Étiquette : افتتاحية ملحق

  • عين الحبيب تنطق بما في الجيب !

    العلم – محمد بشكار

    صحيح أن عين الحبيب تنطق بما يختلج في جوانحه من غرام، ولكن جرِّب أن تمعن التأمل هذه الأيام في أعين الناس، ستجد أن الناطق غير الرسمي من أعماقها الخرساء، هو الجيب بفراغه المهول، خصوصا أيها الظمآن في هذه العشر الأواخر من رمضان !
      من ينْكُر أنَّ لا أحد يسمع في البلاد، والسبب الذي لا يحتاج لتعليل نحن.. أجل نحن الذين لا نَكُفُّ عن رفع الأصوات أعلى من حناجرنا بالشكوى، حتى ثقبنا الآذان وأصيب الجميع بالصمم، كان حَريّا بدل أن نرفع عقيرتنا في كل مرة بالعويل، أن نشكو بصوت منخفض للمسؤولين عن أي شأن يعنينا أو لا يعنينا في البرلمان، حفاظاً على سلامة هذه الآذان التي ما عادت تسمع شيئاً، أو نبحث لشكوانا عن تلحين مناسب، لعمري كانت ستبُزُّ أكثر الأغاني مبيعاً، وتدر مع الأموال البكاء دون بصل!
      لا أحد يسمع في البلاد، والسبب أن ثقافة الشكوى من فرط سيادتها في كل ما نكتب أو نندب، أضجرت الناس برتابتها الملبدة، ألا يوجد في هذا المعجم المدلهم، مرادف أجمل لا يحجب الشمس، لقد أصبحت ثقافة الشكوى مرتسمة ببلاهتها السوريالية في كل الأعين، مبثوثة بين سطر وآخر إلى آخر صفحة في الجرائد والأخبار التلفزيونية، وفي أحاديث الكؤوس التي تنطق حدَّ الانكسار بمرارتها في المقاهي، انظر إلى محتسيها كيف لم يجدوا شيئا دفعاً لقلة الشيء، لقد تحولوا بسبب تداولية أوجههم في نسخة يومية غير مزيدة ومنقحة، إلى كراسي بأربع أرجل، هكذا أصبح الجميع يجد في ثقافة الشكوى، متنفسا أنجع من دفن الرأس في كتاب صار أبْخس من تراب، سادت اللاجدوى الأنفس وصار أكبر همها هو آخر الشهر، وما أشبه هذا القبض بخروج الروح من الحلقوم، فالأجر في أغلى الاشتراءات وأرخصها بهذه البلاد السعيدة، لا يستمر بالجيوب في أفضل الأحوال خمسة أيام، ليتضح بما لا يدع للعقل مزيدا من فلسفة أو تفكير، أن الوظيفة في البلدان الفقيرة تحديدا، جهاز استرقاق وتعذيب، أوجدته البشرية في الزمن الرأسمالي الفاحش!
      لذلك لا تكاد تفتح الفم بما لا أحد يدريه من كلام قد يكون تثاؤباً، حتى يبادر الجميع إلى الحديث دفعة واحدة ليُثمِّنوا أو يصادقوا أو حتى يدمغوا بطابع بريدي، على ما لم تقله بعد بالشكوى، إنهم يتحدثون جميعا في وقت واحد، بنفس الشكوى التي خربت ثقافتها العقول لذلك لا أحد يسمع في البلاد!
      الأفظع أن المواطن أصبح معزولا في مواجهة السوق، وكل السياسات التي تُدبّر باسمه لا تعرفه، إلا حين تُمطر السماء بأوراق من كل الألوان، لقد ضاقت سُبل العيش، وأصبح الحلم لا يتجاوز تأمين قفة الغذاء، أما مَن ينادي بالصحة والتشغيل والتعليم، فقد تجاوز القفة ودائرة العلف إلى عالم المترفين، ويعتبر كائنا من كائنات الذكاء الاصطناعي، الأجدر التخلص منه قبل أن يحشد الجماهير، ويسبقهم للشارع وهو يصيح: أخي جاوز الظالمون المدى !



    ملحق « العلم الثقافي » ليوم الخميس 12 مارس 2026

    molhak_du_12_3_2026.pdf
    الملحق الثقافي لـ12-3-2026
     (13.98 ميغا)

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حوادث النَّشْر في العلن والسِّرْ !

    العلم – محمد بشكار

    علّمتنا عقود من الكتابة، تلك التي يُمليها الضمير دون حاجة لمواثيق أو عهود، أنّ توظيف الكلمة في غير محلِّها يعتبر شططا في اللغة، بل يشبه تماما ولِماماً، توظيف عِوض المِحكِّ في الحمام البلدي مُشطاً، ولا أعرف هل من سوء الصُّدف أو من حُسنها إبداعيا، أن تتحول الكلمة في أكثر الأخطاء المطبعية إلى لكمة، ألَمْ تر إلى مدى حساسية الكلمة، سواء نطقناها أو كتبناها، فلا غرابة أن يتجاوز الشطط بسوء استعمالها، إلى عنف رمزي يجر إلى دواليب المحاكم، ومن لم يُصدِّقني، ما عليه إلا أن يسأل المغني، لماذا كلما أمعن عازف القانون في وصْلة اللعب، مُنِيَ هو وقبيله بالخرس، أين يا تُرى يكمن العطب، هل في اللغة أو اللغو أو فيهما معا، أم أنّ صوت المغني قد تقطعت حبائله قبل دق الجرس، أما أنا وبقية الشعب في هذا المسرح الشكسبيري الكبير، فقد قطّعْنا عوض الحبائل التذاكر مارشي نوار، وقمنا بواجبنا مع القوم الصّاغية على أكْمل أذن، وحضرنا الحفل منذ أول ستار يرتفع على الفضيحة، وما زلنا ننتظر عَلامَ سينسدل هذا الصخب!

    لا تخلو مهنة من مدونة تنظمها قانونيا، درءاً للتطاول بالعنق والتطفل مع جحا كلما لاح طابور في الأفق، ورغم أن العلاقة الزوجية ليست مهنة، إلا أننا ننفرد بمدوّنة الأسرة، وهي تماما كمدونة السير، فطنت مُبكّرا والحمد لله، أن حركة المرور بين الأزواج، قد تودي بالأرواح في حوادث وخيمة، ألمْ أقُل إن السبب يكون في الغالب كلمة، ولكنها هذه المرّة أحرقت في الضوء أحمر الشفتين، فارتدت بلكمة إلى العينين العسليتين، يا حسرة على العِشرة !

    ولأن الكلمة خطيرة وتوصف حسب التطيُّر المغربي بالتابعة، كان لابد من متابعة استعمالاتها اليومية، سواء ورقيا أو تكنولوجيا أو شفهيا، وهذه الأخيرة لا تعني القُبل بالضرورة، مَنْ يدري فقد تجمح أو تجنح عن الإطار المرسوم، وينقَلِبُ القيل على القائل وتسري لا قدَّر الله في المجتمع، سورةٌ من القلاقل، ولأن للسان ضربات كالسِّنان والجروح قصاص، ارتأى أهل الإختصاص سدّ هذا الخصاص، وأصبح للصحافيين في بلدنا كما للسائقين بعد دعاء السفر، نواة مُدونة تنظم التحرير بأكثر مِن علامة تشوير، طبعا مع اختلاف في المهنتين، ولو أنه في نظري لم تعد ثمة فوارق هذه الأيام، بعد أنْ عمّت حوادث النّشر، حتى في الطريق السيّار للإعلام المغربي يا ستّار!

