسي لأوروبا بالغاز الطبيعي والبترول و العديد من المواد الأولية…
لقد حلت لغة الردع و الردع المضاد محل الحديث عن السلام و وقف اطلاق النار و الممرات الإنسانية… وطغت على لغة السرد لغة العقوبات الاقتصادية و المالية و استعراض بيانات المساندة السياسية و المعونات العسكرية… من هذا الجانب أو ذاك.. واشتعلت الحرب في ساحات الإعلام و الرياضة و على موائد الأسر بارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية و إرتفاع أسعار مواد الطاقة…كنتيجة لتغييب لغة السلام و المفاوضات و تغلييب لغة العقوبات الاقتصادية و المالية…
فهل ما يجري الآن من عقد إجتماعات حضورية أو عن بعد و استغلال ذلك من أجل بعث رسائل سياسية الطرف الآخر… هو عودة لأساليب الحرب الباردة و تـــرجع بالعالم إلى مرحلة ما قبل سقوط حائط برلين سنة1989 …أم هي ترتيبات جديدة لنظام عالمي جديد و بثنائية قطبية جديدة مع بعض التعديلات في التكتيكات على مستوى الشعارات السياسية و الأيديولوجية ..؟
فالعقوبات المالية و الاقتصادية لدول الغرب ضد روسيا لم تَفِ بغرضها ، أي الضغط على روسيا من خلال رفع كـُلفتها الاقتصادية و المالية و هو ما يؤدي الى رفع الـكُلفة الاجتماعية..قــد تـــدفع إلى الاحتجاج في شوارع موسكو والإطاحة بنظام بوتين مثلا..إذ سرعان ما أعلنت موسكو عن قبولها الأداء فقط بعملها الوطنية “الروبل” مقابل الغاز الطبيعي و البترول..وهو ما خلق نوع من الردع المضاد و وفـــر أوكسجين اقتصادي لروسيا..لكن هذا لا يعني أن تلك العقوبات لم تضر بالاقتصاد أو بالمواطن الروسي..كما انها لا تعني عدم مساهمتها في تخفيف أضرار الحرب على أوكرانيا..
الإجماع الأوروبي و دول الغرب و حلف الناتو على إدانة الاجتياح الروسي للأراضي الأوكرانية لم يكن كافيا لحشد إدانة عالمية داخل أروقة مجلس الأمن الدولي و الأمم المتحدة إذ امتنعت عن التصويت العديد من الدول وخاصة من الدول الأفريقية حوالي 35 دولة..أضف توفر روسيا عن حق الفيتو مما يحول دون إصدار أي قرار إدانة من طرف مجلس الأمن الدولي ضدها..لكن هذا لا يدخل في خانة الفشل السياسي بل شاهدنا ارتفاع أصوات مطالبة بضم أوكرانيا لدول الإتحاد الأوروبي و رفع نسبة الدعم المالي و العسكري..و ضم السويد و فيلانديا إلى حلف الناتو العسكري..
فمن تصريحات دافوس الاقتصادي بسويسرا إلى المنتدى العالمي لسان ييترسبورغ…و من بيانات بروكسيل و واشنطن و لندن و روما و برلين و باريس الى بكين و نيودلهي و بودابست…
الآلة الديبلوماسية تتحرك بشكل رهيب و متسارع ليس لبناء السلام و لكن لبناء أو تدعيم تحالفات سياسية و إقتصادية و عسكرية قديمة/ جديدة..إذ عرف شهر يونيو الحالي وحده عقد إجتماعات بدلالات سياسية لــدول البريكس الخمسة اي البرازيل و الصين و روسيا و الهند و جنوب افريقيا..وهو تحالف نشأ مند 2009 بالصين لكن أهمية انعقاده أثناء الحرب على أوكرانيا تجعل منه حدثا سياسيا و عسكريا أكثر منه شئ آخر…يقابله انعقاد اجتماعات مجموعة دول الإتحاد الأوروبي و مجموعة G7 الاقتصادية بألمانيا و الناتو بمدريد في اخر شهر يونيو …
وهو ما يعني رفع وثيرة الإشتغال على ترتيبات قطب مقابل قطب آخر..إذ يُشَـبه العديد من المراقبين مجموعة البريكست بمجموعة G7 الاقتصادية ..حيث تضم أكبر الدول كثافة للسكان أي الصين و الهند و البرازيل و روسيا و جنوب أفريقيا ( 40في المائة من سكان العالم ) وهو ما يعني سوقا استهلاكيا كبيرا ، بالإضافة إلى توفر المجموعة على العديد من نقط القوة كمصادر الطاقة و التكنولوجيا و المواد الأولية و اليد العاملة.. و أن عضويْن منها أي الصين و روسيا عضويْن دائميْـن في مجلس الأمن الدولي ، كما أن توفرها على بنك للتنمية ( يقابل صندوق النقد الدولي ) سيمهد الطريق لانظمام حلفاء كلاسيكيين كالجزائر وكزخستان و فنزويلا …وهو ما يعني المزيد من مصادر الطاقة و دول اخرى من أفريقية و امريكا اللاتينيه…وهو ما سيشكل بالفعل قوة اقتصادية و تحالف سياسي وعسكرية فاعل على الساحة الدولية…إذ شدد بيانه الختامي إلى احترام الوحدة الترابية لكل الدول في إشارة مُضمرة لملف التايوان…
الآلة العسكرية مستمرة في رفع عدد القتلى و الجرحى و التدمير و اللاجئين، و آلـية العقوبات المالية و الاقتصادية مستمرة في الرفع من أزمات اجتماعية و اقتصادية عالمية كالحبوب و الطاقة… و الآلة السياسية و الديبلوماسية مستمرة في الرفع من عدد التحالفات وعدد الحلفاء و الردع و الردع المضاد..أمام مشهد يجهل الكثير منا مصيره و مداه بين حرب عالمية مدمرة و بين وضع حرب عالمية بالوكالة و سلام مفقود…لكن يجب انتظار مخرجات اجتماع G20 الذي سينعقد في شهر نوفمبر القادم بأندونيسيا حيث سيجتمع كل من أعضاء البريكس و الناتو و G7على طاولة واحدة…فهل ستساهم المدة الفاصلة في نسج خيوط السلام الصعب…؟
بكل وضوح، موضوع “أضحية العيد” محسوم من الناحية الشرعية، باتفاق كل العلماء. لكن، بالرغم من ذلك، يحرص بعض الناس على إعادة الخوض فيه بشكل “دراماتيكي”، وجعله يحتل ساحة النقاش المجتمعي بشكل سلبي، كل سنة.
في اعتقادي، لدينا ما يكفي من المشاكل القائمة التي تحتاج منا أن نركز عليها، و نتعاون لحلها. و لا معنى في زيادة تحريك “ديناميكية التأزيم النفسي” التي يتقن البعض إشاعتها في واقع الناس، بشكل متعمد و غير منطقي. فموضوع أضحية العيد، له دلالات و معاني و قيم أرقى من أن يستعمل البعض المناسبة الفضيلة لعيد الأضحى، من أجل توتير الأنفس و زيادة الانفعال، بسبب أثمنة الخرفان، التي يقولون عنها أنها مرتفعة.
