زينب شكري
يتواصل الجدل حول واقع الإعلام العمومي بالمغرب، في ظل تصاعد الانتقادات الموجهة إلى القنوات التلفزية الوطنية، التي يرى متابعون ونقاد أنها باتت عاجزة عن مواكبة التحولات العميقة التي يعيشها المجتمع المغربي، سواء على المستوى الاجتماعي أو الثقافي أو الرقمي.
ومع كل موسم برامجي جديد، تتجدد مطالب مراجعة “دفاتر التحملات” وتصحيح مسار القطب العمومي، وسط شعور متزايد بعدم الرضا عن مضمون البرمجة وطبيعة القضايا التي يتم تناولها على الشاشة الرسمية.
وفي هذا السياق، اعتبر الناقد الفني، مصطفى الطالب، أن المشهد التلفزي المغربي يعيش اليوم أزمة حقيقية تستدعي إطلاق “حملة جديدة وجدية” لإعادة بناء الإعلام العمومي شكلا ومضمونا، بما ينسجم مع الثورة الرقمية والإعلامية التي غيرت طريقة تلقي المغاربة للمعلومة ومتابعتهم للنقاش العمومي.
واستحضر الطالب، في قراءته النقدية، حملة “التلفزة تتحرك” التي أطلقت ما بين سنتي 1986 و1987، بهدف تغيير صورة التلفزيون المغربي آنذاك، وكسر النمطية التي كانت تميز البرمجة في فترة القناة الواحدة، من خلال تقديم صورة “أكثر حيوية وقربا من المواطن”، وإضفاء دينامية جديدة على البرامج والبلاطوهات التلفزيونية.
ورغم أن تلك الحملة -بحسب تعبيره- “أجهضت” في ذلك الوقت، إلا أنها مهدت لاحقا لظهور القناة الثانية “دوزيم” سنة 1989، التي جاءت -وفق قوله- بحلة أكثر عصرنة ومهنية، واعتمدت فلسفة قائمة على القرب من المواطن والانفتاح على أنماط جديدة في التناول الإعلامي، قبل أن تنحرف تدريجيا عن الأهداف التي أُحدثت من أجلها.
ويرى المتحدث، أن القناة الثانية تحولت مع مرور السنوات إلى نموذج آخر من “النمطية والسطحية”، خاصة في ظل أزماتها المالية المتكررة، معتبرا أن المحاولات التي جرت لإنقاذها لم تنجح في إعادة بناء مشروع إعلامي قادر على استعادة ثقة الجمهور أو إنتاج محتوى يعكس التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.
ويعتقد كثير من المتابعين أن أزمة الإعلام العمومي لم تعد مرتبطة فقط بالإنتاج أو نسب المشاهدة، بل بطبيعة الخط التحريري والخيارات البرامجية التي أصبحت -بحسب منتقديها- بعيدة عن انشغالات المواطن اليومية.
فبدل فتح نقاشات حقيقية حول قضايا التعليم والصحة والبطالة والتحولات القيمية والاجتماعية، تتجه البرمجة -وفق هذه الانتقادات- نحو محتوى ترفيهي يوصف في أحيان كثيرة بـ”السطحي” أو “المستهلك”، دون قدرة على خلق نقاش عمومي جاد أو ممارسة دور التوعية والتأطير.
وفي هذا الإطار، شدد مصطفى الطالب في تدوينة على “فيسبوك” على أن المغرب، بعد أكثر من أربعة عقود على حملة “التلفزة تتحرك”، ومرور 23 سنة على تحرير المشهد السمعي البصري سنة 2003، أصبح بحاجة إلى “ثورة مهنية” جديدة تساير التطور الرقمي والإعلامي الذي يشهده العالم، وتعيد الاعتبار لمفهوم الإعلام القريب من المواطن وقضاياه الحقيقية.
وأشار الناقد الفني، إلى أن المنصات الرقمية وعلى رأسها “يوتيوب” و”تيك توك” و”فيسبوك”، تحولت اليوم إلى المصدر الرئيسي للمعلومة وفضاء للنقاش العمومي بالنسبة لفئات واسعة من المغاربة، في وقت فقد فيه الإعلام الرسمي -بحسب تعبيره- جزءا كبيرا من “مصداقيته الاجتماعية والسياسية والفنية”، باستثناء بعض البرامج القليلة التي ما تزال تحافظ على حضور مهني ومصداقية لدى الجمهور.
ويعكس هذا التحول -وفق متابعين- حجم الهوة التي باتت تفصل بين الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي، خاصة في ظل السرعة التي تتحرك بها المنصات الجديدة، وقدرتها على ملامسة القضايا اليومية للمواطنين بشكل مباشر وفوري، مقابل بطء القنوات الرسمية في التفاعل مع التحولات المجتمعية والرقمية.
وفي خلاصة قراءته، اعتبر مصطفى الطالب أن المغرب “يسير اليوم بإعلامين مختلفين”، الأول إعلام رسمي مرئي وصفه بأنه “بطيء ومبهرج” من حيث البرمجة والشكل، والثاني إعلام رقمي سريع وحيوي يعكس دينامية المجتمع ويستفيد من هامش أوسع من حرية التعبير ودمقرطة الوصول إلى المعلومة.
وتعيد هذه الانتقادات النقاش مجددا حول مستقبل القطب العمومي، وحدود قدرته على استعادة ثقة الجمهور، في زمن تغيرت فيه عادات المشاهدة، وأصبح فيه المتلقي أكثر وعيا وانتقائية، وأكثر بحثا عن محتوى يعكس واقعه الحقيقي ويناقش قضاياه اليومية بجرأة وعمق ومهنية.