    من الرّائع بمكان وزمان أيضا، دون احتساب الساعة الزائدة في التوقيت المغربي، هذه الرّجة الراديكالية التي قلّبت من الجذور مشْتلنا الإعلامي، فهي أبلغ إشارة على أن البِرْكة قد أسَنتْ وطال الركود، وأن التدفق الغزير للكلمة من أكثر من قناة، ما عاد ممكنا حصره بأساليب النواعير التقليدية للريق النّاشف، بل الأجدر أن نهيء للغيمة المناخ الملائم لتمطر في الاتجاه الصحيح، دون خوف من تسرُّب الماء تحت الباب، الأجدر أن نحفظ للصحافة المغربية هيبتها كسلطة رابعة، ونهيء بذكاء طبيعي غير اصطناعي، تشريعا مُواكبا يستوعب الانفجار التكنولوجي للأشكال الإعلامية، هل أبالغ إذا قلتُ وأنا لا أطيق الملابس الضيقة، الأفضل أن لا يكون هذا التطور الإعلامي بالاتجاه الكلامي على عواهنه، على طريقة تطور السلسلة الغذائية في الغاب، القوي يبتلع الضعيف، بل يجب التحلّي في حماسة الممارسة المهنية بالآداب، دون حاجة إلى أن نرصِّع مع كل نقطة حاشا السامعين !

    هل أجاري الخطاب الرسمي في ترديد نفس الوصْلة الإشهارية، لا بأس أن أزاحم الببغاء في تكرار نفس الغناء، وأقول إن استحقاقات كثيرة تلوح في أفق المغرب، تُرى بأي صورة سنتمظهر حينئذ أمام العالم، أوَ ليس الإعلام اليوم هو مرآة الشعوب، فما جدوى أن تُهيء لما ينتظر البلد كل شيء، تهيء العمران وتنسى الإنسان، تهيء جوق العميان، وتنسى أن العرس لا تكتمل زينته دون مرآة أو كاميرامان، أو بصيغة سوريالية، أن تخرج ذات صباح إلى الشارع، وتكتشف فجأة أنك تخاطب الناس بدون وجه.. يا أ لله.. لقد نسيته مركونا على رُفٍّ معلّق، وما أكثر ملفاتنا الاجتماعية العالقة في ذات الدولاب، والأدهى أنها معلقة دائما مع لسان طويل يشبه ربطة العُنق !



    ملحق « العلم الثقافي » ليوم الخميس 11 دجنبر 2025

    الملحق_الثقافي_11_12_2025.pdf
    الملحق الثقافي 11-12-2025.pdf
     (11.6 ميغا)

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حوادث النَّشْر في العلن والسِّرْ !

    العلم – محمد بشكار

    علّمتنا عقود من الكتابة، تلك التي يُمليها الضمير دون حاجة لمواثيق أو عهود، أنّ توظيف الكلمة في غير محلِّها يعتبر شططا في اللغة، بل يشبه تماما ولِماماً، توظيف عِوض المِحكِّ في الحمام البلدي مُشطاً، ولا أعرف هل من سوء الصُّدف أو من حُسنها إبداعيا، أن تتحول الكلمة في أكثر الأخطاء المطبعية إلى لكمة، ألَمْ تر إلى مدى حساسية الكلمة، سواء نطقناها أو كتبناها، فلا غرابة أن يتجاوز الشطط بسوء استعمالها، إلى عنف رمزي يجر إلى دواليب المحاكم، ومن لم يُصدِّقني، ما عليه إلا أن يسأل المغني، لماذا كلما أمعن عازف القانون في وصْلة اللعب، مُنِيَ هو وقبيله بالخرس، أين يا تُرى يكمن العطب، هل في اللغة أو اللغو أو فيهما معا، أم أنّ صوت المغني قد تقطعت حبائله قبل دق الجرس، أما أنا وبقية الشعب في هذا المسرح الشكسبيري الكبير، فقد قطّعْنا عوض الحبائل التذاكر مارشي نوار، وقمنا بواجبنا مع القوم الصّاغية على أكْمل أذن، وحضرنا الحفل منذ أول ستار يرتفع على الفضيحة، وما زلنا ننتظر عَلامَ سينسدل هذا الصخب!

    لا تخلو مهنة من مدونة تنظمها قانونيا، درءاً للتطاول بالعنق والتطفل مع جحا كلما لاح طابور في الأفق، ورغم أن العلاقة الزوجية ليست مهنة، إلا أننا ننفرد بمدوّنة الأسرة، وهي تماما كمدونة السير، فطنت مُبكّرا والحمد لله، أن حركة المرور بين الأزواج، قد تودي بالأرواح في حوادث وخيمة، ألمْ أقُل إن السبب يكون في الغالب كلمة، ولكنها هذه المرّة أحرقت في الضوء أحمر الشفتين، فارتدت بلكمة إلى العينين العسليتين، يا حسرة على العِشرة !

    ولأن الكلمة خطيرة وتوصف حسب التطيُّر المغربي بالتابعة، كان لابد من متابعة استعمالاتها اليومية، سواء ورقيا أو تكنولوجيا أو شفهيا، وهذه الأخيرة لا تعني القُبل بالضرورة، مَنْ يدري فقد تجمح أو تجنح عن الإطار المرسوم، وينقَلِبُ القيل على القائل وتسري لا قدَّر الله في المجتمع، سورةٌ من القلاقل، ولأن للسان ضربات كالسِّنان والجروح قصاص، ارتأى أهل الإختصاص سدّ هذا الخصاص، وأصبح للصحافيين في بلدنا كما للسائقين بعد دعاء السفر، نواة مُدونة تنظم التحرير بأكثر مِن علامة تشوير، طبعا مع اختلاف في المهنتين، ولو أنه في نظري لم تعد ثمة فوارق هذه الأيام، بعد أنْ عمّت حوادث النّشر، حتى في الطريق السيّار للإعلام المغربي يا ستّار!

    من الرّائع بمكان وزمان أيضا، دون احتساب الساعة الزائدة في التوقيت المغربي، هذه الرّجة الراديكالية التي قلّبت من الجذور مشْتلنا الإعلامي، فهي أبلغ إشارة على أن البِرْكة قد أسَنتْ وطال الركود، وأن التدفق الغزير للكلمة من أكثر من قناة، ما عاد ممكنا حصره بأساليب النواعير التقليدية للريق النّاشف، بل الأجدر أن نهيء للغيمة المناخ الملائم لتمطر في الاتجاه الصحيح، دون خوف من تسرُّب الماء تحت الباب، الأجدر أن نحفظ للصحافة المغربية هيبتها كسلطة رابعة، ونهيء بذكاء طبيعي غير اصطناعي، تشريعا مُواكبا يستوعب الانفجار التكنولوجي للأشكال الإعلامية، هل أبالغ إذا قلتُ وأنا لا أطيق الملابس الضيقة، الأفضل أن لا يكون هذا التطور الإعلامي بالاتجاه الكلامي على عواهنه، على طريقة تطور السلسلة الغذائية في الغاب، القوي يبتلع الضعيف، بل يجب التحلّي في حماسة الممارسة المهنية بالآداب، دون حاجة إلى أن نرصِّع مع كل نقطة حاشا السامعين !

