Étiquette : الاتحاد السوفياتي

  • القضاء الروسي يأمر بحل أقدم منظمة حقوقية في البلاد وحظر أنشطتها على الأراضي الروسية

    قضت محكمة روسية أمس الأربعاء، بحل “مجموعة هلسنكي في موسكو” وهي أقدم منظمة حقوقية غير حكومية في روسيا، تأسست عام 1976 لضمان امتثال الاتحاد السوفياتي لالتزاماته في مجال حقوق الإنسان.

    وقالت محكمة مدينة موسكو في بيان نشر على تلغرام وتناقلته وسائل إعلام دولية، إنها “وافقت على طلب وزارة العدل الروسية” بإصدار أمر بحلّ هذه المنظمة غير الحكومية وسحبها من السجل الرسمي.

    وبحسب ذات المصادر، فقد سبق لوزارة العدل أن قدمت نهاية شهر دجنبر الماضي، طلبا للقضاء بحلّ مجموعة موسكو هلسنكي وحظر أنشطتها على الأراضي الروسية، بعد اتهامها بالقيام بأنشطة خارج منطقة موسكو، في انتهاك لصفتها الإقليمية، بما في ذلك إرسال مراقبين إلى محاكمات وفعاليات في مناطق أخرى من البلاد.

    وأعلن محامو المنظمة غير الحكومية على الفور عزمهم استئناف قرار الحلّ. وسبق للقضاء الروسي أن وافق على طلب حل منظمة ميموريال في الشتاء الماضي، وقد كانت أيضا من أبرز المنظمات الحقوقية ومتخصصة في توثيق الانتهاكات السوفياتية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أوكرانيا: روسيا مغتصبة لمقعد الاتحاد السوفياتي في الأمم المتحدة

    دعت أوكرانيا، أمس الاثنين، إلى استبعاد روسيا من الأمم المتحدة، بعد أكثر من عشرة أشهر على بدء غزو القوات الروسية، وهو مطلب لا فرص له بالنجاح؛ بحيث تتمتع موسكو بحق النقض في مجلس الأمن الدولي.

    وقالت وزارة الخارجية الأوكرانية في بيان لها، إن « أوكرانيا تدعو الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى حرمان روسيا الاتحادية من وضعها كعضو دائم في مجلس الأمن الدولي، واستبعادها كليا من الأمم المتحدة ».

    وأشارت الخارجية الأوكرانية إلى أن روسيا « تحتل بشكل غير قانوني، مقعد الاتحاد السوفياتي في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة »، منذ عام 1991، وتفككه إلى 15 دولة جديدة، مضيفة أن « روسيا مغتصبة لمقعد » الاتحاد السوفياتي في الأمم المتحدة.

    وأعربت كييف عن أسفها لأن « هذه العقود الثلاثة من الوجود غير القانوني في الأمم المتحدة تميزت بالحروب والاستيلاء على أراض من دول أخرى، وتغيير قسري للحدود المعترف بها دوليا، ومحاولات لتلبية طموحاتها الإمبريالية الجديدة ».

    وفي تغريدة، أعتبر وزير الخارجية الأوكراني، ديمتري كوليبا، أن « وجود روسيا في مجلس الأمن، وفي مجمل الأمم المتحدة، غير شرعي ».

    إقرأ الخبر من مصدره

  • عواقب الغطرسة

    المؤرخون الذين سيكتبون في المستقبل عن السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، خلال ربع القرن الماضي، يجب أن تتضمن كتاباتهم فصلا مطولا بعنوان «الغطرسة الأمريكية»، فالغطرسة هي نقيصتنا القاتلة، إنها عدم قدرتنا على رؤية الآخرين كأنداد لنا أو الاكتراث بتصوراتهم، وتكوين أحكام مغلوطة حول قدراتنا.

    كان العقد الأخير من القرن العشرين فترة زمنية عصيبة، فكنا نعتقد أن انهيار الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة جعلانا القوة العظمى الوحيدة في العالم. وبناء على ذلك، حشدنا تحالفا دوليا لتحرير الكويت، وعقدنا مؤتمر مدريد للسلام لحل الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، وعقدنا في البيت الأبيض مراسم التوقيع على اتفاقيات «أوسلو»، وأذكت الغطرسة الأمريكية الشعور بأن قيادتنا جعلت كل شيء ممكنا الآن، وبعد مرور عامين على اتفاقية أوسلو، اتضح أن السلام لم يتحقق، وتزايدت المستوطنات الإسرائيلية وتزايدت معها البطالة والإحباط الفلسطينيان. وحين أرسلت إلى الرئيس بيل كلينتون مذكرة تحدد العواقب المدمرة للسلوك الإسرائيلي، كان رد «فريق السلام»، في الواقع، هو«اترك الأمر لنا، فنحن نعرف ما سنفعله».

    ولم يفعلوا شيئا، وفُنيت «عملية السلام» أمام أعينهم، ثم جاء رد إدارة جورج دبليو بوش على 11 شتنبر، فقد كان العالم مستعدا للتصدي بشكل جماعي لآفة الإرهاب، لكن غطرستنا دفعتنا إلى شن حملة شعواء ليس لغزو واحتلال أفغانستان والعراق فقط، لكن أيضا لإعادة تشكيلهما في دولتين ديموقراطيتين «لنشر الديموقراطية في جميع أنحاء الشرق الأوسط».

    وغطرسة رؤية «المحافظين الجدد» هذه أعمتهم عن الفشل المتكرر، فقد أنكروا التمرد العراقي، ووصفوه بأنه «حفنة من أنصار النظام السابق الساخطين»، واحتقروا الحلفاء الرئيسيين في أوروبا، الذين رفضوا دعم مغامرتنا واصفين إياهم بأنهم يمثلون «أوروبا القديمة»، وحين أظهرت استطلاعات الرأي غضب العراقيين من احتلالنا، تعمدوا تحريف النتائج قائلين: إننا نكسب قلوب العراقيين وعقولهم، ففي حمى غطرستهم، لم يتمكنوا من الاعتراف بالواقع. وخلال سنوات حكم بوش الابن، أجرينا استطلاعا للرأي عبر العالم العربي، لفهم رأي العرب في أمريكا. فقد أشار الرئيس بوش إلى أن العرب يكرهوننا ويكرهون قيمنا في الديموقراطية والحرية، لكن من خلال استطلاعنا في دولة بعد أخرى، علمنا أن العرب يحبون قيمنا ومنتجاتنا وإنجازاتنا وشعبنا، لكن ليس الطريقة التي تعاملنا بها معهم، فسياساتنا، لا قيمنا، كانت السبب في تقلص التأييد لنا، وبدأ الرئيس أوباما ولايته عازما على تغيير هذا الاتجاه، فقد تناول خطابه في القاهرة الغطرسة ووعد بالتفاهم، لكنه لم يف بوعده، وفي بعض الأحيان، كان يسألني عن استطلاعاتنا للرأي.

    وعلى الرغم من حالة الصعود الارتدادي المبكر، تراجع التأييد للولايات المتحدة إلى مستويات عهد بوش، وكان هذا بسبب تراجع الولايات المتحدة عن الاضطلاع بدورها في معالجة القضية الفلسطينية، ووقوع العراق في قبضة تحالف مؤيد لإيران، والمفاوضات الهادئة، لكنها محمومة للتوصل إلى اتفاق نووي إيراني دون معالجة تدخل إيران الإقليمي، وفي المرة الأخيرة التي سأل فيها عن استطلاعات الرأي، أخبرته عن الانخفاض الحاد. وكان رده: «كانت توقعاتهم كبيرة للغاية»، وكانت إجابتي: «أنت من حددت هذه التوقعات الكبيرة». وأخذ دونالد ترامب غطرسة لسان حالها يقول: «وحدي الذي أستطيع إصلاح الأمر»، وأقصى ترامب الحلفاء بخرق الاتفاقات الدولية من جانب واحد، وطرح خيار «إما أن تقبل أو ترفض» أمام الصراع العربي الإسرائيلي، وبهذا ترك ترامب العرب في الأرجوحة المدوخة التي ابتدعها.

    وورث الرئيس جوزيف بايدن هذه الفوضى، وما زال الحد الأدنى من أهدافه للفلسطينيين وبقية الشرق الأوسط لم يتم الوفاء بأغلبها، وعداؤه تجاه المملكة العربية السعودية الذي يلائم جيدا قاعدة مؤيديه، يقترن بتحيز مناهض للسعودية مزدوج المعايير وواضح للعالم العربي. ومطالبتنا المستمرة بالحق في القيادة الأخلاقية والسياسية في العالم، على الرغم من تركتنا الكارثية في العراق، والدفاع بلا حدود عن إسرائيل، والاستجابة المتخبطة تجاه الربيع العربي، هي علامة أخرى على غطرستنا، ويمكن قول المزيد عن هذه الإدارات الأمريكية وسياسة الولايات المتحدة حول العالم، لكن خلاصة القول هي إن علاقاتنا في العالم العربي تخبطت في الغطرسة. ونحن لا نعرف المنطقة ولا نهتم في ما يبدو بشعوبها ورغباتهم وتصوراتهم عنا ومعاملتنا لهم، ورؤيتنا من خلال العدسة الضيقة للمصلحة الذاتية (وبسبب السياسة الداخلية، أي سياسة إسرائيل) تجعلنا نخطئ، ونهين بلا داع، ونفشل، وبسبب الغطرسة، لا يمكننا فهم هذه الإخفاقات باعتبارها نتاجا لسلوكياتنا نحن، بل نرى أن الخطأ في الذين تزدريهم أعيننا.