أظن أن هنالك أسئلة منطقية واضحة يجب إعادة طرحها :
– هل هنالك شيء يلزم الإنسان على شراء أضحية العيد، إذا تجاوز ثمنها قدرته و ظروفه المادية ؟؟ طبعا، لا …
– هل الأضحية فرض ديني مؤكد، يتوجب بالضرورة و بالتأكيد على كل المسلمين تأديته و إلا نقص دينهم ؟ طبعا، لا …
– لماذا، إذن، كل هذه “الجذبة” على شراء أضحية العيد، و في نفس الوقت تعمد الإكثار من الشكوى بسبب أسعارها، ما دام الإنسان لا يتوفر على ثمن الخروف ؟
– لماذا هذا الإصرار من طرف عدد من المواقع الإلكترونية، على اجترار “روبورطاجات” في الأسواق و تكرار موال الحديث عن “ارتفاع أثمنة الأضحية”، عوض تنبيه العموم إلى جوهر شعيرة العيد و القيم السامية التي من أجلها يحتفل المسلمون بعيد الأضحى؟
– لماذا يحب كثير من الناس، قضاء أسابيع كاملة في “تجرجير الهضرة” بشأن مسألة محلولة من الأصل، بناء على أساس ديني واضح، ملخصه “لا يكلف الله نفسا إلا وسعها” …؟
بالتأكيد أن الخروف ليس جزءا من أزمة ارتفاع الأسعار، و لا هو أهم عنصر فيها، و لا علاقة له بها. و إذا كان سعر الخرفان مرتفعا، هذه السنة، كما يقول البعض، فلا شيء يلزم غير القادر على شرائها. و عدم القدرة قد تكون نسبية جدا، ليس بعدم توفر ثمنه، بل بسبب وجود أولويات على الأسر التركيز عليها ماديا بشكل أكبر، عوض شراء أضحية العيد (مصاريف التطبيب / مصاريف المدرسة / واجبات مختلفة…).
من جهة أخرى، من الزاوية الاقتصادية الصرفة، رب ضارة نافعة، لأنه إذا كانت أسعار أضحية العيد مرتفعة، و انخفض عدد الخرفان التي يتم بيعها ما قبل العيد، ييكون ذلك أمرا إيجابيا لأنه سيضمن توفير عرض كافي من رؤوس الأغنام، خلال السنة، و يحافظ على استقرار أثمنة اللحوم.
و بالتالي، من استطاع إلى الخروف سبيلا، الله يبارك له فيه. نقول له بالصحة والعافية، و ليأكل منه و ليتصدق على جيران فقراء. و من لم يستطع توفير مستلزمات شراء أضحية العيد، عليه أن يسعى لأجر مع الخالق سبحانه وتعالى، من أبواب أخرى. و لنركز جميعا على بلورة حلول لمشاكل حقيقية أخرى تفرض نفسها علينا، عوض تأزيم الوضع النفسي للناس، بسبب ثمن خروف، نأكل من لحمه، ما تيسر، قبل العيد و بعده !
عندما أقول لا تجعلوا خروف العيد طرفا في أزمة ارتفاع الأسعار، أنا ألوم على من يتجاوزون قدراتهم المادية لشراء خروف العيد ب 3000 أو 4000 أو 6000 درهم، و هي مبالغ فوق الطاقة بالنسبة للكثيرين، و تعاليم الدين لا تطلب منا فوق ما نستطيعه. بشكل عام، ثمن الخروف يخضع لقانون العرض و الطلب المحلي، و ثمن أضحية العيد يختلف بحسب مستوى العرض و الطلب، و بحسب يوم شراء الأضحية. و الخلط بين ارتفاع أسعار الخروف و بين أزمة الغلاء، هو خطأ في التقدير، لأن المشكل الأساسي الذي نريد له حلا هو الارتفاع الفاحش لأسعار المواد الطاقية و بعض المواد الغذائية. لذلك، لا يجب الخلط بين موضوع هيكلي كبير هو التضخم، و بين موضوع شراء خروف الذي يرتبط بمناسبة ظرفية و مصروف عابر في ميزانية الأسر، لأن في ذلك إساءة لمنطق الترافع المطلوب منا حفاظا على القدرة الشرائية للمواطنين، التي أعتقد أن لها حلولا قابلة للتطبيق.
إذا كانت محاربة هشاشة الوضع الاجتماعي لعدد من الفئات، تستدعي تدابير و برامج متنوعة، و تتحقق عبر تطوير نسبة النمو و خلق فرص شغل، فإنها تستدعي، أيضا، توفر الوعي بتدبير الأولويات، و تتطلب تغيير عدد من السلوكات الاستهلاكية، و العودة إلى نشر قيم التضامن المجتمعي التي وحدت الناس حول الأهم في السابق. و لا شك أن ذاكرة كثير من الناس، لا زالت تحمل صورا عن أيام كانت فيها أسر كثيرة تجتمع، في قبائل معروفة، و تضحي بثور واحد و خروف، و يتقاسم الناس لحمه بشكل متساوي. فيفرح الجميع بالعيد و يسعدون بكونهم نجحوا في تدبير إمكانياتهم المحدودة بشكل جيد يضمن استدامة الصمود أمام مشاكل الواقع و تحدياته.
لذلك، نحتاج بقوة، قبل أن يفوت الأوان، إلى العودة لقيم و سلوكات موجودة في ثقافتنا، كانت تتميز بالعقلانية و النبل و الحس الإنساني العالي و الروح الطيبة بين الناس و الجمال في السلوك.
المهم، من الآن، للجميع أقول عيدكم مبروك، و كل عام و أنتم محفوظين من كل سوء، و بلادنا في حفظ الله و كريم رعايته. و دعواتنا الخالصة بالشفاء و العافية التامة لأمير المؤمنين جلالة الملك أعزه الله.