    هل أجاري الخطاب الرسمي في ترديد نفس الوصْلة الإشهارية، لا بأس أن أزاحم الببغاء في تكرار نفس الغناء، وأقول إن استحقاقات كثيرة تلوح في أفق المغرب، تُرى بأي صورة سنتمظهر حينئذ أمام العالم، أوَ ليس الإعلام اليوم هو مرآة الشعوب، فما جدوى أن تُهيء لما ينتظر البلد كل شيء، تهيء العمران وتنسى الإنسان، تهيء جوق العميان، وتنسى أن العرس لا تكتمل زينته دون مرآة أو كاميرامان، أو بصيغة سوريالية، أن تخرج ذات صباح إلى الشارع، وتكتشف فجأة أنك تخاطب الناس بدون وجه.. يا أ لله.. لقد نسيته مركونا على رُفٍّ معلّق، وما أكثر ملفاتنا الاجتماعية العالقة في ذات الدولاب، والأدهى أنها معلقة دائما مع لسان طويل يشبه ربطة العُنق !



    ملحق « العلم الثقافي » ليوم الخميس 11 دجنبر 2025

    الملحق_الثقافي_11_12_2025.pdf
    الملحق الثقافي 11-12-2025.pdf
     (11.6 ميغا)

    إقرأ الخبر من مصدره

  • كَلامْ.. ليْس لِلرَّأْيِ النَّعَامْ !

    العلم – محمد بشكار

    1
    نعيشُ الآن التَّاريخ الأسْود لِلمُسْتقبل!

    2
    المرأة المحظوظة مَنْ تَعْثُر على رجُل لا يقْتصر مُراده على ما يريده أغلب الرجال !

    3
    ثمَّة مَنْ يتجاوز في الوقاحة جبْهته العريضة بأمتار، فتجدهُ يتحدَّث عن الأوْزان الطبيعية لحجْم الإنسان، وهو في ثقل الأحجام أخفُّ مِنْ جناح بعوضة !

    4
    لا أعْرف إذا كان ثمّة منْ ما زال يؤمن بجدْوى الكتابة، هذه الصَّيْدلية التي كانت توجد بترْسَانة أوْراقها في كلِّ بيْت، وكُنا نسْتعيض بحركتها الخفيفة على القلب، عنْ اقتناء عقاقير الكآبة، لا أعْرِف إذا كان ثمّة في زمن انهيار الإنسان، مَنْ ما زال يؤمن بنثْر الأحْرُف أو شَعْرَنتها لإشاعة قِيَم الجمال !

    5
    بعد الدَّفْن نُولِّي الأدْبار، والحقيقة أنَّ نفْس الفأس ينتظرنا جميعاً، ولو تغيَّر الحفار!

    6
    لقدْ وصَلْنا هذه الأيّام إلى ثقافة الطراكس.. وما الطراكس إلا جرّافة تُكشِّر بأمْرٍ من القيادات العليا عن أنيابها المعْدنية، ومَنْ لم يصِلهُ نبأٌ من هذه التَّقْليعة الجديدة التي تقْلعُ الأخضر واليابس، ما عليه إلا أن يُعيد النَّظَر في الرَّقبة الّتي تحْملُ الرّأسْ !

    الأصل في الثقافة أن نكون مع الفقراء المُهجَّرين غصْباً منْ بيوتهم أو أراضيهم الفلاحية، دون تعْويض سريعٍ أوْ منازل مُهيّأةٍ سلفاً تقيهم آفة التشرُّد في جنباتِ الشّوارع، فما أسهل أنْ تُكشِّر عنْ أنياب الطراكس وأنت تُدير المُحرِّك، ولكن الأصْعَب أنْ تُراعي حقوق البشر قبل البدْء في قلب الأعْلى على الأسْفل، الأبْشع أن  تُهَندسَ أو تُخطِّط بخفة مَنْ يُحركُ المرق، منظرا جميلا لقرى سياحية، وأنت لا تعلم أن ما رسمتهُ مزهُوّاً بالأنقاض على الورق، هو مشروع مقبرةٍ سيدْفن الضُّعفاء أحياءً، حقّاً إنّ أفظع ما يحزُّ في النفوس أنْ تبْرد الرُّؤوس من حرارتها، أن نُصبح مَعزُولين لا أحد يهْتَمُّ بالآخر، لتسْحقنا جميعاً مظاهرُ التَّعسُّف والطغيان، لا أحد يتكلّم بينما المواطن الفقير تبْتلعُهُ يومياً بطون مافيا العقارات البورجوازية المُتعفِّنة، وليْتَها تتغوَّطُه دون عسْرٍ في الهضْم حتى لا يخْتنِق مِنْ شِدّةِ الألم!

    لا أتحدَّثُ عمّنْ كبّروا بريع الثقافة العجيزة أوسَعَ من الكراسي، بل عن المثقفين الشُّرفاء الذين ما زال في عروقهم، سريانٌ من الحمِيَّةِ الغيورة على أبناء البلد، أولئك الذين يعلمون أن الثقافة الحقيقية لا تُؤكِّل الخُبز، وأنها أنْجَع علاج للعجز، ليس ذلك العجز الذي قد يذهب إليه التَّفكير ويحتاج  إلى وصفات لتقوية الباه، إنما ذلك الوهَن الذي يجعل الكلمة مُرتخِيّة مع القلم، دون قذفٍ صريحٍ يُذْكَر مِن الأفواه!

    7
    الإنسان الأخير الذي بشّر أو أنْذر الفلاسفةُ من مغبَّة نُشوئه، ذلك الإنسان الذي يتفوّق عليه حتّى الحيوان، على الأقل بمرجعيته التي توجدُ في الذيل، أصبح اليوم ويا للأسف غفيراً بيْننا..ألمْ ترَ كيف يملأ حياتنا بكل معاني الفراغ، وما الجديد فنحن نكتشف كل يوم مخلوقاتٍ محسوبةً خطأ على البشر، ويتبرّأ من ماديتها الجشِعة حتى الحجر !

    8
    إذا لم تغْضبْ اليوم فلا معنى لكُلِّ ما تكتبْ، قُلْ لي فقط أيُّها الشَّادي يا حَادِيَ العِيسِ، مِنْ أين تسْتمدُّ شهيَّتكَ في الطَّربْ !

    9
    اليَأسُ أيضاً أمَل.. حين نتحمَّل مُقاوِمين ما لا يُحْتملْ!



    ملحق « العلم الثقافي » ليوم الخميس 29 فبراير 2024

    الملحق_الثقافي_29_2_2024.pdf
    الملحق الثقافي 29-2-2024.pdf
     (3.8 ميغا)