     جيمس زغبي

    إقرأ الخبر من مصدره

  • التشظي بالعالم الإسلامي

    بقلم: خالص جلبي

     

    في يوم تقابل أربعون من الخوارج المتحمسين في منطقة اسمها «آسك» مع ألفين من جند بني أمية، فغلب الأربعون الألفين، بما زاد على نصاب الآية: «إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين»، فهنا قفز الرقم إلى خمسين ضعفا، ويومها أنشد شاعرهم:

     أألفا مسلم فيما زعمتــــم   ويهزمهم بآسك أربعونا

    كذبتم ليس ذاك كما زعمتم    ولكن الخوارج مؤمنونا.

    وبعد معركة «صفين» تحديدا انشطر المجتمع الإسلامي إلى ثلاث: من يؤمن بالإرهاب وسيلة للتغيير (الخوارج الدمويون)، ومن يؤمن بنظرية الدم النبوي (التشيع)، وفريق انتهازي أعاد إحياء روح القبلية وصادر الحياة الراشدية، وصرف المجاهدين إلى بيوتهم، واستبدلهم بجيش بيزنطي مرتزق (المروانيون).

    وحسب المفكر «مالك بن نبي»، فإن التاريخ الإسلامي ينقسم إلى ثلاث مراحل زمنية تتطابق مع ثلاث مراحل نفسية: بين انبعاث الإسلام حتى معركة صفين، وهي مرحلة «التألق الروحي»، وبين معركة صفين وزمن ابن خلدون وهي مرحلة «العقل»، حيث تمثل مرحلة المحافظة على خط السواء بعد الانكسار مثل الطائرة التي تصعد إلى ذرى الغمام بطاقة صعود، ثم تستهلك المعتدل من الطاقة في مرحلة المتابعة. وبين انطفاء الحضارة الإسلامية إلى الحضيض، كما في غرق التيتانيك. والآن وهي فترة سيطرة «الغرائز»، بعد أن انتهت الطاقة من الخزانات الروحية، كما تنحدر الطائرة في نهاية رحلتها. وعندما تتبخر طاقة الروح تنفلت الغريزة من عقالها. وكما كانت رحلة الروح مفعمة بالطاقة، فإن الهبوط لا يحتاج إلى طاقة.

    إن رحلة التشظي وظهور الإرهاب مقابل الانتهازية والتشيع، بدأت من عدم فهم الجهاد النبوي، وتغيير المجتمع السلمي.

    والفرق بين الجهاد والجريمة شعرة، كما كان الفرق بين الزنا والاغتصاب والزواج أقل من شعرة. فكله يقوم على ممارسة عمل جنسي واحد، ولكن الأول يقوم على السرية، والثاني على الإكراه، والثالث بالرضا. والجراح الذي يريد إجراء عملية جراحية في سوق الخضر يتحول إلى جزار. وخطأ الحركات الإسلامية مضاعف في فهم جذر المشكلة، فهي ترى أن قتل الحاكم سيوجد النظام الديموقراطي. وفي يوم قتل الناس الإمام علي، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. وعندما ينسحب الرشد من الأمة لا ينفعها أعدل الناس.

     وحركات الإسلام السياسي تنظر بعين حولاء إلى المشاكل وتركز جهودها على التغيير السياسي، كمن يظن أن الشمس تدور حول الأرض. في الوقت الذي لا يزيد الحاكم على قمر يدور حول كوكب الأمة.

    لقد بذل الخوارج جهودا خارقة للإطاحة بالنظام الأموي، ولكن ما حصل أن من جاء إلى السلطة كان أسوأ منهم. وجاءت حكومة عباسية فرشت السجاد على جثث الأمويين المحتضرين، واستخرجت رمم الأمويين من القبور فشنقتها.

    وسقطت تفاحة الحكم الناضجة ليس في حضن الخوارج، بل أبو العباس السفاح وأبو مسلم الخراساني. وهي تحكي مهزلة التاريخ وتناقضاته. واستمر تاريخنا على شكل دموي محموم من قنص السلطة الغادر، وتبادله بين أيدي العائلات الحاكمة. وعندما يشحن الشباب بالثقافة التقليدية من فقه العصر المملوكي، فلن توجد سوى عقلية المملوكي، وهذا المنهج يدرس للطلبة في كل من الجامع والجامعة. وهي انتقام للثقافة المخذولة أصابت إنسان المنطقة، حتى لو كان ماركسيا أو بعثيا. مما يؤكد استيطان الأمراض في الثقافات، كما في توطن البلهارسيا في مصر، وانفجار الطاعون في الهند. ومن يملأ بيته بكتب السحرة يتحول إلى ساحر. وفي عالم النحل يتم انتخاب عاملة تُغَذى برحيق الملكات، فتصبح ملكة بإذن ربها.

    واعتبر غورباتشوف في كتابه «البيريسترويكا»، أن العصر النووي لا تناسبه أفكار من عصر الغابة والهراوة. وعندما خرج رجل من أصحاب الكهف بورقهم (الورٍق بكسر الراء)، ليشتروا أيها أزكى طعاما، كانت المفاجأة أن عملتهم بعد مضي ثلاثة قرون لم تعد صالحة.

    وفي يوم دعيت إلى مسجد في دوسلدورف الألمانية، فكان الواعظ يتحدث عن دار الحرب ودار الإسلام، وأن علاقتنا بألمانيا واحدة من ثلاثة، «فإما دفعت ألمانيا لنا الجزية، أو اعتنقت الإسلام، أو أعلنا عليها الحرب».. كان الرجل يتحدث بجدية وهو يختص عندهم في الطب. قلت له: ما رأيك لو أن أمريكا اشترطت على الاتحاد السوفياتي ما تقول، هل تتوقع سوى حرب نووية؟ كان جوابه، الإسلام أهم من الحرب النووية ودمار العالم.

     إن من يتجاهل التاريخ عقوبته أن يتجاهله الواقع، والسلوك مرتبط بنظام الفكر، كما أن التفجيرات هي من ديناميت الثقافة. ويجب إعادة النظر في مناهج التعليم، أن تتم بيد متخصصين لا يؤلهون القائد إلى الأبد، أو يختزلوا الأحداث ضمن إطار الحاكم، ويخلصوا التاريخ من طوفان الكذب. وإيجاد إنسان عربي عالمي منفتح على بقية الثقافات خارج تربية الحزب القائد، وعبودية القائد والحاكم.

    إن قليلا من الملح للطعام لا غنى عنه، وإن جرعة متوازنة من التدين ضرورية، مثل البوصلة في غابة أو صحراء. ولكن زيادة قبضة من ملح إلى الإناء تشبه التشدد في الدين، والمشي في صحراء أو غابة بدون بوصلة هادية، أو نجم يهتدى به نهايته الهلاك، فلا أرضا قطع ولا طعاما أكل. 

     

    نافذة:

    إن من يتجاهل التاريخ عقوبته أن يتجاهله الواقع والسلوك مرتبط بنظام الفكر كما أن التفجيرات هي من ديناميت الثقافة

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مقتل 11 شخصا في هجوم على موقع عسكري بروسيا

    قتل 11 شخصا على الأقل، السبت، وأصيب 15 آخرون بإطلاق نار في موقع عسكري روسي في منطقة بيلغورود المحاذية لأوكرانيا، بحسب وزارة الدفاع الروسية التي وصفت ما حصل بأنه “اعتداء”.
    وقالت الوزارة في بيان نقلته وكالات الأنباء الروسية إن “مواطنين” يتحدران من الاتحاد السوفياتي السابق أطلقا النار من أسلحة رشاشة خلال تدريب.
    كما أضافت “أثناء إجراء تدريبات على الرماية لأشخاص تطوعوا للمشاركة في العملية العسكرية الخاصة (في أوكرانيا)، فتح الإرهابيان النار بأسلحة آلية على أفراد الوحدة”.
    وتابعت “أثناء إطلاق النار، أصيب 11 شخصا بجروح قاتلة. وأصيب 15 آخرون بجروح متفاوتة الخطورة وتم نقلهم إلى المرافق الصحية حيث يتلقون العلاج اللازم”.
    وأكدت وزارة الدفاع الروسية أنه “تم الرد على الارهابيين وقتلهما”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أوراق بوتين المضادة

    كان لا بد، بعد سلسلة الهزائم الميدانية شرقا وجنوبا، أن يسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الرد بصورة هجومية. استعجل استفتاءات ضم أقاليم لوغانسك ودونيتسك وزابوريجيا وخيرسون الأوكرانية، من دون الاكتراث بمعارضة الغرب أو الأمم المتحدة، ولا حتى تردد حلفائه، من الصين التي ترفض مبدأ ضم أراض بالقوة، كي لا يرتد الأمر عليها في ملف جزيرة تايوان، وكذلك الهند الرافضة تسجيل موقف مؤيد للروس، كي لا تتحرر كشمير منها. أما التركي فحساباته مختلفة قليلا، إذ يلاقي وضعا مشابها لوضع روسيا في أوكرانيا، ويتعلق بمنطقة شمال قبرص، الأزمة الموروثة منذ سبعينيات القرن الماضي، لكنه كطرف أساسي في حلف شمال الأطلسي، وثاني أكبر الجيوش فيه بعد الولايات المتحدة، ويؤدي دور الوسيط في الملف الأوكراني ـ الروسي، يرفض منح صك الحق للروس في ضم مزيد من المناطق الأوكرانية.