هناك جوانب وجوانب من تدبير الدول والمؤسسات، لاينبغي أن تكون موضوع مزايدات سياسية أو ساحة للدعاية الايديولوجية أو الانتخابوية. مهما بلغت من حدة وتوتر و انتظار لا يمكن أن نجعل من حياة المواطن اليومية، من وجباته المنتظمة صباح مساء، من “كاميلته”، مسألة تراشق سياسي وإعلامي لن يفيد الدولة والشعب في شيء. وإذا حاولنا رسم صورة هذا التراشق الإعلامي والسياسي في المغرب في هذا الموضوع، فإنه بإمكاننا إيجاز ذلك في لوحة واحدة، تبرز فيها الحكومة بقيادة عزيز أخنوش، تدبر وضعا صعبا متأزما ويكاد يكون خطيرا على سلامة الدولة ككل فيما يتعلق بتوفير مؤن السوق الوطنية من مواد أساسية، وفي ضمان استقرار قدرة المواطن المغربي على اقتناءها دون الخروج عن الخط الأحمر لقدرته المالية. في هذا الجانب، يقف عزيز أخنوش هو وفريقه محاولين تطويع قواعد الاقتصاد والمالية العامة بصعوبة كبيرة جدا، لكي تكون ملائمة لخزينة الدولة ومن تم ضبط دورة الاستهلاك والانفاق. في هذا الجانب هناك معاناة كبيرة وألم شديد وأرق دائم، بالنظر إلى مؤشرات وأرقام مواد الطاقة والمواد الغذائية على المستوى العالمي، من أجل البحث كل يوم عن حلول عاجلة وأحيانا مرتجلة لكن تفي بالغرض. هذه الجهة في يومياتها التدبيرية، التي يمكن أن تشكل قصصا ملحمية فيها أبطال لم يتخلوا عن مهامهم رغم الإرهاق والمعانانة وقلة الحيلة، لكي يرسموا قدْر المستطاع صورة مغرب إفريقي عربي متوسطي صامد شامخ غير منبطح أو فاقد للقدرة والإرادة على الاستقرار، هذه الجهة بدل أن تنكب على المستقبل وتخطط له وتؤسس قواعده، شاءت الأقدار أن تتكاثف الأزمات واحدة تلو الأخرى لتؤجل حلم المستقبل من أجل التفرغ للآني والمستعجل. هذه الجهة تجسد معنى الجدية، والواقعية في تدبير شؤون الأمم، لا تكترث للسياسة ولا تصنعها بقدر ما تهتم بصناعة التاريخ، تاريخ الصمود والتضامن خلال الاوقات العصيبة من حياة الشعوب. في الجانب الآخر من الصورة، ينتصب الشيخ عبد الإله بنكيران رئيس الحكومة المغربية الأسبق، وبجانبه ألوية من المجتمع المدني الاجتماعي غير المحدد الأهداف والوسائل، وربما غير الواضح الدوافع والمحركات، هل هو مجتمع مدني اجتماعي ذي أهداف ترافعية حقيقية، أم مجتمع مدني مسيس مستحزب، يشتغل ويقدم خدمة معارضة خاصة ضمن امتدادات سياسية؟. بجانب عبد الاله بنكيران أيضا يقف مناصروه من حزب العدالة والتنمية المغربي، وعدد من معارضي الحكومة الذي شربوا من لبنها حينما كانوا على أرائك الحكومة والأغلبية، يقفون ليس حبا في مرجعية قائد البيجيدي، وإنما برغبة يعتبرونه أحد وسائل ومعاول هدم حكومة أخنوش إن لم يكن هدم صورة أخنوش الشخصية. في هذه الجهة من الصورة، تختلط علينا فيها ألوان الأصفر بالأزرق بالرمادي بالأسود القاتم، بالأبيض الملطخ بالوحل، وهكذا يتزاوج هذا الطيف بدون أي رابط فني سوى رابط الفرجة وقذف صورة الحكومة التي استلمت مهامها منذ بضعة اشهر فقط. الشيخ عبد الاله بنكيران أخلاقيا وتدبيريا، لا يمكن أن يعفيه عاقل من نتائج وتراكمات تسييره للشأن العام، لاسيما في إدارة المقاصة وسياسة المحروقات، إضافة إلى تجميد وضعية الطبقة المتوسطة والعصف ببعض مكتسباتها وحقوقها الاجتماعية والاقتصادية وعلى رأسها الزيادات في الأجور مقارنة مع المعيشة، و مداخيل التقاعد ونسب الضرائب المفروضة. عند معالجة هذا الجهة لموضوع الغلاء في الأسعار، نرصد تناقضات كثيرة وكلاما شعبويا لا يستقيم مع تدبير الدولة، بل نجد كلام هواة بياعين كلام ليس إلا. هل بهذه البساطة التي يقترحها بنكيران يمكن حل مشكل الغلاء؟ تارة يرفع عبد الاله بنكيران العصا في وجه الجماهير والشعب، ويقول أنه هو من أنتج مكرها اختلالات صندوق المقاصة ونظام المقايسة لتدبير أسعار المحروقات، وتارة يقول أنه تفاجأ بتواطئ أرباب شركات المحروقات، بدون أن يقول لنا كيف تعامل مع هذا الوضع أم أنه استسلم لهم ولم يجد حيلة قانونية أو إدارية أو رقابية لضبط حركاتهم في السوق كما يفعلون مع أصحاب تموين السلع الاخرى والخضر وفي محاربة الاحتكار والمضاربة، فأي رئيس حكومة هذا الذي يعترف أنه لم يستطع مراقبة صندوق المقاصة ومراقبة حركة تدفق المحروقات في البلاد؟ بل ولم يقل لنا كيف أن شركات تشتغل وفق قواعد البورصة المتمثلة في الشفافية وصدقية المعطيات أن تتلاعب بالفواتير؟. ثم إنه يرفع سوط الفقيه عاليا ليعطي “فلقة” المسيد، لكل من لم يحفظ الارتباط بالفقيه، ويقول أنه ندم على عدم رفع الدعم عن البوطا والسكر والدقيق، وأنه يرفض أي زيادة للموظفين في هذا الظرف الصعب. أي منطق اقتصادي أو سياسي هذا الذي يسوقه بنكيران؟ التفسير الوحيد لذلك هو الرغبة الجامحة في الانتقام من المصوتين ومن الشعب، الرغبة في خلق الكراهية بين الحكومة والمواطن ورجل السياسة، لأنه لم يتمكن من إعطاء أي تفسير علمي عقلاني موضوعي لظاهرة الغلاء في الأسعار مع إعطاء رؤوس حلول مبدعة، ولعل هذا هو المشترك الكبير بين جميع التيارات الإسلاموية، لاتملك رؤية وواقعية لتدبير شؤون الدولة، بقدر ما تنتج خطابا شعبويا فضفاضا عن الديمقراطية. الأزمة الحالية للغلاء في الأسعار عبر العالم، حدد الخبراء في مختلف الدول وفي مختلف المنظمات والمراكز العالمية، اسبابها في عنصرين رئيسيين بالغي الأهمية والتأثير المباشر. السبب الأول هو الإغلاقات والإفلاسات الناتجة عن فترات الحجر الصحي، خصوصا على مستوى المعامل وعلى مستوى شركات النقل واللوجستيك. ضخت الحكومات أموالا كثيرة في السوق لمساعدة الأسر والمقاولات مما رفع من حجم الطلب في 2021 (سنحت التعافي المفترضة) وهو الشيء الذي أدى إلى تدهور التوزارن بين الطلب المرتفع من جهة و سلاسل الإنتاج والنقل المتذبذبة. هذا ما جعل أثمان المواد الأساسية ترتفع بما فيها البترول والغاز والصويا والقمح. الحرب على أوكرانيا كانت كالزيت فوق النار: ارتفاع صاروخي في البترول والغاز والقمح باعتبار روسيا وأوكرانيا مصدرين أساسيين للقمح وباعتبار روسيا من أكبر منتجي النفط والغاز. هناك خبراء دوليون، أشاروا إلى أن نسب التضخم ارتفعت بشكل غير مسبوق بسبب جائحة كورونا، منذ سنة 2020، وهناك منهم من كان قد توقع خلال سنة كوفيد 19، الاقتصاد الصيني تعرض لضربة كبيرة ولتضخم خطير والولايات المتحدة الأمريكية هي أيضا ارتفع تضخمها إلى نسبة تاريخية وصلت 7،5 في المائة، ناهيك عن نسب أخرى اكثر ارتفاعا في اوروبا وروسيا، مما يهدد اقتصاداتها جميعا. ورأى هؤلاء الخبراء في تحاليل كثيرة أن حل أزمة اقتصاد كورونا قد تكون عسكرية باندلاع نزاع مسلح كبير يفك الضغوط عن الاقتصادات ويحرك المصارف والتجارة والأموال من جديد. وهذا فعلا ما حدث، (وهذا هو السبب الثاني) اندلعت حرب روسا/أوكرانيا/الغرب، تموقعت فيها أطراف كبرى ووزعت الأسلحة، مما زاد من ارتفاع اسعار الطاقة والتي انعكس بشكل مباشر على عملية الإنتاج والنقل الداخلي والدولي. أمام هذه الصورة المختصرة للوضع، كيف يمكن للمغرب أن يدبر أوضاعه الداخلية بشكل سليم؟ الوضع ملتبس وخطير ويمس بشكل مباشر الأمن الطاقي والغذائي للشعوب. غير أن الأسواق المغربية رغم الأزمة تتوفر على كل شيء، مقارنة مع دول تمتلك البترول كالجزائر مثلا التي تفتقر أسواقها، لمنتوجات استهلاكية كثيرة ضرورية، بل إن دولا كبرى اقتصاديا كألمانيا وفرنسا واسبانيا، تعاني يوميا مع توفير مادة زيت المائدة للأسر والمطاعم وكل المستهلكين، بحيث تكاد تكون شبه مفقودة، وعند توفرها لا يمكن للمواطن أن يحصل على اكثر من لترين أو ثلاث لترات وبأثمنة خيالية. المغرب بفضل الاستثمارات الفلاحية الكبرى، سواء من خلال مخطط المغرب الأخضر والحيل الأخضر ، أو بفضل المشاربع الفلاحية المهمة والإصلاحات العميقة التي عرفها القطاع، ساهمت بشكل كبير في تدعيم السوق المغربية بشكل لم يشهده العالم. لذلك فإن المغاربة يجب أن يدركوا أن بلدهم أسس قواعد متينة جاهزة للتعاطي مع كل الأزمات، وما على الجميع سوى تفهم الأزمة بشكل عميق وبشكل مواطن ومسؤول، وبمزيد من الصبر والتضامن، لا شك أن بشائر الفرج العظيم سيحل بهذه البلاد مع بداية السنة المقبلة، خصوصا وأن بوادر استثمارات عالمية وعربية كبيرة بدأت تنسق ينود عودتها للمغرب من جديد.