    إقرأ الخبر من مصدره

  • إلَى آخِرِ الفَتِيلِ أقْتَفِي احْتِراقِي

    العلم – محمد بشكار
    بِالكَلامِ
    كَفَرتُ ولَكِنّنِي
    مَا كَفرْتُ بِمَنْ
    نَزَّلهْ
    بِالبَياضِ
    الّذي تَرْتَديهِ
    الجَنَازاتُ
    آمَنْتُ
    مَا أفْصَحَهْ
    البَيَاضُ
    الّذي عَارِياً طَافَ
    مِثْلَ الكَفَنْ
    عَارياً الْتَفَّ
    حَوْلِي لِيُوجِز فِي
    جُثّةٍ قَبْرَ هَذا
    الوَطَنْ
    فَمَا لِي
    وَهَذَا الكَلامُ
    وَقَدْ أوْرَثَتْنِي مَرَاثِيهُ
    أنْدَلُساً ضَائِعاً،
    مَا لِمِحْبَرةِ القَلْبِ
    قَدْ أفْرَغَتْ مِنْ فُؤادِيَ،
    حِصَّةَ عَيْنِي مِنَ الدَّمْعِ،
    هَلْ كَانَ أجْدَر أنْ
    أقْتفِي فِي الفَتِيلِ
    خُطَاهُ
    لِأكْتُب بالشَّمْعِ
    خَاتِمَتِي؟
    قُلْتُ: أكْتُبُ..
    قَالَ: لِمَنْ والحِوَارُ
    المُدَوّرُ قَدْ ضَاقَ
    بَيْنَ أصَمٍّ وَأبْكَمْ
    أوَ لَمْ تَرَ كَيْفَ
    اسْتَوَى بالوُجُودِ
    العَدَمْ !
    وَمَاذَا يُفِيدُ الكَلامُ وَنَحْنُ نُطَوِّرُ
    أسْلِحَةً فِي الكِتَابَهْ
    وَمِنْهَا بَوَارِج حَامِلةٌ
    لِلْحَائِرَاتِ سَتَرْسُو
    بِبَحْرِ الكَآبَهْ،
    فَهَلْ هَكَذا نُعْلِنُ
    الحَرْبَ هَلْ بِدُخَانٍ
    نَضُخُّهُ مِنْ خَلْفِنَا
    سَنُحرِّرُ فِي وَتَرٍ
    كُلَّ هَذا الأنِينِ
    الّذِي خَزّنَتْهُ
    الرَّبَابَهْ
    وَمَاذَا يُفِيدُ
    الكَلَامُ وَقَدْ صِرْتُ
    كَالفَلَكِيِّ أُوَزِّعُ عَيْنَيَّ
    بَيْنَ كَوَاكِبَ أرْمُقُهَا
    فَتطِيحُ..
    وآمُرُ عَرَّافَةً
    لِتَقُولَ تَعَالِيمَ تَسْبَقُ
    مَوْتِي المُؤجَّلَ فِي خَبَرٍ
    عَاجِلٍ كَبَاقِي المَآسِي،
    لَعَلِّيَ فِي نَجْمَةٍ
    أَسْتَرِيحُ،
    لَعَلِّيَ أَخْرُجُ
    مِنْ زَمَنِي مِثْلَ مَنْ دَخَلُوا
    فِي خَرِيفٍ ارتَدتْهُ
    جَمِيعُ الفُصُولْ،
    أوْ لَعَلِّي أُحَرِّرُنِي مِنْ كَلَامٍ
    تَعَبَّأَ فِي دَاخِلِي
    كَالقَذَائِفَ، ثُمَّ  أُقَيِّدَنِي
    بِالخَرَسْ !



    ملحق « العلم الثقافي » ليوم الخميس 8 فبراير 2024

    الملحق_الثقافي_8_2_2024.pdf
    الملحق الثقافي 8-2-2024.pdf
     (10.35 ميغا)

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ريع ومثقفٌ للبيْع !

    العلم الإلكترونية – محمد بشكار

    انتهى المُثقَّف الذي كان مُبْتدأ الأفكار، يُوقِظ في الأنفس الهِمَم، وفي الأعْيُن يُوقِد الغَضَب لِتنْدلع بالشَّرار، أصْبح المُثقَّف اليوم بين ليلى وضحى، ناعِماً يخْضَع لتصاريف خبر كان على إيقاع أغنية احْكِ يا شهرزاد، وما لنا نُكابرُ ولا نعْترِف وكل الوقائع التي حولنا تؤكد أنَّ وجود المُثقف كعَدمِه في المُجتمع، لم يعُد يتمتَّع بالكلمة المَسْمُوعة التي تتجاوز الأذن إلى القلب لتقُضَّ في سلطة المال والسياسة المضاجع، ربّما لأنَّه تخلَّى عن دوره الرِّيادي في التَّنْوير وقول الحقيقة ولَوْ انتهى إلى مصير اللِّسان المَقْطُوع، رُبّما لأنّه انْقلب ليكون ضِدَّ الجميع مع نفسه يُدلِّعُها باهْتِبال الفُرَص المادية، ومن أيْن للأفكار أن تُحافِظ على صلابتها وهي تتلقّى جرعات إغرائية قوية تجعل حتى الحجر رخواً، حقّاً إنَّ المُثقّف مسكين لا حَوْل لِجُيوبه النَّافرة، ولا قوّة لِشهْوة جَشعِه التي جعلتْهُ كالدُّب مُتَذبْذباً بِمواقف حائرة ! 

    أفْظَع الظَّواهر وأقْبحها مما يتجسّد في بعض المحْسوبين تَسلُّلا على عشيرة مثقفين من معْدنٍ أصيل، هو التَّمرْكُز المَرَضي على الذَّات واعتبارها قُطْبَ الكون، وكل مَنْ بَعْدي مُجرَّد هامشٍ أو زَبدٍ كالذي يَعْقُب انْحِسار الطُّوفان، لم يَعُدْ المُثقّف مُثقَّفاً إلا بما يعرفه عن نفْسِه دون الآخرين، يكتب لذاته ويقرأ لها حتى لا أقول عليها .. ولو أنَّ هذه النَّفْس المُهَلْهَلة في حاجة لأن تسْمع ما تيسَّر ما دامت في عداد الموتى، ألمْ ترَ كيف اسْتَبدَّ بهذا المثقف الذي على بالِنا جميعاً الوهم، بل يحْسَبُ بِغُرورٍ كاذبٍ أنَّه تجاوز مرْحلة التَّعلُّم، وهو لا يعدو أن يكون بضاعةً قابلة للبيع ولكن بالطُّرق غيْر المَشْروعة للرّيع، أين ذلك الزّمن الذي لم نكُن نلْتفت فيه لأنفسنا ونسْتصْغِرُها مُطْرِقين نُنْصِتُ لِمنْ سَبقونا في العُمر أوْ على الورق بسَطْر، كُنّا حين نسمع أنّ شاعراً أو مفكراً أو روائياً مِمّن نُحب اسمه قارئين، قد أصدر جديداً، نَذْرع المكتبة جيئة وذهاباً تَحسُّراً على يدٍ قصيرة في جيْب فارغ، ونَتمنّى لو تمْلك الطُّول الكافي لتخْترق الزجاج إلى الكتاب في الرُّفوف !

    وما جدوى مُثقَّف غزير الإنتاج، يُصْدِر في كل شَهْر كتاباً، كأنَّه كسّابٌ يُراكم في حظيرة المكتبات النِّعاج، ما جدْواه ولا أجدُ مَقولةً تنفلتُ مُشرقة من بين الأسطر التي دبَّجها أميالاً طيلة العمر، تتناقلُها الألْسُن متباهية بعبقرية الفكرة وبلاغة الصورة وإيقاع جَرْسها الجميل، تماماً كما كنّا وما زلنا نحفظ عن ظهْر حُبٍّ بعض أقوال وأشْعار القدامى، لقد فقد المُثقَّف اليوم الصِّدْق في التعبير، يكتب شيئاً لا يعْنيه ولا يعْني أحداً مُستعْجلا تَسْويد صفحة أخيرة في كِتاب قادم، أصبح يكْتُب الكلمة فارغة من كل إحْسَاس على جهاز الكومبيوتر كأنّه يُلْقي بِفَضْلة في سلَّة المُهْمَلات، أووووف… يجب أن أنتهي من هذه الرواية أو هذا الديوان قبل الإعلان عن انطلاق الجائزة !