    يدرك بوتين أن عليه لعب أوراق إضافية، لم يكن يعتقد أنه سيستخدمها عشية تفكيره في إعلان اجتياح أوكرانيا. رفع سقف دعوته إلى عالم متعدد الأقطاب، لكنه، بطبيعة الحال، سيرفض أي نوع من التساوي مع الصين والهند، لاعتبارات متعلقة بـ«العظمة الروسية» من جهة، ولحديثه شبه الدائم عن الاتحاد السوفياتي من جهة أخرى، والذي كان مع الأمريكيين جزءا من سيادة قطبين على امتداد الكرة الأرضية، بين عامي 1945 و1991.

    يعلم بوتين أن الدول التي كانت جزءا من هذا الاتحاد ترفض مجرد التفكير في العودة إلى كنفه، مهما كانت المغريات. سارع بعض هذه الدول إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي، وبعضها الآخر، خصوصا الواقعة في الوسط الآسيوي، عمد إلى إصلاح علاقاته مع الغرب، وملاءمة أنشطته المالية مع الشروط المصرفية الغربية. وبلغ الأمر بكازاخستان حتى، تلك التي تدخل الجيش الروسي لمساعدة نظامها على قمع التظاهرات ضده في يناير الماضي، أن أوقفت العمل ببطاقات الدفع الإلكتروني الروسية «مير» في مصارفها، امتثالا للعقوبات الغربية على موسكو.

    كازاخستان نفسها أعلنت عن فتح أبوابها أمام الروس الهاربين من «التعبئة الجزئية»، التي أعلنها بوتين، الأسبوع الماضي. ولعمليات الفرار رواية أخرى، تتخذ مسارا جدليا في جورجيا مثلا، التي استقبلت المواطنين الروس، لكنها تشهد، في المقابل، تظاهرات ضد وجودهم.

    أما الشباب الروس، فعدا عن أن معظمهم ينتمي إلى طبقة متوسطة، ساهم بوتين بنفسه في تشكيلها، إلا أن لا عقيدة تحفزهم، على قاعدة الحرب خارج بلادهم و«ليسوا مضطرين» إلى الخوض فيها.

    أما في قضية أنابيب الغاز «نوردستريم 1» و«نوردستريم 2»، فإن الانفجارات المتلاحقة التي حصلت فيها أخيرا لا يمكن ربطها بعوامل مناخية. لكن ربطها باعتداءات غربية مسألة بالغة الحساسية، فالروس يجولون في بحري الشمال والبلطيق، وحتى مداخل اسكتلندا، منذ ما قبل انفجار الوضع الأوكراني في عام 2014، بحرا بصورة شبيهة بالغواصات الألمانية في الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945)، وجوا بتحليقهم فوق جزيرتي غوتلاند السويدية وبورنهولم الدانماركية. لا يمكنهم تحمل اختراق عسكري في حيزهم، لأنه يعني «هزيمة معنوية».

    أما في موضوع النووي، فإن بوتين، وهو دارس للتاريخ، يعلم أن السلاح النووي أنهى الحرب العالمية الثانية، واستولد نظاما عالميا جديدا، وبالتالي، فإن وأده وبناء عالم مغاير سيكون بالنووي أيضا.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أكثر من 200 ألف شخص التحقوا بالجيش الروسي خلال أسبوعين

    التحق أكثر من 200 ألف شخص بصفوف الجيش الروسي منذ إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن التعبئة الجزئية في 21 سبتمبر، على ما أفاد الثلاثاء وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو.

    ونقلت وكالات أنباء روسية عن شويغو قوله خلال اجتماع إن “حتى اليوم، انضم أكثر من 200 ألف شخص إلى الجيش”.

    وتهدف التعبئة الروسية إلى دعم القوات الروسية المحاربة في أوكرانيا. وقال الكرملين إن التعبئة “جزئية” وإنها تسعى إلى حشد 300 ألف جندي احتياط.

    ولفت شويغو إلى أن جنود الاحتياط يتم تدريبهم في “80 ساحة تدريب وستة مراكز تدريب”.

    وأدت تعبئة الكرملين إلى بعض التظاهرات وفرار عشرات آلاف الرجال في سن التجنيد إلى دول مجاورة معظمهم كانت في الاتحاد السوفياتي السابق.

    وأعلنت كازاخستان الثلاثاء أن أكثر من 200 ألف روسي دخلوا أراضيها خلال أسبوعين.

    وطالب فلاديمير بوتين الأسبوع الماضي بـ”تصحيح الأخطاء” الناجمة عن التعبئة التي أثارت احتجاجات في روسيا وفرار آلاف الرجال إلى الخارج.

    وطالب شويغو الثلاثاء القادة العسكريين والبحرية بالمساعدة “بسرعة على تكييف المجندين للقتال”.

    ودعاهم إلى “إجراء تدريبات إضافية معهم تحت إشراف الضباط ذوي الخبرة القتالية”.

    وقال إنه لا يمكن إرسال الأشخاص الذين تم حشدهم إلى مناطق القتال إلا بعد “تنسيق التدريب والقتال”.

    ودعا وزير الدفاع الروسي مراكز التجنيد إلى عدم رفض المتطوعين “إذا لم تكن هناك أسباب جدية”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حرب باردة ثانية

    منذ 2014 ومصطلح الحرب الباردة يستخدم لوصف التوترات الجارية والتنافس السياسي بين الاتحاد السوفياتي من جهة، والولايات المتحدة والناتو، الاتحاد الأوروبي وبعض البلدان الأخرى من جهة أخرى. وقد صدر للكاتب، إدوارد لوكوس، كتاب بعنوان «الحرب الباردة الجديدة»، مدعيا فيه أن الحرب الباردة الجديدة قد بدأت فعلا بين روسيا والغرب.

    وحذر ميخائيل غورباتشوف من اندلاع حرب باردة ثانية، في ظل تصرفات روسيا التي تثير غضب الغرب على إثر اندلاع الأزمة الأوكرانية.

    وأكد الرئيس السوري بشار الأسد أن الحرب الأهلية في سوريا هي حرب بالوكالة بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، بل قد تصل إلى حرب عالمية كما قال مايكل كوفمان، وهو من كبار العلماء في شركة «سي إن أي»، وزميل في مركز وودرو ولسون الدولي للعلماء، إن حربا باردة جديدة قد تشن على روسيا، بسبب بقائها كقوة في النظام الدولي. وجدير بالذكر أن بعض الأكاديميين مثل روبرت ليفجولد، ستيفان كوهن، روبرت كرين يرون فعليا أن هناك حرب باردة ثانية بدأت تنجلي بين الروس والغرب.

    أما الأستاذ الباحث غولد شتاين، في كلية الحرب التابعة للبحرية الأمريكية، فهو يرى أن الأوضاع في أوكرانيا وجورجيا تشير إلى بداية قصة حرب باردة جديدة، وقد بدأت فعلا مع التدخل السوفياتي بأوكرانيا في فبراير 2022.

    وفي ما يخص الواقع التاريخي لأوكرانيا، فهو معقد ويرتبط بتاريخ يمتد لألف عام من تغيير الأديان والشعوب.

    تأسست كييف قبل موسكو بمئات السنين، ويدعي كل من الروس والأوكرانيون أنها منبع ثقافتهم ودياناتهم ولغتهم الحديثة.

    كانت كييف في موقع مثالي على طريق الاتجار، والتي تطورت في القرنين التاسع والعاشر وازدهرت بفضل ذلك، لكنها ما لبثت أن فقدت مكانتها الاقتصادية، مع تحول التجارة إلى مكان آخر.

    إن تاريخ وثقافة روسيا وأوكرانيا متداخلان فعلا، فهما يشتركان في الديانة المسيحية الأرثودوكسية نفسها، وهناك تشابه كبير بين لغتي البلدين، إضافة إلى تشابه في العادات والتقاليد وحتى الأطعمة.

    كانت كييفان روس أول دولة سلافية شرقية كبيرة تأسست في القرن التاسع الميلادي، وهناك انقسام كبير حول مؤسس هذه الدولة، الرواية الرسمية تقول إن القائد شبه الأسطوري أوليغ، حاكم نوفوغراد، هو الذي ضم كييف إلى مملكته، بسبب موقع المدينة الواقع على ضفة نهر دنيبر، وجعلها عاصمة لدولة كييفان الروسية.

    في القرن العاشر ظهرت الأسرة الحاكمة روريك، وبدأت معها المرحلة الذهبية في عمر هذه الدولة، مع تولي الأمير فلادمير العظيم العرش.

    وسنة 1441 تمرد خانات القرم على دولة المغول الشمالية، واحتلوا معظم المساحات الجنوبية لأوكرانيا الحالية.

    أواسط القرن السابع عشر انتفض القوقاز ضد الحكم البولندي، وأسسوا دولة لهم في غرب أوكرانيا الحالية، وحملت اسم هتمانات، ويعتبر الأوكرانيون هذه الدولة بمثابة اللبنة الأولى لدولة أوكرانيا الحديثة.