بعض اليافطات التي تحمل أسماء الأزقة والدروب بسلا القديمة تطرح الاستفهام حول معناها ومغزاها، والسياق التاريخي الذي حملت فيه هذه الأسماء. وتسبح أمواج الروايات تتلاطم في ذهني، لعلها تنير حلكة الظلام الدامس الذي يتملكني، كلما فشلت في فك شيفرات معانيها. فأنفق جهدا مضاعفا، وأسلط بصيصا من نور كشاف حولها، لعلني أنطقها، وأحقق متعة فضح سرها، وتحطيم تعنتها، وقهر عنادها.
أسماء غامضة لدروب وأبواب، مثل “رحيبة زركالة” و”عقبة المكودي” و”بوطويل”و” الحفرة” و”باب شعفة”و “باب الريح”و “باب يفرط” و”بجكة”و” باب أمصدق”و”راس الشجرة”. وشخصيات تحمل بعض المساجد أسماءها مثل”النميلة” و”بوحدو” و”الحضرمي” و”البرنوصي” و”المخفي”، تجعلني أتحدى الزمن، كدون كيشوط معاصر يحارب يافطات زليجية، لعلني أحقق انتصارات نفسية.
وقفت أمام زقاق ضيق لايتعدى عرضه المتر الواحد، وبه “تلاوي” كان يقطن به يهود سلا. وتأملت لوقت يافطة كتب عليها إسم الزقاق”بلاعة”؟!!!. ترى ماذا يعني هذا الإسم؟ أفهم جيدا أن الزقاق الضيق والملتوي كهذا، يكون لاغراض أمنية. فكل”غاشي” سولت له نفسه الدخول، تكون عرضته صب الزيت المغلى والماء الساخن على رأسه من فوق سطوح المنازل. بل وتكسير عظامه بما توفر بداخل المنزل. كما أن الغزاة لا بد أن يدخلوا فرادى لضيق الزقاق. والنيل منهم محسوم إذن. إنها بلاعة من يتطاول على أهلها. و”مبلعة” على “البراني”…تلكم مجرد رواية من نسج تحليلي، أشفي بها غليلي.
وأنا أخلخل يافطةحومة “رأس الشجرة” سقطت ورقة من غصنها الوارف الظلال، لترفع الستار عن سير أشخاص وتفاصيل أحداث، وقصص أماكن منسية. تحمل حبات منفلة من من خيط عقد رفيع، لربما تنقل جزءا بسيطا من تاريخها إلى كل مهتم ودارس وباحث ومختص في تجميع الذاكرة الجماعية.
تمتد حومة رأس الشجرة من قدم عقبة الطالعة غربا، إلى قاعة السمن شرقا، وطريق سوق لغزل، الذي بالقرب منه كان يتم بيع الرقيق (1). وهي امتداد لحومة الجامع التي بناها بنو العشرة، بعدما توسعت المدينة في اتجاه الشرق بفعل التزايد العمراني.
وتشكل مع شارع بوطويل وشارع القشاشين ثالث الشوارع الطويلة المتوازية التي تمتد من الغرب في اتجاه الشرق، حيث توجد الفضاءات التجارية من الأسواق والقيساريات، و الصناعية من معامل ومشاتل ومحترفات الصناع.
وتتفرع عن هذه الحومة أزقة ودروب ودرييبات جهة شمالها كدرب لعلو ودرب آل حرارثة وزنقة حمام الطالعة وزنقة بلاعة واتجاه سوق لغزل. أما بجنوبها فيوجد درب أجنوي أو القايد بنسعيد، ودرب حمام الشليح، ودريبة أطوبي، وزنقة مكتب التيال ودرب بن شعبان واتجاه المارستان.
استقر كثير من القياد الذين تعاقبوا على حكم سلا أسفل عقبة المسجد الأعظم، قبالة درب لعلو، عند المدخل الغربي لحومة رأس الشجرة، بدرب آل الجنوي. ومنهم سعيد الجنوي وعبد الحق فنيش وآل بن سعيد، وغيرهم. إلى أن أصبحت دار البارود خلال مرحلة الحماية مقرا للباشا (2). ومن قاطني هذا الدرب كذلك آل مولاي إسماعيل العلوي وأومالك.
والفضاء المحيط بحومة رأس الشجرة، غني بالاكتشافات الأركيولوجية. حيث تم اكتشاف ثلاث قاعات مقببة، ولقى أثرية من قطع خزف وأدوات حرفية وقذائف الكور، وأشياء أخرى ثمينة، وكتابة باللاتينية على جدار، وتاريخ ميلادي، يحيلنا إلى حقبة تاريخية ترجع للقرن السابع عشر، و قد يكون لها ارتباط بما سرده الأسير “مويط” خلال سجنه بسلا سنة 1671 م، في كتاب ذكرياته التي ترجمها الدكتور محمد حجي إلى العربية بمعية الدكتور محمد الأخضر، تحت عنوان “رحلة الأسير مويط” (3).
وكان قد سبق العثور بالمناطق المجاورة لحومة “رأس الشجرة” سنة 1335ه، بسانية عبد القادر حمدوش بسوق الغزل، قرب مسجد الحجامين، على قبو محكم يسمى مطمورة، مبنى بالآجور المطبوخ، يشتمل على أدوات بيتية من الفخار العادي، ومجامير وأواني الطبخ والصب والشرب والمناولة، وقلال كبيرة وصغيرة وبرادات جميلة الصنعة وقطع أخرى (4). مما يتأكد معه أن هذه المنطقة لم تبح بعد بكل أسرارها التاريخية. وتأبى تكشف إلا عن القليل من ماضيها المجيد. وتشوقنا بكل ما قد ننتظره من الاكتشافات الجديدة في المستقبل، قد تجيب على عدد من الأسئلة المرتبطة بتفاصيل عن سير أشخاص وأحداث وممارسات عاشتها المحروسة بالله، لم يصلنا منها إلا النزر القليل.
لقد استقرت فئة هامة من اليهود في الحي الممتد من رأس الشجرة إلى حومة باب احساين، غداة سقوط غرناطة سنة 1492م، حيث كانت دورهم مجاورة لدور المسلمين. واستقر الحال كذلك حتى سنة 1807م، على عهد المولاى سليمان، الذي أمر بترحيلهم، إلى الملاح، جراء أحداث وصدام بين الطائفتين. وشملت عملية الترحيل إلى الملاح 2000 من اليهود، حسب مصدر أجنبي. ويخبر ابن علي الدكالي في إتحافه أن الحي اشتمل على 200 دار، أي ما قد يتراوح بين 1000و1400نسمة (5).