    أصبح لدينا المُثقَّف المُمثِّل الميدياتيكي الذي يخْضَع لحصّة تجميل في الكواليس بالبُودْرة، قبل أن يخرج على المُشاهدين بإحْدى الشَّاشات التلفزيونية أو مواقع التواصل الاجتماعي، لِيُزيِّن القُبْح ويبيع الوهم بأبْخس الكلمات المَهْزوزة، كيْف لا وقَدْ اختار الجيب أقْصَر الطُّرُق ليُدافع عن أخْطاء أوْلِياء نِعْمته المُتدفِّقين بمنابع المال العام، وما أكْثَر نماذج هذا المُثقّف المَدْسُوسة بيننا لا تسْتحِقُّ الإحتذاء بَلِ الضَّرْب على الوجْه بالحِذاء، وما ذلك إلا لأنّها تخْدم في الخفاء أجندات سياسية مَسْمُومة، تُراوح بين طَمْس الهُويّة بِتكْريس الفرانكفونية البائدة والتَّطْبيع مع الكِيان الصّهْيوني، وتُسيِّد مِنْ أجْل مَصْلحة شَخْصِية ضيِّقة، التفاهة التي تُشوِّش على الأعْمال الأدبية الجادّة والأساسيّة، لتقْترف بهذا التَّزْييف المَكْشُوف في حقِّ الأنْقياء أكْبَر مذبحة !

    لم يَعُد المُثقَّف يكتب للنَّاس أو حتّى لنفسه التي يجهل ماذا تريد، وحين يُواجَهُ ببعْض الأسئلة الحارقة بعيداً عن الصُّور الَّتي تُخادِعُهُ بالسَّراب، تجدهُ تارةً يُفخِّخ الكلمات، وأخرى يُفخِّمُها ليُعْطي الانْطِباع أنَّهُ عبْقريٌّ ويفُوق الإدْراك البشري، وأنه مَهْمُوم وغير مفهوم ومكانهُ في التّاريخ بين العِظَام سُبحان من يُحْييها وهي رميم، يا أخي قُلْ شيئاً يعْنِي النَّاس اليوم لِيتذكَّروكَ غدا، أمّا التاريخ فهو خلْفنا يُلقَّنُ في المدارس والجامعات لِتسْتخْلِص الأجيال مِنهُ العِبر !

    أكْتُبُ هذه الكلمة على مسؤوليتي دون أن أخْتلط بالألوان، أوَ لَمْ تَروْ كيف أفْسَدوا جَمَاليّة قوْس قزح بعْد أنْ اتَّهمُوه بالشُّذُوذ، ولَستُ مَعْنياً بالغُبار الذي تَسْتثيره الحوافر لتضْليل العُيون عنِ الوِجْهة الصَّحيحة، ولكن بَقِي القوْل إنَّه من السَّهل تأجير سمْسارٍ يُغطِّي على قلمٍ وساقٍ كُلّ الدُّروب، ولكن الأصْعب في زمن الأنْصاف والأدْعياء، أن نجد المنْزل المنْشُود الذي لا يَسَع إلّا المُثقَّفين الشُّرفاء !



    ملحق « العلم الثقافي » ليوم 15 يونيو 2023

    الملحق_الثقافي_15_6.pdf
    الملحق الثقافي 15-6.pdf
     (11.46 ميغا)

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المَمْنوع من الحَرفْ!

    العلم الإلكترونية – محمد بشكار

    تعلَّمْنا من قواعد النَّحْو والإعْراب باللِّين أو العِقاب، ما يُسمَّى الممْنوع من الصَّرْف، وعِشْنا حتى اخْتلط الحابِل بالقنابِل، واستوى العالِم كتِفاً إلى كتف مع الجاهل، ورأيْنا كيف أصبح الشّاعر المغربي بوعلام دخيسي ممْنوعاً من الحرف، وهذا دليلٌ ساطعٌ بل مُوجعٌ أنّ الجميع غدَا مُتَصرِّفاً في ما لا يعنيه بهذا البلد.. ومن أين لبعض السُّلطات المحلِّية أن تعي ما الشِّعر أو تفتح مغاليقه القابلة لأكثر من تأويل، كي تمْنع شاعراً من الإدْلاء بقصائده في أماسي ببعض المدن المغربية مثل دبدو وزايو والعيون، أ إلى هذه الدَّرجة أصبح الشاعرُ خطيراً يهدِّد الأمن العام، وكيف لا تهْفو بعض الأنْفُس المريضة للتَّصرُّف في كل صغيرة وكبيرة، والأدهى أنَّه حتى في قواعد اللغة بعيداً عن مكائد السُّلطة وشَطَطِها، نجد المُتصرِّف يتجاوز في شؤون الناس الممْنوع من الصَّرف، وكيف لا وهو يتمتَّع بالتَّنْوين الذي شبَّهه عُتاة اللغويين بالصوت المسْموع للدراهم عند الصيارفة، وما تشنِّفُ به الآذان من رنين !

    ثمَّة بعض الأسماء الشِّعْرية لا تبْتذِل نفْسها كأيِّ بضاعة مَنْذُورة للاستهلاك اليومي، ولا حَرَج أن نُصنِّفها في معرض حديثنا عن أجمل الطُّيور المغرِّدة، ضمن النوع النادر الذي يُحلِّق خارج السرب، ومن هذه الأسماء التي تُحلِّق وحيدة في سمائها فريدة، الشاعر بوعلام دخيسي الذي لا يُرْسل قصيدة للنشر، إلا بعد أن يَزِن كلماتها بمكاييل من شذرات الذهب، فتجدها تُراوِح في مَلْحمِيَّتها الغنائية بين الألم والطَّرب !

    ومنْ أين للشّاعر أنْ يكْتسب صفة الطير النادر، إذا لم يستطع أن يُناغِم بجناحيه بِنَفَسٍ مَوْزُونٍ، بين السَّهْل والمُمْتنِع، لقد كرَّس بوعلام نفْسه على مدَى ستة دواوين شاعراً أصيلا لا يكتب من فراغ، ولكنّه يسْتنِد دون حاجة لعُكّاز إحدى الإيديولوجيات ولو كانت جمالية، إلى قضايا تقُضُّ مَضْجع الإنسانية، سواء كانت حُبّاً أو فلسطيناً، كأنِّي ببوعلام وهو يَعْرُج في مَراقِي العِشْقَيْن، يضع إلى جانب قلبه الأيْسَر الذي قد تتوزَّعُه أهْواءُ الشُّعراء، قلباً مُوازِياً بِشقِّه الآخر ثابتاً في حبِّه للقدس لا يُبدِّل تبْديلا، ألمْ أقُل إنَّه شاعرٌ نادر يكتب كلما استدعت الضَّرورة أن يَمْثُلَ أمام الإنسانية شهيدا!

    أُوقِن الآن أنِّي أكتُب الشَّهادة ولستُ أضع عنْد رأس أحد الموتى الشَّاهِدة، فما أحوج الكلمة لمن يَحْقنها من عرْقٍ ينْبُض لكي تسْتمِد الحياة، ما أحْوج الشّاعر أن يقرأ شيئاً عن بنات أشْعاره قبل أنْ يكمل بعد عُمْرٍ طويل أحد الأسطر في الثَّرى، أوَ لَمْ يَقُل جبران خليل جبران إنَّما الناس سطورٌ كُتِبت لكن بماء.. لكن بوعلام دخيسي ليس كأيَّتُها النَّاس بما أنَّه اختار أن يَتلفَّع بجُبَّة الشاعر، اختار أن يُزيِّن للآخر الجنَّة من المسافة المتوترة للأفكار حتى لا أقول الهُوّة المُسْتعِرة للنّار !