    دخلت اتفاقية بيرياسلافل بين روسيا ودولة القوقاز حيز التنفيذ سنة 1654، وأصبحت دولة القوقاز تحت الوصاية الروسية.

    أبرمت روسيا وبولندا معاهدة السلام الدائم سنة 1686، وقد أنهت المعاهدة 37 سنة من المعارك مع الإمبراطورية العثمانية، التي نجحت في السيطرة على مساحات شاسعة من أوكرانيا، ومن بينها مدينة كييف التي كانت تحت سيطرة بولندا، مقابل انضمام روسيا إلى التحالف الأوروبي المناهض للدولة العثمانية، والذي كان يضم بولندا وليتوانيا والإمبراطورية الرومانية وإمارة البندقية.

    وبموجب الاتفاقية شنت روسيا حملة عسكرية على خانات التتار في شبه جزيرة القرم، على إثر ذلك اندلعت الحرب الروسية التركية بين سنة 1686 و1700، وانتهت بتوقيع معاهدة القسطنطينية بين روسيا والدولة العثمانية، حيث تنازلت الأخيرة عن مساحات كبيرة من الأراضي الأوكرانية التي كانت تسيطر عليها.

    في القرن التاسع عشر شهدت أوكرانيا صحوة ثقافية وطنية، حيث ازدهر الأدب والثقافة والبحث التاريخي، وتحولت منطقة غالسيا الواقعة جنوب غرب أوكرانيا، والتي باتت تحت إدارة مملكة هابسبوغ، إلى مركز النشاط السياسي والفكري للأوكرانيين، خاصة بعد حظر روسيا اللغة الأوكرانية على أراضيها.

    أنهت الثورة البلشفية سنة 1917 الحكم القيصري في روسيا، وتم الإعلان عن مجلس وطني في أوكرانيا، بعد انهيار الإمبراطورية الروسية، وبعدها بعام أعلنت أوكرانيا استقلالها، لكن ما لبثت أن اندلعت حرب أهلية دامية.

    سنة 1921 استولى الجيش الأحمر على ثلثي الأراضي الأوكرانية، وجرى الإعلان عن إقامة جمهورية أوكرانيا السوفياتية الاشتراكية، بينما الثلث الأخير من الأراضي الأوكرانية، والواقع غربي البلاد أصبح تحت السيطرة البولندية.

    في تسعينيات القرن العشرين أعيد إحياء العلاقات الثنائية بين روسيا السوفياتية وأوكرانيا، فور حل الاتحاد السوفييتي، الذي كانت روسيا وأوكرانيا الجمهوريتين المؤسستين فيه.

    ولقد انهارت العلاقات بين البلدين منذ الثورة الأوكرانية سنة 2014، تلا ذلك ضم روسيا لشبه جزيرة القرم الأوكرانية، ودعم روسيا للمقاتلين الانفصاليين من جمهورية دونيسك الشعبية، وجمهورية لوهانسك الشعبية في حرب أودت بحياة أكثر من 13000 شخص بحلول أوائل سنة 2020، فرضت بسببها عقوبات غربية على روسيا، وفي فبراير 2022 دخل الجيش الروسي الأراضي الأوكرانية.

     

    نافذة:

    الأوضاع في أوكرانيا وجورجيا تشير إلى بداية قصة حرب باردة جديدة وقد بدأت فعلا مع التدخل السوفياتي بأوكرانيا في فبراير 2022

     

     

     

     

     

     

     

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الهجرة إذ تصنع بلدا

     

     

    عبد الإله بلقزيز

    نجحت أمريكا، شماليُّها والجنوب، في أن تقيم بلدانَ هجرة من الطراز الفريد في العالم الحديث والمعاصر، أو في أن تنشئ مجتمعات تتغذى، ديموغرافيا، من موجات المهاجرين إليها.

    فيما ظلت أصقاع أخرى من الأرض – خاصة من بلدان الغرب – تحصر الهجرة في يد عاملة مستَقدَمة من بلدان الجنوب، ومقيمة بعقود عمل تنتهي إقامتها فيها بانتهائها… إلا في الأحوال النادرة التي يحصل فيها البعض من هؤلاء المهاجرين على جنسية الدولة التي يعملون فيها فيصبحون، حينها، مواطنين.

    تفوقتِ الولايات المتحدة الأمريكية على بلدان القارة الأمريكية، بل على بلدان العالم قاطبة، في إفراد مساحة كبيرة للهجرة والمهاجرين في تكوين اجتماعها القومي. وكانت النتيجة أنها باتت دولة مؤلفة من عشرات الروافد البشرية ذات الأصول القومية والثقافية والدينية واللغوية المتعددة والمختلفة، وقد انصهرت جميعها في كيانية اجتماعية أمريكية واحدة. ولم تبدأ الولايات المتحدة في سن سياسات تقنين الهجرة وتقييدها، وتحديد حصصها السنوية لكل بلد، إلا حين طفح كَيل المهاجرين، نتيجة تدفقهم الهائل عليها، فهدد بإحداث انقلاب في توازنات البنية الديموغرافية فيها على حساب مهاجريها الأوروبيين الأوائل.

    قد يقول قائل إن الاجتماع الأمريكي قائم على تفوق المواطنين الذين هم من أصول أوروبية، بدليل مكانتهم في النظامين الاقتصادي والسياسي في البلاد. وهذا صحيح من غير شك، ولكن بعض أسباب ذلك التفوق يعود إلى تاريخ وجودهم الممتد من تأسيس الولايات، وما راكموه من ثروة وخبرة خلال ذلك التاريخ الطويل نسبيا، أكثر مما يعود إلى تميز قانوني ما يتمتعون به من دون سائر الروافد السكانية الأخرى. ربما كان ذلك صحيحا قبل إلغاء العبودية وتحرير السود؛ وربما استمر شيء منه إلى منتصف ستينيات القرن العشرين؛ حين وضعت له حركة الحقوق المدنية، بزعامة مارتن لوثر كينغ، فصلا ختاميا. أما بعد هذا التاريخ فأصبح مألوفا أن يكون مواطنون سودٌ أو من أصول أمريكية لاتينية أو آسيوية أو عربية من بين كبار رجالات الدولة أو على رأس أجهزة ومؤسسات رسمية، أو ذوي شأن في عالم الإنتاج والمال والأعمال.

    يَرد تفوق النموذج الأمريكي في سياسة الهجرة على نظائره في أمريكا والعالم إلى رؤية واستراتيجيةِ عمل أخذت بها الولايات المتحدة، منذ زمن طويل، تقضيان بالاستفادة من الموارد البشرية المهاجرة إليها في تعزيز عملية بناء الاقتصاد القومي، من جهة، وفي تعظيم بنيتها السكانية من جهة ثانية. وقد استفادت الزراعة الأمريكية من ذلك كثيرا، قبل قرنين، كما ستستفيد الصناعة من ذلك في طور اندفاعتها الكبرى بين منتصف القرن التاسع عشر وثلاثينيات القرن العشرين. وما لبثت نهاية الحرب العالمية الأولى أن وفرت لها فرصة استقبال مهاجرين جدد من أوروبا من طينة مختلفة: رجال أعمال، وعلماء، وأساتذة جامعات وكفاءات علمية نادرة. وما إن صعِد النظام النازي في ألمانيا، في ثلاثينيات القرن العشرين، حتى تدفق عليها عشرات الآلاف من الكفاءات العلمية، التي استفاد منها الاقتصاد الأمريكي والجامعات الأمريكية غاية الإفادة. ومن حينها، بات هاجس أمريكا استقدام خيرة العقول في العالم إليها وتوطينهم فيها، وتقديم أنواع الإغراء المادي كافة لاجتذابهم إليها.

    وتكرر ما حصل، بعد صعود النازية وسقوطها في ألمانيا، بمناسبة انهيار الاتحاد السوفياتي وانفراط «المعسكر الاشتراكي»، قبل ثلاثين عاما. استتبع ذلك نزوح عارم للعلماء والكفاءات العلمية من مَواطنها إلى الولايات المتحدة. ومثلما اقترن النزوح العلمي الألماني بثورة صناعية جديدة، أطلقها اكتشاف مصادر الطاقة والتوسع في استخداماتها الصناعية، اقترن النزوح العلمي الأوروبي الشرقي بانطلاق الثورة التكنولوجية والإلكترونية والرقمية، فتغذت الثورتان بعشرات الآلاف من الأطر والكفاءات، التي عملت في برامج الإنتاج الأمريكية التي تكرست بها الولايات المتحدة القوة الاقتصادية الأولى في العالم منذ ثمانين عاما.

    على أن من وظائف سياسة الهجرة إلى الولايات المتحدة، تعظيم البنية الديموغرافية للمجتمع الأمريكي. وهو تعظيم لا تفسره، فقط، رغبة الولايات المتحدة في أن تكون بلدا كبيرا من الناحية السكانية، بل لحاجتها إلى تغطية سكانية لمساحاتها الجغرافية الواسعة، ولإنماء ولاياتها وتطوير اقتصادها من طريق توفير الموارد البشرية، التي تنهض به. ولكن الهجرة الكثيفة إليها لا تفسر، وحدها، نجاحاتها في الاستفادة من خبرات المهاجرين وكفاءاتهم، بل لا يفسرها سوى سياسة الاستيعاب والهضم والدمج لأولئك المهاجرين في نسيجها الاجتماعي، وما استتبعها من تمكينهم من حقوق المواطنة، ومن تمتيعهم بالفرص التي نبغوا في تقديم خدمات كبيرة فيها. في هذا فقط أصابت سياسات الهجرة إلى الولايات المتحدة نجاحاتها المذهلة، التي لم تَقوَ على مضاهاتها فيها سوى سياسات الهجرة في كندا، وفي بعض دول شمال أوروبا.