أما بالنسبة لتسمية الحومة ب “رأس الشجرة” فيطلق عادة مصطلح “رأس” على حدود درب أو زنقة، فنقول مثلا” نحن واقفين في راس الدرب” أي عند مدخله او مخرجه. وبالتالي ف” رأس الشجرة” لربما تعني نهاية الشجر. مما يجعل المهتم ينبش في المعطيات التاريخية المتوفرة، وعلاقة الشجر بهذا المكان. لعله يجد خيطا رابطا. وفي هذا الصدد إطلعت على كتاب” الأعياد اليهودية” (6) الذي يشير إلى أن اليهود يولون اهتماما كبيرا لشجرة الاترنج، استعدادا لاستخدامها في مراسيم طقوس احتفالهم بأحد الأعياد المسمى “عيد المظال”خلال شهر أكتوبر. فيصنعون بها مظلات يمكثون تحتها طوال سبعة أيام خارج المنازل. فيها يأكلون وينامون. ولا يستخدم في صنعها أي مواد غير النبات، ومن بين ما يستعمل سعف النخيل والأترنج والريحان والصفصاف. وهذه الشجرة كانت متوفرة في سلا. فقد أكد محمد بن علي الدكالي في إتحافه وجود أشجار الاترنج بسلا، خلال حديثه عن حال الغراسة بالعدوتين، إذ يقول:” وبهما أنواع الإجاص والمشمس والسفرجل والخوخ واللوز والرمان الكثير الأنواع والبرقوق والاترنج والنارنج والليمون..(7).
وأخالني اقطف من فواكه هذه الشجرة الممتدة على أطراف حومة رأس الشجرة حتى باب احساين، حيث امتدت منازل اليهود (.
وجاء بإحدى الهوامش في كتاب”موجز تاريخ سلا” لكينيث براون، أن اليهود والمسلمين كانوا يزورون على السواء ضريح سيدي بوحاجة، في ترابط مدهش. وإن كانت ظاهرة توقير نفس الولي من الطائفتين معا، أمر مألوف بالمغرب(9).
لحي رأس الشجرة مدد من نسائم بيوت الله العطرة، والكتاتيب القرآنية والزوايا، ونور الصلحاء. حيث، بنيت المساجد على التقوى بالدروب المتشعبة عنه. أذكر منها:
مسجد المتيطي الذي صار يدعى مسجد الملاح القديم، أو مسجد جلازمة، قبل سنة 1861م ويقع في تقاطع بين بلاعة وأس الشجرة. وهو مسجد يعود للعهد المريني، والمتيطي أصله من بلدة متيطة بالقرب من الجزيرة الخضراء بالجنوب الإسباني (10). ومسجد الحضرمي بدرب آل حرارثة، ومسجد بوحدو، بزنقة الطلعة، ومسجد مولاي المعطي برأس الشجرة، ومسجد علي بن الزهراء بزنقة مكتب التيال، وكان يسمى مسجد “بن الفقيه” نسبة للفقيه محمد ابن أحمد الجريري المتوفى سنة 1824م (17). ومسجد ابراهيم بن عمران بزنقة حمام الشليح، ومسجد بني الأشقر بدرب أجنوي، ومسجد درب بن شعبان. ومسجد الأشقر، أمام درب لعلو. ومسجد الزاوية الغازية.
و مما جاء في تدوينة للدكتور محمد السعديين على جداريته بالفيسبوك بتاريخ 12 ماي 2022 م، أن مسجد مولاي المعطي الذي يوجد بحومة رأس الشجرة قرب حمام الطالعة، شيد قبل سنة 1222/ 1807، وقد حبس عليه”جميع ربع خربة وحوانيت وجميع حانوت برحيبة الطالعة بالصف الشرقي مقابل لسقاية الحافي هناك. وعرف مسجد مولاي المعطي في مستهل القرن التاسع عشر حدثا هز أركان مدينة سلا، نظرا للتوثر بين اليهود والمسلمينن أمر على إثره السلطان المولى سليمان سنة 1807 بإخراج اليهود من الدور التي كانوا يسكنون بها بالملاح القديم وتشييد حي خاص بهم بجوار دار الصناعة.
وتوجد بحومة “رأس الشجرة” ثلاث زوايا، هي:الزاوية الصديقية في الطرف الشرقي من الحومة. والزاوية الغازية بزنقة الطلعة. والزاوية الحراثية بدرب آل حرارثة.
وقد تحدث الدكتور محمد حجي في مؤلفه “الزاوية الدلائية ودورها الديني والعلمي والسياسي” عن تكاثر الزوايا في المغرب خلال القرنين السادس عشر والسابع عاشر للميلاد، حتى كاد عددها يفوق عدد المساجد (11). وعرفت الزوايا بالمغرب بأنها أماكن إرفاق الواردين، وإطعام المحتاجين من القاصدين. وكان الهدف الأساسي من تشييدها هو إيواء الغرباء، والمنقطعين، وذوي الحاجة، وأعيان الدولة وكبراءها (12).
وجاء في إحدى الدراسات المنشورة بمجلة “دعوة الحق” : ( يقول أبو المكارم إبراهيم بن الوفا: الطريقة الغازية نسبة إلى الشيخ أبي القاسم الغازي الفيلالي وترجع للشادلية(13). في حين تتحدث دراسة أخرى بنفس المجلة، على أن الطريقة الصديقية متفرعة عن الطريقة الدرقاوية المتفرعة بدورها عن الأصل الشادلي (14). وسيأتي تفصيل القول في هذه الزوايا في موضوع خاص.
ويتحدث عن وجود زاوية أخرى بحومة “رأس الشجرة” تسمى الدليلية. ولو افترضنا أنها تتواجد بالفعل، فهل المقصود بها الزاوية الدلائية؟. وإن كان كذلك، فما علاقتها بأحد تلاميذ الزاوية الدلائية المتقدمين، المسمى على العكاري، الذي توجه إلى سلا وأقام فيها ودرس العلم بمسجد الأعظم، وأخد عنه كثير من علمائها، كالقاضي أبي عبد الله محمد زنيبر. والفقيه أبي محمد عبد الله الجزار بن أحمد حجي. والعلامة أحمد بن عاشر الحافي وغيرهم.
وعلي العكاري وأخوه محمد درسا معا بالزاوية الدلائية وتخرجا فيها على يد الإمام أبي علي اليوسي وغيره (15).
يوجد برأس الشجرة عدد من الكتاتيب القرآنية، التي أسرجت مصابيح العلم في صفوف الأطفال. منها مسيد مكتب التيال، الذي درس فيه على سبيل المثال، الفقيه محمد المريني، إمام المسجد الأعظم، ومدير المدرسة المحمدية بسلا، قيد حياته، حيث يقول:” دخلت المسيد بمكتب التيال برأس الشجرة. وأخدت أولا القرآن الكريم من الفقيه المسمى والملقب بالفقيه سيدي محمد احسيسو، ثم قرأت عليه حروف الهجاء كالعادة… “(16).
و يعرف مسيد مكتب التيال كذلك بكتاب الفقيه بريطل. ويوجد كذلك مسيد رأس الشجرة. أما مسيد الرحيبة الذي درست فيه عند الفقيه الصابونجي، فقد ورد ذكره في “فهرس أحمد بن عاشر الحافي السلاوي”، بإسم”كتاب مرصو”، ويشير المرجع أن أحمد بن عاشر الحافي السلاوي قد قرأ فيه القرآن الكريم(23). وأخيرا مسيد بلاعة.