    ولستُ أُورد كلمة (يُزيِّنُ) عبثاً وأنا أنظُر كيف يَنْفُث في كل عبارة يَجْترِحُها جُرْعةً قويّةً من التَّصْوير الشِّعري، لا يُمكن أن نقرأ جُمْلةً دون أنْ نُصاب بِمسٍّ من التَّخييل، ليتجاوز بهذا الصَّنيع المجازي  أو الأيقوني الكلمة إلى صُورتها وهي تنْعكِس بأكثر من حُلَّة في المرآة، وهو بهذه الرؤية الإنقلابية لأشياء العالم إنما يَسْعى للتَّخْفيف من حِدةِّ الأسى.. تلك التي تَرِين بظلالها على قصائد تكاد تُشبه في تَبتُّلها مراثي للذات وهي ما زالت على قيد الحياة، يقول الشَّاعر مثلا في قصيدة « من دعاك…؟ ! »: تركْت لكُم هناك يقين شعري/لأنسى،/ وانزويتُ إلى ظنوني/ دخلتُ الكهف وحدي،/ لم أُرِدْه لمعجزةٍ،/ ولمْ أحطِّم حُصوني/ رضيتُ بعزلتي/ وحفرتُ قبري أمامي،/ واغتسلتُ بطرف طيني/ وصلَّيتُ الجنازة،/ كنتُ فيها الإمامَ/ ومن تَجهَّز للمَنُون/ رفعتُ يداً لأدْعوه، وأخرى لأحْصي ما تعذَّر من ديوني.. (من ديوان « وحده قلبك في المرآة »)؛ ألَمْ أقل إن الشّهادة إذا لم تُكْتَب في أوانها قبل أن يطْوي الشاعر حياته طيَّ الغلاف للدِّيوان الأخير، قد تُصبح شاهدةً، وها هو دخيسي في الشِّعر سالف الذكر، يسْتَشْرِف بقِياس الزّمن النَّفْسي القَدَر المحْتُوم، ذاك الذي ينتظر الجميع خلف الباب أو تحت الوسادة، قد يأتي غداً أو بعد ألف عام حين تنْبعث إحدى قصائد الشّاعر وهي رميم من السُّطور!              

    لَنْ أُبالغ إذا قلتُ إن بعض الدواوين الشِّعرية بنَفَسِها الصُّوفي عالي التردُّد والتَّمرُّد، تسْتدعي قبل قراءتها خلع النَّعْلين عسى نلْمسُ في الكلمة ونحن حُفاة صفاء الرُّوح، كذلك شأْن التَّجْربة الشِّعْرية لبوعلام  دخيسي، لا يَبْرحُها إيقاع التَّهَجُّد أو تهْجرُها صيغة التبتُّل حتى وهو يحُوك للمعشوقة أرَقَّ الغَزَل، كأنَّه يُقيم قُدَّاساً في معْبد عينيها على شفا البكاء، ويسْتَوحي من طيْفها لكلماته أجْمل الصُّوَر، فلا نَعْرفُ حائرين أيَكْتُب مرثيةً للذَّات أو يترنَّمُ  بمديح الحياة !



    ملحق « العلم الثقافي » ليوم الخميس 27 أبريل 2023

    الملحق_الثاقافي_27_4.pdf
    الملحق الثاقافي 27-4.pdf
     (11.32 ميغا)

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بالنَّار فضَح جواد ما خلْف السِّتار !

    العلم الإلكترونية – محمد بشكار

    لَنْ أسْتعِيد أوراقي القديمة التي لم تحِدْ قَيْد ظِلٍّ عن شمس الفنان المسرحي أحمد جواد، هو نفسُه كان رحمه الله يُذكِّر رُواد فيسبوك ببعض قُصاصاتها المنشورة في الجرائد،  وكان يُرْفِق هذه الكتابات المُقْتَطَفة بعناية من الأوراق السَّيارة، بعبارات الفخر من قبيل وليس قبيلة: (هذا ما كتبه عني الشَّاعر والصديق الوفي فلان..)؛ بل إنِّي ورَّطْتُه معي في لعبة البيضة والحجر التي لا يجيد الجمع بينهما دون انكسار، إلا ساحر أو شاعر، عساني أخفِّف في نفسه المقهورة، ضائقة العيش التي تهيض بهمومها أعْتَى الجِبال، فكان آخر ما كتب في الصفحة الأخيرة لجريدة « العلم »، عمودا  يقطر بالأسى وهو يرثي رحيل الممثلة القديرة « خديجة أسد »، تُراكَ تسْمعُني الآن أخي جواد وأنت هناك إلى جوار الجواد الكريم، ماذا يُفيد الكلام بعد عرْضِكَ المأساوي الأخير الذي ذهبْتَ ضَحيَّتهُ قُرباناً في الشَّارع العام على عتبة وزارة الثقافة، وما زال التَّحْقِيق جارياً كما جَرتْ في جسدك النَّحيل المادّة الحارقة، واندلعتْ معهُ بعْدَ أنْ ثواكَ الرَّدى الأقاويلُ بفتيل اللسان الطَّويل !

    الأهمُّ من كُلِّ هذا البُكاء الذي لن يَعْدم كمِّيةً وفِيرةً من المناديل ليجفَّ سريعاً، هو العرض الأخير.. عَرْضُ الإحتراق الذي أدَّاه أحمد جواد باسْتِماتة جعلْتهُ ينتقل بسرعة إلى خشبة أوْسع في العالم الآخر، ولكن بِما أنَّ ستار المسرحية مازال مفتوحا، بِما أنَّ الأقنعة ذابت بلفْح النيران التي فتحها جواد ليْس على نفْسه فقط، بلْ تَجاوزتْهُ لتُعاقب اللوبي المُتحكم في الريع الثقافي والفني الذي احترف القاعات المُغلقة، بِما أن جواد خوطب في بلاغ الوزارة ليس باسمه كفنّان ومُنشّط ثقافي معروف، ولكن كأي شخصٍ أو مواطن مجهول بدون هوية فنية أو أثر.. لِكُلِّ هذا الحيْف لن نُسْدل السِّتار بل سننْدلع مع جواد كعاصفة تستنفرُ وحش الغابة بين الأشجار، هو الذي كان يُهَيِّءُ لِعَرضِ مسرحية جديدة، وبعث لي عبْر الواتساب قبل أيام من الفاجعة المُروِّعة، بِنَصِّ عمله المسرحي الجديد مع هذه الرسالة: (أضع بين يديكم الكريمتين نص عملنا المسرحي القادم.. ملاحظاتكم ورأيكم يهمنا، قراءة ممتعة).. هو الَّذي عاش معلوماً وحين مات خوطب بصيغة المبني للمجهول..هو الذي كان يسْتعِدُّ على قلم وساق لعرض مسرحية تعكس الشُّعور الفادح بالقهر وتحْمل أيضا عنوان   (هو…!)، وهي عن ديوان « كناش لمعاش » للزجال إدريس المسناوي، دراماتورجيا: أحمد جواد.. ألم أقل إن المسرحية لم تنْته بعد وإنَّ الرماد ما زال يُخيِّم برائحة الإحتراق في مشهدنا الثقافي والفني الموبوء بغيلان الفساد، لذلك سأترك السِّتار مفتوحا لنقرأ جميعا شيئا من ذلك الــ (هو…!) الذي هو أنا وأنت وأنتم وكل الوعي الجمعي الشقي، بل إنَّه يُجسِّد  المظاهر البشعة التي يعيش مِحْنتها أهل الأدب والفكر والفن في هذا البلد !