    نافذة:

    يرد تفوق النموذج الأمريكي في سياسة الهجرة على نظائره في أمريكا والعالم إلى رؤية واستراتيجية عمل أخذت بها الولايات المتحدة منذ زمن طويل

     

     

    إقرأ الخبر من مصدره

  • سينما المؤلف بين الواقع والإبداع

    إعداد وتقديم: سعيد الباز

    بدأت السينما أو الفنّ السابع بخطوة صغيرة تتلمس طريقها بين الفنون السابقة عنها، وإذا كان المسرح وكلّ أشكال الفرجة المرتبطة به قد استحوذ على اهتمامها في البداية، فإن التطور التكنولوجي في مجال التصوير والإضاءة وما شهدته الرواية في العالم منذ مطلع القرن العشرين من كشوفات سردية وتنوع أنماط الحكي وأشكال الكتابة وصيغها المختلفة والمبتكرة، جعلها تأخذ مسارا ثابتا نحو خلق خصوصياتها الأسلوبية والجمالية. هنا كان من الحتمي أن ينتقل التأليف السينمائي من مفهوم مخرج السينما إلى مفهوم سينما المؤلف. فإذا كان الأوّل مهمته الأساس نقل نص الحكاية إلى صورة وبالتالي يغلب على عملية الإخراج الطابع التقني المحض، فإنّ الثاني يقوم بإعادة عملية كتابة نص الحكاية وفق رؤيته الخاصة باعتباره مؤلفا وليس منفذا للعمل معتمدا على أدواته التعبيرية الخاصّة التي اصطلح عليها مصطلح اللغة السينمائية وعملية الإخراج في مجملها تمّ اعتبارها كتابة سينمائية.

    انطلقت فكرة «سينما المؤلف» من خلال مقال للمخرج والكاتب الفرنسي ألكسندر أستروك في مجلة «الشاشة الفرنسية» سنة 1948 يحمل هذا العنوان المثير «مولد سينما طليعية جديدة.. الكاميرا قلم» الذي سرعان ما تحوّل إلى شعار لمرحلة جديدة في عالم السينما قوامها تحول السينما إلى لغة والكاميرا إلى قلم. هذه الفكرة وجدت حماسا كبيرا من قبل الناقد الفرنسي أندري بازان الذي اعتبر: «الفيلم يجب أن ينسب إلى مخرجه ما دام المخرج يتحكم في مكونات الصورة والصوت، ولا بد للمخرج أن يكون مؤلفا مثله مثل الأديب، سواء اشترك في كتابة السيناريو أم لم يشترك». من هنا تأسس هذا المفهوم الجديد وأصبح تيارا طليعيا في السينما العالمية والنقد السينمائي.

     

    FILE — Swiss-French director Jean-Luc Godard during the award ceremony of the ‘Grand Prix Design’, in Zurich, Switzerland, Nov. 30, 2010. Director Jean-Luc Godard, an icon of French New Wave film who revolutionized popular 1960s cinema, has died, according to French media. He was 91. (Gaetan Bally/Keystone via AP, file)

    جان لوك غودار.. سينما موت المؤلف

     

    وفاة المخرج السويسري الفرنسي جان لوك غودار Jean-Luc Godard، أخيرا، كانت بمثابة إعلان عن نهاية حقبة هامة في السينما العالمية. غودار، الذي ظل طيلة حياته مهووسا بفكرة الموت من خلال أفلامه ومقالاته النقدية والفكرية، يموت منتحرا في بيته عن عمر 91 سنة مستعينا بالمساعدة القانونية التي يجيزها القانون السويسري لممارسة الموت الرحيم في حالات معينة. وقال مستشاره القانوني: «استعان جان لوك غودار بمساعدة قانونية في سويسرا كي ينهي حياته بشكل طوعي بعد أن عانى من أمراض متعددة شلّت حياته»، وفي حوارات سابقة كان يردد دائما أنه لا يعاني من المرض فقط بل من الانهاك الشديد. إنّ هذه النهاية التراجيدية تمنحنا صورة إشكالية عن شخصية جان لوك غودار الصادمة والجريئة في كل إبداعاته وآرائه النقدية ومسيرته الفنية في مجملها.

    أتى جان لوك غودار إلى السينما من بوابة النقد قبل أن يحمل الكاميرا ويؤلف العديد من الأفلام التي كسرت العديد من التقاليد السينمائية الراسخة وجعلت منه أحد الآباء المكرسين لسينما ما بعد الحداثة. بدأت رحلة غودار السينمائية من خلال كتاباته النقدية في مجلة «كراسات سينمائية» التي تأسست سنة 1951 وضمت العديد من الكتاب والنقاد، على رأسهم أندري بازان وفرانسوا تريفو وإيريك رومير وكلود شابرول، وأفضت في النهاية إلى ما أطلق عليها الموجة الجديدة للسينما الفرنسية. الانطلاقة الحقيقية لجان لوك غودار بدأت عقب نجاح زميله فرانسوا في شريطه «400 ضربة» وحصوله على جائزة أحسن مخرج في مهرجان «كان» سنة 1959 لتتوالى أعماله السينمائية التي جعلت منه عراب الموجة الجديدة وأكثرهم إثارة للجدل، خاصة في فيلمه الأول «منقطع الأنفاس» الذي وصفه بكونه تميز بكل ما صنعته السينما… ووضع حدا للأسلوب القديم. لقد كانت نزعته التجريبية واضحة في مجمل أعماله السينمائية خلال مسيرته الفنية، وانطبعت برؤاه الفلسفية والجمالية دون التقيّد بالقواعد والأسس التي انبنت عليها السينما الكلاسيكية. فهو، على حد قول صاحب كتاب «فهم السينما» لوي دي جانيتي، «أكثر المجددين تطرفًا في السينما المعاصرة، وإن مداه الطرازي رفيع واسع بشكل لا يصدق، ويشمل -وغالبًا ضمن نفس الفيلم- أساليب السينما التسجيلية، إضافة إلى أكثر مبالغات السينما الطليعية بذخًا». إنّ تمسّك غودار بحريته في شق الطريق إلى الإبداع والتجديد لم يجلب له الطريق نحو النجاح الجماهيري، رغم تأثيره الواسع على أغلب المخرجين السينمائيين، كما كان لمواقفه السياسية الجريئة دور كبير في عزلته داخل الوسط الفني والسينمائي الذي تبادل معه في ندية متعالية الازدراء والتجاهل. إنّ ما يسجله المتتبع لمسار المخرج جان لوك غودار أنّ كل أعماله تطرح إشكالية التلقي وصعوبته بالنسبة للمشاهد غير المتمرس بالكتابة السينمائية ذات المستويات المتعددة والمفتوحة على مساحات واسعة في القراءة والتأويل. فخصوصية عمله السينمائي والإبداعي الذي يفصل على سبيل المثال بين الصوت والصورة وضرورة فهمهما واستيعابهما باعتبارهما عنصرين مستقلين، فضلا عن تعاقب المشاهد المتسارعة التي تتطلب من المشاهد خلفية سينمائية وفكرية تسهم في قراءة الفيلم من خلال إيحاءاته ودلالاته.

    كيفين كوستنر.. الرقص مع الذئاب

    كان الفيلم السينمائي «الرقص مع الذئاب» علامة فارقة في السينما الأمريكية، ليس فقط بسبب العدد الهائل من الجوائز التي حازها والنجاح الجماهيري المنقطع النظير، ولكن بسبب كونه أوّل عمل سينمائيّ للأمريكي كيفين كوستنرKevin Costner الذي لم يكتف بإنتاجه وإخراجه والقيام بدور البطولة، بل إنّ فكرة العمل في مجملها كانت قد بدأت على شكل سيناريو كتبه صديقه مايكل بلاك فنصحه كوستنر بتحويله إلى رواية تحمل العنوان نفسه قبل إنتاجها سينمائيا. كان هذا الفيلم قد أثار عدة أفكار جريئة، من بينها ضرورة إعادة قراءة التاريخ الأمريكي خارج المنظور الرسميّ الذي تبنته أمريكا لنفسها وقدمته في الكثير من أعمالها الأدبية والسينمائية، إضافة إلى أنّ الكتابة السينمائية التي اعتمدها كيفين كوستنر في إخراجه للعمل تميزت بروح شاعرية بالغة الصفاء مزجت بين العديد من العناصر الجمالية المستمدة من الطبيعة والقدرات التعبيرية التشخيصية في المشاهد الأساسية لهذا الفيلم السينمائيّ المميّز.