وبين تلك الدور العامرة برأس الشجرة، ذهبت أقتفي أثر الصالحين وأغرف من وميض نورهم، وفيض ذكرهم الوضاح بالنسائم الربانية، فوقفت على أطلال ضريح للا يامنة وهدانة بحومة الطلعة، التي لا تتوفر أخبار حول سيرتها. اللهم لفظ الوهدانة التي هي مثنى وهد، وترمز للتواضع وحسن الخلق.
وأقتفيت أثرالأجداد من آل قنديل، عندما وقفت على أطلال ولي صالح عرفه السابقون بمكان مقابل لباب حمام الطلعة. وهو الولي سيدي محمد قنديل، الذي جاء ذكره في وثيقة صادرة عن مجلس الاستئناف الشرعي الأعلى بالحضرة الشريفة سنة1946م ، تحمل رقم 1867. يتوفر على نسخة مطابقة لها أحد أفراد أسرة قنديل السلاوية. وأتوفر على نسخة منها. حيث أن سيدي محمد قنديل، من صلاحاء سلا. وكان على قبره نقير ودربوز، ومزاره مفتوح طيلة الأيام، ويقرع له الطبل يوم الجمعة. وقد مكنتني هذه الوثيقة الفريدة من رسم شجرة جزء من اجدادي، لأكون محمد فؤاد بن قاسم بن محمد بن محمد بن محمد بن قاسم بن أحمد بن الرايس عبد السلام، ويكون الولي الصالح هو سيدي محمد بن الرايس عبد السلام قنديل. وكان المؤرخ محمد بن علي الدكالي طرح تساؤلا في إتحافه الوجيز، حيث استفسر قائلا: “ومن هم المقبورون في الأضرحة مثل قنديل وإبراهيم بورحي؟”(18) . التساؤل يطرح كذلك حول علاقة صاحب ضريح زنقة حمام الطلعة، بالولي الصالح سيدي قنديل دفين سيدي يدر؟ ثم عن صلته بالمجاهد البحري، الرايس محمد الحاج قنديل، الذي كان رئيسا لسفينة لاماري فرانسواز. والذي سقط أبوه أسيرا بين يدي فرقاطة فرنسية، فأرسل الرايس محمد الحاج قنديل لتحرير والده، مقابل تحرير القبطان دوفال في 2 شتنبر 1688م. حسب ما ذكره روجي كواندرو، في مؤلفه”قراصنة سلا”(19).
تفردت بعض الأسر السلاوية بكرامات وبركات متوارثة، شهد لهم بها من انتفع عند زيارتهم وقضيت حاجته وتيسرت. كدار جلزيم بمنطقة رأس الشجرة، التي كان يقصدها من ينوي إعذار طفل له في قريب الأيام، حيث يقرأ القرآن على الصبي، فييسر الله بمنه وكرمه عملية ختانه.
كما تفردت دار الكوش بإعداد دواء للمحروق فاجتمع الناس على زيارة منزلهم بدرب بن شعبان، حيث تطرح البركة في البلسم الذي يعالجون به حروق الجسم.
ومن رجالات رأس الشجرة العظام، المرحوم بنعاشر بنعبد النبي، مربي الأجيال بمدرسة درب لعلو التي تولى إدارتها. وكان حزابا تحت القبة المقربصة بالمسجد الأعظم ومكلفا بخزانة مصاحفها. ومن الساهرين على المحافظة على القرآن الكريم.
والحاج عبد الرحمان لعلو، الذي كان من الاوفياء لحزب الشورى والاستقلال، وشغل منصب خليفة أمين المال باللجنة الوطنية الإدارية للنقابة الديموقراطية للتعليم، الذي كان كاتبها العام هو الحاج أحمد معنينو (20).
والرياضي الأسطورة الحاج العربي زنيبر الملقب ب «باعروب”، من المؤسسين لفريق النجاح الرياضي السلاوي.
وشخصيات مارست مهن وحرف و”صنايع” ، كفنيش”مول الحلوة”. وشقرون “”الخراط”. والحصيني”مول النيلة”. والحبيب فرييد “الكواي” لأزيد من ستين سنة، وكان مؤذن بضريح”مول الكمري”. وبا لحسين بن محمد أكشتان”البقال” وبا الشاوي “مول الفحم” وبا بنداود الشرقاوي الدقاقي “مول الفران”. وهدي مول الفاخر. و لحسن “مول الحليب” و “سي موح” و”با قدور”، وبا”لعاليا” الجلاس بحمام الطلعة،وعبد اللطيف الكسال”بحمام الطلعة”.
وعمرت حومة “رأس الشجرة” عبر مختلف العصور، أسر كريمة، تعايشت في ما بينها، وكرست تواجدها بنبل أخلاق أفرادها، وتحلت بقيم المحبة وحسن الجوار والتكافل والتسامح، رغم اختلاف مراكز قدومها على مرور التاريخ. ومن بين الأسر التي قطنت أو لا تزال بزنقة مكتب التيال:
بن الرايس-الصابونجي-النجار-الشرقاوي-الغربي-البريبري-لحرش- آل الجعيدي (كان المنزل من قبل في ملكية الفقيه الجريري) -بلكبير-حمدوش-السفياني-العلمي-الباشا-بلقايد-السمار- اكشتان- الحصيني-البكراوي-بلمليك-الإدريسي.بن الشليح.
وسيكون لدرب احرارثة وزنقة حمام الشليح وبلاعة ودرب بن شعبان، موضوع خاص إن شاء الله.
اشتهرت المنطقة بحمام الطلعة، الذي قيل لي أنه في الأصل كان لورثة دار بنعمر. ويعد من أكبر حمامات المدينة، حيث تستحم فيه خمس وثلاثين امراة في نفس الوقت. وقد هدم، ثم أعيد بناءه بعد أن تصدعت جدرانه، سنة 1854م . وكان يحك فرشها الحمامات بالرمل، ويبخر بالفاسوخ ونحوه، ولا يتم وضع الحرق على الطرقات والرماد على الجدران، بل يتعين نقل ذلك إلى البحر (21) حفاظا على الصحة. وكان الحمام يفتح أبوابه مجانا قبل صلاة الصبح للرجال الذين يستعدون لهذه الصلاة. حيث كان الأمر وقفا على هذه العملية، ويراد به وجه الله، وإعمار بيوته بالمصلين.
كانت توجد بسلا إلى حدود سنة 1913، أربعة وعشرين سقاية موزعة على معظم أحياءها. ثمانية فقط صبيبها متواصل، وكلها توجد في محيط المسجد الأعظم و حي الطالعة (22). وتوجد برأس الشجرة سقاية الحافي، بجوار مسجد مولاي المعطي.
وعرفت منطقة رأس الشجرة بفران”عواودة”. وفران “بنداود” وفران “رأس الشجرة”.
ولا شك أن تفاعل المتتبعين عبر صفحتي الفيسبوكية، سيغني الموضوع، بما يمكن أن يستدرك. وتلك غايتي.
*محمد فؤاد قنديل – مهتم بالتراث
المراجع:
(1) – كتاب “جوانب من تاريخ سلا وعمارتها من التأسيس إلى بداية القرن العشرين”. محمد فتحة. ص 67.
(2) – كتاب “جوانب من تاريخ سلا وعمارتها من التأسيس إلى بداية القرن العشرين”. محمد فتحة. ص 49.
(3) – كتاب”رحلة الأسير مويط”. ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر.
(4) – كتاب “الاتحاف الوجيز تاريخ العدوتين”. محمد بن علي الدكالي. تحقيق مصطفى بوشعراء. ص 83و84.