    لا أُبالغ إذا قلتُ إن هذه المسرحية تعكس جليا السِّيرة الحياتية للفنان أحمد جواد، وقِسْ على ذلك إلى آخر الكفن، سيرة كل الذين يُكابدون التَّهميش والإقصاء، ألم تر كيف تُفقِّرُ الأقلية فاحشة الثراء أغلبية المجتمع التي لا تجد معاش يومها، نقرأ من هذا المونولوغ المسرحي:
      
    -الكاتب : بغيت نعرف راسي من رجلي ف شهادة لساني ومدادي / بغيت نعرف نفسي الميتة من الحية / ونجمع من الباقي ف حياتي زادي / بغيت نحل كناش لعقل والقلب قدام الروح / ونعري ع الأسئلة المدفونة ف الدماغ من يوم ميلادي / بغيت نتعلم نكتب الحرف وهو ف كرش امو / ولا نتيه ف قراية احوال الفال على أحفادي / بغيت نعرف نكتب ، شكون انا ..؟

    -القلم :الدنيا مقسومة على ثلاثة : الثلوث الاول فاز بها / الثلوث الثاني طامع فيها / الثلوث لاخر مقسوم على جوج: النص الاول شاد الميزان والنص الثاني عفطوا عليه وزادوا القدام.

    لا أُخْفيك حسرةً عزيزي جواد وأنا أراك تَسْتعجل الرحيل أخفَّ من خيط الدخان، كان بِوُدي أن تتنظر لنتجاذب أطراف الرَّأي في هذه المسرحية التي رُبما ستُعرَض يوماً وأنت بين شخوصها تلوح بصيغة جنازة الغائب، لم أكُن أريد أن أجيبك بعد يوم أو يومين من التوصل، بكلمة (رائعة) التي تُفيد التَّنصُّل، وما أكثر من يستعمل هذه الكلمات المدْهُونة، لينهي بالمجاملة كل صداع الرأس الذي تُسبِّبه المجادلة، وقد اتَّضح الآن أنها أكثر من رائعة بل إنها مسرحية نُبوئية ورؤياوية، هل تعلم لماذا أخي جواد.. لأنَّك لَم تُجهِّز حواريتها الدرامية القاسية بمعزل عن قلم تُحرِّكُهُ يدُ الأقدار!



    ملحق « العلم الثقافي » ليوم الخميس 6 أبريل 2023

    الملحق_الثقافي_6_4_2023.pdf
    الملحق الثقافي 6-4-2023.pdf
     (12.88 ميغا)

    إقرأ الخبر من مصدره

  • عاداتي غير السيِّئة في رمضان!

    العلم الإلكترونية – محمد بشكار

    لا يُمْكن أن أخْتصِر ذكرياتي مع رمضان بخفَّة بائعٍ يُلوِّي الحمص والفول في ورقة، ثم أنثرها بتوابل من قَبيل الملح والكَمُون، فماذا يُجْدي أن يَسْتطيب الجميع طَعْمَها وهي مُرّة، وأجمل الذكريات مع رمضان كانت في الصِّغر حين كُنا نأكل طعام غيرنا.. وأقصد أهل البيت، وها هي نفس العادة السَّيئة قد اتَّسعت برُقعتها في الكِبر، وأصبحنا نرى من يأكلون طعام الغَيْر في كُلِّ الأيَّام وهم يقولون ساخرين: حقُّكم في الجنّة !

    أما أنا فقد اكتسبتُ عاداتٍ جديدة في رمضان، لا تبعُد كثيرا بمسافة سطر أو سطرين عن القصيدة، أقرأ في رمضان ما تساقط في غفلة منِّي، وترك في نفسي منطقة جوفاء تحتاج لامتلاء نفسي، فلا أنشغل إلا بالبدايات: بداية قصيدة، بداية، مقالة، بداية رواية قد تشبه في نكهتها وصيّة رجل فضَّل أن يبدأ الحياة من حيث يموت في الكتابة … وهكذا إلى آخر البدايات التي تنتظرني أنهيها بِقَدَرٍ أصنعه محتوما!

    لا أقرأ في رمضان إلا ما أسلفتُ في كتابته طيلة العام، أنتهز فرصة جوعي لأشبع نهَم قصائدي التي لم تكتمل، أصالح الأسطر ببعضها بعد طول خصام ليستقيم المعنى ويصبح للصورة وجهٌ ترى به نفسها في مرآة الإبداع، أو قد أصالح كل القصائد التي كتبتْني في غفلة من وعيي الذي نهَبهُ تسارع الزمن، لأجمعها في ديوان أعلم أنني سأتعب في العثور على عنوان يليق بجنونه أكثر مما يتطلَّبه إيجاد ناشر!

    أقرأ تعازي فيسبوك وما أكثر جنازاتها في رمضان، وأنشغل بتقديم أصدق المواساة عساني أظفر ببعض الحسنات في شهر الغفران، وأفكر في الأصدقاء الذين رغم رحيلهم من الدنيا ما زالت حساباتهم مفتوحة،  شتَّان بين الزرقة في فيسبوك والزرقة حيث هم في السماء !

    وحده الموت ينهرني ويردع تسْليتي في هذا العالم الافتراضي ويهمس في أذني: فيسبوك ليس لعبة، إنه سيرة حياة توثِّق للإنسان في الفِراشين اللذين بين الولادة ونحن رُضَّع والنزع الأخير ونحن ذاهلون خُشَّع، بل ونتبع هذا الإنسان عبر فيسبوك دائماً لنشيعه حتى نردمه في حفرة، فيسبوك ليس لعبة في رمضان وطيلة العمر، يعلِّمنا أن نتواضع إلى الرُّكَبِ، لأن لا أحد يضمن أن لا يصعد أحدهم غدا بصورتك في إطار أسود وخط كوفي أنيق، ويكتب بحبر يقطر حداداً: إنا لله وإنا إليه راجعون!

    الجميع في فيسبوك أصبح شاعرا، ناقدا، إعلاميا، وما عادت الكتابة بهالتها الأدبية المهيبة، حكرا على الأقلام التي تقف بكعب طويل تتجاوز كل القامات، وأجدني وأنا أرْتكب جريرة قراءة ما يُنشَر على هذا الحبل الطويل من غسيل، ألمس كعب حذائي القصير وأصرخ: لا..لا.. قد أقبل أي توصيف يحيق بالكتابة أو حتى يُرْديها بالمحْق محواً، إلا أن يعتبرها منْ لم يَعِشْ حياتها التي تسْري في شراييننا سُطوراً من الداخل، مُجرد شيء يقترفه من لا شُغْلَ يُلْهيه عن العضِّ بأنياب الكلام عميقاً في لحم الناس، حتى وقتٍ ليس بالبعيد في العقارب والسِّنين، كنا ننتظر بفارغ الصبر أن يُصْدِر روائي أو شاعر أو مفكر نُحِبُّه عملا جديدا نروي به ظمأنا للمعرفة والجمال، وكُنا حين يحُلُّ أديبٌ ضيفاً في إحدى الأماسي الرمضانية، نمضي رغم الفاقة مشياً على الأقدام لمسافات طويلة، لا نملك شيئا نخسره حتى الوقت ليس ملكنا، ألمْ ترَ أنَّه تحت سيطرة من نُسمِّيهم في بلدنا كدلالة على السلطة بـ (أصحاب الوقت)، أوَ ليس هم من يزيدون أو ينقُصون ساعة، ولكن يكفي أننا  نملك في النوم واليقظة الكثير من الأحلام !   

    لا أتجاوز في قراءاتي الرمضانية الجُملة التي تعود عليَّ مُفرداتها بالنفع وتحفزني جمالياً أو إعلامياً على كتابة أخرى، عساها تفيد القارئ دون أن تستدر مع الضجر الدمع، وأقصد القراءة الشذرية التي نجدها في كتب المتصوفة أمثال النفري وابن عربي وبعض المُستظرفات في تُراثنا الأدبي العربي، وقَدْ أمضي بالتأمل قصيّاً في الحِكميَّات وأغترف من ديوان المتنبي، ناهيك عن قراءتي لكل المواد التي تفدني لملحق « العلم الثقافي »  وتأخذ من صدري قلباً كبيرا من الجهد من حيث التحرير والبحث عن الصور التي تُناغمها جماليا، وفيها الشعر والقصة والدراسة أو القراءة النقدية الأدبية والترجمة والإصدارات الجديدة والمقالة الفكرية، وهلم قراءةً حتى يتبين السطر الأبيض من السطر الأسود في ورق الجريدة !