    تنطلق أحداث فيلم «الرقص مع الذئاب» خلال الحرب الأهلية الأمريكية، حيث سيتم إرسال الضابط الأمريكي (جون دنبار) إلى حصن بعيد في الغرب الأمريكي المجاور لقبائل الهنود الحمر، وفي عزلة تامة عن العالم تبدأ علاقة غريبة بينه وذئب يجاوره في المكان يقدم له الطعام ويرقصان معا حول نار المعسكر. تبدأ أيضا علاقة أخرى بجيرانه من الهنود الحمر فيتعلم لغتهم ويشرع في الاستئناس بقيمهم الاجتماعية ومدى احترامهم للطبيعة والأخلاق الإنسانية الرفيعة، وشيئا فشيئا سيتبنى تقاليدهم في اللباس والمعاشرة. لكن قدوم الجيش الأمريكي إلى المنطقة سيجعله في منظوره خائنا ما يستدعي محاكمته… بعد أن يتم تحريره من قبل قبيلة الهنود الحمر التي أصبحت تلقبه بالراقص مع الذئاب سيخاطبه زعيم القبيلة بقوله: «إن الشخص الذي يبحث عنه الجيش الأمريكي لا وجود له أنت الآن فرد من قبيلتنا واسمك (الراقص مع الذئاب)».

    إنّ رمزية مشهد رقصة (جون دنبار) مع الذئب إحالة مباشرة إلى العلاقة الحميمة التي نسجها بطل الفيلم مع الهنود الحمر الذين عادة ما وسمتهم الثقافة الأمريكية بالتوحش واللاإنسانية. وفاز الشريط بسبع جوائز «أوسكار» وجائزة «جولدن جلوب» لأفضل فيلم درامي في الولايات المتحدة كما اختارته مكتبة الكونغرس الأمريكي ليكون ضمن مركز الأرشيف الوطني كأبرز عمل درامي من الناحية التاريخية والثقافية والجمالية.

    إنّ نجاح كيفن كوستنر في هذا العمل الملحمي مرده إلى موهبته في الكتابة والأداء والإخراج، وربما كان لأصوله المختلطة، الألمانية والإيرلندية إضافة إلى الهنود الحمر وتحديدا قبيلة «الشوروكي»، دور كبير في ذلك.

    يطرح شريط «الرقص مع الذئاب» إشكاليات عدة مرتبطة بالعلاقة بين الحضارات، ويندرج كذلك في إطار إعادة قراءة التاريخ الأمريكي، وإضافة إلى ذلك تميز عن غيره من الأفلام السينمائية الأمريكية ليس فقط على مستوى مضامينه وأبعاده الدلالية فحسب، ولكن على مستوى لغته السينمائية التى تمزج بين العنف الصارخ ومسحة رومانسية شفافة. كما أنّ كيفن كوستنر أبان عن احترافية عالية في توظيف أدوات الخطاب السينمائي التي تمزج بشكل عفوي اللغة والحركة والصوت واللون في التحام وانسجام بديعين.

    أليخاندرو خودوروفسكي.. أن تكون شاعرا في الشيلي

    يجمع الكثير من النقاد والمتابعين على أنّ أليخاندرو خودوروفسكي Alejandro Jodorowsky أكثر المبدعين إثارة للجدل في المجال الفني والأدبي، ليس فقط لتنوع اهتماماته وانشغالاته، فهو شاعر وممثل، وكاتب ومسرحي، ومخرج سينمائي ومحلل نفسي، ورسام للرسوم المتحركة، ولكن في طبيعة أعماله الجريئة والصادمة أحيانا. يقرّ الجميع بسعة خياله ووفائه للإرث السوريالي. أليخاندرو خودوروفسكي فرنسي الجنسية ولد في الشيلي من والدين أوكرانيين. بدأ حياته الفنية كاتبا وممثلا في المسرح الصامت (الميم أو البانتوميم) مع عبقري هذا الفنّ مارسيل مارسو. ارتبط بالحركة السوريالية لكنّه سرعان ما انفصل عنها متهمّا إياها بالجمود والمهادنة، فأنشأ رفقة فرناندو أرابال ورولون توبور حركة «هلع Panique» وكتب وأخرج عديدا من الأعمال المسرحية الطليعية وذات منحى تجريبي. انتقل إلى السينما وبالروح السوريالية نفسها أخرج وشخص أدوارا في أفلامه، مثل «ربطة عنق» و«سارق قوس قزح» و«شعر لا نهائي» و«الجبل المقدس» و«رقصة الواقع». الجدير بالذكر أنّ أليخاندرو خودوروفسكي أخرج جلّ أعماله السينمائية خارج مؤسسات الإنتاج السائدة، فهو كان يرفض النموذج الهوليودي، واستعان في الكثير من الأحيان بمساعدة الأصدقاء والفنانين والتقنيين واضطر إلى فتح باب الاستكتاب وجمع التبرعات من الجمهور والمعجبين بأعماله.

    أليخاندرو خودوروفسكي هو الآخر نموذج للشاعر والكاتب الذي انتقل بكلّ أريحية من عالم الورق والكتاب إلى عالم الكاميرا والشاشة الكبيرة. يقول عن تجربته الإبداعية الفريدة: «في الشيلي، في الأربعينيات، كنت في الرابعة والعشرين من العمر. كانت فترة رائعة. الحرب مندلعة في كل مكان على هذا الكوكب باستثناء الشيلي. كأنها جزيرة وحيدة ونائية. ربما لأنها تقع بين الجبال والمحيط. لا حرب في الشيلي لأننا بعيدون ومنفصلون عن العالم: لا تلفزيون، فقط جبال ومحيط وسلام وراديو. والنبيذ كان أرخص من الحليب. لذلك كان الجميع يسكر في الشيلي. ولا أعرف لماذا الشيلي كلها كانت تعجب بالشعر. كانت الحياة مسالمة وآمنة. كانت جميلة. بعدئذ حدثت المعجزة: الشعر جاء إلى البلاد. شعراء عظام بدؤوا في كتابة قصائد رائعة ومدهشة. اثنان منهم حازا على جائزة نوبل: بابلو نيرودا وغابرييلا ميسترال، أبونا وأمنا. آنذاك كل شيء صار شعراُ. عشنا مراهقتنا في هذا الوضع: شعر في كل مكان. شعراء كثيرون في الشيلي. المعجزة الغريبة: حضور الشعر. السكارى شكّلوا جوقات تردّد أشعار نيرودا. الشعر صار موضع احترام وتقدير. أن تكون شاعراً في الشيلي فتلك هي مهنتك. لا تحتاج أن تفعل شيئاً آخر، لا تحتاج أن تمتهن وظيفة أخرى. أنت شاعر. لقد كانت حياة فيها اكتشفنا الحرية.

    في مراهقتي، كان مهماً عندي أن أكتشف نفسي. تحرّرت من عائلتي، واكتشفت الكثير من الأمور. عندما تكون في العشرين، كل التجارب تغدو مهمة. وأدركت حينذاك أنني أرغب في أن أكون شاعراً…

    أنا فنان. بالنسبة لي، الفيلم أشبه بقصيدة. حين تخلق فناً، فإن هذا لا يأتي من موضع فكري، بل يأتي من الجزء الأعمق من لا وعيك، من روحك. وتكون في حالة شبيهة بالمسّ، حيث تعمل أي شيء للحصول على البصري. تصبح شخصاً آخر. تصبح فناناً في حركة. وعندئذ تأتي الكثير من المعجزات. الكثير من الاكتشاف. إنه شيء معقّد جداً».

    شادي عبد السلام.. الإنسان الواقع والإنسان التاريخ

    ما زال فيلم «المومياء» للمخرج السينمائي المصري شادي عبد السلام (1930-1986) يعتبر أفضل فيلم مصري وعربي بشهادة كبار المخرجين في العالم. شادي عبد السلام، الذي أتى إلى السينما من الهندسة المعمارية واشتهر في البداية مهندسا للديكور، ورغم دراسته فنون المسرح في لندن، لم يكن لديه ما يؤهله تماما لولوج عالم السينما سوى حبه للشاشة الكبيرة. بدأ تقنيا بسيطا مع المخرج صلاح أبو سيف وارتقى شيئا فشيئا إلى مساعد في الإخراج في العديد من الأفلام المصرية، كما عمل مصمما للديكور في أفلام أجنبية. في سنة 1969 أقدم على إخراج باكورة أعماله فيلم المومياء الذي استوحاه من أحداث حقيقية وقعت في إحدى مناطق الآثار الفرعونية في مصر نهاية القرن 19 تستوطنها قبيلة تعيش على نهب مقابر الفراعنة وتتاجر بها. بطل الفيلم يقع في صراع بين البوح بسر القبيلة إلى رئيس بعثة الآثار فيتم بذلك اكتشاف مقبرة المومياوات فيعتبر حينها خائنا للقبيلة وجب القصاص منه أو يحمي آثار بلده وتاريخها المجيد. أنجز شادي عبد السلام أيضا فيلمه القصير «شكاوي الفلاح الفصيح» الذي استمد فكرته من بردية فرعونية قديمة ولم يتمكن من إخراج فيلمه «أخناتون» رغم الصدى العالمي لفيلم المومياء وشهادة كبار المخرجين في العالم بمستواه الفني العالي القيمة، حيث كل لقطة سينمائية عبارة عن لوحة تشكيلية متكاملة العناصر.

