العمق المغربي
أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة يوم الثلاثاء 28 أبريل 2026، انسحابها من منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك” وتحالف “أوبك بلس” بعد عضوية استمرت 59 عاما، في خطوة وصفتها منصة الطاقة المتخصصة التي تتخذ من واشنطن مقرا لها بأنها صدمة أثارت تكهنات واسعة حول مستقبل أسواق الطاقة العالمية، حيث سيبدأ تنفيذ القرار اعتبارا من شهر مايو المقبل.
وأرجعت أبوظبي قرارها إلى “مراجعة مستفيضة لسياستها الإنتاجية وقدرتها الحالية والمستقبلية، وما تقتضيه المصلحة الوطنية”، مؤكدة أن هذه الخطوة لا تغير التزامها باستقرار الأسواق العالمية بل تعزز قدرتها على الاستجابة لمتطلبات السوق المتغيرة، إلا أن خبراء في القطاع قدموا تحليلات أكثر عمقا للأسباب الكامنة وراء هذا التحرك الجيوسياسي والهيكلي.
وكشف خبراء استطلعت منصة الطاقة المتخصصة آراءهم أن السبب الجوهري للانسحاب يكمن في شعور الإمارات بأن حصص الإنتاج المحددة داخل تحالف أوبك بلس لم تعد تعكس قدرتها الإنتاجية المتنامية، خاصة مع استهدافها رفع طاقتها إلى ما يتجاوز خمسة ملايين برميل يوميا، وهو ما أكده كبير مستشاري السياسة الخارجية والجغرافيا السياسية للطاقة أومود شوكري، الذي أشار إلى أن أولويات الإمارات تتباين بشكل متزايد عن أولويات السعودية ليس فقط في السياسة النفطية.
وأوضح محلل أسواق النفط بالشرق الأوسط في منصة آرغوس ميديا، نادر إيتيم، أن القرار لم يكن مفاجئا للمتابعين عن كثب، حيث جادلت الإمارات علنا في السابق بأن نظام خفض الإنتاج “لا يفيدها بأي شكل”، وأجبرها على خفض إنتاجها بنسبة أكبر من أي دولة أخرى، مشيرا إلى أن الإمارات كانت تخفض 25 بالمئة من قدرتها الإنتاجية التي تبلغ نحو 4.5 مليون برميل يوميا، مقارنة بـ18 بالمئة للسعودية و16 بالمئة للعراق.
ورأى رئيس تحرير منصة “بتروليوم إيكونوميست”، بول هيكن، أن التداعيات المباشرة للانسحاب على المدى القريب ستكون محدودة نسبيا، لأن الجغرافيا السياسية والتوترات المحيطة بمضيق هرمز تبقى هي القوة المهيمنة التي تشكل أسعار النفط في الوقت الراهن وليس سياسات الإنتاج، وهو ما يفسر التأثير الوقتي للقرار على الأسعار التي انخفضت بشكل طفيف بنسبة تراوحت بين 2 و2.5 بالمئة قبل أن تعود إلى طبيعتها، حسبما أفاد به الخبير في مجال الطاقة علي بن عبدالله الريامي.
وأضاف كبير مستشاري شركة “بلو ووتر إستراتيجي”، سيريل وودرشوفن، أن رد فعل السوق على المدى القصير يبدو متناقضا، فبينما يفترض نظريا أن يؤدي الانسحاب إلى الضغط على الأسعار نحو الانخفاض بسبب احتمال وجود فائض، فإن الواقع العملي يشير إلى العكس، فمع تعطل مضيق هرمز تهيمن قيود العرض الفعلية على التسعير وليس الطاقة الإنتاجية الاسمية، مما يبقي الأسعار مرتفعة ومتقلبة.
وتوقع الخبراء أن يظهر التأثير الفعلي لقرار الانسحاب بشكل كامل بعد نهاية الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، حيث ستسعى الإمارات إلى زيادة إنتاجها بشكل ملحوظ لتلبية الطلب المتزايد وإعادة ملء المخزونات العالمية، وهو ما قد يؤدي إلى منافسة على الحصص السوقية وضغط هبوطي على الأسعار، مما سيضع منظمة أوبك أمام “أكبر اختبار لها حتى الآن” حسب وصف هيكن.
وخلص أومود شوكري إلى أن هذه الخطوة تضعف قدرة أوبك على العمل كجهة موثوقة لامتصاص صدمات الإمدادات، وتلقي بمزيد من المسؤولية على عاتق السعودية، كما أنها قد تؤدي على المدى الطويل إلى تآكل نفوذ التحالف إذا بدأ منتجون آخرون في إعطاء الأولوية لحصصهم السوقية على حساب الانضباط الجماعي، مما ينذر بسوق نفطية أكثر تقلبا وأقل قابلية للتنبؤ تهيمن عليها المصالح الوطنية بدل الاستراتيجيات المنسقة.