    ملحق »العلم الثقافي » ليوم الخميس 16 مارس 2023، وهو كلمة مزيدة ومُنقحة، مُسْتقاة من حوار أجراه معي منذ سنوات الإعلامي « محفوظ فضيلي » لـ « الجزيرة نت ».

    الملحق_الثقافي_16_3_2023.pdf
    الملحق الثقافي 16-3-2023.pdf
     (14.13 ميغا)

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بالبريد المُسْتَعْطَلْ

    العلم الإلكترونية  – محمد بشكار
      1
    وما لَنا ولغةُ السِّياسة ألم ترَ كيف أصبح مُعجمُها الشَّعبوي سيفاً مسموماً مُسلَّطاً على الرقاب، يحُزُّ الأنفس ويُدْميها مِن شِدَّة النكإ الحاطِّ بكرامة الإنسان وبئس العذاب، ما لنا ولغة السِّياسة، ألم ترَ كيف مدت اللِّسان أمضى من السِّنان دون مُراعاة الكياسة في الكلام، وما الفرق بين من يُطيل هذه اللحمة دون أن يجعلها تستند إلى عظم، ومن يصلُ الفتيل بشرارة كلمة ينفثُها عشوائيا من الفم، أليس بزلَّة عود ثقاب يمكن أن تندلع شرارة الصراع الطبقي وتتَّسع الفتنة، أعترف أنِّي لا أفهم في السياسة إلا بطريقة رومانسية كأنْ أفكر في حيلة للإيقاع بقلب من أحب، أو أمارس سياسة التقشُّف على جيبي، لأوفِّر لمنْ أحب مالاً أشتري به ما يُحبُّون، أو أُعَدِّلَ قليلا بشيء من المرونة منْ رؤيتي للعالم الذي لا شيء فيه يعجبني، عساني أسلَمُ من شر بعض الناس، وما لي ومحن السِّياسة إذا كان بعض من يحترفونها شططاً، لا يُراعون قُدْسِية الكلمة، يكسرون الخواطر كُلّما توجَّهوا بخطاب في السِّر والعلن، ويطيحون بالبسْمة لتنقلب إلى تكشيرة تهُم بالإفتراس، فما عُدنا نعرف هل نعيش في مدينةٍ أو غاب !   2 بعض البشر عبدٌ للماضي بكل أمجاده التي أنتجت أصناماً، ومن فرط شُموخها في ناظريْه لمْ يعُد يرى طريقه للمستقبل، وتحضُرني هنا قصة تسْخر ممَّن يلبسون ثياب الآباء والأجداد وبدونها فَهُمْ عراةٌ، يُذْكَر أنَّ فتيةً من قريش كانوا يتنافسون في الرِّمَاية، و كلما أصاب أحدهم بسهمه الهدف صاح مُغتبطاً أنا ابن العظيم فُلان أو ابن الشهيد علان، وحين سدَّد أحدُ العبيد فأصابَ قال: أنا ابن من سجدتْ له الملائكة، فسألوه مُسْتغربين: من هو؟ فأفْحَمهم جوابا حين قال: آدم..!  أمّا البعض الكثير من البشر فتجدُه عبْدا للفكرة الواحدة يعبدها طيلة حياته ويُورِّثها مع الوظيفة بعد الوفاة لأبنائه، وبدل أن يتبنَّاها فقط تتبنَّاه فتجعله يتيما محروما من أمهات الأفكار..!   3 السلطة الإعلامية التي تضرب برأيٍ من حديد، انتقلت إلى الشارع المغربي لتصْنع الحدث بنفْس القُوّة التي تصنعُها الصحافةُ في دول الغرب الديمقراطية، دون أنْ تكْبح جِماحها الغاضبة، رقابةٌ وضع خُطُوطها الحمراء الزَّائفة، ثلةٌ ممن يتواطأون مع ذوي المصالح الشخصية ويخْشون في الأقلام أوْهَنَ عودٍ قد يُحرك في الفساد تلك الرائحة، ورغم أن النقد الذي يُبَلْوِره الشارع المغربي ويجدُ تصريفاً أو تنْفيساً لِسيْلهِ العارم عبر ثقوب التواصل الإجتماعي، قد يبدو في تعبيره المُتناثر والرَّكيك مِزاحاً بطَعْمٍ حامض يشبهُ كذْبة أبريل، لكنه سرعان ما يُجَيِّشُ طوفاناً من المُتعاطفين مع نفْس الرأي، ليأخذ المِزاحُ طابع الجدِّية ويصبحَ طعامَنا الذي نلوكه أو نتلمَّظُه ولو كان فُلْفلا، بالتعليق والسُّخرية في كل الوجبات، حتى يأتي الخبر اليقين بسقوط أحد الوزراء مِمّن استهدفه أو رجَمهُ الرأي العام بوابلٍ من المِزاح، ليمضي إلى حالِ نسْيانهِ وهو يحْملُ معه بدل لقب وزير في أحد القطاعات توصيف « وزير الكرّاطة » أو « وزير الشكلاطة » و »وزيرة جوج فرانك » التي كانت قد اسْتَبْخَسَت التقاعد الذي يتقاضاه الوزير وهو مبلغٌ محترم، حتى أصْبح الجميعُ يُطالب بجوج فرانك، وهكذا دواليك تدور الطّاحونة، فلا نعْرفُ بعد أن اختلط في جوفها القمح من كل الجنسيات، مَنْ فينا صنيعة خُبز البلاد ومنِ المُسْتَوْرد مع الدَّقيق من كندا !     4 من يَذكُر حكاية الثعلب الذي أراد أن يرتوي من ظمإٍ، فمضى إلى بئر بها دلوان إذا نزل أحدهما صعد الآخر، ومن شِدَّة العطش قفز الثعلب إلى الدلو دون تفكير، ولما انتهى من الشُّرب وجد نفسه في القعر السحيق حبيساً، وحين مرَّ بجواره ذئبٌ سأله عمَّا دهاه حتى سقط في البئر، فأجابهُ الثعلب بدهائه المعهود إنِّي رأيت سمكاً فنزلت أصطاده، فدعاه للقفز في الدلو الآخر ليُشاركه الوليمة، صدَّق الذئب بطمَعه الكذبة، و لم يَكدْ يقفز في الدَّلْو حتى صعد الآخرُ بالثعلب الذي قال لضحيَّته وهو يلتقيه في منتصف البئر: تلك هي الحياة يا صاحبي، فيها الطالع و فيها النازل!..   لن أسأل من فينا اليوم الثعلب ومن الذئب، ولكن المحتوم أنَّ بين كل الأجيال التي لقَّنها تعليمُنا هذه الحكاية، ثمة مَنْ استفاد من حكمتها أو كذبتها الكبرى، من حيث النظرية والممارسة في الحياة، أما منْ نام وفوَّتَ حصة الدرس فهو من فصيلة النَّعام ! …………………………………………. .



    ملحق »العلم الثقافي » ليوم الخميس 12 يناير 2023

    molhak_du_12_1_2023.pdf
    Molhak du 12-1-2023.pdf
     (14.87 ميغا)

    إقرأ الخبر من مصدره