    لم يهتم شادي عبد السلام بالسينما الواقعية، فأفلامه تاريخية وباللغة الفصحى، ما جعلها لا تنال نجاحا جماهيريا. لقد ظل هاجس التاريخ يلح على شادي عبد السلام، ففي مطلع فيلم المومياء يطلق شعاره «يا من تمضي سوف تبعث» كما كان يقول في حواراته: «إنّ الناس الذين نراهم في الشوارع والبيوت… هؤلاء الناس لهم تاريخ فقد ساهموا يوما في تشكيل وصناعة الحياة البشرية كلّها، كيف نعيدهم ليقوموا بنفس الدور؟ لابدّ أوّلا أن يعرفوا من هم، لابدّ أن نصل بين الإنسان الواقع والإنسان التاريخ».

    أورسون ويلز.. الكاميرا عينٌ في رأس شاعر

    يجمع الكثير من السينمائيين على أنّ المخرج الأمريكي أورسون ويلز (1915-1985) Orson Welles  فلتة في عالم السينما، حتى أن المؤرخ والناقد السينمائي الفرنسي الشهير، جورج سادول، قال عنه «لو لم يوجد أورسون ويلز لنقص شيء ما في السينما». لم يتلق أورسون ويلز أيّ تكوين سينمائي وبدأ حياته، وهو في مطلع العقد الثاني من عمره، في عالم الصحافة والإخراج المسرحي في الإذاعة، حيث قدّم عدة أعمال كانت متميزة بالابتكارات الفنية. انتقل إلى السينما محمّلا بتجاربه السابقة ليقوم بإخراج فيلمه الأوّل بميزانية متواضعة جدا وليحدث ثورة شاملة في عالم الإخراج السينمائي بكتابة السيناريو والإخراج والقيام بدور البطولة.

    فيلم «المواطن كين» ما زال يعد أفضل الأفلام السينمائية، استعمل فيه أورسون ويلز طريقته المبتكرة في سرد الأحداث شبيهة بالتحقيق الصحفي بإسناد وظيفة السرد لعدة شخصيات إضافة إلى السارد الأساسي، كما وظف أسلوب «الفلاش باك» واستخدم الإضاءة بشكل تعبيري في خدمة النسيج العام للمشهد، وعلى مستوى التصوير ابتكر لأوّل مرة إخراج المشهد السينمائي بطريقة عمق المجال حيث تتحرك الكاميرا في اتّجاهات متعددة وفق دلالة المشهد.

    يمكن القول إنّ فيلم «المواطن كين» كان البداية الحقيقية لما يعرف الآن بمفهوم الكتابة السينمائية، ومن التجارب المهمة التي قاربت التوجه نحو سينما المؤلف بكل خصائصها الفنية والجمالية. يؤكد ويلز ذلك في قوله في مقالة شهيرة: «لا أستطيع أن أهضم كل المبادئ «المقدسة» التي تمتلئ بها تلك المقالات التي يكتبها من يحاولون معالجة مشاكل السينما جديا. إنهم جميعا، فيما يبدو، ينطلقون من الإيمان التقليدي بأن الفيلم الصامت هو بالضرورة خير من الفيلم الناطق… أعني أنهم يلفتون النظر دائما وبشكل مفرط إلى قيمة الصورة… أي أنهم يحكمون على الأفلام، في المحل الأول، من ناحية تأثيرها البصري بدلا من أن ينقبوا عن المضمون… وتلك خدمة سيئة جدا للسينما. كأنهم يحكمون على الرواية من ناحية قيمة نثرها فقط. لقد فعلت الغلطة نفسها حينما بدأت أكتب عن السينما… تجربتي كمخرج أفلام هي التي جعلتني أغيّر رأيي.

    الآن أعتقد أن الكاتب وحده هو الذي يستطيع أن يساعد في إخراج السينما من ذلك الطريق المسدود الذي يقودها إليه أولئك الذين ليسوا أكثر من فنيين تقنيين أو متخصصين… ولذلك أعتقد أن الأهمية المعطاة للمخرج مبالغ فيها… بينما الكاتب ليس له حتى مكان الشرف الذي هو جدير به. وفي رأيي أنّ أناسا، مثل «مارسيل بانيول» أو «جاك بريفير»، لهم أهمية أكبر بكثير من أي واحد آخر في السينما الفرنسية. إني أرى أن المؤلف يجب أن يكون له أول وآخر كلمة في إخراج الأفلام. والبديل الوحيد والأحسن هو المؤلف/ المخرج، مع التشديد على الشق الأول.

    … لا يكون الفيلم جيدا حقا إلّا حينما تكون الكاميرا عينا في رأس شاعر.

    وطبعا، كل الموزعين من رأيهم أن الشعراء لا تباع من ورائهم تذاكر… هؤلاء التجار لا يعرفون ممن نأخذ لغة السينما نفسها لو لم يكن هناك شعراء لكانت لغة السينما قد أصبحت محددة في مفرداتها فلا تروق حقا للجمهور… ولو لم تكن السينما قد صاغها الشعر لكانت قد بقيت مجرد أعجوبة ميكانيكية تعرض في المناسبات مثل حوت محشو بالتبن!».

    ألان روب غرييه.. من الرواية إلى السينما

    ألان روب غرييه، الروائي الفرنسي (1922-2008) Alain Robbe-Grillet، من أهم رواد تيار الرواية الجديدة رفقة نتالي ساروت وميشال بوتور وكلود سيمون. هذه الحركة، التي ثارت على الرواية الأوروبية في قالبها الكلاسيكي وجرّدتها من سطوة خطية الحبكة وبناء الشخصيات وفق إطار نفسي واجتماعي محدّد وبنية زمنية تحاكي الواقع وضرورة التوازن المتناسب بين السرد والوصف إلى رحابة تجريب أشكال أخرى تغوص في متاهي السرد وتبني عوالمها دون التقيّد بالأشكال الجاهزة في الرواية. اتسمت تجربة ألان روب غرييه بحيوية نادرة وشخصية صدامية جعلت منه كاتبا إشكاليا، من أهم أعماله: «الغيرة»، «المماحي» و«في المتاهة». زاوج ألان روب غرييه بين الكتابة الروائية والنقدية والإخراج السينمائي حيث جعل من الكاميرا، مثل كتابته الروائية، الأداة والبؤرة التي تشع منها عوالم الحكي والسرد، وبمعنى آخر كتب الرواية بالصورة وفي السينما جعل الصورة تكتب، ومن أفلامه: «السنة الماضية في مارينباد» الذي نال جائزة «الأسد الذهبي» لمهرجان البندقية عام (1961) «الخالدة» (1962) «قطار أوربا السريع» (1966) «الرجل الذي يكذب» (1967) «عدن وبعد» (1970) «التغلغل التدريجي للرغبة» (1974) «اللعب بالنار» (1975) «الأسيرة الجميلة» (1983). يقول عن تجربته في الكتابة والسينما: «لم أولد كاتباً. المخرج والكاتب يلغي أحدهما الآخر، وفق النشاط الذي تجري ممارسته. وربّما استطعت القول: إنّ السينمائي لا علاقة له بالكاتب فأنا عندما أمارس الإخراج أنسى أنني روائي. وفي الأثناء لا ينتابني الشعور بسرقة وقت الروائي لأنني سينمائي. ولو وجدتْ السينما في زمن فلوبير لتمكن من إخراج أفلام في أوقات تتخلل كتابة رواياته الخمس أو الست. وينبغي القول بأن غوستاف فلوبير هو والدي الروحي. ولقد وُجِّهت إليه، في عصره، المآخذ ذاتها التي توجّه إلي. ولا أخفي اعتزازي بكون المقالات التي وجهت إليّ سنة 1957، هي المقالات نفسها التي وجهت إليه سنة 1857. يمكن التمهل في كتابة الرواية، بعكس السينما التي تتطلب سرعة الإنجاز لأنها تتضمن وقت الآخرين أيضاً. وقد يكون من غير المعقول، أو من المستحيل، إمضاء خمسة عشر عاماً في إنجاز فيلم. وحتى لو تعلق الأمر برائعة سينمائية، فإن أحداً لن ينتبه إلى ذلك». وأخيرا يعرف السينما كالتالي: «السينما التي أحلم بها هي لغة، لغة موسيقية، شعرية، تشكيلية. وقد يكون شريطي المثالي عملاً يقول، من خلال شكله، شيئاً آخر غير ما يرويه». فعلى المستوى الأدبي أسند ألان روب غرييه إلى الصورة وظيفة التكلم والإفصاح عن المشاعر والأحاسيس ومن كلمته جعل جسرا للعبور إلى الصورة، ففضلا عن كون الصورة لغة عالمية فقد كان على المستوى السينمائي مدركا الفواصل المميزة بينهما وخصوصية كل واحدة منهما، إذ الصورة ترتكز على التفاعل على مستوى الحواس عموما، فيما الكلمة تفتح أبواب الفكر بشكل خاص. وفي هذا الصدد يعبر بشكل واضح عن الفرق بين العمل الأدبي والعمل السينمائي: «أرى أن الفيلم عمل جماعي، في حين أن الرواية عمل منفرد. وهكذا أترك للمعاونين والممثلين أكبر وظيفة إبداعية ممكنة، انطلاقاً من اهتمامهم الصادق بها أفعل. وفي هذا المجال قد ألجأ إلى استشارة الممثلين والتقنيين حول بعض النقاط. فأنا حريص على التعاون الفعلي». في الخلاصة يمكن القول إنّ ألان روب غرييه من أبرز مخرجي سينما المؤلف وأكثرهم ارتباطا بعالم الكتابة الأدبية والإخراج السينمائي، استطاع أن يمزج بينهما في تناغم وانسجام كبيرين.