(5) – المرأة السلاوية 1666-1912. الدكتور محمد السعديين. ص 37.
(6) – كتاب “الأعياد اليهودية”. عمر زكريا خليل. ص من 59 إلى 65.
(7) – “الاتحاف الوجيز تاريخ العدوتين”. محمد بن علي الدكالي. تحقيق مصطفى بوشعراء ص 42-43.
(8) – المرأة السلاوية 1666-1912. الدكتور محمد السعديين. ص 37.
(9) – كتاب “موجز تاريخ سلا”. كينيث براون. ترجمه عن الإنجليزية، محمد حبيدة و أناس لعلو. ص 98.
(10) – كتاب “الآثار الإسلامية في مدينتي سلا ورباط الفتح بالمملكة المغربية” . الدكتور عبد العزيز صلاح سالم. ص 152
(11) – كتاب “الزاوية الدلائية ودورها الديني والعلمي والسياسي”. محمد حجي. ص56.
(12) – كتاب “الآثار الإسلامية في مدينتي سلا ورباط الفتح بالمملكة المغربية.” الدكتور عبد العزيز صلاح سالم. ص 162
(13) – “شخصية أبي الحسن الشادلي ومكانته”. عبد القادر العافية. مجلة دعوة الحق. العدد 345.
(14) – “الصوفية وطرقها في الإسلام”. مجلة دعوة الحق. العدد 68.
(15) – كتاب “الزاوية الدلائية ودورها الديني والعلمي والسياسي”. محمد حجي. ص 114و118.
(16) – كتاب “الفقيه الحاج محمد المريني رجل التربية والتعليم والتنشءة الدينية” جمع وتنسيق وإعداد: عبد الوهاب المريني. ص13.
(17)- كتاب “الآثار الإسلامية في مدينتي سلا ورباط الفتح بالمملكة المغربية”. الدكتور عبد العزيز صلاح سالم. ص152.
(18)- الاتحاف الوجيز ص 269.
(19)- كتاب” قراصنة سلا”. روجي كواندرو. ترجمة محمد حمود الصفحة 69.
(20)- كتاب “ذكريات ومذكرات الأستاذ الحاج أحمد معنينو”.ص 103 الجزء الرابع. وص 179و180 الجزء السادس
(21)- كتاب”المرأة السلاوية 1666-1912″ .الدكتور محمد السعديين ص61 و64 و67.
(22)- كتاب “سلا “المدينة المقفلة” الانفتاح الحذر على الغرب من القصف إلى الاحتلال 1851-1912″. الدكتور عز المغرب معنينو. ص 120).
(23)-كتاب”فهرس أحمد بن عاشر الحافي السلاوي ت.عام ،1163ه/49-1750م”.دراسة وتحقيق محمد السعديين. ص233.
منذ أن خسرت جبهة البوليساريو العام الماضي رهانها على إغلاق معبر الكركرات، بدأت تخوض حرب دعاية إعلامية مكثفة، تسعى إلى جر موريتانيا نحو مستنقع صراع إقليمي لطالما كانت تقف منه موقف حياد إيجابي، تساهم في أي مسار يقود للحل، وتبتعد عن أي تأجيج للصراع، وهو الموقف الذي جدده رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، وعضَّ عليه بالنواجذ.
لقد كانت موريتانيا منذ البداية واعية بصعوبات الوضع الإقليمي، ومخاطر اللعب بالنار ومحاولة جر المنطقة إلى صراع مسلح ليس من مصلحة أي طرف، وهي التي تقود عربة مجموعة دول الساحل الخمس، وتدرك التحدي الأمني في شبه المنطقة، وبالتالي نجد أن الدبلوماسية الموريتانية عبرت عن موقفها الرافض لأي تأجيج وشحن، منذ أن أغلقت البوليساريو معبر الكركرات.
الحكمة التي تمتع بها الرئيس الموريتاني كانت واضحة، فرفض الانجراف وراء استفزازات البوليساريو وأنصارها، وظلت الدبلوماسية الموريتانية متمسكة بموقف الحياد الإيجابي، الذي ينطلق من مصالح موريتانيا، مع تفكير عميق في ما يجلب المنفعة ويدفع الضرر عن المواطن الموريتاني، إنها دبلوماسية المصلحة الوطنية قبل كل شيء، بعيدًا عن العواطف الإيديولوجية والنزعات القومية أو القبلية التي عفا عليها الزمن.
هذه الدبلوماسية المتقدمة، وهذا الموقف الموريتاني الوطني، لم يعجب البوليساريو، التي تتعامل مع موريتانيا وكأنها حديقتها الخلفية، انطلاقًا من أوهام قديمة، فبدأت البوليساريو تحاول إحداث شرخ بين موريتانيا والمغرب، وكأنها بذلك لا تقبل أي موقف موريتاني قائم على المصالح الوطنية، وتريد للموريتانيين أن يعادوا من تعاديه وأن يصالحوا من تصالحه.. وصاية لا تجد ما يبررها على أرض الواقع !
لقد آن للبوليساريو أن تفهم أن موريتانيا دولة مستقلة، سيادتها كاملة غير منقوصة، تقيم علاقات أخوية مع كل من المغرب والجزائر، وترسم ملامح دبلوماسيتها وفق ما تمليه مصلحتها الخاصة، وليس حسب أهواء أي جهة خارجية مهما كانت.
ولكن الجبهة لم تفهم ذلك أبدًا، واستمرت في محاولتها للتأثير على الموقف الموريتاني من الصحراء، مستخدمة خلاياها النائمة من شعراء ومدونين ومتعاطفين، فظهرت كتابات تسيء إلى المغرب مكتوبة بأسماء موريتانية، تحاول أن تحدث الشرخ بين البلدين، وأن تدفع موريتانيا إلى التورط في صراع ظلت تكرر أنه لا يعنيها منه إلا ما يخدم الصلح والسلم واستقرار المنطقة.
برزت في هذه الحرب الدعائية أسماء معروفة بسوابقها، مثل الشاعر عبد الله ولد بونا الذي حولته الصحف الموالية لجبهة البوليساريو من شاعر متوسط المستوى إلى «باحث استراتيجي»، وهو الذي لم يرتد أي جامعة، ولم يقدم أي بحث، ولا خبرة لديه تمكنه من فهم المعادلات الجيوسياسية في أي منطقة من العالم، وإنما عُرف في موريتانيا باستغلال الشعر للخوض في أعراض الناس، وابتزاز السياسيين ورجال الأعمال، مقابل مكاسب مادية آنية.
ولد بونا الذي ينظّر للعلاقات الدولية ويحاول تفكيك تعقيداتها، سبق أن اختطفه الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبد العزيز، ووضعه في أحد معتقلاته السرية بنواكشوط، فخرج بعد أيام يمدحه بقصائد عصماء لم تكن لتنسي الموريتانيين قصائد الهجاء التي دبجها فيه وهو خارج البلاد، إلا أن شيئًا ما حدث في المعتقل حوله إلى خاتم في أصبع ولد عبد العزيز يأتمر بأمره وينتهي بنهيه.. فهل تلقى الأوامر من سيده ليدق الإسفين بين نواكشوط والرباط، خدمة لمصالح البوليساريو وسعيا نحو إشعال الفتنة في المنطقة، حين اقترب عرض ملف الفساد على القضاء الموريتاني.. سؤال يطرح نفسه، خاصة وأن محاولات الزج بموريتانيا في هذا الصراع، وإفساد علاقاتها بجيرانها، أمرٌ تكرر كثيرًا كلما حدث أي تطور في ملف فساد العشرية الأخيرة !!