    أحمد البوعناني.. العابر من السينما إلى الأدب

    أحمد البوعناني (1930-2011)، شاعر وروائي، ورسام وسينمائي مغربي، ساهم، إلى جانب عبد اللطيف اللعبي وعبد الكبير الخطيبي وغيرهما، في تأسيس مجلّة «أنفاس» الذائعة الصيت سنة 1966. صدرت له مجموعتان شعريتان بالفرنسية «مغالق الشبابيك» و«فوطوكرام» ورواية واحدة «المستشفى» سنة 1990 ترجمها إلى اللغة العربية محمد الخضيري، وظلت روايته الأخير ة «سارق الذاكرة» غير منشورة حتّى الآن شأنها شأن كتابه «السينما المغربية وتحولاتها من الاستعمار حتّى الثمانينات» الذي يؤرخ لهذه الفترة ويضع لها أرشيفا كاملا.

    أطلق عليه اسم الفنان المتعدّد المواهب والسينمائي الشامل في جلّ أعماله التي انطبعت بمسحة شعرية واضحة وغنى في التفكير وعمق في الرؤية. كان لعزلته وتواريه عن الأنظار الدور الكبير في عدم تعرّف الجمهور الواسع على أهمّية إنجازاته الأدبية والسينمائية، حيث لم تكن هناك حدود في تجربته بين الأدب والسينما. في المجال السينمائي، وهو المتخرج من معهد الدراسات العليا السينمائية بباريس سنة 1963 تخصص توضيب وسكريبت، انطلقت تجربة أحمد البوعناني بشريطه القصير «طرفاية أو مسيرة شاعر» سنة 1966 لينتقل بعد ذلك صحبة المخرجين محمد عبد الرحمن التازي وعبد المجيد ارشيش إلى إنجاز شريط قصير آخر«6،12» عن مدينة الدار البيضاء. فمن خلال الطريقة الخاصّة في المونتاج وعبر توظيف الصورة لوحدها، استطاع أحمد البوعناني كشف حجم التناقضات الصارخة في تلك الحقبة من الزمن بين مظاهر الحداثة والتقليد من جهة ومظاهر الهجرة القروية المكثفة من جهة أخرى. الفيلم الوثائقي «الذاكرة 14» سنة 1970 المأخوذ من مشاهد من أشرطة استعمارية فرنسية قديمة، وعلى طريقة المخرج الروسي الشهير سيرغي إيزانشتاين في المونتاج الذهني، حاول فيه أحمد البوعناني تجاوز الصورة النمطية التي تقدمها السينما الاستعمارية عن المغرب في ثنائية التقليدي المتخلف والعصري المتقدم إلى المغرب الفخور بهويته الذي يسعى إلى أن يتحرر من سلطة الاحتلال الفرنسي. لقد أراد أحمد البوعناني أن يكتب على مستوى السينما تاريخ الحقبة الاستعمارية على غرار ما قام به السينمائيون في الجزائر وتونس، لكنّ الإمكانيات كانت تعوزه فلجأ إلى هذه الوسيلة المبتكرة بالاستعانة بالأفلام الاستعمارية الفرنسية ذات الطابع الدعائي ليخلق من خلال المونتاج إعادة تشكيل لها من جديد أي تحويلها إلى سينما مضادة تفضح واقع الاستعمار والجانب الآخر لهذه المرحلة التاريخية. فيلم «ذاكرة 14»، رغم طابعه الوثائقي والموجّه إلى جمهور ذي ثقافة سينمائية متمرسة، كان دافعا للمخرجين المغاربة بضرورة الاشتغال على التاريخ باعتباره موضوعا يشكل أكبر التحديات في الفن السينمائي.

    في سنة 1979 سيخرج تحفته السينمائية بالأبيض والأسود «السراب»، حيث تعود أحداث الشريط إلى سنوات الاستعمار، ومن خلال أداء الممثل محمد حبشي وتوظيف المخرج لتقنيات المونتاج والإضاءة وتأطير المشاهد وزوايا التصوير والتركيز على جمالية الصورة، جعله من أهمّ الأفلام المؤسسة للسينما المغربية. ساهم أحمد البوعناني، بالإضافة إلى ذلك، في الكثير من الأفلام، مثل «وشمة» لحميد بناني و«ليام أليام» لمحمد المعنوني… فكان طيلة هذا المسار شاعرا وروائيا يمثل نموذجا للمبدع العابر من الأدب إلى السينما، يتبنى سينما مختلفة تبرز فيها شخصية المؤلف أكثر منها مخرجا سينمائيا.

    أكيرا كوروساوا.. رسّام برداء سينمائيّ

    المخرج الياباني أكيرا كوروساوا (1910-1998)Akira Kurosawa، أحد أكبر السينمائيين الذي تفرّد بأسلوبه الخاص سواء في موضوعاته أو أشكاله الفنية المبتدعة من خلال العديد من الأفلام التي نالت شهرة فائقة وتأثيرا واسعا عبر العالم، من أشهرها «راشمون» و«الساموراي السبعة» وغيرها من الأفلام المؤثرة… كان من أهم المخرجين المنتمين للمدرسة الواقعية في السينما اليابانية، حيث قدم صورة بانورامية لليابان المعاصرة بعد الحرب، وخاصة تعرضها للهزيمة التي أذلت الكبرياء العميق للشعب الياباني.

    كان اهتمام كوروساوا متعددا من أفلام معاصرة تتناول الأحداث الاجتماعية الراهنة إلى أفلام تاريخية مستمدة من التاريخ الياباني، أو أفلام ذات صبغة أدبية يغلب عليها الاقتباس من أعمال أدبية للكتاب المشهورين، مثل غوركي ودوستويفسكي وشكسبير. ورغم تمسكه الشديد بالهوية اليابانية في جلّ أعماله وشهرته العالمية، اعتبر في بلده مخرجا يابانيا ذا ميول غربية قليل التأثير في الحركة السينمائية داخل بلاده إلى درجة عدم قدرته على إيجاد تمويل لإنتاج أفلامه، ما دفعه إلى الإقدام على الانتحار سنة 1970.

    لم يكن كوروساوا مؤثرا فقط بأسلوبه السينمائي الفريد على كبار المخرجين العالميين، بل كان مصدرا قويا لاقتباس أعماله شكلا ومضمونا. لقد كان كوروساوا رساما قبل أن يكون مخرجا سينمائيا، إذ كانت معظم أعماله عبارة عن لوحات تشكيلية بديعة. لكن فيلمه «ديرسو أوزالا» سنة 1975، الذي نال عنه جائزة المهرجان الدولي في موسكو وجائزة الأوسكار لأفضل فيلم باللغة الأجنبية، شكّل مرحلة مهمة في مساره السينمائي واعتبر درسا في الإخراج السينمائي وعصارة أسلوبه المرتبط بشخصيته ومواقفه الفكرية والجمالية. فيلم «ديرسو أوزالا» أتى في مرحلة كان فيها أكيرا كوروساوا يعيش صعوبات مادية وصحية في إنتاج فيلم جديد قادته إلى الإقدام على محاولة انتحار فاشلة، وبالصدفة تلقى عرضا من الاتحاد السوفياتي لإخراج فيلم تقوم أستوديوهاتها بإنتاجه، فعرض عليهم كوروساوا فيلم «ديرسو أوزالا» المستوحى من سيرة ذاتية للمستكشف الروسي فلاديمير أرسينييف تحكي مغامراته في سيبيريا، وفكرة الفيلم قديمة لدى كوروساوا منذ سنة 1930 لكنّه لم يستطع إنجازها. «ديرسو أوزالا» اسم لشخص حقيقي التقى به المستكشف والطوبوغرافي الروسي فلاديمير ارسينييف مع فرقة من الجنود في إحدى براري سيبيريا واتّخذه دليلا له. كان ديرسو عجوزا يعيش في هذه البراري وحيدا وعالما بأسرارها وخباياها، في البداية اعتبروه شخصا غريب الأطوار وساذجا قليل الذكاء لكنّ الأحداث ستظهر حدّة ذكائه الفطري رغم بساطته وطبعه المتحفظ. استطاع ديرسو أوزالا أن يبرز مدى فهمه العميق للطبيعة المحيطة مكنته من إنقاذ ارسينييف مرات عديدة من الموت المحقق، لذلك كان يتحدث إلى عناصر الطبيعة كالماء والنار والمطر… كبشر حقيقيين، وفي الوقت نفسه يعبر، من خلال سلوكه، عن إنسانيته فهو يترك بقايا المؤونة وراءه علّها تسعف عابرا أو تائها في هذه البراري الموحشة. استطاع كيروساوا، كما لم يفعل غيره، أن يصور هيبة الطبيعة وأن يقدم دروسا أخلاقية من خلال العجوز ديرسو أوزالا الذي بدا حكيما متوحدا مع الطبيعة البرية رغم توحشها وخطورتها، فهو بحق فيلم يمجّد روح الصداقة الإنسانية التي جمعت ديرسو أوزالا وارسينييف في مشاهد شاعرية تنضح بروح البراءة والصفاء في علاقة الإنسان بالإنسان وعلاقة الإنسان بالطبيعة.

    إقرأ الخبر من مصدره