وجه آخر من وجوه الحرب التي تخوضها البوليساريو للتأثير على الموقف الموريتاني من قضية الصحراء، هو المحامي تقي الله ولد أيده، ذلك المحامي الذي يقدم نفسه على أنه موريتاني، وبرز اسمه أول مرة للرأي العام المحلي كعضو في لجنة الدفاع عن الرئيس السابق، وهو العائد قبل سنوات من كندا التي يحمل جنسيتها، بعد أن وصل إليها قبل عقود شابا نشطا في صفوف جبهة البوليساريو، وأحد مقاتليها المخلصين !
استفاد ولد أيده من الحق في ازدواجية الجنسية خلال حكم الرئيس السابق، ليظهر معه في العديد من الصور في بيته بنواكشوط، حين كان ولد عبد العزيز يرفض المثول أمام لجنة التحقيق البرلمانية، حينها كان ولد أيده يسخر صفحته على الفيسبوك للدفاع عن ولد عبد العزيز، والهجوم على العدلة والبرلمان الموريتانيين، وظلت منشوراته اليومية تسخرُ من الدولة الموريتانية، وتدافع عن جبهة البوليساريو.
اليوم يحاول ولد أيده أن يؤثر على الموقف الموريتاني من قضية الصحراء، وذلك من خلال النفخ في نار الخلاف الوهمي بين نواكشوط والرباط، لمصلحة جبهة البوليساريو التي يبدو أنه ما يزال وفيا لقادتها الذين أشرفوا سبعينيات القرن الماضي على تدريبه عسكريا وفكريا، وجندوه وهو لم يبلغ سن الرشد بعد، فكان أحد ضحايا تجنيدها للأطفال.
أسماء عديدة أخرى جرى تجنيدها من أجل إيهام الرأي العام الموريتاني بأن هنالك خلافًا بين نواكشوط والرباط، بل إن صحيفة جزائرية تحمل اسم (Algerie Patriotique) كسرت كل القواعد حين نسبت إلى مسؤول موريتاني «وهمي» تصريحات خطيرة تحاول، بشكل واضح وصريح، أن تلحق الضرر بالعلاقات بين موريتانيا والمغرب.
حين تقول هذه الصحيفة على لسان المسؤول الوهمي، إن الموريتانيين لا يرحبون بزيارة العاهل المغربي الملك محمد السادس لبلدهم، فهي تتجاهل أنه تبادل مع الرئيس الموريتاني دعوات الزيارة، وأن كلاهما وافق، وتركا تنسيق مواعيد الزيارات ليتم عبر القنوات الدبلوماسية المعهودة، وتتجاهل أن العاهل المغربي كان أول زعيم في العالم يهنئ محمد ولد الشيخ الغزواني بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية، وكان أول من هنأ الموريتانيين بمناسبة تحقيق التناوب الديمقراطي على السلطة.
وحين تتحدث الصحيفة في موضوعها «الملفق» على الحكومة الموريتانية، عن ما يمكن أن يقدمه المغرب لموريتانيا، فهي تتجاهل أن العلاقات بين البلدين هي علاقة أخوية قائمة على الندية، كأي علاقات بين بلدين شقيقين وجارين، فموريتانيا لم تعد تلك الدولة التي تنتظر من يدعمها أو يعطيها، وإنما تبحث عن علاقات مبنية على ربح الطرفين وتحقيق مصالح الشعوب، نفس المنطق الذي تتحرك وفقه المغرب في علاقاتها مع بقية بلدان العالم، والأرقام وحدها هي التي يمكنها أن تكشف ما يمكن أن يقدمه المغرب لموريتانيا، وما يمكن أن تقدمه موريتانيا للمغرب.
للحديث بلغة الأرقام يمكننا أن نبدأ من معبر الكركرات، حيث عبرت سنة 2019 منه بضائع بحجم 70 مليار طن، بنسبة نمو تجاوزت 300 في المائة مقارنة مع حجم البضائع الذي مر خلال سنة 2018، وهو ما يعني أن المعبر أصبح واحدًا من المعابر الأكثر نشاطًا في القارة الأفريقية، ولا يخفى أن معبرًا مثل هذا يعود بالنفع الاقتصادي الكبير على البلدين، حتى أنه أصبح ذا طابع استراتيجي، أي ضرر يلحق به يهدد الأمن القومي للبلدين، ويهدد الأمن الاقتصادي لكثير من بلدان غرب أفريقيا.
هذا بالإضافة إلى أن مئات رجال الأعمال الموريتانيين والمغاربة الذين تقوم أعمالهم على معبر الكركرات، ويساهمون في إنعاش اقتصاد البلدين، ويعيلون آلاف الأسر ويوفرون عشرات آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، وهكذا أصبح الكركرات أكثر من مجرد معبر حدودي، وإنما نقطة التقاء لمصالح بلدين جارين وشقيقين، وهمزة وصل بين شعبين ما يجمعهما أكثر بكثير مما يفرقهما.
من جهة أخرى فإن الأرقام الصادرة عن المكتب الوطني للإحصاء تشير إلى أن المغرب هو أكبر مستثمر أفريقي في موريتانيا، حيث الاستثمارات المغربية قطاعات الاتصالات، البنوك، مواد البناء، الصيد والخدمات اللوجستية.
كما أن المغرب يعد أكبر مورد أفريقي نحو السوق الموريتانية، ويهيمن وحده على نسبة 50 في المائة من البضائع الأفريقية التي تدخل أسواق موريتانيا، بما حجمه 660 ألف طن من البضائع المغربية المتنوعة، 13 في المائة فقط منها منتجات فلاحية، رغم التركيز الإعلامي الكبير عليها وحدها، في حين أن النسبة الأكبر من صادرات المغرب نحو موريتانيا هي أدوية ومعدات طبية، مستلزمات التغليف والكرتون، البلاستيك، المولدات الكهربائية، قطع الغيار والزيوت الصناعية والأسمدة والمواد الكيماوي.
كل هذا يعكس حجم التبادل التجاري بين البلدين، وهو تبادل يقوم على مبدأ الربح المتبادل، كأي عملية بيع وشراء.
ينضاف إلى ذلك أن المغرب أصبح منافسًا قويا على مستوى الاستثمارات في دول أفريقيا جنوب الصحراء، حيث ارتفع حجم تبادله التجاري مع هذه الدول بنسبة 20 في المائة، خلال السنوات العشر الماضية، ليتجاوز 5 مليارات دولار سنة 2018، وموريتانيا هي الجسر الذي تمر عبره نسبة كبيرة من هذا التبادل التجاري، بحكم موقعها الاستراتيجي الذي يعود عليها بعائدات اقتصادية كبيرة، ومكانة سياسية وجيو استراتيجية لا تقدر بثمن.
كانت تلك لغة الأرقام، التي لن تنتهي قبل ذكر آلاف الطلاب الموريتانيين في المغرب، وآلاف المغاربة العاملين في موريتانيا، وآلاف الموريتانيين الذين يتلقون العلاج سنويا في المغرب، ورحلات شبه يومية بين البلدين، تعكس الارتباط الوثيق بين الشعبين، ارتباط لا يمكن أن تؤثر عليه أي دعاية سياسية يعيش أصحابها سجناء في الماضي وخلافاته، ويرفضون الانفتاح على المستقبل المشرق المتصالح مع ذاته، حيث يبحث كل عن مصلحته دون أن يلحق الضرر بالآخرين، وفق مقاربات تضمن الربح للجميع، وتحقق السلم والأمن والرفاه.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن مواقف صاحبها ولا تلزم موقع برلمان.كوم